1

رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارة لجنوب إفريقيا خشية اعتقاله

ألغى رئيس “الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل” اللواء احتياط دورون ألموغ، زيارة كانت مقررة له إلى جنوب إفريقيا، خشية صدور أمر اعتقال بحقه، على خلفية الإبادة التي ترتكبها تل أبيب في قطاع غزة.

والوكالة اليهودية هيئة عامة بمنزلة الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية، لتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، وبعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل في 15 مايو/ أيار 1948 (النكبة الفلسطينية) أصبح اسمها “الوكالة اليهودية من أجل إسرائيل”.

وقالت هيئة البث العبرية الرسمية الأحد، إن ألموغ كان من المقرر أن يزور جنوب إفريقيا ويلتقي بالجالية اليهودية هناك، دون ذكر تاريخ الزيارة التي تم إلغاؤها.




جنين.. تعليم في عين النزوح

عبد الباسط خلف- تعرض نازحات من مخيم جنين تجاربهن مع التعليم في عام عصيب وطويل، ويسردن شهادات ثقيلة الظل.

وتقدم أمهات وجامعيات وخريجات تفاصيل محنتهن خلال العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ 21 كانون الثاني الماضي، والذي أخرج 7 مدارس في محيط مخيم جنين عن الخدمة، وأقفل قسرا أبواب مديرية التربية والتعليم ونوافذها.

وتشارك النازحات في ندوة حملت عنوان “مدى استجابة قطاع التعليم لاحتياجات الطلبة النازحين وإعمال الحق في التعليم”، نظمتها الهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات غير الحكومية بالشراكة مع الائتلاف مع أجل النزاهة والمساءلة (أمان).

انتكاسة وتحصيل

وتسرد أميرة قطنة، الأم لأربعة أطفال، معاناتها مع النزوح الذي تسبب في تدني مستوى التحصيل لأطفالها، والصعوبات الناجمة عن التعليم الإلكتروني ومتطلباته.

وتؤكد أن فقدان بيت العائلة، واختلاف البيئة على أبنائها جعل خسارة العائلة مضاعفة، ولم تقتصر على الجانب المادي بل تسببت في انتكاسة لأولادها وتراجع تحصيلهم بشكل كبير.

وتلخص منتهى عبد الحق، الأم لطفلين، والتي انتقلت من بيت عائلتها قسرا إلى حي الهدف، إلى صعوبة قدرتها على توفير جهازي هاتف أو حاسوب لوحي لولديها، ما دفعها إلى استحداث “مناوبات” بينهم؛ في محاولة لتعويض غيابهم عن مدارسهم في مخيم جنين.

وتنسج الأم دعاء أبو ديب النازحة مع زوجها وأطفالها الثلاثة، تراجع ابنتها من الترتيب الأول في صفها إلى تصنيف غير مرض، وحالة نفسية صعبة.

وتلخص التغيرات التي عصفت بأولادها، فقدت تغيرت مدارسهم، وخسروا كتبهم وحقائبهم وكل تفاصيل بيتهم، وأصبح عليهم الانتقال إلى مدارس جديدة بعيدة.

وتؤكد أبو ديب أن زوجها، الذي كان يعمل في أراضي الـ 48، يعجز عن توفير احتياجات المدرسة لأولاده، وسيعصب عليه تسجيل صغيرته في روضة؛ لجيوبه الفارغة.

امتحان بالنار

وتنثر جنان أبو ندى الصعوبات التي وقفت في طريقها، فقد حاولت الوصول إلى جامعة القدس المفتوحة، غير البعيدة عن مخيمها، لكن رصاص الاحتلال قطع طريقها، ومنعها من تقديم الامتحان.

وتستذكر بأن زخات النار حالت دون وصولوها في موعد الامتحان، فعادت أدراجها دون أن تقدم اختبارها في زمانه ومكانه.

وتشير دارسة القانون في الجامعة العربية الأمريكية، آية عبد الحق، إلى أنها فقدت مكتبتها الخاصة ببيت عائلتها في مخيم جنين، وانتقلت إلى سكنات “العربية الأمريكية”، وبدأت دراستها وتحصيلها بالتراجع.

وتفيد بأنها فقدت غرفتها الواسعة، وأصبحت تشارك الحيز الصغير مع والدها ووالدتها وجدتها وإخوتها السبعة.

وترسم لوحة تقديمها لامتحان إلكتروني، عندما كانت نازحة إلى أحد البيوت في حي الجابريات، ووقتها ظهرت في اختبارها الإلكتروني صور آليات الاحتلال الثقيلة، التي كانت تقطع الطريق وتسمم حياة المواطنين.

خسائر ثقيلة

وتصف صمود بواقنة، التي نزحت من المخيم واستشهد والدها أما بيت عائلته، أوضاع النزوح. وتشير إلى أنها تلتحق بجامعة بيرزيت، لكن الظروف التي أعقبت الحصار قلبت حياتها رأسا على عقب.

وتؤكد بواقنة أنها دخلت في حال نفسي صعب، وتسبب ذلك في تدني تحصيلها، وفقدان لبيتها ولوالدها.

وتلخص براءة لحلوح، التي نزحت إلى وادي برقين أن خسارة البيت وحقائب الأبناء وكتبهم والوضع النفسي الصعب والحال الاقتصادي المتعثر، والغموض الذي يلف مستقبل السنة الدراسية يجب أن يدفع “التربية والتعليم” إلى عدم المطالبة بالتبرعات المدرسية والإعفاء من ثمن الكتب والزي والحقائب وغيرها.

مدارس مقفلة

وتتطرق رئيسة قسم الإشراف في التربية والتعليم، ختام حمارشة، إلى الصعوبات التي فرضها العدوان على المدينة ومخيمها، إذ أجبرت المديرية على إخلاء مقرها، والاقفال القسري لسبع مدارس في أطراف المدينة والمخيم.

وتبين أن المديرية تنقلت بين عدة أماكن في تربية قباطية، وبلدية برقين، ويعبد، وتعمل في ظروف قاسية.

ووفق حمارشة، فقد تابعت المديرية النازحين وفتحت مدارسها لاستيعابهم في برقين وجلقموس ودير أبو ضعيف، ووضعت خطة طوارئ وخلية أزمة من 7 أعضاء على رأسهم مدير عام التربية والتعليم طارق علاونة.

وتشير إلى أنه رغم الصعوبات الكبيرة، إلا أن نتائج الثانوية العامة كانت ممتازة على مستوى الوطن، كما حققت المديرية إنجازات في المسابقات والأنشطة المختلفة كتحدي القراءة العربي، وأولمبياد الرياضيات.

