لم يعد الحديث في إسرائيل عن إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد شعار انتخابي يرفعه اليمين المتطرف في مواسم التحريض، بل أخذ يتقدم سريعاً نحو التحول إلى سياسة رسمية ، فالمشروع الذي ظل لسنوات حبيس النقاشات البرلمانية عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، في ظل مناخ سياسي مشحون بالانتقام، وتحت عنوان تشريع ما يسمى “قانون إعدام الأسرى” ، وفي الوقت ذاته تتحدث تقارير عن استعدادات داخل مصلحة السجون الإسرائيلية وتجهيز ساحات خاصة لتنفيذ أحكام الإعدام، وكأن المشهد يُعاد ترتيبه ليصبح الإعدام أداة جديدة في إدارة الصراع.
هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في خطاب الكراهية والتحريض داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد تحولت فكرة الإعدام من مطلب هامشي لدى التيارات الأكثر تطرفاً إلى مشروع قانون يحظى بدعم سياسي متزايد داخل الحكومة والكنيست، في محاولة لتقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره وسيلة للردع والانتقام معاً.
لكن في الحقيقة، فإن إدخال عقوبة الإعدام إلى ملف الأسرى الفلسطينيين يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد تعديل قانوني، فهو يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد تكتفي فيها بالسجن المؤبد أو الاعتقال الإداري أو تشديد ظروف الأسر، بل تم تحويل السجون نفسها إلى ساحات موت ، وفي ذلك رسالة واضحة بأن المؤسسة السياسية الإسرائيلية باتت ترى في حياة الأسرى مجرد ورقة أخرى في معادلة القوة.
فقد استشهد العديد من الاسرى في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب والاهمال الطبي في الفترة الأخيرة، لكن ذلك لم يعد كافيا بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف والذي يرى في الإعدام تعبيراً عن “الردع المطلق”، فيما يتجاهل أن هذه الخطوة قد تفتح باباً واسعاً لتصعيد غير مسبوق في الصراع، فالأسرى في الوعي الفلسطيني ليسوا مجرد معتقلين جنائيين كما تحاول إسرائيل تصويرهم، بل يمثلون رمزاً للنضال الوطني وذاكرة جماعية حاضرة في كل بيت فلسطيني تقريباً.
لذلك فإن تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى لن يُقرأ فلسطينياً كإجراء قانوني، بل كإعلان حرب على الحركة الأسيرة بأكملها، وسيعني عملياً إدخال الصراع إلى مرحلة جديدة تتجاوز حدود السجون إلى الشارع الفلسطيني والإقليم كله، لأن المساس بحياة الأسرى يحمل حساسية استثنائية في الوجدان الفلسطيني.
كما أن إقرار هذا القانون سيضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والمنظمات الحقوقية، إذ إن محاكمة الفلسطينيين تتم في الغالب أمام محاكم عسكرية تفتقر إلى أبسط معايير العدالة التي ينص عليها القانون الدولي، ما يجعل إصدار أحكام إعدام في مثل هذه الظروف قضية شديدة الخطورة على المستوى القانوني والإنساني.
في النهاية، قد تظن الحكومة الإسرائيلية أن المشانق قادرة على فرض الردع وكسر إرادة شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود ، لكن تاريخ الصراع في فلسطين يقول شيئاً مختلفاً تماماً، فالسجون لم تُنهِ المقاومة، والاغتيالات لم تُطفئ فكرة الحرية، والمشانق نفسها لم تكن يوماً نهاية الحكاية، بل كثيراً ما تحولت إلى بداية فصل جديد أكثر اشدتعالاً في تاريخ الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها.
إسماعيل جمعة الريماوي
شبكة فرح الاعلامية:

