1

“الأهرام” .. سيرة جنين المُصوّرة منذ 75 عامًا

 عبد الباسط خلف- تعلّم عبد الفتاح محمد جرار فنون التصوير في حيفا قبل نكبتها، وتتلمذ على يد المصور الأرمني باربيان، ثم التحق بفريق الكشافة عام 1938 بالمدينة الساحلية، وعاد لجنين ليدشن ستوديو الأهرام للتصوير فيها عام 1949، ليصبح الأول شمال الضفة الغربية.

اختار المرحوم جرار، حسب ابنه محمد الذي ورث المهنة، اسم الأهرام، فقد كان يسافر كثيرا إلى مصر وزار عجائبها، وقرر ربط مكان عمله بها؛ لشدة إعجابه بما شاهده في أم الدنيا من فنون الفراعنة وإبداعاتهم، ثم أصبح مكان عمله أحد معالم جنين.

بساتين وملك

تنافست عشرات الصور القديمة على إشغال حيز من جدار الاستوديو مدخل المدينة، وفيها توثيق لتاريخ جنين وعدة مشاهد لبساتينها وسهولها وأعلامها ومعالمهما، قبل أن يُطبق الإسمنت عليها الخناق، فيما باحت مجموعة صور لزيارة الملك عبد الله الأول بن الحسين إلى المدينة في 18 كانون الأول 1950، ولحفيده الملك حسين بن طلال عام 1960، بتفاصيل تفقد العاهل الشاب لمدرسة البنات الثانوية.

واستعاد الابن سيرة والده، فقد أبصر النور عام 1919 في جنين، ودرس حتى الأول الإعدادي، وبدأ مشواره في سن السادسة عشرة، واختص بالتقاط صور لجنين ورجالاتها وأحداثها، وتردد ذكره على ألسن الأهالي، الذين التقطوا صورا عائلية على يديه.

وعدد جرار آلات التصوير التي عمل بها والده، فقد استهل مشواره بكاميرات الأبيض والأسود، وانتقل إلى التقاط المشاهد بالسينما الصامتة، ثم المتحركة، ثم الملون، فالعادي (الأنالوج)، وصولا إلى الرقمي.

رافق مصور جنين الأول العدسات 55 عاما، وبقي في الاستوديو حتى وفاته في نيسان 2004، وانتقل بضعة أمتار عام 1958 ليصمد لغاية رحيله في المكان نفسه.

مهندس الألوان

ووفق محمد، فإن والده كان يتقن التحميض بالأبيض والأسود، والتصوير الشمسي الذي كان يعتمد على الإضاءة الطبيعية، لكنه تميز بتلوين الصور يدويا، قبل اختراع الملونة منها، مثلما عمل فترة بالتصوير الشخصي الفوري، كما أتقن استعمال عدسات التصوير التي تعتمد على إدخال رأس المصور فيما يشبه الكيس، حتى لا يفسد الضوء الصورة.

وأضاف أن التصوير كان يتطلب وقتا كبيرا، ويحتاج مساحات واسعة لوضع الكاميرات، ولم تكن هناك تعديلات آلية في الإضاءة والألوان، ولم يكن بمقدور غير المتخصص التقاط الصور، كما كان يحتاج لمختبرات تحميض.

واصطفت آلات تصوير قديمة في زاوية بالاستوديو، أقدمها كاميرا أحضرها معها جرار الأب خلال عمل في حيفا، وأضاف لمقتنياته آلات تصوير ألمانية وبريطانية، ثم انتشرت كاميرات روسية.

وقال الابن إن التصوير قديما كان يعتمد على العدسة ويتطلب فنيات يدوية لتوزيع الإضاءة بشكل جيد قبل الانتقال إلى النظام الآلي.

وغير الشائع كما أضاف جرار أن المصور كان يحتاج إلى بعض الوقت لقراءة وجه طالب الصورة، ليحدد الإضاءة المستخدمة، وفق لون البشرة.

نقل جرار الوالد أسرار مهنته إلى فلذة كبده، ثم أرسله إلى الولايات المتحدة لإتقان المزيد من الفنيات الحديثة.

فوضى الهواتف

وعرض الابن صورا لاحتفالات مدارس جنين قبل النكسة، ومعالم المدينة كالمسجد الكبير والصغير والتذكار الألماني قبل أكثر من نصف قرن، والتي أظهرت نخيل جنين وبساتينها، قبل الزحف العمراني المُفرط.

لكن جرار قال إن الأجهزة الخليوية أفسدت التصوير، وسحبت البساط من تحت أقدام العدسات والصور المطبوعة، وصار انتشار الصور أوسع، لكن دون طباعة معظمها، ما يجعل نسخها الإلكترونية عرضة للتلف أو الضياع، مع ارتباط مصيرها بحواسيب وهواتف ذكية ووسائط تخزين صغيرة أو متناهية الصغر.

واختتم الابن بالإشارة إلى مخزون صور كبير لجنين التقطها والد خلال عمله، والتي يمكن قراءة تفاصيل الحياة على اختلاف وجوهها، بمجرد مشاهدة صور والده، أو التي رممها وأعاد تلوينها بنفسه، وأبرزها مشهد احتلال الجيش البريطاني لجنين في 20 أيلول 1918.




“فزعة” تنتصر لحُراس الأرض ولأشجار السماء

عبد الباسط خلف- راح الوكيل المساعد للقطاع الفني في وزارة الزراعة، المهندس أمجد صلاح، يتابع عبر هاتفه آخر تحديثات الحملة الوطنية (الفزعة) لموسم قطف الزيتون، ويلخص نتائج الأيام الأولى منها.

وتنقل في هاتفه بين أقصى المحافظات الشمالية إلى وسطها وجنوبها، فيما تفحص آخر الصور والفيديوهات والأخبار التي ينشرها المنسقون والشركاء، التي تشير إلى سير الحملة والاعتداءات التي تتعرض لها من جنود الاحتلال ومجموعات المستوطنين.

ووفق الموقع التفاعلي، فإن “الفزعة” انطلقت في وقت واحد في أماتين، وفرعتا، والفندق، وكفل حارس، وسهل رامين، وكفر اللبد، ومواقع أخرى.

30 شريكا

وقال صلاح إن مديريات وزارة الزراعة في المحافظات، أطلقت الحملة بالشراكة مع 30 مؤسسة حكومية وجهة محلية وأهلية ومتضامنين أجانب، لإسناد المزارعين ومساعدتهم في الوصول إلى حقولهم وقطف زيتونهم.

وأكد أن “الزراعة” بدأت في وقت مبكر التحضير لـ”الفزعة” عبر لقاء خلال أيلول الماضي، وعقدت لقاء مركزيا لهذا الغرض.

وحسب صلاح، فإن الحملة تركز على الوصول إلى نحو 50 ألف دونم خلف جدار الفصل العنصري، لم يتمكن أصحابها من قطفها العام الماضي، إضافة إلى مناطق بمحاذاة المستعمرات، أو داخلها، أو على الطرق الرئيسة، بنحو 96 ألف دونم.

وشدد على أن المختلف في الحملة الحالية عدم وجود أية فعاليات أو أنشطة احتفالية، مراعاة للأوضاع العصيبة التي يمر بها الوطن، مثلما لم يشارك الوزير البرفيسور رزق سليمية في إطلاقها، ويجري الحرص على عدم الإثقال على الفلاحين بأية تكاليف وضيافة.

وبين أن “الفزعة” لا مركزية على مستوى المحافظات والبلديات والمجالس والهيئات المحلية، وتراعي خصوصية كل محافظة وظروفها، وستتواصل حتى نهاية الموسم، وترفض ربطها باي لون لإطار تنظيمي، وجرى إطلاقها برعاية المحافظين وتنسيق الوزارة ومشاركة واسعة.

12 مليون شجرة

واستند صلاح إلى خريطة وضعها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وقسمت حقول الزيتون في المحافظات الشمالية إلى مناطق 7: الحمراء الداكنة (المعزولة خلف الجدار)، والخضراء (القريبة من حواجز الاحتلال)، والحمراء الفاتحة (المساحات التي تحتاج لإذن من الاحتلال للوصل إليها)، وذات اللون الوردي (التي تشهد اعتداءات للمستوطنين على القاطفين)، والرمادية (المتاخمة للمستعمرات)، والصفراء الفاتحة (المناطق المسماة أ وب)، والزرقاء السماوية (المنطقة المسماة ج).

وأكد أن أخطر مناطق القطاف تتواجد في سلفيت، وجنوبي نابلس وشرقها، مثلما تشهد بلدات كقصرة وبورين اعتداءات من جنود الاحتلال والمستوطنين، الذي قطعوا حقلا للزيتون لمنع عودة المتضامنين الأجانب والمؤسسات المشاركة في “الفزعة”.

وأوضح أن الوزارة نسقت الحملة عبر هيئة الشؤون المدينة في المناطق التي تحتاج لذلك، لكنها رفضت التنسيق في مناطق جديدة لا تتطلب هذا الإجراء، وسعى الاحتلال إلى فرضها كأمر واقع.

وتقدر وزارة الزراعة أشجار الزيتون المزروعة في المحافظات الشمالية والجنوبية بنحو 12 مليون شجرة، بينما تعرضت 10 آلاف منها لاعتداءات المستوطنين العام الماضي وحده.

شهيدة جنين

واستفاقت جنين، الخميس الفائت على وقع استشهاد المواطنة حنان عبد الرحمن أبو سلامة، في قرية فقوعة شمال شرق المدينة، برصاصة في الظهر، بعد نحو ساعتين من شروعها برفقة زوجها وابنها البكر فارس وأحد العمال في جني ثمار الزيتون من حقلهما، الذي يبعد نحو 200 متر عن جدار الفصل العنصري.

بدوره، قال مدير عام وزارة الزراعة في جنين، جعفر صلاحات، إن “الفزعة” انطلقت في المطلة وجلبون، بمشاركة 50 مشاركا، وهي حملة مرنة وعملية، يجري التركيز خلالها على عون المزارعين بمساهمات وشراكات محلية ودولية.