ويؤكد رئيس اتحاد الأشخاص ذوي الإعاقة في جنين، محمد العمور، أن مدارس الجنان للصم، والنور للمكفوفين، والأمل للتربية الخاصة منيت خلال الاجتياح المتواصل بالكثير من الخسائر، لكن غاب عن الاهتمام والرعاية.

كفاح تعليمي

ويشير إلى وجود 198 نازحا مسجلين في الاتحاد، بينهم 70 طالبا، لكن لم تخصص لهم رعاية، ولم توفر لهم احتياجاتهم الخاصة خلال العدوان المتواصل.

وتبين مديرة مدرسة ذكور جنين الثانية في مخيم جنين، سلام العمري، أن 3 من أصل 10 طلبة تسبب الاجتياح في تضرر دراستهم، ولكن منذ 8 كانون الأول 2024 خلق واقع صعب في مخيم جنين، وتأزم جراء النزوح في 21 كانون الثاني.

وتؤكد أن 1561 طالبا نزحوا من المخيم، تمكنت مدارس الوكالة من إعادة 1170 منهم إلى مدراس بديلة، ضمن خطة إنعاش ودعم نفسي وتوفير مدارس جديدة ومواصلات ووجبات طعام، بعد تدخلات تعليم عن بعد، وتصميم منهاج بديل؛ للتعويض عن الفاقد التعليمي.

وتشير العمري إلى أن الأوضاع النفسية للطلبة النازحين كانت صعبة للغاية، وأكد لها أحد الأطفال أنه فقد 24 من أقربائه، في وقت تضم بلدة برقين لوحدها نحو 600 طالب نازح.

ويعرض ممثل جامعة القدس المفتوحة، منذر زيود، الصعوبات التي أحاطت بالجامعة وبكلية يبوس التطبيقية، حديثة النشأة.

ويتحدث عن التعليم الإلكتروني، وتعطل الجامعة، وحرمان المحاضرين والطلبة من الوصول إلى حرمها.

حقوق وثوابت

وتبين رئيسة مجلس إدارة “الهيئة الاستشارية”، فرحة أبو الهيجاء، أن جنين ومخيمها وريفها مصممة على الاستمرار في حقها التعليمي، وبالرغم من الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها، إلا أنها تواصل رسالة التعليم في حالة الطوارئ.

وتؤكد أن الطلبة النازحين وأهاليهم يعيشون في حالة توتر اليوم، ويكتنف الغموض مصير أمكنة افتتاح العام الدراسي لهم؛ بفعل استمرار العدوان منذ نحو 7 أشهر.

ويشدد منسق تعاونية جنين التعليمية، عبد الله جرار، الذي يَسّر الحوار، على أهمية متابعة التساؤلات التي طرحها النازحون مع جهات الاختصاص.

فيما يؤكد المحامي والنازح أحمد حواشين أن 20 ألف نازح من المخيم يتوزعون اليوم على 3 مناطق رئيسة: المدينة وبعض الأحياء، والقرى والبلدات، ومراكز الإيواء في سكنات الجامعة العربية الأمريكية.

ويشير عضو الهيئة الاستشارية للائتلاف والحملة العربية للتعليم، ومنسق تعاونية تعلم وتعليم الكبار، نسيم قبها، إلى أن الورشة تلتئم على بعد أمتار من قنابل غير متفجرة، بعد أن تفجر الكثير، ودمر الكثير من الإنسان والتعليم.

ويشدد على أن النقاش يكرس للمطالبة بنهج شامل في التعليم الالزامي، يركز على ضمان الإتاحة والوصول والتكيف والاعتراف بأن الاحتلال يشكل العقبة الأكبر.

ويقول إن الواقع الصعب يتطلب مضاعفة جهود المؤسسات الرسمية والأهلية باعتبار التعليم مسؤولية الجميع، ولضمان تعليم جيد وشامل لكل طفل، كحق أساسي غير قابل للتفاوض، وأداة حيوية لبناء المستقبل.

ويبين قبها أن النقاش مساءلة ذاتية حول مدى استجابتنا للتحديات، ومساءلة ليس للانتقاد بل لاستخلاص العبر، ولتدشين عام دراسي جديد، في ظل نزوح مستمر للطلبة وذويهم، باعتبار النزوح مسؤولية جماعية رغم أننا نتلقاه ولا نفعله.




جنين تحت سطوة آب..

عبد الباسط خلف- يحتمي الأربعيني بسام نصار من شمس آب الحارقة بقبعة، ويلف رقبته بمنشفة للتخلص من العرق، وينادي على المارة وسط جنين لشراء الماء المثلج في يوم شديد الحرارة.

ويقول وهو يتصبب عرقا إنه يقف قرابة 6 ساعات تحت الشمس، ويبيع الماء بنصف السعر، ويدفع الباقي من أرباحه عن روحي والديه.

ويؤكد إنه شرع قبل سنوات في تقديم 100 عبوة ماء باردة على المتسوقين وعابري السبيل بالمجان، ثم طور مبادرته إلى عمل، فأصبح يبيعها بسعر زهيد، ويقبل بهامش ربح قليل.

ويعيل نصار عائلة ممتدة من 5 أولاد ومثلهم من البنات، بينهم اثنان يعانيان سكر الدم، فيما يتحامل هو على أوجاع تضخم عضلة القلب وسكر الدم.

ويشير إلى أن حركة المتسوقين تتراجع خلال الأجواء شديدة الحرارة، وبالتالي يعجز عن بيع بضاعته.

بيت النار

ويكافح الشاب محمد فؤاد أمام فرن الخبز، ويشير إلى أن المكان يتحول إلى كتلة لهب.

ويبين أنه لا يستمع كثيرا إلى نشرات أحوال الطقس، لأن الفرن بحد ذاته صيف حارق ودائم بدرجات حرارة تتجاوز 40 مئوية.

ويعمل فؤاد 8 ساعات، ويوزع أشغاله بين متابعة أرغفة الخبز والتخلص من العرق الذي يعكر صفوه، ويزداد قسوة خلال تموز وآب.

ولا يبالي محمد بالانخفاض الطفيف على درجات الحرارة، الذي تتوقعه دائرة الأرصاد الجوية مطلع الأسبوع المقبل؛ لأن جنين مدينة قاسية في حرارتها، والمخابز مرتفعة الحرارة.

قبل الشمس

ويسابق المزارع إبراهيم العلي الشمس فيذهب إلى حقله مبكرا جدا، ويحول غالبا قطاف محصوله إلى الليل.

