1

عن غسان كنفاني .. تفاصيل عادية جدا

 يامن نوباني

منذ 8 تموز 1972 إلى اليوم، لم يعد لغسان كنفاني عنوان للوصول إليه، لكنه، بفكره المتوج باستشهاده، قام بالمهمة، ووصلنا جميعا، إلى كل عناويننا.

للوصول إلى حياة انسان ما، لا بد من محاولة إيجاده شخصياً، ولأن غسان استشهد –جسداً- لم يعد بالإمكان أخذ موعدٍ معه ولقائه.

ولأن بيته في عكا، حيث وُلد، احتله اليهود، وبيته في يافا احتل ايضاً، ولم يعد هناك بيت في بيروت، كانت الطريق الأقصر والمتوفرة، الاتصال بمكتبه في مجلة “الهدف” لكن الرقم (309230) لا يُجيب، ولا قلم يرد على الكلمات لو كتبناها في رسائل ورقية وكانت الوجهة البريدية: بيروت، ص.ب رقم 212.

تعطل الهاتف وتعطلت “الهدف”، لكن لم يتعطل الأصدقاء، الذين زاملوا غسان في تلك المرحلة الثورية والأدبية، وكان أبرزهم عدنان الحلو المقيم حاليا في فرنسا، ليوافينا وكأننا بالأمس، في نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات مع غسان كنفاني.

يصف الحلو لـ”وفا” بيت كنفاني في بيروت: يقع في ضاحية بيروت الجنوبية الشرقية في منطقة الحازمية وبالتحديد في محلة مار تقلا، في الطابق الأول من بناية مقامة على منحدر يطل جنوبا على واد عبارة عن “حواكير” يقابله مبنى “دار الصياد” الشهيرة، ويتصل من الناحية الشمالية بحديقة صغيرة تابعة له، ويتكون من صالون واسع إلى حد ما تزين جدرانه لوحات متنوعة بعضها من أعمال غسان نفسه وأخرى إهداءات من أصدقائه الفنانين، وتشغل معظم جداره الشرقي خزانة كتب كبيرة، وشرفة مستطيلة تطل على الوادي وتشكل الواجهة الجنوبية للبيت كله، إضافة إلى غرفة مكتبة متصلة بالصالون، وأخرى صغيرة للطعام وغرفتي نوم.

ولأن الاغتيال كان بتفجير سيارته، استذكر الحلو: كانت لدى غسان سيارة قديمة (موديل أواخر الخمسينيات) من نوع BMW 2000 وقد باعها قبل استشهاده بفترة قصيرة واشترى سيارة صغيرة (من نوع أوستن 1100على ما أعتقد) بيضاء اللون، هي التي تم تفجيرها.

ولأن جنازته كانت مهيبة، أعاد الحلو لحظاتها: كان هناك أكثر من عامل جعل تلك الجنازة مميزة جدا. أولها دون شك، شخصية الشهيد غسان وسمعته ودوره كأديب وصحفي ومناضل معروف جدا على كل الصعد الفلسطينية واللبنانية والعربية وحتى الدولية. يضاف إلى ذلك أنها عملية الاغتيال الإسرائيلية الأولى المعروفة وحتى المعلنة التي تشهدها بيروت. فكان ثمة إجماع على الحزن لم يسبق أن عرفته العاصمة اللبنانية المعروفة بانقساماتها حول كل شيء. ولذلك شهدت تلك الجنازة حشودا قل أن شهد لبنان نظيرا لها شاركت فيها كل منظمات المقاومة على اختلافها وجميع الأحزاب والقوى اللبنانية بكافة مشاربها وطوائفها. إضافة للحشود التي زحفت من المخيمات الفلسطينية في جميع أنحاء لبنان وحشود الناس العاديين من لبنانيين وسوريين وعرب مقيمين في لبنان أو حضروا خصيصا للمشاركة في وداع الراحل الكبير من أكثر من بلد عربي، خاصة من سوريا والأردن والعراق واليمن والكويت وغيرها من دول الخليج العربي.

يضاف إلى ما تقدم عدد كبير من الدبلوماسيين العرب والأجانب وكثير من الصحفيين الأجانب المقيمين في لبنان أو الذين حضروا خصيصا من عواصم أوروبية غربية وشرقية.

وحول أكلاته المفضلة: لم يكن غسان يهتم كثيرا بالطعام، حتى أنه كثيرا ما كان يكتفي بشطيرة يتناولها وهو منهمك بالعمل.. وكان يشاركنا (جميع العاملين في الهدف) بالغداء في مطعم صغير افتتحته عائلة من الجنوب اللبناني في الطابق الأرضي من البناية التي تشغل المجلة طابقها الأول.. وكان يقدم فيه طبيخ منزلي عادي (فاصوليا أو بامية مع الرز).

غسان كان مصابا بالسكري من الدرجة الأولى أي منذ الصغر، وكان مواظبا يوميا على حقن نفسه بإبرة أنسولين في البطن، وربما كان هذا ما جعله متحفظا في الطعام.

كان كنفاني يحتفظ في درج طاولة مكتبه كما في درج سيارته ببعض البسكويت والسكاكر تحسبا من احتمال هبوط مفاجئ لمستوى السكر.

وعن عاداته في القراءة والكتابة: بالنسبة للقراءة كان يتركها للبيت. أما الكتابة فكان يمارساها في أي وقت حتى مع وجود آخرين معه في الغرفة. وكثيرا ما كان ينجز مقالا وهو يشارك في اجتماع، خاصة تلك الاجتماعات الحزبية التي يهدر فيها الكثير من الوقت.

