تعلن رواية “أحزان وحيد القرن” للكاتب الأردني موسى برهومة (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) منذ عتباتها الأولى عن تمرد صريح على المعمار الكلاسيكي للحكاية؛ فالنص لا ينشغل بتقديم حبكة تقليدية تنمو عضويا نحو ذروة وانفراج، بل يؤسس وجوده على تقويض فكرة المركز واغتيال الإيهام المرجعي بالواقع.
ينطلق السرد من مشهد اقتحام الشرطة لغرفة نوم “بطل” مسجى في سريره يرتدي قميصا يحمل عبارة بالغة السخرية:
هذه البداية لا تدشن لغزا بوليسيا بالمعنى المعياري، بل تصنع فجوة وجودية تسائل يقين الموت والحياة حين يصرخ المنقذون بذهول: “إنتا صاحي.. إنتا مش ميت”؛ لتتحول الحادثة من واقعة مادية إلى شرارة لتحريك تداعيات كائن منسحب، يرى في العزلة خياره الوجودي لا منفاه القسري.
يمارس النص لعبة “الميتاقص” بوعي حاد ومستمر، حيث ينخرط برهومة في تعرية آليات الصنعة الروائية والتواطؤ مع القارئ ضد سلطة النقاد، إذ يوقف السارد تدفق الحكاية ليفكك اختياره للضمير النحوي قائلا: “سيأتي ناقد، ربما، فيقول إن كاتب هذه السطور، عديمة القيمة، اختار اللجوء إلى ضمير الـ”هو” الغائب، وليس ضمير الـ “أنا” المتحدث… وقد اختارها الكاتب بالصدفة”.
ولا يتوقف هتك الصنعة عند حدود الضمير، بل يمتد إلى اعتباطية تسمية الشخوص وتنكيرها، حيث يسقط أسماء مثل “سامي” أو “كامل” ليعتمد لقبا تهكميا يقطع به الطريق على التفسيرات الجاهزة: “خلص: لنعتمد “وحيد القرن”. . معذرة أصدقائي النقاد!”.
إن هذا الإجراء الميتاقصي ينزع عن الشخصية هالتها الملحمية، ويحولها إلى كائن ورقي شاحب يعي تماما أنه مجرد حبر يراق لمقاومة التلاشي.
تتجلى ما بعد الحداثة أيضا في تفكيك مركزية البلاغة الكلاسيكية واللجوء إلى المحاكاة الساخرة (الباروديا)، إذ يستحضر النص قصيدة الشاعر ابن سودون ليحتفي بالتقريرية المفرطة كشكل من أشكال التمرد اللغوي: “الأرض أرض والسماء سماء/ والماء ماء والهواء هواء”، متسائلا بنزق نقدي: “ما ضير الشاعر لو قال: الماء ماء؟ أليس في التصريح عن الأشياء، بشكل عار من الاستعارات والتشابيه، بلاغة تفوق قوله، مثلا: الماء فضة، والسماء خيمة زرقاء؟”.
إن السخرية من المجاز البلاغي هنا ليست عجزا لغويا، بل احتجاج على التنميق الذي يزيف العالم، واحتفاء بجماليات الهشاشة؛ فالكتابة عند وحيد القرن لا تنشد البناء الصرحي، بل تقيم معمارها الخاص على الضعف الإنساني العاري والتشظي الصادق.
يبلغ تفكيك الذات في النص أقصى درجات التوتر عبر تشريح ثنائية الجسد والذاكرة، حيث يتحول شبح “ألزهايمر” إلى التهديد الأنطولوجي الأكبر لمركزية الأنا ووعيها بنفسها، فالسارد لا يتعامل مع النسيان كعارض مرضي محايد، بل بوصفه “وحش التصحر” الذي ينشب مخالبه في جسد الذكريات، محدثا انهيارا في تعريف الكائن لذاته وانزلاق الحروف نحو جن اللامعنى.
وهنا تصبح الكتابة استراتيجية دفاعية مفارقة؛ فالراوي يكتب ليمارس تفريغا استباقيا للذاكرة: “وليس من سبيل أمامه إلا الاعتصام بالذاكرة وإفراغها، حتى إذا هجم النسيان لا يجد ما يسلبه أو يقتات عليه”.
إنها حيلة ماكرة تلجأ إلى المحو الذاتي والتنازل الإرادي عن المحتوى الذهني، في محاولة يائسة لسلب المرض نشوة التدمير، متوسلا التوثيق وسيلة لإعلان الإفلاس قبل وقوع السطو؛ فإذا كان المحو قادما لا محالة، فإن الكتابة لا تطمح هنا إلى الخلود كما تتوهم السرديات الكلاسيكية، بل تغدو عملا مضادا يحرق البيت بوعي قبل أن ينهبه اللصوص.
تتعمق هذه الرؤية التفكيكية عبر استدعاء مرجعيات سينمائية تجسد خيانة الجسد وانكماش الذاكرة كمأتم للذات والوجود، وهو استدعاء يتجاوز الاستشهاد الجمالي العابر ليمارس هدما صريحا للأنا المفكرة ومركزيتها.
ويقف السارد مذهولا أمام مشهد بكاء أنتوني هوبكينز في فيلم “الأب” (The Father) حين يسأل الممرضة بضياع طفولي: “من أكون بالضبط؟” مسترجعا أمه كحصن أخير بعد أن شعر بأنه فقد أوراقه كلها، مستعيرا رماد الأغصان والريح والمطر ليعبر عن سقوط الشجرة المعرفية بكاملها.
إن هذا النكوص يبلغ منتهاه في صراخه: “أمي، أريد أمي”؛ حيث يعود الكائن في حركة دائرية مروعة إلى الصفر الأنطولوجي، إلى ما قبل تشكل اللغة والهوية، كأن النسيان يجرف كل ما شيده الوعي ويعيد الإنسان إلى رحم العجز البدائي الأول.
