التخصص الجامعي بين مطرقة التقاليد وحرية الريادة

التخصص الجامعي بين مطرقة التقاليد وحرية الريادة

العربية فارسی كوردی‎ עִבְרִית Türkçe Français Deutsch Italiano Español English
شبكة فرح الاعلامية:

بقلم : د. مها علي أبو عين

تلقيت طلبا للمساعدة في استشارة والبت بأمر أكاديمي ضروري بالنسبة لاحدى قريباتي التي ترغب بالتسجيل في الجامعة وتواجه مزيدا من التردد في اختيار وتحديد التخصص. أأختار الترجمة أم الحقوق ؟ وكيف كانت تجربتك لحظة تخرجك ؟ وهل يمكن ان استفيد منها ؟.
أسئلة اسعدتني جدا وأعادتني الى الوراء الى سنوات جميلة وكأني سأقدم من جديد على هذه اللحظة الحاسمة . ولكني لم أشعر بالفرح الحقيقي لهذا “التخبط” والتردد في الاختيار الذي راود قريبتي حتى بعد ان عرضت عليها رأيي الخاص !. ترى لماذا كل هذا الوقت المهدور في اتخاذ القرار وما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل أبناؤنا وبناتنا الطلبة قلقين غير منجزين وغير واثقين بالقرار والحسم ؟ لماذا دائما أول ما يهم المجتمع والأهل المعدل العام والأرقام ليتحدد معه مستقبل بأكمله ومصير أجيال ! لماذا نركز على اتجاهين معينين فقط الفرعين الأدبي والعلمي دون أن نعير الفروع الأخرى أي اهتمام الا ما ندر . ولماذا من يختار الصناعة والزراعة والبيطرة والسكرتارية هم دائما من الطبقات الدنيا من الطلبة وكأنهم عار على أنفسهم والمجتمع !..أسئلة كثيرة جدا لا تنتهي حلقاتها المفرغة لتتفاقم معها أزمات نفسية اجتماعية أكاديمية تطول الى ما لا نهاية !
لماذا لم تقترح قريبتي دراسة البيطرة او هندسة البيئة او البرمجة الخاصة بالموبايل او الكمبيوتر او الأقمار الاصطناعية خاصة وان عالمنا بما فيه مجتمعنا الفلسطيني يشهد مزيدا من المشاكل والمظاهر البيئية الجديدة والمتجددة تواكب طفرة تكنولوجية أفرزت عالما خاصا بالهواتف النقالة ومواقع وبرامج الحاسوب و”الانترنت” يقبل عليها ملايين البشر في العالم لدرجة الادمان .
أسأل نفسي دائما لماذا نحن مستهلكون في التعليم “روتينيون ” وتقليديون حتى النخاع في نجاحنا قبل فشلنا ولماذا لا نتوج سعادتنا بانتصار جديد له نكهته الخاصة بالتميز وطبعته الريادية. هل هي أسباب فردية أم جماعية أم تربوية أم أكاديمية ؟ . عادة يربط أطباء علم النفس التردد في اتخاذ القرار بعيوب ومشاكل في الشخصية عموما يصاحبها أمراض نفسية تعكس ذاتها على مجتمع بأكمله ستسوده الفوضى جراء عدم الحسم وستتاّكل مؤسساته من عدم التحديث والتغيير وستهتز أصرحته العلمية الأكاديمية التي لا تجاري متطلبات ومواصفات التعليم العصري .
اذن كلنا نعاني نفسيا، الكبير قبل الصغير،المتعلم قبل غير المتعلم ، الأستاذ قبل التلميذ ، المتخصص ذو الخبرة قبل غير المتخصص . لاننا كلنا ما زلنا نتردد في اتخاذ القرار المناسب الموافق لرغباتنا الشخصية “البحتة” واحتياجات مجتمعنا الاّنية . ما زالت تحكمنا الشكليات والمظاهر والجاه والمادة متجاهلين الابتكار والتمرد والاصرار على ترسيم قرارات جديدة تدعم شخصية الطلبة قبل ان تستنزف طاقاتهم وعقولهم بتخصصات لا فائدة منها لهم وللمجتمع على حد سواء .
نعم فالتعليم الحقيقي غزوة حقيقية تحتاج منا مزيدا من الحصانة والتمكن وامتلاك ادوات واسلحة ترفد تربيتنا ومبادئنا بصور جديدة من الخبرة والبحث عن تعزيز وتثبيت قواعد مجتمعية تؤمن بالتعليم العملي التطبيقي لسان حال الرقي والتقدم بعيدا عن أي نظريات كلاسيكية لا تؤدي بنا الا الى طريق مسدود تكثر معه تخصصات أشبع معها المجتمع ومن كثرة الاشباع لم يعد يطيق أي اعداد جديدة وتزداد معه نسبة البطالة واللا توظيف مع تفاقم الأرقام القياسية في الفقر والجهل، لنصل في النهاية الى اكتفاء ذاتي في التعليم ولكنه بالاتجاه السلبي !
معروف عنا كفلسطينيين داخل الوطن وخارجه بأننا رافعو ومنفذو راية التعليم للاناث والذكور نؤمن برسالة سامية واعتبارات سماوية بأهمية العلم وتقديره للانسانية ترفع بنا لدرجات عالية ومراكز مجتمعية مرموقة تضيف الينا مزيدا من الاحترام وتكسبنا أساليب حياة علمية وعملية ناجحة تدفع بنا الى حياة أفضل وتعليم أسهل . لماذا لا نحافظ على مراتبنا بالسبق والتحضر بكل بساطة بعيدا عن أي تعقيدات “حنبلية ” او أي تشنجات قبلية في التعليم قد تعود بنا الى الوراء وتقضي على كل ما أنجزناه من تطور ملحوظ ومسبوق في مسيرتنا العلمية وتهمش ما نقوم به من ادوار رئيسة ومهمة لا تفرق بين الافراد الا بالذكاء والابداع والذات المتعلمة السوية .
اذا اردنا ان يمتهن طلبتنا الذكور الطب والهندسة فقط وطلبتا الاناث التدريس حسب المفاهيم الثقافية الاجتماعية السائدة، نكون قد دفعنا أنفسنا الى التهلكة وطلبتنا الى الاحباط ومزيد من الاّهات والمشاكل والامراض النفسية التي لا علاج لها حتى وان امتلكنا وامتلكوا مزيدا من الشهادات الكمية فقط التي لا تؤول الا الى مواجهات مستمرة تبدأ من جيب الخريج او الخريجة وتنتهي بسوق البطالة الذي يعاني كثرة الاطباء والمهندسين والمدرّسات .
فرحت جدا من ان قريبتي لم تسألني عن اختيارها مهنة التدريس، فهذا يعكس وعيا مجتمعيا معينا اصبحنا نشهده في مجتمعنا الفلسطيني والذي بدوره ينفي الدور التقليدي النمطي للفتاة . ولا سيما انها اقتنعت بتخصص دبلوم لصيانة الهاتف المحمول لندرته وتميزه عن باقي خياراتها التي تجابه نسبة كبيرة من عدد الخرّيجات .

اطبع هذا المقال