لميس الأسطل- تجلس الشابة ريم أبو ختلة في زاوية خيمتها؛ لتشاهد صور الأطفال على هاتفها، لتتسلل منها دموع صامتة على وجنتيها، تغطيها بابتسامة مقهورة على شفتيها بعد أن سلبها العدوان الإسرائيلي على قطاغ غزة بذرة أمل كادت أن تزرع داخل رحمها بعد تخصيبه؛ لتنبت منه طفلا يناديها “ماما”، بإغلاق المعابر وحرمانها من السفر للعلاج.
راودت أبو ختلة، البالغة من العمر 33 عاما، من محافظة خان يونس أحلام الأمومة منذ صغرها، متمنية حمل طفل بين أحشائها، ووهبه نبضا وحياة تحاول فيها قدر المستطاع رسم البسمة على وجهه وتلبية احتياجاته ومطالبه، لكن القدر كان له رأي آخر.
تقول: “تزوجت منذ خمسة أعوام، ولكن حرمنا أنا وزوجي من إنجاب الأطفال لمشاكل صحية؛ فبعد ستة أشهر توجهنا إلى الأطباء في قطاع غزة، وجميعهم أفادونا بعدم قدرتنا على الإنجاب إلا عبر زراعة طفل أنابيب”.
وتضيف أبو ختلة: “بعد فترة كبيرة من محاولاتنا بأخذ العلاج والأدوية والإبر الطبية، أجرينا العملية الأولى لزراعة طفل إلا أنها باءت بالفشل؛ فتأثرت نفسيا، وشعرت بالحزن الشديد، وبقي قلبي مكسورا حتى اللحظة؛ فتوجهت لأخذ مهدئات ومسكنات للقلق والتوتر؛ حتى أستطيع النوم”.
وتستكمل بصوت مرتجف: “لم أيأس وزوجي من هذا الأمر؛ فقمنا بادخار المال اللازم مرة أخرى، وبعت قطع الذهب الخاصة بي للسفر إلى مصر؛ للحصول على العلاج اللازم وزراعة طفل الأنابيب، وبعد استكمال كافة الإجراءات اللازمة وإدراج اسمينا على قائمة المسافرين في الثامن من أكتوبر عام 2023 طرقت الحرب أبوابها في اليوم السابق، فأغلقت نافذة الأمل لدينا”.
وتوضح أبو ختلة: “حرمني الاحتلال الإسرائيلي من أسمى حقوقي كامرأة “الأمومة”، فدوما ما أنظر إلى الأطفال من حولي وغيري من النساء الحوامل نظرة حسرة وألم، متحسسة بطني باستمرار، مغلقة عيني لأشعر باحتضان صغاري لي من حولي في مخيلتي”.
وتشير والدموع تنهمر من عينيها: “قلبي متعلق بالأطفال بصورة كبيرة؛ فأحنو عليهم وأحتضنهم بحب كبير، ولكن نظرة المجتمع لنا وصمة عار لعدم قدرتنا على الإنجاب، الأمر الذي يجعلني أتجنب الجلوس مع الناس، مكتفية بالانطواء على نفسي، محدثة ذاتي بكرم الله وإذا ما أعطى أدهشنا بعطائه”.
وتستكمل أبو ختلة حديثها قائلة: “خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حاولنا الذهاب إلى النقاط الطبية، لكن دون جدوى؛ فلم يكن هناك أي نوع من أنواع العلاج المتوافر، حتى أنني لجأت للعلاج العربي وقامت الطبيبة بإعطائي وصفة معينة، لكن مكوناتها لم تكن متوافرة وإن توافرت فبأسعار باهظة”.
وتتابع: “شعرت بغصة كبيرة في إحدى المرات، عندما جاءت مبادرة لتوزيع الخضراوات على العائلات في مخيمنا للنازحين، وعندما أظهرت لهم هويتي، اعتذروا مني قائلين إنه ليس لدينا أطفال، وبالتالي لا نعتبر عائلة، فلم يكن لنا نصيب منها”.
وتلفت أبو ختلة إلى أنها كانت دوما تبتاع الكثير من ملابس الأطفال وترتبها داخل خزانتها، متخيلة ابنها أنس؛ نسبة إلى خادم رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم-، وابنتها ماريا؛ نسبة إلى زوجته، يرتديانها وهما بين أحضانها.
وتصف إحساسها قائلة: “أشعر بسعادة لا مثيل لها تغمرني عندما أتخيل نفسي وأنا أشتم رائحة أطفالي، لكن سرعان ما تتحول هذه الرائحة إلى رائحة دخان إثر حرق مشاعري”.
وتروي أبو ختلة أنها رغم معاناتها وألمها الكبير إلا أنها تدعم النساء ممن حولها صاحبات القضية نفسها، مؤكدة دور الكلمة الطيبة في الدعم النفسي لهن، وعلى دعم زوجها لها ومساندتها في كافة الأوقات وتمسكها به رغم كل ما يقال.
وتختتم حديثها قائلة: “أرجو من جميع المنظمات الطبية والإنسانية مساعدتي في جعل حلم الأمومة لا يندثر، بعد أن تحولت أوراقنا الطبية إلى أرشيف من الأحلام المؤجلة”.