تكتمل مأساة الأنا المفكرة و/أو العاقلة (الكوجيتو) حين يستحضر النص شخصية جوليان مور في فيلم “ما أزال أليس”؛ فاختيار عالمة لسانيات كرست حياتها لدراسة اللغة يكشف هشاشة البنية الرمزية التي يتأسس عليها الوجود البشري، فحين تنهار اللغة تفقد الذات أداتها الوحيدة لإنتاج المعنى وإدراك العالم، ليحل محلها السقوط المدوي في عجز بيولوجي فاضح تجسده الرواية في المشهد الجارح، حين تتبول “البطلة” على نفسها.
في هذه اللحظة، يسقط وهم السيادة الفردية والاستقلال الذي شيدته الحداثة؛ فالجسد الذي أنفق العمر في تجميله وترويضه يرتد فجأة بوصفه “الآخر” المتمرد الذي يفضح هشاشة السيطرة على العالم، معلنا خيانته المطلقة وتهاوي القناع الاجتماعي في مستنقع التبدد.
وتتجلى مفارقة إضافية في كون هذا الرعب لا يتفجر من تجربة سريرية معاشة، بل من وسائطية الفرجة السينمائية؛ حيث تصبح الصورة التخييلية على الشاشة هي المحفز للذعر الوجودي والمرآة التي يرى فيها وحيد القرن مصيره المحدق.
وعلى صعيد المعجم والنسيج النصي، يقيم العمل كولاجا هجينا يذيب التراتبية الصارمة بين الثقافة النخبوية واليومي الاستهلاكي، حيث تتجاور في فضاء الرواية إحالات فكرية عميقة لسقراط وديوجين وغوته وفاوست وأورويل، إلى جانب تفاصيل استهلاكية معاصرة كأفلام نتفليكس، ومباريات ليفربول، والذكاء الاصطناعي التوليدي عبر (ChatGPT)، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومقاطع اليوتيوب، بل حتى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى حول الوجود والمصير لا تجد صياغتها لدى نيتشه أو هايدغر، بل يفككها السارد عبر أغنية محمد عبد الوهاب: “جايين الدنيا ما نعرف ليه ولا رايحين فين… ما دام الموسيقار لا يعرف الإجابة، فعلام كل هذه الحيرة؟”، وهذا التهجين المعرفي يمنح النص طابعا سيالا، يسوي بين المأساة الفلسفية وتفاهة القلق اليومي الناتج عن أصوات طحن “البوب كورن” (الفشار) داخل قاعات السينما المعتمة.
وتتمدد الرؤية ما بعد الحداثية في الرواية لتصنع قطيعة تامة مع السرديات الكبرى؛ فالنص يرتاب بعنف من خطابات التضامن الاجتماعي الزائفة، ويسخر بضراوة من الرأسمالية المعاصرة المتمثلة في أدبيات “تطوير الذات” ومدربي الطاقة والامتنان، إذ يصف السارد هؤلاء الدعاة الجدد بأنهم “مجرد حفنة من أصحاب المال والجاه والنفوذ… يبيعون البشر المساكين الكلمات المنمقة عن التحمل والإصرار”، متسائلا بحنق وجودي: “كيف للمرء أن يفكر بإيجابية وهو يعيش بخوف من حاضره وقلق على مستقبله؟”، فالنص هنا يرفض تحويل الإنسان إلى روبوت متفائل لا يملك حق الانكسار، مؤكدا أن الألم حقيقة مادية لا يمكن طمسها بالوصفات الخلبية للنجاح.
يكشف النص عن نزوع حاد نحو استبدال الواقع الخام ببدائل رقمية مطواعة؛ حيث تمارس الحياة عبر شاشات تعزل الذات عن صخب العالم المادي وتمنحها وهما بالسيطرة. فالمطر لا يعاش حسيا، بل يستجلب عبر “مطر افتراضي ينهمر بضراوة على شاشة التلفاز المتصل باليوتيوب”، وغياب العصافير الحية يعوض بأصوات مسجلة تستدعى بنقرة زر كلما تاقت النفس للهدوء، وهكذا تنتفي قيمة الأصل لصالح النسخة المصنوعة؛ فالواقع المباشر مصدر أذى وإرباك، بينما تمنح العوالم الافتراضية طمأنينة معقمة تناسب كائنا قرر تسييج عزلته ضد مباغتات الحياة.
وتبلغ الممارسة ما بعد الحداثية في الرواية ذروتها في الإصرار على رفض الإغلاق الدلالي وتكريس مبدأ “الكمال نقصان” كبيان ختامي للنص، إذ يرفض الراوي كشف الحقيقة وراء قدوم الشرطة والإسعاف إلى بيته في التاسع من آب عام 2020، قاطعا العهد مع القارئ: “بين عزمي الوفاء بوعدي أن أروي لكم ما جرى… وبين أن أترك لكم فسحة الخيال، اخترت المسار الثاني… لا أريد للحكاية أن تكتمل، لا أريد للراوي العليم، أو السارد العارف أن يتدخل. باختصار، عدلت عن السرد الدائري”.
ويستعير النص صورة “حمالة المفاتيح” المعدنية ذات الحلقة غير المكتملة؛ فلو أغلقت تماما لما أدت وظيفتها ولأصبحت خاتما ميتا، وهكذا تظل رواية “أحزان وحيد القرن” نصا يرفض الاستكانة لليقين، ويحتفي بالنتوء والتشظي، تاركا معناه معلقا في أفق القراءة ومفتوحا على احتمالات لا تنتهي.
———–
* كاتبة وناقدة ومترجمة فلسطينية إيرلندية مقيمة في دبلن.