ضم شمال قطاع غزة والمسؤولية الأمريكية

ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من حصار شامل لشمال قطاع غزة، وعزله عن باقي الأراضي الفلسطينية في القطاع والقيام بعمليات عسكرية بلا هوادة لإجبار مئات الآلاف على إخلاء منازلهم لترحيلهم عن أرضهم، وحرق النازحين في خيامهم، وتدمير ما تبقى من المنازل في مخيم جباليا، هي جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي، وهي تمثل تحدياً واستفزازاً لدول العالم وللأمم المتحدة، وخرقاً للقانون الدولي والإنساني.

محاولات تدمير وكالة الغوث الدولية وإنهاء أعمالها جزء لا يتجزأ من مخطط ضم شمال قطاع غزة وإن تفكيك الأونروا أصبح هدفاً من أهداف الحرب، حيث يعمل كنسيت الاحتلال على تشريع وإصدار قوانين لتفكيك الأونروا ليتسنى لهم تشريد ما تبقى من السكان بفعل الضغط العسكري وتجويع من تبقى لإجبارهم على ترك أرضيهم وبيوتهم والرحيل ضمن تفاصيل نكبة جديدة، تجددها حكومة الاحتلال بكل غطرسة وعنجهية واستقواء بالموقف الأمريكي ليصبح أغلبية سكان قطاع غزة تكتظ بهم منطقة لا تتجاوز 10% من مساحة القطاع كاملاً، ونحو 400 ألف شخص عالقون في شمال قطاع غزة ويواجهون الاستهداف الإسرائيلي ضمن حرب الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال.

تتحمل الإدارة الأميركية مسؤولية حرب الإبادة المتواصلة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس، وآخرها ما تقوم به قوات الاحتلال من حصار كامل لشمال قطاع غزة، وعزله، بالإضافة إلى العدوان المتواصل منذ أيام على جباليا وباقي المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.

الدعم المتواصل من الإدارة الأميركية سياسياً ومالياً وعسكرياً للاحتلال، جعله يستمر في عدوانه ضد الشعب الفلسطيني، بل أصبحت شريكة للاحتلال في حربه وجرائم الإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال وإنها بذلك تتحدى جميع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، معتمدة على الدعم الأميركي المنحاز الذي يقف بوجه المجتمع الدولي ويمنع محاسبة الاحتلال على جرائمه.

وبات المطلوب من الإدارة الأميركية إجبار الاحتلال الإسرائيلي حليفها الاستراتيجي على وقف عدوانه، والامتثال لقرارات الشرعية الدولية وقرارات المحاكم الدولية، وعدم إعطائه الدعم للاستمرار في جرائمه الوحشية، الذي أشعل المنطقة ويقودها إلى الانفجار الشامل الذي لن يحتمل نتائجه أحد.

وتستمر حكومة الاحتلال بعدوانها ومخططها للقضاء على وكالة الأونروا من أجل تصفية قضية اللاجئين، في ظل تغيب حقيقي لمجلس الأمن الدولي جراء السياسة الأميركية الداعمة للاحتلال وسياساته، والتي تتحمل المسؤولية بإصرارها على تحدي الإرادة الدولية التي تجمع على ضرورة وقف العدوان، ومنع محاسبة الاحتلال على جرائمه وعدوانه، التي انتهكت جميع محرمات القانون الدولي، بل وتقدم لهذا الاحتلال الإجرامي جميع أنواع الدعم المالي والعسكري، ما شجعه على ارتكاب هذه الجرائم البشعة بحق شعبنا وشعوب المنطقة.

مخططات الاحتلال لفصل شمال قطاع غزة عن باقي أرض دولة فلسطين المحتلة أمر مرفوض ومدان، وأن هذه السياسات المرفوضة لن تجلب الأمن والاستقرار، وأن الحل الوحيد لمشاكل المنطقة هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية وفق الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية، وفي هذه الظروف الصعبة يجب على الجميع الوقوف تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وسياساتها الوطنية، حفاظاً على المشروع الوطني، وعلى القدس، والمقدسات والعمل على تجسيد استقلال دولة فلسطين على حدود عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، ومن دون ذلك فإن المنطقة ستواجه حروباً مستمرة وحالة عدم استقرار ودمار لا يتوقف.




تقرير: معاناة المزارعين في موسم قطاف الزيتون هذا العام أشد قسوة

قال تقرير أعده المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، إن معاناة المزارعين في موسم قطاف الزيتون هذا العام، أشد قسوة من معاناة العام الماضي، بسبب ارهاب الاحتلال ومستعمريه، ما يهدد بفقد معدلات أعلى من المحصول.

وأضاف المكتب في تقرير الاستيطان الأسبوعي الصادر، اليوم السبت، أن ارهاب المستعمرين بحماية جيش الاحتلال، ومشاركة عصابات بن غفير في الاعتداء على المواطنين في موسم قطاف الزيتون، بدأ مبكرا هذا العام،  في مختلف محافظات الضفة الغربية، بدءا بمنع المزارعين من الوصول الى حقولهم، مرورا بالسطو على المحصول، وحرق أشجار الزيتون، وانتهاء بإطلاق النار عليهم، وهو ما أدى إلى استشهاد المواطنة حنان ابو سلامه (59 عاما) برصاص الاحتلال، الخميس الماضي.

وتشير التوقعات بعدم تمكن المزارعين من الوصول إلى 80 ألف دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون، ما من شأنه أن يؤدي إلى فقدان نحو 15% من محصول الموسم لهذا العام.

وحسب التقرير: أينما توجهت في محيط القرى المحاذية لجدار الفصل العنصري، وتلك القريبة من المستعمرات والبؤر الاستعمارية تجد فرق الطوارئ التابعة لبن غفير وتجد زعران “شبيبة التلال”، و”تدفيع الثمن” الارهابية في مواجهتك.

وأضاف: مع تصاعد عنف المستعمرين في الضفة الغربية، توقفت الوحدة المركزية للشرطة الإسرائيلية تحت قيادة “أفشاي معلم” المقرب من بن غفير عن التنسيق مع “الشاباك”، للحد ولو على أضيق نطاق من اعتداءات المستعمرين.

وبحسب صحيفة “هآرتس”، في عددها الصادر الأحد الماضي: “مسؤولون في “الشاباك” أكدوا في محادثات مغلقة أن الوحدة الشرطية لا تقوم بواجبها في معالجة مظاهر العنف والارهاب التي يرتكبها المستوطنون وعناصر اليمين المتطرف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

ووفقا لتقريرها، فإن قائد الوحدة “أفشاي مُعلم”، ينكر أصلا تزايد حجم الإرهاب اليهودي في الضفة، ويمتنع عن التنسيق مع الأجهزة المعنية.

وعلى صعيد النشاطات الاستعمارية، نشرت سلطات الاحتلال الأسبوع الماضي، مناقصة لبناء 286 وحدة استعمارية في منطقة مفتوحة إلى الشمال من مستعمرة “رامات شلومو” في القدس الشرقية، تم الاستيلاء عليها من خلال تطبيق قانون “أملاك الغائبين”، حسب بيان صادر عن جمعية “عير عميم” الإسرائيليةـ

وهي جزء من خطة لبناء ما مجموعه 650 وحدة على مساحة 71 دونماً – والتي من شأنها توسيع هذه المستعمرة باتجاه حي بيت حنينا.

 ومن المقرر أن يتم فتح المناقصة للمزايدة في 20 تشرين الثاني 2024، لكن سلطات الاحتلال يمكنها أن تقرر تأجيل الإجراء. ومن شأن هذه الخطة أن توسع المستعمرة المذكورة شمالاً، إلى حافة المنطقة المبنية في حي بيت حنينا، وتحقيق هدفين للسياسة الإسرائيلية في القدس الشرقية : أولاً، تعقيد إمكانية رسم الحدود المستقبلية للعاصمة الفلسطينية في القدس، وثانياً، منع قدرة الأحياء الفلسطينية على التوسع والتطور، من أجل تلبية احتياجات سكانها.

وأشار التقرير إلى أن سلطات الاحتلال والمنظمات الاستيطانية يتوسعون في اقامة المزيد من البؤر الاستعمارية في ظروف الحرب، حيث تمت إقامة 43 بؤرة استعمارية غير قانونية منذ بداية الحرب.

وللمقارنة، كان المستعمرون يقيمون بالمتوسط حوالي 6 بؤر استعمارية في العام، في حين في عام الحرب اقاموا بؤرة في كل اسبوع تقريبا. وهذه البؤر مرتبطة حسب تقديرات منظمات اسرائيلية معارضة للاستيطان بالحبل السري مع عنف المستعمرين، وطرد الرعاة والمزارعين الفلسطينيين من أراضيهم، وهذه ظاهرة يعتبرها رئيس الشاباك  “ارهاب يهودي”.

وعلى امتداد سنوات الاحتلال شكلت شجرة الزيتون عنوان وجود وصمود، فمن أجل حماية الأرض من غول الاستعمار، ومن سياسة الاحتلال بشكل عام، أخذ الفلسطينيون يتوسعون في زراعة شجرة الزيتون، وخاصة في السنوات الأخيرة بعد انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، فقد كانت مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون عام 2010 نحو 462824 دونما، منها نحو 21509 في قطاع غزة، وأصبحت في العام 2021 نحو 575194  دونما، منها 33633 دونما في قطاع غزة.

ويقدر معدل الإنتاج السنوي من زيت الزيتون، موزعا على المحافظات في الضفة الغربية بنحو 5500 طن لمحافظة جنين، تليها طولكرم بمعدل 3500 طن، ثم نابلس ورام الله وسلفيت وقطاع غزة بمعدل 3000 طن لكل منها، وقلقيلية بمعدل 1500 طن، والخليل بمعدل 1000 طن، وبيت لحم بمعدل 600 طن، وأخيرا القدس بنحو 200 طن، في حين أن إنتاج محافظة أريحا من زيت الزيتون فيكاد يكون محدودا.