ويفيد بأن الحر يذبح مزرعته ويقصر عمرها، كما يؤدي إلى إنتاج ثمار بنوعية متدنية، ويضاعف من ري المياه.

ويشير العلي إلى أن موجة الحر الحالية تعني زيادة مفرطة في سقاية الحقول، ومضاعفة التكلفة، في ظل مياه شحيحة بفعل موسم مطري ضعيف.

فيما يقف فراس السيلاوي على ناصية الطريق، ويحاول حماية الفواكه التي يروج لها من وطأة الحر.

ويقول إنه موجة القيظ تفسد كل شيء، وتسرع في تلف الفواكه والخضراوات، وتؤثر سلبا على حركة المتسوقين، الذين يتحاشون التجول في السوق خلال الظهيرة.

ويبين السيلاوي أن الحرارة التي يقف تحت رحمتها تجاوزت السبت 40 درجة، وهذا يعني معاناة للعاملين تحت الشمس، والذين يحاولون تأمين حياة كريمة لعائلاتهم.

ويشير إلى أن العرق يبدو واضحا على وجه المارة وملابسهم، خاصة في فترات ارتفاع الرطوبة.

فوق الأربعين

ويؤكد مدير عام الأرصاد الجوية، عصام عيسى لـ”الحياة الجديدة” أن ذروة الحر ستكون الثلاثاء والأربعاء والخميس، وستتجاوز الحرارة الأربعين مئوية في جنين، بينما كانت السبت 38,7.

ويشدد على أن أعلى درجة حراة سجلت في أريحا كانت عام 2015 بـ 48,5 درجة.

ويكرر تنبيهات”الأرصاد الجوية”، التي تحذر من خطر التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترة طويلة خاصة في ساعات الذروة من الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة مساء.

ويحث عيسى المواطنين على تفادي إشعال النار في المناطق التي تكثر فيها الأعشاب الجافة، ومتابعة إرشادات الدفاع المدني ووزارة الزراعة.

ري أكثر

ويؤكد رئيس قسم البستنة في مديرية زراعة جنين، أشرف فالح، أن موجة الحر تنعكس سلبا على القطاع الزراعي، وتتطلب زيادة كمية الري للأشجار التي تعطي ثمارها متأخرة كالعنب والرمان والجوافة، وتقليص فترات السقاية لتعويض كميات التخبر والنتح، وللمحافظة على الأشجار والثمار.

ويفيد بأن كميات الرطوبة الأرضية متدنية، وارتفاع الحرارة بمعدلات قياسية يزيد من الطين بلة، ويزيد من الطلب على المياه الشحيحة.

ويشير إلى أن الحر يمكن أن يتسبب بذبول مؤقت أو دائم للنباتات، بفعل التبخر والنتح العاليين.

بدوره، ينصح رئيس قسم المجترات في وزارة الزراعة، زياد نصار، مربي الأغنام والأبقار والدواجن بالمسارعة في زيادة التهوية، وتفادي تكاثف الغازات خشية الاختناق والنفوق.

ويحث على تنظيف المزارع من روث الحيوانات، وتقليل سمك الفرشة أسفلها، وفتح النوافذ، وتغطية النوافذ المواجهة لأشعة الشمس.

ويقول إن تقليل الكثافة العددية داخل المنشأة، وبيع الأوزان الكبيرة منها، وزيادة عدد المشارب، وتغطية خزانات المياه، وتقليل حرارتها بتجهيز قوالب ثلج.

ويشير نصار إلى ضرورة تغطية الأسقف أو رشها بطبقة من الجير (الشيد) الأبيض؛ لمنع الارتفاعات الإضافية في درجة حرارة المنشآت الزراعية.




رحلت مزيونة وظل قلبها أسيرا

 زهير طميزة-  رحلت مزيونة أبو سرور بسكتة دماغية عن 84 عاما قضت منها 34 سنة في انتظار نجلها الأسير ناصر، عميد أسرى محافظة بيت لحم، والمحكوم بالمؤبد منذ مطلع عام 1993.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور ابن عم الأسير ناصر، إن الحاجة مزيونة لم تستسلم عبر مشوارها الماراثوني الطويل بين سجون الاحتلال، لا لمرض أو لكسل وتقاعس، ورغم إصابتها بعدة “جلطات” سابقا، فإنها لم تتوقف عن السعي وراء ناصر من سجن إلى آخر، حاملة مشعل الأمل في أحلك الظروف، موقنة بأنها لن تغادر قبل أن تحتضن ناصر بين ذراعيها تحت سماء المخيم (مخيم عايدة للاجئين).

كاد حلم مزيونة يتحقق عام 2014 عندما أدرج اسم ناصر في الدفعة الأخيرة من الأسرى الذين تم الاتفاق بين القيادة وحكومة إسرائيل على تحريرهم، ولكن حكومة نتنياهو، كدأبها، أخلت بالاتفاق.

أما مزيونة التي لم يدخل اليأس قلبها على مدى عقود ثلاثة، فقد استعدت لاستقبال ناصر بعدما أشيع مؤخرا عن أنه سيخرج ضمن صفقة تبادل للأسرى، يعمل ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي ستيف على إنجازها، فحزمت امتعتها وسافرت إلى العاصمة الأردنية على أمل استقبال نجلها هناك، فقد علمت أن سلطات الاحتلال تمنع ذوي الأسرى المبعدين بعد تحررهم، من السفر للقاء أبنائهم، فقررت أن تستبق إجراءات الاحتلال، لكن خيبتها هذه المرة كانت قاتلة، فأصيبت بالسكتة الدماغية، لترحل عن عالم الانتظار بعد ثلاثة أيام على نقلها من عمان إلى مستشفى بيت جالا الحكومي.

مزيونة الشولي ابنة قرية الخضر غرب بيت لحم، عاشت حياة اللجوء مع زوجها حسن أبو سرور المُهجر من قرية بيت نتيف المدمرة عام 1948، والمعروفة بسنديانة فلسطين وأم الأسرى، كان منزلها المحطة الثانية لكل أسير محرر، كذلك كانت تزور كل من يتحرر من سجون الاحتلال بفرح ولهفة، وكأنها تتلمس في كل من يخرج من السجن رائحة نجلها.

