
لم تعد الملوخية في قطاع غزة مجرد صنف غذائي يتصدر الموائد الفلسطينية، بل تحولت في ظل الحرب المستمرة والحصار الخانق إلى وسيلة مبتكرة لمواجهة شح التبغ. حيث بدأ المدخنون في القطاع بالاعتماد على أوراقها المجففة والمطحونة كبديل للسجائر التقليدية التي اختفت من الأسواق أو ارتفعت أسعارها بشكل خيالي.
وتشير المصادر الميدانية إلى أن سعر السيجارة الواحدة قفز من شيكل واحد قبل الحرب ليصل إلى نحو أربعين ضعفاً، مما جعل الحصول على التبغ المستورد ضرباً من المستحيل لغالبية السكان. هذا الواقع دفع الباعة والنازحين للبحث عن بدائل عشبية لسد حاجة المدخنين الذين يعانون من ضغوط نفسية هائلة جراء القصف المستمر.
في أزقة مدينة غزة وبين خيام النازحين، ينتشر باعة متجولون يقومون بخلط أوراق الملوخية المفتتة بسائل يُفترض أنه نيكوتين مركز. يتم رج الخليط جيداً داخل أكياس بلاستيكية صغيرة حتى يتشبع باللون الأخضر، ثم يُلف يدوياً في أوراق رقيقة ليباع كمنتج محلي الصنع للزبائن الباحثين عن أي بديل للتبغ.
يقول أحد الباعة، ويدعى أبو يحيى إن هذه السجائر ليست بديلاً حقيقياً من حيث التأثير أو المذاق، لكنها خيار اضطراري فرضته الظروف القاسية. وأوضح أن غياب السجائر المستوردة تماماً هو ما دفع الناس للإقبال على هذه الأعشاب المطعمة بالنيكوتين، رغم إدراكهم لفرق الجودة الكبير.
من جانبه، يرى البائع محمد حلس أن انتشار هذه الظاهرة ليس ترفاً بل ضرورة ملحة فرضها انقطاع الإمدادات الأساسية عن القطاع. وأكد أنه في حال توفرت السجائر العادية بأسعار معقولة، فإن أحداً لن يفكر في اللجوء إلى تدخين الملوخية أو غيرها من الأعشاب التي تفتقر للمعايير الصحية.
وتواجه الزراعة في غزة تحديات جسيمة، حيث تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن 4% فقط من الأراضي لا تزال صالحة للزراعة. هذا النقص الحاد في المساحات الخضراء جعل حتى البدائل العشبية مثل الملوخية والخروع صعبة المنال في كثير من الأحيان، مما يزيد من تعقيد المشهد المعيشي.
لو وضعوا سماً سندخنه، فلا حياة ولا مستقبل نخشى على صحتنا في ظل هذه الظروف.
وتتصاعد المخاوف الصحية بين الأطباء والمواطنين على حد سواء بشأن طبيعة المواد المضافة لهذه السجائر اليدوية. ويشير مواطنون إلى أن السوائل المستخدمة قد لا تكون نيكوتيناً نقياً، بل ربما تكون خليطاً من مواد كيميائية مجهولة أو حتى مبيدات حشرية تُستخدم لتعزيز التأثير المخدر للسيجارة.
ويعبر وليد النعيزي عن قلقه من أن هذه الأعشاب، ومنها أوراق الخروع، قد تحتوي على مواد سامة تضر بالجهاز التنفسي بشكل يفوق أضرار التبغ العادي. ومع ذلك، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للمخاطرة بصحتهم في سبيل الحصول على لحظة من الهدوء النفسي وسط ركام المنازل المدمرة.
أبو محمد صقر، الذي يدخن منذ عقود، يصف حالته باليأس المطلق، مؤكداً أنه لا يكترث بالمخاطر الصحية في ظل انعدام الأمان والمستقبل. وبالنسبة له، فإن تدخين الملوخية هو مجرد محاولة لنفث الدخان والتنفيس عن الغضب المكبوت، حتى لو كان المذاق سيئاً ولا يشبه التبغ في شيء.
وفي مخيمات خان يونس، تروي نيفين سمير تجربتها مع هذا البديل المر، حيث اضطرت لتقليص استهلاكها من علبة كاملة يومياً إلى بضع سجائر يدوية الصنع. وتصف نيفين الرائحة والمذاق بالسيئين جداً، لكنها تعتبرها وسيلة لمرافقة فنجان القهوة الصباحي الذي فقد هو الآخر جودته المعهودة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت تستمر فيه الانتهاكات الإسرائيلية رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ أكتوبر الماضي. هذه الظروف الأمنية المتردية تجعل من الصعب على السكان التفكير في الإقلاع عن التدخين أو البحث عن حياة صحية.
ويبقى مشهد بائعي ‘سجائر الملوخية’ فوق أنقاض المباني دليلاً صارخاً على قدرة الغزيين على ابتكار وسائل للبقاء، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. إنها قصة شعب يحاول التأقلم مع أقسى أنواع الحصار، حيث تتحول أبسط النباتات إلى أدوات لمواجهة واقع الحرب المرير.