بعد السابع من أكتوبر 2023، تحولت شجرة الزيتون الى جزء لا يتجزأ من الحرب الوحشية التي تشنها دولة الاحتلال على قطاع غزة، كما في الضفة الغربية، بما فيها القدس.

ففي قطاع غزة كان للحرب آثار مدمرة على قطاع الزيتون، حيث أتت على ما يزيد عن 75% من أشجار الزيتون.

وفي الضفة الغربية، كان موسم العام الماضي قاسيا للغاية على المزارعين، بعد ان فرضت سلطات الاحتلال تشديدا عسكريا على الضفة، وأغلقت في الريف مناطق واسعة في وجه المواطنين بالحواجز العسكرية، والسواتر الترابية، وعادت الحواجز والبوابات العسكرية بين المدن في مختلف المحافظات على نحو أسوأ وأشد قسوة، مما كانت عليه في الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، والسواتر الترابية عطلت قدرة المزارعين في الوصول الى حقولهم.

في الأعوام السابقة، كانت سلطات الاحتلال تفرض على المواطنين الحصول على تصاريح، للسماح يسمح لهم الوصول إلى أراضيهم في مناطق معينة، كتلك التي تقع خلف الجدار (69 بوابة)، أو الأراضي المحاذية للمستوطنات (أكثر من 110 بلدة، وقرية، وتجمع، تقع أراضيها في محاذاة 56 مستوطنة، وعشرات البؤر الاستعمارية).

وفي موسم قطف الزيتون للعام 2023، قامت سلطات الاحتلال بإلغاء جميع هذه الموافقات تقريبا، ما منع المزارعين فعليا من الوصول إلى أراضيهم، والبوابات الزراعية على طول جدار الفصل العنصري بقيت مغلقة، أما الاراضي المحاذية للمستوطنات فقد أغلقها الاحتلال بالسواتر الترابية في معظمها.

وتشير التقديرات المتطابقة لأكثر من مصدر أن أكثر من 96.000 دونم من الأراضي المزروعة بالزيتون في جميع أنحاء الضفّة الغربية شملتها تعليمات الاحتلال كمناطق عسكرية مغلقة، ما ترتب عليه ضياع محصول وفير من الزيتون.

ومارس المستعمرون مختلف اشكال العنف ضد المواطنين، لمنعهم من قطف ثمار زيتونهم.

 مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “اوتشا” وثق 113 حالة اعتداء قام بها المستعمرون خلال الفترة الواقعة بين شهري أيلول وتشرين الثاني من العام الماضي، تراوحت بين هجمات على الفلسطينيين، أو إلحاق الأضرار بأشجارهم، أو سرقة محاصيلهم، وأدوات الحصاد.

 ومن بين تلك الحوادث: أسفرت 10 حوادث عن إصابات وأضرار في الممتلكات، و10 أخريات عن وقوع إصابات من دون أضرار بالممتلكات، وأسفرت 93 حادثة عن أضرار من دون وقوع إصابات، وتم تخريب أكثر من 2000 شجرة في خلال هذه الحوادث.

 وكان أعلى عدد من الحوادث في محافظتي نابلس (40)، ورام الله (31) ، وقدر “اوتشا” تخريب أكثر من 10,000 شجرة زيتون على يد المستعمرين في جميع أنحاء الضفة الغربية على امتداد العام 2023.

وفي ما يقرب من نصف الأحداث (46%)، يتواجد جيش الاحتلال في أماكن وقوع الحوادث، وفي بعض الأحيان ينضمون إلى المستعمرين، ويعتدون على الفلسطينيين بعنف.

وفيما يلي مجمل الانتهاكات الأسبوعية:

القدس: جرفت سلطات الاحتلال أرضا، وهدمت خطوط مياه، وسياجا، وشوادر، وعدد من الغراس تعود ملكيتهم للمواطن مروان درباس في بلدة العيسوية، وهدمت منشأة لبيع وتعبئة الأكسجين الطبي، تعود ملكيتها لعائلة بدرية في المنطقة الصناعية بوادي الجوز.

 وتأتي عملية الهدم في إطار مخطط تنفيذ مشروع “وادي السيليكون”، الذي يهدد بهدم المنشآت الصناعية والتجارية، بهدف بناء منطقة تكنولوجية “شركات هايتك”، وفنادق، ومساحات تجارية.

الخليل: جرفت قوات الاحتلال ما يزيد عن عشرة دونمات من أراضي المواطنين المزروعة بالخضروات والأشجار المثمرة في بلدة بيت أمر شمال الخليل في منطقة “القرن” جنوب شرق البلدة، ما تسبب بخسائر فادحة.

 وفي بلدة دورا جنوبا، منع الاحتلال المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وقطف ثمار الزيتون، في منطقتَي “خلة طه” و”العابد”.

بيت لحم: هاجم مستعمرون منزل المواطن نادر أبو كامل في قرية خلايل اللوز جنوب شرق المحافظة، وحطموا أبوابه والشبابيك، ورفعوا أعلام دولة الاحتلال في محيطه، كما قطعوا 20 شجرة زيتون.

فيما جرف آخرون أراضي زراعية في بلدة بتير، بهدف توسيع حدود بؤرة استعمارية في المكان، كما هاجم مستعمرون وجنود الاحتلال رعاة، أثناء رعيهم أغنامهم في أراضٍ قريبة من مستعمرة “تكواع”، وأطلقوا قنابل الصوت والغاز السام صوبهم، واعتدوا عليهم بالضرب.

رام الله: هاجم مستعمرون مسلحون قاطفي الزيتون في قريتي “المغير”، و”ترمسعيا” شمالا.

 ففي قرية المغير اعتدى مستعمرون على قاطفي الزيتون في منطقة السهل (مرج الذهب)، ومنطقة الحجار، والرفيد، في محاولة لمنعهم من قطف الزيتون.

 وفي ترمسعيا، اعتدى عشرات المستعمرين على قاطفي الزيتون، وأجبروهم على مغادرة أراضيهم في منطقة الدلجة شرق القرية، كما أصيب شاب بالرصاص الحي بقدمه، خلال هجوم لهم على قرية برقا شرق رام الله.

نابلس: هاجم مستعمرون قاطفي الزيتون في منطقة شعب الخراب في قصرة، وطالبوهم بإخلاء المنطقة، تحت تهديد السلاح، واطلاق الغاز المسيل للدموع.

واعتدت قوات الاحتلال على قاطفي الزيتون في بلدة عصيرة الشمالية، واستولت على المحصول من ثمار الزيتون في منطقة “برناط” من الجهة الشرقية للبلدة.

وهاجم مستعمرون قاطفي الزيتون في قرية جالود، وأجبروهم ترك أراضيهم.

وفي قرية دوما، هاجم مستعمرون مواطنين خلال قطفهم الزيتون في الجهة الغربية من القرية، واعتدوا عليهم بالضرب، كما طردت قوات الاحتلال قاطفي الزيتون من أراضيهم، وهاجمتهم بقنابل الغاز، وأجبرتهم بالقوة على مغادرة حقولهم.

وفي بلدة بيت فوريك أجبرت قوات الاحتلال المزارعين الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم، أثناء قطف ثمار الزيتون في الحقول الواقعة في الجهة الغربية من البلدة، مهددةً باعتقالهم في حال عودتهم لمواصلة عملهم، كذلك الأمر في  الجهة الغربية من قرية يانون، حيث احتجزت مجموعة من قاطفي الزيتون في بورين جنوب نابلس، خلال عملهم في أحد الأراضي المصنفة (ب).

 كما اعتدى مستعمرون على مواطنين، أثناء قطفهم الزيتون في قرية روجيب، حيث هاجموا المزارعين، ورشوهم بغاز الفلفل، وأجبروهم على مغادرة حقول الزيتون.

سلفيت: اعتدى مستعمرون على مركبات المواطنين بين بلدتي رافات ودير بلوط غربا بالحجارة، بحماية جنود الاحتلال، وكسر آخرون أشجار زيتون، في منطقة الواد شمال قرية ياسوف.

وفي قرية كفر الديك هدمت قوات الاحتلال منزل المواطن سميح الناطور، قيد الإنشاء، بحجة البناء في المناطق المسماة “ج”.

وفي دير بلوط، اقتلع جيش الاحتلال أشتال زيتون، وهدم سياجا، وأجبر قاطفي الزيتون على اخلاء أراضيهم، كما تمت مداهمة المزارعين من بلدة حارس قرب مستعمرة “رفافا”، وأجبروهم على ترك أراضيهم أثناء قطاف أشجار الزيتون، تخلله إصابة المزارع سيف سهيل خضر حسين بحجر في رأسه، إثر اعتداء مستعمرين عليه، من مستعمرة “تفوح” المقامة على أراضي المواطنين في منطقة المشرفة غرب القرية، أثناء قطفه ثمار الزيتون في قرية ياسوف.

جنين: استشهدت المواطنة حنان عبد الرحمن أبو سلامة (59 عاما)، متأثرة بإصابتها برصاص قوات الاحتلال في قرية فقوعة، بينما كانت تقطف ثمار الزيتون مع عائلتها في المنطقة القريبة من جدار الفصل والتوسع العنصري المقام على أراضي القرية.

وقطع مستعمرون من مستعمرة “حومش” عشرات أشجار الزيتون في بلدة جبع، فيما هدمت قوات الاحتلال ثلاث دفيئات زراعية في قرية الجلمة، شمال شرق جنين، في منطقة السهل بالقرية، على مساحة ثلاثة دونمات، تعود ملكيتها للشقيقين أمجد وهشام نادر أبو فرحة.

طولكرم: منعت قوات الاحتلال المزارعين في بلدة رامين من قطف الزيتون، وأجبرتهم على مغادرة أراضيهم، تحت تهديد السلاح، وهددوهم بعدم العودة لأراضيهم، إلا بعد الحصول على تنسيق وتصاريح، بحجة أن المنطقة عسكرية.  كما استولت على جرار زراعي في سهل رامين، تعود ملكيته للمواطن فايز احمد فوزي سلمان.

وفي قرية بيت ليد، سرق مستعمرون ثمار زيتون، فيما هاجم آخرون المزارعين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في سهل رامين، وأجبروهم على مغادرة أراضيهم، تحت تهديد السلاح.

فيما أحضر مستعمر مسلح أغنامه إلى أراضي السهل، في خطوة استفزازية للمزارعين، وأطلق مستعمرون النار على مشاركين في فعالية نظمتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لمساعدة مزارعي قرية كفر اللبد، في قطف ثمار الزيتون من أراضيهم.

الأغوار: شرعت سلطات الاحتلال بشق طريق استعماري في الأغوار الشمالية إلى الجنوب الشرقي من قرية كردلة، حيث من المتوقع أن يصل الطريق الى مشارف خربة ابزيق، وهو يأتي على مساحات واسعة من الأراضي، حيث أن جزءا من هذه الأراضي مملوكة للمواطنين، والجزء الآخر منها أراضٍ رعوية جبلية، وكان المستعمرون قد شرعوا بتأهيل الطريق المؤدي إلى البؤرة الاستعمارية الجديدة، بهدف تهجير سكان التجمع.

كما اقتحم مستعمرون تجمع عرب المليحات شمال غرب اريحا، وفتشوا عددا من المنازل، وقاموا بوضع علامات على بعض منها، في إشارة تنذر بخطر وشيك.




دماء حنان تختلط بزيتون فقوعة وترابها

عبد الباسط خلف- لم تكن حنان عبد الرحمن أبو سلامة، 59 عاما، تعلم أن أول يوم قطاف للزيتون في حقل العائلة بقرية فقوعة، شمال شرق جنين، سيكون الأخير بفعل رصاصة احتلالية أصابتها في مقتل.

وبشق الأنفس استطاع الزوج حسام أبو سلامة وصف اللحظات الأخيرة لرفيقة دربه، إذ انطلق الزوجان بجوار ابنهما الوحيد فارس، والعامل طلال جلغوم في الصباح الباكر إلى منطقة أم كردوش المتاخمة لجدار الفصل العنصري لتدشين موسم الزيتون.

وأكد الزوج، والحزن يسكنه، أنه وأفراد أسرته ابتعدوا مسافة كبيرة عن الجدار، وشرعوا في جمع ثمارهم، بعد إبلاغهم بوجود تنسيق مع الاحتلال للعمل، لكن دوريات الاحتلال خلف الجدار كررت التجول في المنطقة، وراح الجنود يطلقون النار في الهواء لتخويف المزارعين.

قبعة ورصاص

وقال أبو سلامة إنه رفع قبعته البيضاء، نحو التاسعة والنصف، عندما سمع إطلاق نار قريب، بينما كان يسحب فرش الزيتون، لكن جنود الاحتلال أطلقوا النار على زوجته، التي احتمت وابنها والشاب جلغوم بالأرض، على مقربة من الجرار الزراعي.

واستدرك بحرقة: كانت لحظات قاسية، ولم نستوعب ما يحدث، وحينما شاهدت زوجتي تنزف من ظهرها، نقلها ابني بسيارته، واتصلنا بالإسعاف الذي حضر إلى مشارف قرية بيت قاد، وتبعناه إلى مستشفى ابن سينا في جنين، لكن زوجتي استشهدت بعد وقت قصير من وصولنا.

وأضاف، أبلغنا جنود الاحتلال بالابتعاد 100 متر عن الجدار، وتجنبنا الاقتراب، لكن إطلاق النار الذي بدأ في الهواء في وقت مبكر من النهار انتهى بقتل أم فارس.

بينما أشار فارس، إلى أنهم احتموا من الرصاص، واستلقوا على الأرض المليئة بالأشواك، وحاولوا الزحف نحو الجرار والمجرورة الزراعية، إلا أن الرصاص وصل إلى أمه.

وعجز الابن البكر والوحيد للشهيدة عن تمالك نفسه، وقال إن المنطقة التي استهدفهم الاحتلال فيها، كانت تنتشر فيها عائلات أخرى لجمع زيتونها.

وأوضح طلال جلغوم، الذي كان يرافق العائلة، إن إطلاق النار المتقطع بدأ بعد نحو ساعة من وصول أهالي القرية إلى حقولهم، لكن بعد قرابة ساعة بادر الجنود بإطلاق الرصاص.

ووفق جلغوم، فإنه قبل لحظات من الحادثة، أخذت العائلة استراحة قهوة قصيرة، وكانت تخطط لتناول طعام الإفطار، لكن رصاص الاحتلال بدد مخططات العائلة، التي تركت زوادتها وأمتعتها وزيتونها المقطوف، وأسرعت إلى إسعاف الأم الجريحة.

ووصف اللحظات الأخيرة قبل إصابة أبو سلامة، إذ اتخذوا قرارا بالنزول إلى الأرض للاحتماء من الرصاص، لكنهم فجأة شاهدوا الدماء تسيل من ظهر أبو سلامة.

ولخص ما حدث: لقد انتهى يومنا الأول بالدم، كنا نخطط لنهار عمل طويل خاصة أننا منعنا من الوصل إلى المنطقة في المواسم الماضية، وبدلا من نقل الزيتون إلى البيت والمعصرة نقلنا أم فارس إلى المستشفى، وها نحن الآن في المقبرة.

والشهيدة أبو سلامة أم لسبعة أبناء: ولد وحيد، وسماح، وسلوى، ويدين، وسلام، وياسمين، وآمنة، ونحو 15 حفيدا.

مساء أخير

واستذكر جمال جالودي اللحظات الأخيرة التي جمعته بشقيقته، إذ أمضوا الليلة الفائتة في السمر، وكانوا يخططون للذهاب لبيت عزاء لزوج قريبتهم في برقين، وأخبرتنا بمخططاتها لليوم التالي.

وتابع حديثة بصعوبة: ولدت شقيقتي عام 1965، وعملت مزارعة مثابرة، وساعدت زوجها، وقضت أوقاتا طويلا في رعاية الزيتون وجمع ثمار الصبر، لكن جنود الاحتلال أوقفوا أحلامها.

وتحمل حنان الترتيب الثاني في عائلتها، فقبلها سهام، وخلفها جمال والمرحوم أنور، وهاشم، وسميح، وسامي، وسامية، وتوفي والدها مطلع عام 2021 بجائحة “كورونا”، وبقيت أمها نصرة لتبكيها.

وقبل انتصاف النهار، حمل المشيعون نعش أبو سلامة، وساروا به من مسجد مجاور لبيتها، وسجي الجثمان في ساحة المنزل الذي خرجت منه صباحا إلى حقلها، دون أن تعرف أنها ستدخله موشحة بالعلم وفي تابوت.

شهيدة رابعة

واختلط عويل النساء بأصوات نعي أم فارس من مكبرات المساجد، فيما بدت ياسمينة المنزل، وشجرة زيتون ولوز وفاكهة التنين وكأنها شريكة في الحزن على اليد التي غرستها ورعتها.

وقال أستاذ التاريخ وابن البلدة مفيد جلغوم، إن فقوعة تبكي اليوم رابع شهيدة فيها إذ سبقتها خضرة أبو سلامة التي ارتقت في أول أيام انتفاضة الأقصى وهي داخل باحاته في القدس، تبعتها أميرة أبو سيف بعد أن قضت على حاجز للاحتلال، بينما لحقت بها في نيسان 2022 الطالبة حنان محمود خضور، التي قتلها المحتلون في جنين، وقطعوا عليها إكمال دراسة “التوجيهي”.




أم عماد.. أمينة سرّ ابنها الشهيد وراعية التراث

عبد الباسط خلف- تحفظ السبعينية هيام عبد العفو أبو زهرة، وصية ابنها الشهيد الصحفي عماد صبحي أبو زهرة، الذي أقنعها بتأسيس جمعية نسوية مختصة بالتراث الشعبي، وفتش لها عن بيت عتيق في قلب جنين القديمة لترميمه وتدشين جمعية تراثية فيه.

وأكدت أن ابنها حينما كان يشاهدنها وهي تمارس هواياتها ببراعة في صناعة الأشغال اليدوية والوجبات التراثية، ألح عليها تطوير عملها، وتمنى عليها نقل مواهبها إلى نساء جنين، خشية اندثار هذه التفاصيل.

وقالت أبو زهرة، التي أبصرت النور في جنين منتصف آذار 1947، إن بكرها واصل الإلحاح لتسجيل الجمعية النسائية الثقافية للتراث الشعبي، وترميم بيت مهجور لآل عبد الهادي يعيد الحياة لتقاليد وعادات ومفاهيم توشك على الاندثار.

وأفادت بأن عماد رسم لها خطة لإنجاح الفكرة، وساعدها في التواصل مع جهات مهتمة بالمعمار القديم ومنع البيوت القديمة من السقوط، لكنه استشهد خلال عمله الإعلامي وسط جنين، في 12 تموز 2002، وواصلت هي تحقيق أحلامه.

وأوضحت بأنها بدأت بالتحرك، وبحثت عن مجموعة سيدات لتشكيل هيئة إدارية للجمعية، ولطرق باب مؤسسات وجمعيات لصون سر الابن.

واستردت أم عماد، التي كانت سعيدة بنجاحها في ترميم البيت التاريخي مرة أخرى، هذا العام، تفاصيل عديدة لدورات تعليم خياطة، وإنتاج غذائي تراثي، وتطريز، وتثقيف، وتوعية، وبيئة، وتطوع.

وأشارت إلى أن أحدث قائمة من المستفيدات تضم 32 سيدة، حصلن على الكثير من المهارات العملية والنظرية، الخاصة بالتراث وحمايته، إضافة إلى منتدى مرج ابن عامر النسوي البيئي، المشترك مع مركز التعليم البيئي.

60 أمًلا

وبحسب أبو زهرة، التي نالت الثانوية العامة عام 1966 وعملت معلمة، فإن الجمعية نجحت مؤخرًا بالرغم من العقبات الكثيرة في تنفيذ 60 نشاطًا، مثلما شاركت الجمعية في معارض وأيام ثقافية وملتقيات محلية وعربية، كان عنوانها المشترك الترويج للتراث.

ومما تفاخرت به أم عماد، أن الجمعية استطاعت الترويج للتراث بكل السبل، وتمكنت في تعليم فتيات وجامعيات الكثير من المهارات، وأقنعتهن بالعودة إلى الأطباق التراثية، التي بالكاد يسمع عنها الناس.

وقالت إن التراث لا يقتصر على الماديات والأطباق والمهارات والعادات والتقاليد، لكنه أرث طويل وأمثال ومواسم وتفاصيل صغيرة تدخل في كل مفاصل حياتنا.

وأفادت والحزن يسكنها على ابنها الذي يذكرها به كل شيء في الجمعية، بأنها بدأت فعليًا عام 1995 ومجموعة من نساء جنين بتأسيس هيئة تعنى بإعادة الحياة إلى التراث الفلسطيني وتعريف الأجيال الشابة به، وبتشجيع من عماد الذي أطلق على المكان اسم “من زمان”.

“نملية” وصحيفة

نالت أم عماد في 22 نيسان 2003 ترخيص الجمعية، وخلال 21 عامًا استطاعت نشر رسالة تراثية عبر ندوات ومحاضرات وأيام تسويقية ومشاركات في نعارض، كما أسست متجرًا لبيع المأكولات التراثية والمشغولات اليدوية يحمل اسم (نملية)، التي تعني خزانة حفظ الطعام بالتسمية القديمة.

واستعادت تفاصيل ابنها الشهيد واستذكرت حبه لمدينته، فهو الذي كان يطلق على نفسه “أبو جنين”، وراح منذ طفولته المبكرة يلتقط صور حاراتها ونخيلها ومسجدها القديم وأسواقها وأدواتها العتيقة، ويجمع كل شيء يمت للمدينة بصلة، وأسس جريدة “جنين”، وكان كل أسبوع يحاول البحث عن الماضي ويقدمه للجيل الجديد ويذكر الكبار به.

تهتم أم عماد ورفيقاها الثماني: وفاء أبو لبدة، وفداء وسهير أبو الرب، وهيام الشرفي، وسميرة ستيتي، ودلال قدسية، وأمل عزوقة، وكفاح حساسنة بالتراث الشعبي، ونجحن في نقل المعرفة في صناعة المطرزات والقشيات والأعمال التراثية والفنون اليدوية والمشغولات للشابات وات اللائي تنقصهن الخبرة فيه، ونفذن فعاليات لفنون التطريز والرسم على الزجاج استخدام الخيش كستائر.

واحتفظ مقر الجمعية قبل ترميمه، بأدوات قديمة كالغربال وأواني وجرار لحفظ الماء واللبن، و”ببور” الكاز، ولوحات ومطرزات، وقشيات.

200 عام

وبيّن المهندس محمود يحيى، الذي أشرف على ترميم المكان إنه استغرق مع فريقه 3 أشهر لإتمام العمل، وحرصوا على رعاية الطابع المعماري القديم، الذي يعود على الأقل إلى 200 عام.

وقال إن مساحة المقر 400 متر، وكان بمثابة حوش لعائلة عبد الهادي، وشارك فيه 30 عامًلا بتمويل 89 ألف دولار من الصندوق العربي الكويتي، لكنه الأكثر تعقيدًا معالجة تسوس الحجارة، وعدم المس بالطابع التراثي للمكان.

وأكد يحيى أن نظام المباني القديمة مصمم للتغلب على العوامل الجوية المحيطة، بفعل سماكة الجدران، ووجود القباب التي تشتت الشمس، والنوافذ المرتفعة لتصاعد الهواء الساخن.




“كأن تكون فلسطينيّاً”.. فيصل دراج يجمع بين النكبة وشذرات من سِيَر فلاسفة وشعراء ومفكرين

فيصل درّاج فلسطيني الأصل والمنبت والمشاعر والشعور، مواليد بلدة الجاعونة -من أعمال صفد- قبل النكبة الفلسطينية بخمس سنوات، فعاش تفاصيل النكبة وعايشها، منذ طفولته المبكرة، وحملها في وجدانه وشعوره عندما أصبح “لاجئًا”؛ هذه المفردة التي كبرت معه وكبر معها، فكتب عنها بما يتراوح بين المرار والقهر، والسخرية المرّة واللاذعة. وهو فيلسوف وناقد وكاتب وباحث. درس الفلسفة، بمستوى البكالوريوس، في جامعة دمشق وتخرج منها سنة 1968، ونال الدكتوراة في الفلسفة من فرنسا عام 1974، عن رسالته الموسومة بـ “الاغتراب بين ماركس وهيجل”.   

صدر لـ “درّاج” عدد من الكتب، التي تأخذ مكانها ومكانتها على رفوف المكتبة العربية، كما تحتفي به المكتبة العالمية، بخاصة ما كتبه باللغة الفرنسية. وهو من أبرز المفكرين والنقاد العرب المعاصرين. 

أما العمل الأدبي والفكري للفيلسوف والناقد “د. فيصل درّاج”، فهو كتابه “كأن تكون فلسطينياً- شذرات من سيرة ذاتية”، الصادر في بيروت عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، الواقع في (318) صفحة من القطع الكبير، يتوزع عليها تقديم، وتسعة فصول رئيسة، كل عنوان يتألف من عدد من المحطات، تشكل في مجموعها (37) محطة؛ لكلٍّ عنوان يشير إلى محتوى متكامل الأركان، وتجتمع في تلك المحطات شذرات مهمة، تجعل القارئ أسيراً لها حتى نهايتها. 

تشكل تلك العناوين والمحطات علامات بارزة في سيرة حياة المؤلف، وقد أنصف الكاتب نصوصه عندما أطلق عليها “شذرات”. وقد أخذ على عاتقه “ترصيع” كتابه السّيريّ هذا بسِيَر الأتراب والأصدقاء والمعارف، وسِيَر ثلاث مدن مكث فيها ردحاً من حياته.

وجاء السرد، بين القصصي والروائي، ما يجعل القارئ يلتقط هذه الشذرات بمتعة تجعله يتنقل بينها، بتتابع، وصولًا إلى “ختام مجزوء”، ينتهي بقوله: “(…) في أحزان غزة حكايات متداخلة تنتظر الكتابة”، وفي ذلك تكتمل الحكاية بعمرها الذي يدخل الربع الأخير من مئوية نكبة الشعب الفلسطيني.

بقراءة متمعنة لتلك العناوين والمحطات، وجدتُ أنها مشبعة بالفكر، والفلسفة، والمفاهيم السياسية، وحقوق الإنسان، لا سيما ما يتعلق بالنكبة والمنفى، والاجتماعية، والتعليم وأثره في بناء الفرد، ومقتطفات من سِيَر عدد من صانعي الأدب ورواده عبر البنية الزمانية لهذه السيرة، الممتدة بين 1948 و2024. 

ونظراً لتزاحم تلك القضايا وتعددها، التي لامستها هذه السيرة، فقد وجدتُ من الضرورة تسليط الضوء على المركبات المعرفية الآتية، التي اجتمعت في هذا الكتاب، ولم تجتمع في غيره، منها: “الفلسطيني، واللجوء، والغربة، والمنفى”، “سيرة عامرة بكبار قادة الفكر والأدب والشعر”، وهي سيرة تحتفي بالكتابة والقراءة والكتب والروايات، إضافة إلى شذرات تتعلق بثلاث مدن، هي: بيروت، ودمشق، وباريس.  

إن ما وجدتُه بين ثنايا هذه الشذرات لن ينصفه هذا المقال؛ لأن فيه كثيراً من المفاهيم والرؤى التي وضعنا “درّاج” أمامها، بخاصة الفلسطيني، واللاجئ واللجوء، والمنفى، والغربة، دون أن يغرق، ويغرقنا معه، في تفاصيلها. وقد احترم عقولنا، عندما اتبع منهجية “العبارات الخاطفة، والسريعة، والرشيقة خفيفة الظل”، لينتقل إلى التالي، بسلاسة ويُسر، ويترك للقارئ الحذق إدراك ما خلفها، وما مراميها. 

لعلّ الكاتب قد أراد لهذه السيرة أن تتخطى سيرته الشخصية، لتصبح سيرة وطن وسيرة قضيّة، كثر الحديث عنها، وتناولتها أقلام لا تعدّ ولا تحصى، فأراد لها “فيصل درّاج” أن يجدد ثوبها ويزيده جمالاً، عندما رصّعها بسِيَر مفكرين، وكتّاب، وروائيين، فلسطينيون وعرب وأجانب، من أولئك الذين حملوا القضية الفلسطينية، والهمّ العربي العام -والقطري الخاص- فاشتركوا مع الفلسطينيين في المنفى، ووصفوه بما يجب أن يوصف، و”قاتلوا” إلى جانب “العمل الفدائي”؛ شعراً ونثراً وتوثيقاً، وكشفاً للؤم الاستعمار والمستعمرين، من مختلف الأجناس، وبمختلف الأشكال الاستعمارية والتسلطية. 

لم يتوقف “درّاج” عند ذلك، وإنما وفّر للقارئ ما لم يجده في أي سفر أدبيّ آخر، من كتب وكتّابها، وروايات وكتّابها، ومسرحيات ومبدعيها، وأفلام والقائمين عليها، بما يشبه الببليوغرافيا، فحظينا بالتعرف على عشرات منها، تعمدتُ البحث عنها وذكرها -قدر الاستطاعة- لجعلها ملكاً للقارئ المعني، بمتابعتها وقراءتها وامتلاكها -ورقيّاً- أو إلكترونيًّا، كما أن درّاج أردف بالحديث عن الكتابة ومعانيها وأثرها على قضيتنا، ودورها في الدفاع عنها، وأثرها -الكتابة- على الفرد والمجتمع، بما تعنيه من رفعة وتقدم. 

أما بالنسبة إلى المدن، فقد أحيا “درّاج” بيروت وأعاد لها الروح المتقدة شوقاً لأصدقاء العمر، من رفاق ومثقفين، عاش معهم وعايشهم في تلك المدينة التي تحفظ أسرار الأحبة، وتحتفظ بها، مهما قسى عليها الزمن، دون أن تبوح لأحد بما تختزنه ذاكرتها من حوارات، ونقاشات، وإبداعات شهدتها وشهدت عليها، بين أولئك الذين لم يبخلوا على الشأن الفكري والشأن الثقافي والمعرفي بما لديهم، فأحالوا ما جادت به عبقرياتهم إلى كلمات مكتوبة، تكفلتها مطابع بيروت ودور النشر فيها بالطباعة والنشر والتوزيع إلى أرجاء العالم كافة. 

وأما “دمشق” و”الدمشقيون” فقد وردت شذراتها بما يليق بدمشق العتيقة والحديثة من وصف التراث والبهاء والجمال، وبما يليق بالمدشقيين من أصحاب العلم والمعرفة والثقافة الواسعة، والكرم، وطيب خلق، وحسن المعشر. ولا أخاله إلا أن أعطى باريس حقّها من وصف لتفاصيل الحياة فيها، ولعلمائها الذين أنصفهم، عندما أوصل سيرهم إلى 




“الفارسية”.. جنة تواجه عين النار

عبد الباسط خلف- كانت الفارسية، التي تستلقي في الجزء الشرقي من محافظة طوباس والأغوار الشمالية تعج بالحياة قبل نكسة حزيران 1967، ولم يبالغ أهالها وزوارها حينما شبهوها بالجنة خلال الربيع، لكنها منذ عام تواجه لهيب نار الاحتلال، وحمى اعتداءات المستوطنين المتصاعدة.

وقال أهالي الخربة، الذين نظموا صفوفهم في لجنة للدفاع بالشراكة مع مؤسسات رسمية في مقدمتها محافظة طوباس والأغوار الشمالية وبعض المتضامنين الأجانب، إنهم يتعرضون لمحاولات تهجير يومية، ينفذها ما يسمى (شبيبة التلال).

وتصمد الفارسية في منطقة وادي المالح، وعلى بعد 20 كيلومترا عن مدينة طوباس، وتقيم فيها 15 أسرة من عائلات: دراغمة وفقهاء وصبيح.

ويستمد الأهالي عزيمتهم من جميل الحاج يوسف الحصني، وزياد عبد الرحمن صوافطة، وهما أول من زرعا أراضيها، وسحبا لها المياه من قرية بردلة، قبل عقود.

وتعرض مواطنو الخربة، التي تشتهر بالفلاحة والماشية، منذ حزيران الماضي، إلى عمليات سطو وتخريب وعربدة لحملهم على ترك بيوتهم وأرضهم، كما أفادت اللجنة لـ”الحياة الجديدة”.

وتتوزع الفارسية على 3 تجمعات: خلة خضر، وإحمير، ونبع غزال، وهي مساحات سهلية ممتدة تتخللها تلال وهضاب وبعض الوديان، وأدخل لها أهلها زراعة الموز والزيتون والخضراوات.

ووثقت اللجنة منذ تأسيسها، عمليات السطو التي شنها المستعمرون، وأغربها سرقة الملابس الشخصية للمواطن حامد رزق أبو شلاش، واستهداف خزانات المياه، والصهاريج، والخلايا الشمسية، وكل ما يمكن حمله.

ويأتي السارقون، تبعا للجنة، من مستعمرة روتم القريبة، التي جاء اسمها من تحريف لشجرة الرتم، ذات الزهرة البيضاء الأخاذة المنتشرة في الأغوار الشمالية، وهو ما يؤكد مخططات نهب كل شيء في المنطقة.

وتوقفت اللجنة مطولا، عند المواطن علي الزهدي في منطقة نبع غزال، الذي يتعرض يوميا لاعتداءات وسرقة وعربدة، بخاصة في جوف الليل.

وقال أعضاؤها إن غياب أية عائلة ولو لساعة واحدة عن بيوتهم وحقولهم معناه استلاب كل مقتنياتهم، وتدمير حقولهم، وعدم العودة مرة أخرى.

وأفادوا بأن الاحتلال لاحق المواطن نبيل أبو الشعر، وكان يوقفه عدة ساعة معظم أيام الأسبوع في معسكر إم زوقح، ثم يطلقون سراحه لإجباره على الرحيل.

وأورد المواطنون قصصا عن حماية جيش الاحتلال للمستوطنين، الذين سرقوا صهريج مياه للشاب شامخ دراغمة، وحينما تقدم بشكوى لشرطة الاحتلال، ادعت أن الصهريج المخصص لري الماشية لا يحمل لوحة تسجيل!

ولا تبالغ لجنة حماية الفارسية، عندما تقدر بأن 99% من أراضي الأغوار الشمالية الشاسعة، بات محرمة على أهلها، وتتعرض لتهجير صامت، كما وقع في تجمع أم الجمال، قبل أسابيع، فيما يمنع الرعاة من التنقل.

وقبل عدوان 7 تشرين الأول العام العام الماضي، كان بوسع أهالي الفارسية، كما أفادوا التجول والرعي والعمل بحرية نسبية، وسط إخلاء لبيوتهم وتحويلها إلى ميدان للتدريب العسكري، وترحليهم عدة أيام، لكن المشهد اليوم انقلب رأسا على عقب.

وأفادت اللجنة، التي تضع جدول مناوبات ليليا لأبنائها؛ ولدوام البقاء في التجمع على مدار الساعة، إن حضور المتضامنين خاصة الأمريكيين منهم يساعدهم في الصمود.

وحسب الأهالي، فإن المستعمرين وجيش الاحتلال يلاحقون أية مركبة تحاول الوصول إلى تجمعهم، ولا تسمح بتحرك سيارات تحمل أمتعة ومستلزمات للبيوت.

وذكر المزارع محمد دراغمة، الذي أمضى معظم طفولته وصباه وشبابه في الفارسية، أن أرض أجداده ووالده على “فوهة بندقية”، ومن الممكن في أية لحظة “سماع صوت الرصاصة”، وإصدار أوامر تعسفية وعقوبات جماعية بحق أهلها.

ووفق دراغمة، الذي عمل سنوات طويلة في جمع صور لنبات الأغوار الشمالية وطيورها ببراعة عالية، ونشرها في مواقع ومجلات عالمية كـ”ناشونال جيوغرافيك” إن أي التقاط لصورة اليوم من المنطقة بكاميرا احترافية يعرض صاحبها للتوقيف وربما لإطلاق النار وفقدان الحياة.

وأفاد بأن ما يمنع نهب الأغوار تماما هو صمود أهلها وتشكيلهم لجنة لحمايتها، وهم يفضلون الموت على ترك جنتهم الساحرة.




جائزة حمدان بن محمد للتصوير تُنهي أعمال التحكيم للدورة الثالثة عشرة “الاستدامة”

لجنة التحكيم تشكَّلت من 7 مُحكِّمين دوليين بارزين
جائزة حمدان بن محمد للتصوير تُنهي أعمال التحكيم للدورة الثالثة عشرة “الاستدامة”

  • بن ثالث: مجلس أمناء الجائزة يعتمد أدوات متطورة للبحث والتنقيب عن أفضل الطاقات والخبرات الفوتوغرافية

1 أكتوبر 2024
أعلن سعادة الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، علي خليفة بن ثالث، انتهاء أعمال التحكيم للدورة الثالثة عشرة “الاستدامة”، مُعلناً عن أسماء المحكِّمين الدوليين السبعة الذين تولّوا تحكيم المحاور الخمسة المعتمدة لهذه الدورة وهي: الاستدامة، ملف مصور، المحور العام، التصوير الرياضي، مقاطع فيديو قصيرة (لمنصات التواصل الاجتماعي).
وقد شَهِدَت قائمة المحكّمين الدوليين للدورة الثالثة عشرة، حضور المصور الأمريكي وصانع أفلام الاستدامة الشهير “كريس جوردان”، بجانب نجمة “نيوزويك” الفنانة والمحرّرة اليابانية “هيديكو كاتاوكا”، يرافقهم المصور الرياضي النرويجي الشهير “دانيال سانوم لوتن”. ومن ألمانيا جاء مصور الحياة البرية ومؤسس مشروع حرية التجوّل، المصور والناشط البيئي البارز “فلوريان شولز”. القائمة شَمِلَت أيضاً المصور الوثائقي والمؤلّف اليوناني “يانيس كونتوس” خبير تصوير الحروب والحاصل على أكثر من 20 جائزة دولية مرموقة. ومن إيطاليا يشارك المؤلّف ومصور المجوهرات والأزياء “فرانشيسكو باشينزا”، يرافقه مصور الصحافة الرياضية في Getty Images الحاصل على جوائز “بوليتزر” و”سوني العالمية” المصور الأمريكي “باتريك سميث”.

وفي تصريحٍ له قال بن ثالث: مجلس أمناء الجائزة يعتمد أدوات متطورة للبحث والتنقيب عن أفضل الطاقات والخبرات الفوتوغرافية المتناغمة مع طبيعة المحاور المطروحة، على أن يؤخذ عامل الممارسة المستمرة في الاعتبار، لضمان الشمولية المعرفية والمهارية وتنوع خلفيات التقييم والقياس لدى المُحكِّمين.
وأضاف بن ثالث: نسعى دوماً لتطوير معايير اختيار أعضاء لجنة التحكيم مواكبةً لتفاوت الأذواق الفوتوغرافية بين الحضارات والثقافات المختلفة.

محكِّمو الدورة الثالثة عشرة “الاستدامة”:
كريس جوردان | الولايات المتحدة الأمريكية
فنانٌ عالميّ تستكشف أعماله الجانب المظلم لثقافة الاستهلاك، من خلال السير على الخطوط الفاصلة بين الجَمَال والرعب، والتجريد والتمثيل، والقريب والبعيد، والمرئي وغير المرئي.
تتمركز رسالته حول السلوكيات اللاواعية في الحياة اليومية، ويترك للمشاهد استخلاص استنتاجات حول العواقب الحتمية التي تنشأ عن العادات. يسعى من خلال أعماله للنظر إلى الخارج والداخل في الحقائق المُعقّدة للاختيارات الجماعية. تتجه مشاريع جوردان الجديدة نحو القوة التحويلية للجَمَال كمصدرٍ للأمل والإلهام لعصرنا.
تم عرض صور جوردان وأعماله الفنية المفاهيمية في جميع أنحاء العالم، آخرها كان معرضاً فردياً استعادياً في سيول، كوريا الجنوبية. نشر جوردان أربعة كتب، وحصل على عدة جوائز بما في ذلك جائزة Green Leaf من الأمم المتحدة، وجائزة “أنسل آدامز” من “سييرا كلوب” للتصوير الفوتوغرافي للحفاظ على البيئة، وجائزة Prix Pictet Commission في باريس. أما فيلمه Albatross فقد وجد طريقه للجمهور العالمي بقصةٍ مدهشة عن جثث طيور الألباتروس الصغيرة على جزيرة نائية في المحيط الهادئ، حيث تمتلئ أجسادها بالبلاستيك الذي تتلقاه من والديها كطعامٍ مُلتَقط من سطح المحيط. تصل رسائل جوردان المليئة بالجَمَال والأمل إلى جمهور واسع بشكل متزايد، من خلال مقابلاته على وسائل الإعلام، ومشاركاته في المحاضرات وزياراته المدرسية في جميع أنحاء العالم.

هيديكو كاتاوكا | اليابان
مُحرّرة صور وقيِّمة ومُعلّمة. منذ عام 2001، عملت كمديرة تصوير في نيوزويك اليابان، حيث أطلقت قسم “قوة الصورة” الشهير في عام 2004، وهو عبارة عن سلسلة مقالات مصورة أسبوعية تركز على القضايا العالمية التي لم يتم تناولها بشكل كافٍ. يصادف هذا العام الذكرى السنوية العشرين لتأسيسه.
بالإضافة إلى عملها التحريري، عملت هيديكو كمحاضرة في التصوير الصحفي والتصوير الوثائقي في جامعة طوكيو للفنون التطبيقية منذ عام 2013.وكانت عضواً في لجنة المراجعة الخارجية في متحف طوكيو للفنون الفوتوغرافية منذ عام 2016. تحظى خبرتها الكبيرة بطلبٍ واسع على مستوى العالم، حيث شاركت في portfolio reviews وعملت كعضو لجنة تحكيم في مسابقات مرموقة بما في ذلك World Press Photo وVisa Pour l’image وجوائز Sony World Photography Awards. هيديكو هي مؤسسة ومديرة شركة “Miiraii Creative”، التي ساهمت في توسيع تأثيرها وانتشارها في صناعة التصوير العالمية.

يانيس كونتوس |اليونان
مصور صحفي حائز على جوائز مع أكثر من 25 عاماً من الخبرة في صناعة التحرير الدولية. أستاذ في جامعة الإمارات العربية المتحدة، حصل على درجة الدكتوراه في التصوير الوثائقي ودرجة الماجستير في الصحافة الفوتوغرافية.
قام بتغطية الحروب والصراعات والأحداث العالمية الكبرى في أكثر من 50 دولة؛ من فلسطين والشرق الأوسط إلى الصحراء الغربية وسيراليون، ومن كوريا الشمالية وإندونيسيا إلى إيران والمملكة العربية السعودية. كما قدَّم تقارير موسعة عن حرب كوسوفو (1999)، والحرب في أفغانستان (2001) وحرب العراق (2003)؛ وساهم في مطبوعات شهيرة مثل تايم ونيوزويك ومجلة نيويورك تايمز وصحيفة صنداي تايمز البريطانية.
حصل على 20 جائزة دولية مرموقة بما في ذلك الجائزة الأولى في مسابقة World Press Photo. نُشرت صوره في مئات المطبوعات وعلى أغلفة مجلات تايم ونيويورك تايمز وساندي تايمز ولوموند وليكسبريس، كما أنه مُمَثَّل من قِبَل شركة Polaris Images. يانيس قام بتأليف كتابين، “ممكن/ مستحيل: أبوريا” و”كوريا الشمالية: اليوتوبيا الحمراء”، ويستخدم صوره الفوتوغرافية لإيصال أصوات المُهمَّشين وإلهام منظومة التغيير.
دانيال سانوم لوتن |النرويج

مصور صحفي ومدير تحرير مُتمرّس من أوسلو، النرويج. بدأ شغفه بالتصوير في سن الخامسة عشرة مع الصحيفة المحلية Romerikes Blad، وبحلول عام 2001، كان يعمل لصالح الصحف اليومية النرويجية الكبرى مثل Dagbladet وVG، بالإضافة إلى وكالة الأنباء الدولية AFP.
يعمل دانيال حالياً كمدير تحرير في TV 2 Sports Norway، ويتخصّص في التصوير الرياضي والتغطية السياسية والقصص المرئية. أخذته حياته المهنية في جميع أنحاء العالم، حيث غطى أحداثاً رياضية رفيعة المستوى مثل سباق فرنسا للدراجات، والعديد من مسابقات كرة القدم الدولية بما في ذلك دوري أبطال أوروبا وكأس العالم لكرة القدم، بالإضافة إلى العديد من بطولات العالم للتزلج والألعاب الأولمبية. يتميّز ملفه الإبداعي بأعمال واسعة النطاق في القفز على الجليد والتزلج على جبال الألب وكرة القدم.
كما عمل دانييل عن كثب مع شخصيات سياسية، بما في ذلك رئيس وزراء النرويج السابق والأمين العام الحالي لحلف شمال الأطلسي “ينس ستولتنبرج”. وعلى مر السنين، نالت أعمال دانييل الفوتوغرافية العديد من الأوسمة، بما في ذلك المركز الأول في فئة الرياضة في مسابقة التصوير الصحفي الدولي الصينية (CHIPP) في عام 2013، والعديد من الأوسمة في جوائز صورة العام النرويجية.
فلوريان شولز | ألمانيا
جَمَعَ بين شغفه بتصوير الطبيعة والالتزام بالحفاظ على البيئة لأكثر من 25 عاماً. أشعلت صوره المذهلة حملات الحفاظ على البيئة بأكملها، مما جعله قوة دافعة في الحركات البيئية. يلتقط عمل فلوريان جمال الأماكن البرية بينما يدافع عن جهود الحفاظ على البيئة على نطاق واسع لحماية بعض المناطق البرية المتبقية الأخيرة على الكوكب.
ظهرت صوره في منشورات مرموقة مثل ناشيونال جيوغرافيك، وجيو، ونيويورك تايمز، وبي بي سي للحياة البرية. فلوريان قام بتأليف العديد من الكتب، بما في ذلك “يلوستون إلى يوكون – حرية التجوال” و”إلى القطب الشمالي”. فاز بالعديد من الجوائز بما في ذلك “مصور البيئة لهذا العام”، و”جائزة أنسيل آدامز” من سييرا كلوب والعديد من الجوائز من مسابقة مصور الحياة البرية لهذا العام التي تنظمها هيئة الإذاعة البريطانية.
تم ترشيح التصوير السينمائي لفلوريان لجائزة بافتا وجائزة إيمي. تشمل أعماله الأخيرة فيلم IMAX عن محمية الحياة البرية الوطنية في القطب الشمالي، وهو أمر بالغ الأهمية في حملة حمايتها. بصفته مدير تصوير ومصور سينمائي، يتعاون لإنشاء مجموعة من الأعمال لعملاء بارزين مثل بي بي سي، ونيتفليكس، وآبل تي في، وديزني بلس.

فرانشيسكو باشينزا | إيطاليا
مصور فوتوغرافي شهير معروف بإتقانه الاستثنائي للحركة والضوء. تابع تعليمه العالي في البداية، إلا أنه سرعان ما ترك دراسته لمتابعة شغفه بالتصوير الفوتوغرافي.
بعد الالتحاق بالمعهد الأوروبي للتصميم، حيث تخصّص في تصوير الأزياء والمجوهرات، صقل فرانشيسكو إتقانه للضوء تحت إشراف مصور السينما الحائز على جائزة الأوسكار أربع مرات “فيتوريو ستورارو” واليوم، يواصل مشاركة خبرته كمُدِّرس.
حازت أعمال فرانشيسكو على اعتراف دولي، مع العديد من الجوائز والمعارض والمنشورات التي تُسلّط الضوء على موهبته الاستثنائية. أسلوبه المميز في استخدامه الماهر للضوء، يمنح صوره جودة آسرة وفريدة من نوعها. بجانب التصوير الفوتوغرافي، قام باتشينزا بتأليف العديد من الكتب حول تقنيات التصوير الفوتوغرافي، بما في ذلك الدليل الشامل للتصوير الفوتوغرافي تحت الماء لعام 2020 بعنوان “خلف العدسة”.

باتريك سميث | الولايات المتحدة الأمريكية
مصور صحفي يعمل لدى Getty Images، يغطي الأخبار والرياضة والقصص المميزة في منطقة بالتيمور وواشنطن وخارجها. يسافر على نطاق واسع، ويلتقط صوراً جذابة لبعض أكبر العلامات التجارية والمؤسسات الإعلامية في العالم.
قام باتريك بتوثيق العديد من الأحداث الرياضية العالمية الشهيرة بما في ذلك كأس العالم لكرة القدم، والألعاب الأوليمبية الصيفية والشتوية، ويمبلدون، وبطولة الماسترز، وكأس رايدر، وسوبر بول، ونهائيات كأس ستانلي، والبطولة العالمية للبيسبول وغيرها الكثير.
نال عمله الاستثنائي تقديراً من مؤسسات مرموقة مثل جوائز بوليتزر، وجائزة صور العام الدولية، وجوائز سوني العالمية للتصوير، وجوائز التصوير الرياضي العالمية، والرابطة الوطنية لمصوري الصحافة.