ناصر أبو سرور (56 عاما)، الأسير المثقف، والشاعر والكاتب.. صاحب ديوان “عن السجن وأشياء أخرى” والذي رشحت روايته “حكاية جدار” لنيل جائزة البوكر بعد ترجمتها إلى الإنجليزية، لا يعلم حتى اللحظة انه فقد مزيونته إلى الأبد، وأنه لن يراها بعد اليوم، فبعد أن حُرم من وجهها سبع سنين بسبب منعها من زيارته “لأسباب أمنية” حسب ادعاء سلطات الاحتلال، عادت المثابرة لتزوره رغم ضعف بصرها وعدم قدرتها على رؤيته بوضوح، حسب حفيدها عبد الفتاح، مكتفية بسماع صوته، لكن حرب الإبادة التي اندلعت عام 2023 حرمتها من صوته أيضا، لترحل دون أن تفي بوعدها له عندما أجابته مازحة على طلبه بألا تموت وتتركه في السجن: “سأطلب من ملاك الموت أن يمهلني حتى تخرج من السجن”.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور: “لا أعلم كيف سيستقبل ناصر الخبر، فهو لم يتحمل مجرد أن يضعف بصرها، فما بالك عندما يعلم بأنها توفيت!”.

سيعود ناصر أبو سرور إلى مخيم عايدة محطته المؤقتة، وسيحدث أبناءه عن جدتهم المزيونة، التي تشبه فلسطين في قدرتها العجيبة على مواجهة اليأس رغم كل المحن. 




عرابة.. دموع وحسرة لعيون الفتى إبراهيم حمران

عبد الباسط خلف- اصطبغ مساء بلدة عرابة، جنوب جنين، بالدماء والدموع، عقب استشهاد الفتى إبراهيم عماد أحمد محمود حمران (14 ربيعا) في مدخلها الرئيس.

وفتح جيش الاحتلال النار على الفتى حمران بشكل مباشر، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة عند البوابة الغربية للبلدة.

وأكد مدير مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان (جنين الحكومي)، وسام بكر لـ”الحياة الجديدة” أن الفتى حمران وصل المستشفى بعد أن فارق الحياة، إثر إصابة قاتلة في الحوض.

ووفق مصادر محلية، فإن جنود الاحتلال أطلقوا النار على حمران في منطقة النقِب بالبلدة، وأحاطوا به بعد جرحه، ووصلت إليه طواقم الهلال الأحمر على مقربة من الشارع الرئيس وفي كرم زيتون، ثم نقلته إلى مستشفى جنين الحكومي.

والفتى حمران هو الشهيد الثالث في بلدات جنين خلال أقل من أسبوع، إذ التحقت عرابة بجارتها يعبد، التي بكت قبل أيام فتاها عمرو علي قبها (14 ربيعا) عقب إطلاق جنود الاحتلال 5 رصاصات صوبه، وتركه ينزف لنحو نصف ساعة ومنعوا إسعافه.

كما انضمت البلدة إلى قباطية، التي فجعت أمس الأول بارتقاء الفتى إبراهيم ماجد نصر، (16 عاما) الذي قضى برصاصة في الصدر، خلال اقتحام جيش الاحتلال للحي الغربي من البلدة.

وتقاطرت عائلة حمران وأهالي البلدة إلى ثلاجة الموتى، بانتظار وصول شقيقه وعمه اللذين يعملان في رام الله وأراضي الـ48، لتشييعه في ساعات الليل، وسط حزن وحسرة.

وأوضح قريبه فاضل حمران أن إبراهيم هو الأصغر بين إخوته إذ يكبره شقيقه أحمد و3 بنات.

وقال عضو المجلس البلدي خليل العارضة لـ”الحياة الجديدة” إن حمران تعرض لجريمة ضد الطفولة والإنسانية، وقتله جنود الاحتلال بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد، عند البوابة الغربية لعرابة.

وأوضح مدير مدرسة الشهيد أبو علي مصطفى، أحمد صبري، أن الفتى حمران أنهى قبل أسابيع صفه الثامن، وكان ينتظر الالتحاق بصفه التاسع بعد نحو شهر.

وأشار إلى أن فتى من الصف نفسه يحمل اسم إبراهيم أيضا أصيب بالفخذ، وفي المكان نفسه الذي ارتقى فيه إبراهيم حمران.

وذكر أن إبراهيم سبق سنه، وتحمل المسؤولية في سن مبكر لمساعدة والده الذي كان يعمل في اراضي الـ48 في مجال البناء، وصار يعاني مؤخرا المرض.

ووصف صبري حال عرابة المتشحة بالسواد، إذ دخلت البلدة منذ مساء أمس في حالة ذهول وصدمة كبيرة، عقب انتشار نبأ استشهاد فتى في عمر الزهور، وشعرت بغصة عليه، وتناقلت صورة ابتسامته الأخيرة.

وقال محمد لحلوح، ابن البلدة الثلاثيني إن عرابة بشبانها وشيبها وأطفالها ونسوتها كلها أصيبت بالألم على إبراهيم.

ويحمل حمران الترتيب (44) في شهداء جنين وريفها ومخيمها، خلال العدوان المتواصل عليها منذ نصف عام.




الاحتلال يواصل عدوانه على طولكرم ومخيمها ويصعّد عمليات هدم المنازل

تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها على مدينة طولكرم ومخيمها لليوم الـ169 على التوالي، ولليوم الـ156 على مخيم نور شمس، في ظل تصعيد غير مسبوق بعمليات الهدم والتجريف التي طالت عشرات المنازل والمنشآت السكنية.

وأفادت مراسلتنا، بأن جرافات الاحتلال الثقيلة واصلت صباح اليوم، أعمال الهدم في مخيم طولكرم بوتيرة عالية، مستهدفة المزيد من المباني السكنية، وذلك ضمن المخطط الجديد الذي يشمل هدم 104 مبانٍ تضم نحو 400 منزل، في استكمال لسلسلة الهدم التي طالت خلال الأيام الماضية عدة حارات في المخيم تحديدا المربعة وأبو الفول والشهداء، وأدت إلى فقدان آلاف العائلات لمساكنهم.

وفي مشهد تم رصده خلال عملية الهدم، شوهد جنود الاحتلال يعتلون أسطح منازل المواطنين التي جرى طرد أصحابها منها قسرا في المخيم، وهم يشاهدون عمليات الهدم ويبدون إعجابهم بسائق الجرافة، الذي أمعن في تدمير منازل المواطنين وتركها ركاما.

وكانت سلطات الاحتلال، قد أعلنت الأسبوع الماضي، عن نيتها البدء بتنفيذ أوامر هدم واسعة النطاق في مخيم طولكرم، ضاربة بعرض الحائط قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بتجميد هذه الأوامر في وقت سابق.

بالتوازي، يشهد مخيم نور شمس، تصعيدا عسكريا في ظل عدوان وحصار محكم تفرضه قوات الاحتلال عليه مترافقا مع حرق جنود الاحتلال للمنازل بشكل متعمد وإضرام النيران داخلها خاصة في جبل النصر.

وكان مخيم نور شمس تعرض خلال الأسابيع الأخيرة الماضية لأعمال هدم واسعة طالت عشرات المباني السكنية، ضمن مخطط احتلالي لهدم 106 مبانٍ في مخيمي طولكرم ونور شمس، منها 48 مبنى تم هدمها في نور شمس وحده، ما تسبب بدمار واسع، مع إحداث وفتح شوارع واسعة فصلت الحارات عن بعضها.

وقد أدى التصعيد المتواصل إلى تهجير قسري لأكثر من 5 آلاف عائلة من مخيمي طولكرم ونور شمس، أي ما يزيد على 25 ألف مواطن، وتدمير أكثر من 600 منزل تدميرا كليا، و2573 منزلاً تضررت جزئيًا، في ظل استمرار إغلاق مداخل المخيمين بالسواتر وتحويلهما إلى مناطق خالية من الحياة، ومنع السكان من الوصول إلى منازلهم أو تفقد ممتلكاتهم، وسط إطلاق نار مباشر يستهدف كل من يقترب من المنطقة

وفي سياق متصل، دفعت قوات الاحتلال بمزيد من التعزيزات العسكرية، الى المدينة التي تشهد على مدار الساعة تحركات مكثفة لآليات الاحتلال، وتحديدا في الأحياء ووسط السوق وشارع مستشفى الشهيد ثابت ثابت الحكومي وشارع نابلس، حيث تعترض عمدا تحرك المواطنين والمركبات، مع إطلاق أبواق آلياتها بطريقة استفزازية، والسير بعكس اتجاه السير، معرضة حياة المواطنين للخطر.

وما زالت قوات الاحتلال تحول شارع نابلس الى ثكنات عسكرية عبر مواصلة استيلائها على عدد من المباني السكنية فيه الى جانب أجزاء من الحي الشمالي للمدينة وتحديدا المقابلة لمخيم طولكرم، بعد إخلاء سكانها قسرا، بعضها تحت سيطرة الاحتلال منذ أكثر من أربعة أشهر، مترافقا مع نشر آلياتها وجرافاتها الثقيلة في محيطها.

كما ويشهد هذا الشارع والذي يعتبر حلقة وصل بين مخيمي طولكرم ونور شمس، أضرارا كبيرة بسبب السواتر الترابية التي وضعتها قوات الاحتلال قبل عدة أشهر، مع تواجد مكثف لقوات الاحتلال التي تقوم بإقامة الحواجز الطيارة والمفاجئة، ما يعيق حركة المركبات ويزيد من معاناة المواطنين.

وأسفر العدوان المتواصل حتى الآن عن استشهاد 14 مواطنا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما كانت في الشهر الثامن من الحمل، إضافة إلى عشرات الإصابات والاعتقالات، وتدمير واسع طال البنية التحتية، والمنازل، والمحلات التجارية، والمركبات.




أنياب الاقتلاع تنهش جبال رابا

عبد الباسط خلف- ينشط أهالي رابا جنوب شرق جنين، في ملاحقة تفاعلات عدوان الاحتلال على قريتهم، ويواكب شبانها وشيبها عبر مجموعة إخبارية أطلقوها حديثًا، الهجمة الشرسة على أراضيهم عبر 3 جرافات.

ويعرب رئيس المجلس المحلي، غسان البزور، لـ”الحياة الجديدة” عن مخاوفه على مستقبل القرية، التي تشهد منذ 4 أيام عمليات تجريف في مناطق عديدة شرقها وجنوبها وشمالها.

ويبين أن المناطق المستهدفة والمهددة بالمصادرة أصبحت ممنوعة على أصحابها، وتشهد تجمعات دائمة لجنود الاحتلال.

ويفيد بأن المجلس سلّم هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 40 اعتراضًا على عمليات المصادرة، ولم يتمكن كثيرون من تقديم شكاوى بفعل وجود الكثير من أفراد العائلات خارج الوطن.

ويقدّر البزور أعداد المتضررين من الجدار الاحتلالي، بنحو ألفي مواطن سيخسرون موارد رزقهم، من بين قرابة 5 آلاف مقيم داخل القرية ومثلهم في المهجر.

حراك شبابي

ويؤكد الناشط أكرم البزور، أن آليات الاحتلال شرعت في التجريف من مشارف قرية المطلة المجاورة، مرورًا بجبل راس المطل، وانتهاءً بجبل السالمة.

وتجمع قبل يومين، قرابة 50 شابًا من القرية على قمة السالمة المهدد بالمصادرة، في حراك ضد قرار الاحتلال إقامة معسكر فوق أراضيهم، وغرسوا أعلامًا في أعالي الجبل.

ويشير البزور، إلى أن الاحتلال حول المنطقة إلى ساحة لعمليات التجريف والاقتحام، وشرع بطرد المزارعين ورعاة الأغنام من حقولهم.

ويتداول مواطنون طرد الجنود للمزارع محمود أبو يونس، الذي كان يستعد لجني محصول البصل، وأخبروه بأن المنطقة ممنوعة عليه، ولم يسمحوا له بإتمام عمله، الذي انتظره طوال الموسم، ولو لدقائق معدودة.

ويرصد الأهالي استخدام جنود الاحتلال لجرارات صغيرة تصل إلى المناطق الوعرة وأطراف القرية، وتهدف إلى طرد الفلاحين ومربي الأغنام منها، وحماية المستعمرين.

ويلتقطون أصوات جرافات الاحتلال التي تنهش في حقولهم وجبالهم، ويخشون من أن الجدار الذي سيمتد على نحو 4 كيلومترات، سيتحول إلى كابوس لا نهاية له.

ويبين أكرم أن جدار الاحتلال سيلتهم نحو ألفي دونم في جبل السالمة، ورأس المطل، والجبل الكلي، وجبل الشريفي، وجبال إبزيق، وسيمنع أصحابها منها.

“رئة” ملاحقة

ويصف المواطنون الجبال المصادرة بـ”رئة كبرى” كانت تمنحهم متنفسًا طبيعيًا، بحكم موقعها المرتفع، ووجود حقول ومساحات رعوية.

ولا يفرق الأهالي بين جيش الاحتلال والمستعمرين، ففي الحالة الأولى يقتحم الجنود المكان ويطردون أصحابه منه، ويعربد المستعمرون في أطراف القرية بحماية جنودهم.

ويؤكد الشاعر حسام البزرة لـ”الحياة الجديدة”، أن الفاصل الزمني بين قرار الاحتلال ووصول مجموعات المستعمرين إلى المنطقة قصير جدًا، فبعد أيام من تسليم قرارات المصادرة وإعداد الأهالي لقوائم الاعتراضات، بدأت جرافات الاحتلال بتدمير المنطقة، ومنع الجنود المزارعين من أراضيهم، وأطلق اليد للمستعمرين.

ويشبه ما يحدث بـ”ورم خبيث” بدأ بالتفشي في جسد رابا، لا يتهدد الجبال فقط، بل يمنع الفلاحين من حقولهم.

ويؤكد البزرة أنه غرس في منطقة جبلية قبل 15 عامًا زيتونًا، ويمنحه وقتًا طويلًا لرعايته، لكنه يخشى من منع الاحتلال وصولها في الأيام القادمة.

ويقول بنبرة مسكونة بالقلق إن غراسه تشبه أولاده تمامًا، إذ يمنحها رعاية دائمة، ويحميها من موجات الحر والأعشاب، لكنها مهددة منذ قرابة أسبوعين بالجدار الاحتلالي الجديد، ووضع بوابة.

وتعد القرية منطقة زراعية واسعة وخصبة ومرتفعة تشرف على مناطق شاسعة ومنها جبال الأردن، لكنها خسرت عام 1948 خربتي السامرية وأم سرحان، وفقدت عام 2004 خربة البذرة التابعة لها، ويتهدد شرقها اليوم جدار جديد لا يبعد عن بيوتها أكثر من 30 مترًا.

ويضع المواطنون أيديهم على قلوبهم، مع بدء الجرافات في تدمير حقولهم، ويعتبرون إقامة جدار جديد بمثابة “حكم إعدام” على مساحات واسعة من أراضيهم، وسيكتب عليهم الوصول إليها بـ”تصاريح احتلالية”.

“أم سرحان”

ويفيد البزرة بأن جده عوض كان مختار خربة أم سرحان، وولد فيها عام 1890، بينما أبصر والده صايل النور في الخربة ذاتها عام 1937، ويصمد فيها بيت العائلة حتى الآن.

وتبعد أم سرحان نحو 5 كيلومترات عن رابا، وكانت ممتدة على  نحو 14 ألف دونم.

ويحتفظ بوثيقة بريطانية عام 1943 تؤكد أن أراضي قريته كانت 40 ألف دونم، 26 ألفًا منها للقرية والباقي للخربة.

ويؤكد البزرة، الذي يستعد لإصدار كتاب عن رابا، بأن لجبل السالمة قمتان شرقية وغربية بارتفاع 714 مترًا عن البحر، وتحاط السفوح الشمالية والجنوبية والغربية من الجبل بكروم الزيتون.

ويشير إلى أنه ألحق بكتابة فصلًا بعنوان (أطماع لا تنهي) ضم الأسماء الشعبية للمناطق المهددة بالمصادرة داخل الجدار، كحال خلة بركة، ومراح صالح وإبزيق، وخلة الدرج وخلة العبد المشتركة مع طوباس، والأمر نفسه لجبل الشريفة المغروس بالزيتون، وحوض وادي شوباش الشرقي كمراح العقيبات، ومراح الكويّس، ودبة التينة، ودبة الزغل، وذراع المنايص، ووداي العماير، وخلة الطوالة وأم جاموسة، وخلة المنازل ودبة النمر والمكّتة والمربعة.

وينهي البزرة، هوم معلم متقاعد: سنصمد فوق أرضنا بكل الوسائل، فهي مهد طفولتنا وصبانا وشبابنا، وسننقل هذه الرسالة لأبنائنا وأحفادنا.




آلاء طلوزي من مخيم طولكرم: كل شيء كان سورياليا

هنا كان بيت… وهنا كانت حياة

حنين خالد- في زقاق قاقون، وسط مخيم طولكرم، كانت آلاء طلوزي تروي وجعها. هناك، في أحد الأزقة الضيقة، لم يكن البيت مجرد جدران وسقف… كان حياة. “عشنا فيه أجمل أيامنا رغم كل شيء”، تقول آلاء. “رغم اللجوء، رغم الاحتلال، كان بيتنا وطنًا صغيرًا نحتمي به من قسوة العالم”.

تتابع؛ نكبة تُعاد بصيغة جديدة، في صباح الثلاثاء الماضي وصل الإنذار. بلاغ رسمي بهدم بيوت اللاجئين في المخيم. القرار جاء دون سابق إنذار أو بدائل. لا مبررات قانونية ولا إنسانية، فقط قرار قاسٍ، جاف، يُحول حياة عائلات كاملة إلى رماد. “بيت عائلتي كان من ضمن القائمة”، تقول آلاء بصوت تخنقه العبرة. “ذاك البيت الذي ضمّ ضحكاتنا وبكاءنا، أعيادنا وأيامنا العادية… صار فجأة هدفًا للهدم”. وتكمل: “نحن لا نبكي الحجارة، نحن نبكي أعمارنا التي قضيناها هناك، التفاصيل الصغيرة التي صنعت لنا وطنًا داخل الوطن، نبكي الجدران التي حفظت أسرارنا، والزوايا التي شهدت أولى خطواتنا، وآخر ليالينا”.

اقتحام مؤلم… ووداع أخير

في فجر يوم الاربعاء الماضي دخلت قوات الاحتلال المخيم، تحمل قوائم وأوامر. المخيم كله عاش ساعات رعب، كل عائلة تسأل نفسها: “هل جاء الدور علينا؟”

منعت القوات كل العائلات من دخول منازلها، سمحوا فقط لشخص واحد من كل بيت بالدخول لدقائق معدودة، لجمع ما يمكن حمله في أكياس صغيرة. الهويات كانت قد سُلمت مسبقًاً، تروي آلاء. “لم ندخل لنأخذ أغراضنا… دخلنا لنودّع البيت”. وسط كاميرات المراقبة والعساكر المدججين، حاولت العائلة أن توثق ما استطاعت من لحظاتها الأخيرة في البيت. “صورنا الجدران، الأثاث، وحتى رائحة المكان حاولنا حفظها في الذاكرة”، تقول آلاء. “لكن حتى التصوير كان تحت مضايقة ومراقبة”.

الدموع تسبق الحروف

“أنا أتحدث بهذه الكلمات ودمعتي تسبقني، والله العظيم قلبي يتفطر”، تقول آلاء بحرقة لا يمكن لحبر الصحف أن يحتويها. “كل شيء كان سورياليا… مؤلمًا حدّ الصمت. لم يكن بيتًا فقط، كان عمرًا يُمحى أمام أعيننا، وذاكرة تُهدم بالحفارات، ونكبة تتكرر ونحن على قيد الحياة”.

وتضيف: “نحن اليوم لا نُهجّر فقط من منازلنا، بل يُسلب منا حق العودة مرتين، مرة في العام 1948، واليوم مرة أخرى عام 2025”.

الرسالة: كفى صمتًا!

بصوتها المتعب من القهر، توجه آلاء نداءها: “أنا آلاء طلوزي، بنت مخيم طولكرم، أتحدث إليكم من بين ركام الذاكرة، من قلب جرح يُفتح كل يوم، لأقول: كفى صمتًا!”

“الاحتلال لا يسرق فقط الأرض، بل يهدم البيوت، يمحو الذاكرة، ويعتقل الإنسان حتى داخل روحه. ما يحدث ليس حادثًا عابرًا، بل نكبة مستمرة، جريمة موثقة، وصمت دولي مريب”.

ليست مجرد قصة… إنها شهادة عصر

ما حدث مع عائلة آلاء، هو تكرار لمأساة مستمرة منذ 76 عامًا. قرارات الهدم، الاقتحامات الليلية، تشريد العائلات، كلها أدوات لقتل الإنسان الفلسطيني معنويًا وماديًا، وسط تجاهل دولي وتقصير مؤسساتي فاضح.

وفي ختام حديثها تقول آلاء،”ًما كتبه الاحتلال بالجرافات، ستخلده ذاكرة اللاجئين بالحبر والدمع”.




مشاريق جنين المستهدفة

عبد الباسط خلف- يلخص أستاذ التاريخ، مفيد جلغوم أحوال قرى جنين الشرقية، التي يستهدفها الاحتلال مرة تلو الأخرى منذ سنوات طويلة.

ويُصنف جلغوم المقيم في فقوعة مناطق المشاريق إلى 3 مجموعات، تتوحد كلها أمام اعتداءات ومصادرات متكررة، وإن بنسب متباينة.

ويقول لـ”الحياة الجديدة” إن اقتحامات فقوعة وجلبون والجلمة وعربونة أصبحت يومية أو شبه يومية، أما قرى دير غزالة وعرانة فتطالها اقتحامات شبة يومية، فيما تتعرض دير أبو ضعيف وعابا الشرقية (وادي الضبع) وبيت قاد الشمالي والجنوبي لاقتحامات أقل.

10 قرى

وتستلقي القرى العشر على جبال وتلال وسهول منبسطة، ويقطنها نحو 25 ألف مواطن ضمن بلدية مرج ابن عامر، بجوار مجالس محلية خاصة بها.

ووفق جلغوم، فإن المشاريق تبدأ من جنين وتنتهي شرقًا نحو جدار الضم والفصل العنصري، الذي اقتطع مساحات من جلبون وفقوعة وعربونة والجلمة شرقًا وشمالًا، عدا عن 3 مستعمرات: ملكشوع، وميراف، ومعالية جلبوع المقامة على أراضيها المحتلة عام 1948، وهي أقرب إلى جلبون.

ويشير إلى اقتحامات المنازل المتكررة، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية لفترة من الوقت، بعد طرد أهلها منها، كما تكرر الحال في فقوعة وجلبون.

والمفارقة التي يقدمها جلغوم أن جنود الاحتلال يجبرون أصحاب المنازل المخلاة على دفع ثمن احتلال بيوتهم، من خلال شحن الكهرباء لهم، وفي حال انقطاع التيار يطلبون المزيد.

ويؤكد أن المقتحمين يبحثون عن البيوت المطلة على الجدار والمستعمرات، لكنهم يسممون حياة الأهالي، كما سلم الاحتلال إخطارات بهدم 31 بيتًا في فقوعة ودمر بيتًا واحدًا السنة الماضية.

ويبين أن جدار الضم والتوسع يمتد على نحو 20 كيلومترًا من الجلمة إلى جلبون، التي شهدت أول عمليات تجريف لبيتهها التحتية في جنين.

ويسترد معطيات تاريخية تبين أن المشاريق تعرضت خلال 1948 و1949 و1954 لخسارة نحو ثلتي الأراضي في القرى الحدودية خاصة جلبون وفقوعة، التي حرمت من غالبية جبالها وسهولها ومراعيها.

بيوت محتلة

ويوضح الناشط المجتمعي عزمي أبو الرب، أن جلبون التي يسكنها، أصبحت وجهة يومية لاقتحام جيش الاحتلال، الذي بدأ منها في سياسة تحويل البيوت إلى ثكنات عسكرية، وطرد أهلها منها.

ويشير إلى أن الاحتلال يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من فقوعة، ويعرقل إقامة منشآت زراعية ودفيئات في جنوب القرية.

ويذكر أبو الرب الاحتلال صادر نحو 120 دونمًا من أراضي جلبون المتاخمة لجدار الضم والفصل العنصري في مناطق أبو عرة وأم الريش.

ويؤكد بأن جيش الاحتلال وزع 20 إخطارًا لأصحاب بيوت بالتوقف عن البناء أو بنوايا الهدم، كما هدم 4 بيوت، ويستهدف منازل بني أحدها عام 1982، رغم بعدها عن الجدار.

ويفيد بأن الاحتلال جرف 3 مناطق في جلبون لطرقات ومواقع حيوية، وكانت القرية أول موقع يستهدفه الاحتلال بالتدمير خارج المدينة ومخيمها.

دفيئات في مهب العدوان

ويرسم نائب رئيس مجلس الجلمة، أمجد أبو فرحة، مشهد القرية التي تعاني الأمرين منذ عدة سنوات، وصارت وجهة اقتحام يومية.

ويفيد بأن الاحتلال وزع إخطارات بهدم 180 دفيئة زراعية و5 منازل، بدعوى قربها من جدار الفصل العنصري، كما هدم بيتين العام الماضي، ونفذ عمليات تجريف واسعة لمزارع.

ويبين أبو فرحة أن قريته خسرت قرابة ثلثي أراضيها الشمالية عام 1949 باتفاقية “رودس” لتعديل الحدود وتتعرض اليوم لاقتحامات ليلية ويومية.

ويشير رئيس مجلس قروي عرانة، رامز الخالدي، إلى أن قرابة 20 دفيئة زراعية مهددة بالتجريف، بزعم قربها من جدار الضم والتوسع.

ووفق الخالدي، فإن قريته الممتدة على 9600 دونم، والتي يقطنها 4000 مواطن، تتعرض بشكل يومي لاقتحامات متكررة، وتمنع من زراعة أراضيها على بعد 300 متر من الجدار.

مستعمرات موقوتة

ويؤكد رئيس مجلس عابا الشرقية، برهان عزموطي، أن أهالي القرية الصغيرة يتخوفون من عودة الاحتلال إلى مستعمرتي “جانيم” و”قاديم” المخلتين منذ سنوات، والمقامتين على أراضٍ حكومية.

ويسترجع حال عابا الشرقية أو (وادي الضبع) قبل إخلاء المستعمرتين، إذ كانت تعيش في جحيم لا يطاق، وأجبر الأهالي مرارًا على سلوك طرق طويلة جدًا للوصول إلى جنين، رغم أن المدينة ملاصقة لهم، مثلما تعرضوا لحوادث إطلاق نار متكررة.

ويشير عزموطي إلى أن الاحتلال صادر أكثر من 50 دونمًا من أراضي القرية، التي يقطنها 800 مواطن. كما قسم الطريق الالتفافي الاحتلالي القرية عن عابا الغربية.

أحدث عدوان

ويختزل رئيس بلدية دير أبو ضعيف، منير ياسين، أحدث نسخة من الاقتحام التي تتعرض لها مشاريق جنين، إذ شن الاحتلال حملة مداهمات طالت منازل المواطنين: فايق إسماعيل، وإبراهيم ياسين، وعنان ياسين، وبكر عليات، وبهاء رواجب، وأنس ياسين، ويوسف ياسين، وبلال ياسين، وتخللها اعتقال مواطنين وتدمير وتخريب وسرقة مصاغ من أحد المنازل.

ويشير إلى المقتحمين أمضوا أكثر من 5 ساعات في تفتيش 8 منازل، وعبثوا بمحتوياتها، وهو ما يتكرر في قرى المشاريق ومحافظات الوطن.




مخيم جنين.. نكبات تتوالى

عبد الباسط خلف- يراقب ناصر أحمد نعمة خازم عن بعد هدم جرافات الاحتلال لمسقط رأسه ومسرح طفولته ومكان عمله في أقصى أطراف مخيم جنين، ظهيرة أمس الإثنين.

ويستذكر بوجه متعب وعيون مرشحة للدموع، لحظات اقتلاع والده من مدينة شفا عمرو في الجليل الغربي، عشية النكسة، التي يقول إنها تتكرر اليوم بصورة أقسى وأبشع، إذ طالت 11 منزلا و11 متجرا أسستها العائلة على مدار عقود، تلاشت كلها بلمح البصر.

ويسترد خازم، الذي أبصر النور في المخيم عام 1963 إلى قصة طرد الاحتلال البريطاني لوالده نحو جنين، وإبعاد عنه نعمة إلى غزة، وبدأ معاناة طويلة.

ويصف اللحظات القاسية التي حلت ببيوت العائلة بـ “الأصعب منذ ولادته”، وبـ”نكبة كبرى” للعائلة التي كان والدها المعروف بين الأهالي بـ”الفورمن” أول مدير للمخيم.

ويؤكد بحسرة أن أصول العائلة تنحدر من بلدة قباطية، لكنها استقرت قبل عام 1948 في شفا عمرو، وتشاهد اليوم أصعب لحظة تمر عليها في حياتها.

ووفق خازم، فقد أقام والده مكان البيوت التي هدمت اليوم غرفة بسقف من القصب، ثم طورها إلى حائط من الصفيح، ولاحقا بدأت العائلة بتوسعتها على مقربة من خط سكة الحديد العثمانية، ولاحقًا صار المكان يعرف بدوار الحصان، الذي لم يسلم من التدمير والتجريف خلال عدة مرات.

ويسرد ناصر (الأب لولدين و4 بنات)، أسماء إخوته الذين خسروا بيوتهم ومصادر رزقهم، فالبكر حسن (أب لأربع أبناء وابنتين)، ونصرات (ولدان وابنة)، وأمجد (ثلاث بنات وولدان)، ونعمة (ولدان)، ومحمد (3 أبناء)، ومحمود (ولدان ومثلهما من البنات)، ونور الدين (ولد واحد وابنتان)، والأخوات أمل وندى وحنان والراحلة نجية.

ويختزل: لقد دمروا تعب 60 سنة في عز الظهر، وحرموا أكثر من 100 إنسان من دفء جدرانهم.

ويشير إلى أن العائلة أجبرت على النزوح من بيتها الكبير إلى الزبابدة وجنين وقباطية، واليوم تخسر كل شيء.

ويبين أن البيت ليس مجرد حجارة وإسمنت وأثاث، بل هو ذكريات وطفولة وشباب وصبا وشقاوة ومرض وصحة وحزن وفرح ولمة وضحكات ودموع وعمل وأمل.

وتعد بيوت عائلة خازم الأكبر في المخيم، التي يجري تحويلها إلى كومة من الركام دفعة واحدة، وهي الأقرب إلى مستشفى جنين الحكومي.

والمؤلم وفق ناصر، إن العائلة لم تخرج شيئا من مقتنيات بيوتها، فقد أجبرت على تركها في 21 كانون الثاني الماضي، وسبق أن نالت ألسنة النيران من مخازنها، فقد عمل أفراد منها في التجارة منذ عام 1989.

ولم يحص خازم خسائره المادية، لكنه دخل في حالة حزن شديدة على الخسائر التي لا تعوض.

ويقدم بحزن حدود بيوته ومتاجره، فشمالها المستشفى الحكومي، وجنوبها بيت الصانوي والمختار عساف وعمارة الأسمر، وشرقها بيت آل حسان، وغربها مقر اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين.

وينهي: لقد غيروا جغرافيا المنطقة، وتعرضوا لبيوتنا ومتاجرنا بالتجريف والتدمير والحرق ونسف الأبواب، واليوم مسحوا كل ما أقمناه بتعب وشقاء 6 عقود، ودمروا كل شيء.

ووفق معطيات محلية غير نهائية، فقد هدم جيش الاحتلال منذ بداية العدوان الحالي والمتواصل نحو 600 منزل، وأجبر قرابة 22 ألف مواطن على النزوح من مخيم جنين، في أكبر وأطول استهداف منذ النكبة.