كل احتمالات الحرب مفتوحة

قبل التصعيد الإسرائيلي الخطير، الأسبوع الماضي، ضد أهداف في لبنان، كتبت أن التصعيد وارد، ولكن تحت سقف الحرب الإقليمية. وبعد هذا التصعيد نستطيع التأكيد أن كل احتمالات الحرب باتت واردة، بما فيها الحرب المفتوحة والشاملة والإقليمية واستمرار حرب الإسناد مع تصعيد محسوب، ما لم يحدث ما هو غير متوقع حدوثه ويغير السيناريوهات المرجحة ويقدم عليها سيناريوهات أخرى، ولكن مع حرص حزب الله ومعه محور المقاومة على عدم الوقوع في الفخ الإسرائيلي بالانجرار إلى حرب مفتوحة شاملة في وقت مناسب لدولة الاحتلال، فحرب الاستنزاف تناسب محور المقاومة ولا تناسب حكومة اليمين المتطرف لذلك تسعى إلى تغيير سيناريوهات الحرب.

ما الذي يدفع إلى هذا الاستنتاج هو أن حكومة بنيامين نتنياهو تريد الحرب الشاملة مع استمرار حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، خصوصًا إذا لم تنفع حرب الترويع والصدمة والتقويض من الداخل، التي تعبر عن نفسها من خلال العمليات النوعية التي نفذتها من اغتيال صالح العاروري، مرورًا باغتيال فؤاد شكر، وعمليتي البيجر وأجهزة اللاسلكي، واغتيال إبراهيم عقيل ورفاقه، وانتهاء باستهداف مرابض الصواريخ بصورة مركزة، بهدف شل المقاومة وتأليب البيئة الداخلية اللبنانية بدءًا من أوساط الحزب والطائفة الشيعية وانتهاء بكل لبنان؛ للضغط على حزب الله لوقف حرب الإسناد لتجنيب لبنان دمارًا شبيهًا بما حصل في قطاع غزة.

من قام بعمليتي التفخيخ الجماعي اللتين استهدفتا الآلاف، واستهداف قائد الرضوان وصحبه بعد يوم واحد، التي ارتقى فيها عشرات الشهداء معظمهم من المدنيين، متجاوزًا الخط الأحمر باستهداف الضاحية الجنوبية مرة أخرى، يريد أو يضع في حسابه إمكانية عالية لتحويل حرب الإسناد إلى حرب مفتوحة. ولو كان الأمر بيد نتنياهو وجنرالاته وحدهم لشنوا حربًا شاملة مباشرة بعد عمليتي البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية، وأخذوا حزب الله على حين غرة وهو في حالة ارتباك كامل، ولكن هذا يشكل خروجًا عن المدى المسموح أميركيًا؛ إذ أعطت- كما يظهر من التحذير المستمر من الحرب الإقليمية- إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الضوء الأخضر لإسرائيل لحرب تحت مستوى الحرب الإقليمية، على أمل أن يعود مهجرو جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة إلى منازلهم كما صرح بايدن.

على الأرجح أن حكومة نتنياهو كانت تهدف ولا تزال إلى استدراج حزب الله للرد القوي المتناسب في وقت غير مناسب له، حتى تقوم بشن الحرب الشاملة ضده مع ضمان وقوف الإدارة الأميركية إلى جانب حليفتها المميزة جدًا، ولا سيما وهي مقيدة عشية الانتخابات الأميركية، جراء تأثير الحرب الشاملة على رفع الأسعار والتضخم، وتمكين بكين وموسكو من الاستفادة عبر التدخل ولو غير المباشر؛ ما يؤثر بشدة على فرص كامالا هاريس في الانتخابات، حتى تقوم بشن حرب شاملة ضده بحجة الدفاع عن النفس وهي مطمئنة أن واشنطن ستكون معها، وإن على مضض.

فإدارة بايدن كانت تفضل التوصل إلى صفقة تبادل وتهدئة على جبهة غزة تساعد على التوصل إلى تسوية على الجبهة اللبنانية.

إن ما حصل من تصعيد إسرائيلي إجرامي خطير يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ومن ثم يوم الجمعة الماضية، يدل إما على اختراق كبير لدى حزب الله، أو تفوق تكنولوجي أكبر مما كان يعتقد، أو كلا الأمرين. لذا، قبل الاندفاع نحو الرد المتناسب، يجب معالجة الخلل وترتيب الصفوف مجددًا، وليس التعامل برد فعل عاطفي، والخضوع لمطالب الجمهور المؤيد للمقاومة بعيدًا عن الحسابات الإستراتيجية الباردة. فحزب الله تلقى ضربات قوية ودولة الاحتلال حققت مكاسب تكتيكية مهمة، ولكنها على أهميتها لم تغيّر البيئة الإستراتيجية، بدليل أن حرب الإسناد استمرت وتصاعدت وتغيرت قواعد الاشتباك، وبدأت مرحلة الحساب المفتوح، وأن مستوطني مستعمرات الشمال لم يعودوا إلى بيوتهم، ولن يعودوا وفق التزام حسن نصرالله إلا بوقف حرب الإبادة.

علينا أن نسجل أن إيران مثلها مثل الصين تتحلى بحكم الاختلال في موازين القوى وكون الكيان الإسرائيلي جزءًا من المعسكر الاستعماري بمميزات صانع “السجاد العجمي”، الذي يمضي سنوات وسنوات في حياكة السجادة بفن وإتقان وخطوة خطوة بلا كلل، وفي ظل مهارة وذكاء بلد وشعب “مخترع لعبة الشطرنج” الذي يتحلى بالصبر الإستراتيجي، ودأب ومثابرة النملة التي تحاول وتحاول وتحاول حتى تحقق ما تريد. كما تعطي طهران الأولوية للحفاظ على برنامجها النووي، ووصوله إلى محطته الأخيرة بعد أن وصلت إلى عتبة التحول إلى دولة نووية، وتؤمّن بعد ذلك استمرارها .

لو، ولو تفتح عمل الشيطان، كما يقال، لم يقع جمال عبد الناصر في الفخ الإسرائيلي الهادف إلى جره للحرب في العام 1967 قبل أن يستكمل استعداده، كما دلت محاضر اجتماعات هيئة أركان جيش الاحتلال المنشورة لاحقًا، التي أصرّت وضغطت على حكومة ليفي أشكول لشن الحرب متذرعة بالإجراءات التي اتخذها عبد الناصر، ولما وقعت هزيمة حزيران المخزية، ولكان مصير المنطقة برمته مختلفًا؛ لأن هزيمة حزيران هي الحدث المؤسس للانهيار العربي، الذي وصل بالعرب مرحلة وراء مرحلة إلى وضعهم الحالي من دون مشروع عربي واحد ولا قيادة عربية واحدة ولا دولة قائدة ولا قائد واحد .

هل ما سبق لا يحمل حزب الله أي مسؤولية؟ لا، طبعًا، فهو يتحمل مسؤولية عدم التحسب لتداعيات التفوق الإسرائيلي الذي كان يعرفه، وكان يجب أن يكون أكثر حذرًا بشأن رفع سقف التوقعات، ويحد بذلك من مستوى التهديدات والوعود.

يكفي حزب الله أنه استمرّ في حرب الإسناد حتى الآن، على الرغم من الثمن الغالي الذي قدمه ولا يزال مستعدًا لتقديمه، لمدة تكاد تصل إلى عام كامل حتى الآن، ومنع جيش الاحتلال من حسم الحرب وإعادة المهجرين إلى منازلهم. صحيح أن هذا لم يوقف حرب الإبادة على قطاع غزة حتى الآن، ولكنه رفع الثمن الإسرائيلي من هذه الحرب، وحدّ من قدرات دولة الاحتلال على تحقيق أهدافها، ووضع المزيد من علامات السؤال بشأن قوة الردع الإسرائيلية.

لو كان حزب الله على علم بطوفان الأقصى وتعهد لحركة حماس بخوض حرب شاملة، وأنه قادر عليها، لكان التقييم مختلفًا، ولكنه خاض حرب الاستنزاف المناسبة لدرجة استعداده على الرغم من عدم علمه مسبقًا، وعلى هذا يستحق التقدير وليس اللوم، ويحسب له وليس عليه.

ولمن يدفع أو يلح على تقييم ليس أوانه للسابع من أكتوبر، أو للدور الذي يقوم به محور المقاومة وحزب الله تحديدًا ووحدة الساحات، نقول له انظر بمعيار واحد، في الوقت الذي لا ينبس ببنت شفة عن الأطراف العربية التي لم تكتف بعدم إطلاق رصاصة واحدة نصرة لغزة، بل لم تقطع الدول التي طبعت علاقاتها مع دولة الاحتلال، ولم تهدد حتى لفظيًا بفعل ذلك.

وهناك ما يمكن أن يقال عن مدى حكمة تنفيذ طوفان الأقصى وعن دور محور المقاومة، ولكن في الوقت والمكان المناسبين، وحوار بين حلفاء وأصدقاء في معسكر واحد.

ولكن، لو تخيلنا لوهلة أن هذا المحور ليس موجودًا وكانت إيران سائرة في ركب أميركا أسوة بالدول العربية لكانت إسرائيل ستسرح وتمرح في عموم المنطقة، وحققت هدف نتنياهو الذي أعلن عنه بتغيير الشرق الأوسط من دون ثمن أو بأبخس الأثمان .

لقد تبنت حكومة دولة الاحتلال برنامج الضم والتهويد والتهجير، وخطة حسم الصراع التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من كل أبعادها قبل طوفان الأقصى، وكان من المفترض والطبيعي المبادرة بردٍّ وطني موحد متناسب معها مستند إلى رؤيا شاملة وإستراتيجية وقيادة واحدة، وإلا ستنجح في حسم الصراع، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للفلسطينيين وقضيتهم، ولكن هذا لم يحدث، وفتح المجال لحدوث ما حدث، ولا يمكن إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، والقيام بدلًا من ذلك بتقليل الخسائر والأضرار وتعظيم المكاسب وتوظيف الفرص المتاحة.