لم يكن قادرا على هدر وقته دون عطاء. حتى ولو كان مجرد خربشة على ورقة بيضاء أمامه لا تلبث أن تتحول بين يديه إلى رسم معين أو زخرفة من نوع خاص أو حتى تسجيل لفكرة يعود إلى تطويرها لاحقا لتوظيفها في مقال أو قصة قصيرة أو حتى رواية.

ترى هل كان لديه حدس بأن حياته ستكون قصيرة؟

إلى جانب الأدب والإعلام والسياسة ما هي اهتمامات كنفاني: أولا الرسم بالقلم والألوان. وكان قد بدأ نشاطه في دمشق بعد اللجوء بتدريس مادتي الرسم والرياضة في إحدى مدارس الأونروا.

 ترك خلفه كنزا من اللوحات الجميلة، وحتى المنحوتات. كما كان يهتم بالورود التي زرعها في الحديقة الصغيرة في الجهة الخلفية من بيته.

كان يعشق زيارات المخيمات ويلتقي بالناس العاديين من أهلها لا سيما كبار السن الذين يحملون معهم كنوزا من الذكريات عن فلسطين. وكثيرا ما كنا نرافقه في هذه الزيارات خاصة عندما يكون لدى الجبهة الشعبية مهرجان تخريج أشبال فيقتنص المناسبة للانخراط مع الأهل على هامش الاحتفال وبعده.

هل تتذكر رقم هاتف لغسان (البيت، العمل، شخصي)؟ لا أتذكر الأرقام. وبالنسبة لهاتفه الشخصي لم يكن هناك هواتف شخصية في تلك الأيام، حتى في “الهدف” لم يكن لرئيس التحرير رقم خاص بل كان لدينا رقم واحد تتلقى السكرتيرة المكالمة وتحولها إلى غرفة صاحبها.

عن علاقة غسان بالحدود مع فلسطين؟ في فترة العمل في “الهدف” لم يحصل ذلك إلا مرة واحدة حيث قمنا بزيارة القواعد العسكرية في منطقة العرقوب (كفرشوبا) وكانت لنا إطلالة على الأراضي الفلسطينية من هناك.

في هذا المجال بالذات كنت ألاحظ -وربما أكون مخطئا- أن غسان كان أكثر اهتماما باللاجئين الفلسطينيين. فإلى جانب حماسه لزيارة المخيمات كان حريصا، في كل مرة نقوم فيها بمشوار في نهاية أسبوع العمل إلى منطقة شملان في الشوف، على زيارة الأستاذ أحمد الشقيري في منزله هناك. وكان يصغي إلى أحاديثه باهتمام واحترام كبيرين.

عن سجائر غسان، وتفاصيل حقيبته؟ كان يدخن “مالبورو”.. لكنه في السنة الأخيرة توقف عن التدخين غير أنه بقي متمسكا لفترة طويلة بعادة حمل سيجارة غير مشتعلة في يده وأحيانا في فمه. دون أن يدخنها.

وكانت لديه حقيبة “سمسونايت” سوداء عادية جدا.

وعن عائلته: زوجة غسان وابنته ليلى مقيمتان في بيروت وتشرفان على مؤسسة غسان الثقافية التي ترعى عددا من المدارس في المخيمات، إضافة إلى نشر إنتاجه، فيما يقيم ابنه فايز في الدنمارك.




3 فنادق ومدينة مائية ومجمع رياضي ضخم شرق مستوطنة معاليه أدوميم

أقر مجلس إدارة مستوطنة “معاليه أدوميم” كبرى المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة والمنبثق عن بلدية الاحتلال في القدس مشروع إقامة فندق بواقع 1000 غرفة وحديقة مائية في المنطقة الصناعية التابعة للمستوطنة.

وقال المجلس في عرض ترويجي للمشروع الاستيطاني السياحي إنه تم تخصيص 100 دونم لهذا المشروع السياحي، الذي فازت به مجموعة (ملوك) بالمناقصة التي تقدر قيمتها بـ 60 مليون شيكل لشراء مائة دونم في حديقة (إسرائيل – معاليه أدوميم).

واضاف المجلس الاستيطاني: إن المنطقة المخصصة للفندق والمدينة المائية قرب مدينة ملاهي ماجيك كاس التي تقع في بادية القدس والتي تم مصادرة قسم منها لإقامة مجمع تجاري ضخم ومدينة ملاهي، ووفق المخطط سيتم بناء 3 فنادق ومدينة مائية ومجمع رياضي ضخم خلال السنوات ال3 المقبلة.

ووفق المناقصة التي نظمت في العشرين من الشهر الجاري سيتم بناء فندق ومنتزه مائي جديد به 21 منزلقًا وستة حمامات سباحة وأفعوانية وحديقة ألعاب كمرحلة أولى ثم المشاريع سيجري تنفيذها بالتزامن.  

وقالت إدارة أكبر التجمعات الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة، إنه لأول مرة منذ عقود، سيتم افتتاح حديقة مائية مبتكرة تسمى Water Kass، والتي ستكون مفتوحة للمستوطنين على مدار العام في منطقة ميشور أدوميم، سيبدأ بنائه قريبًا ويستغرق انجازه  ثلاث سنوات تقريبًا.

واضافت :”سيغطي المشروع المائة دونم وسيضم ما يقرب من ألف غرفة فندقية ، وحديقة مائية داخلية بها 21 منزلق مائي، وستة حمامات سباحة، ومجمع أزياء بمساحة 800 متر مربع، ومدرج به 4000 مقعد، وأفعوانية، ومجمع مطاعم وثاني أكبر حديقة ألعاب في العالم (بعد اليابان)”.

وكشفت أن حجم الاستثمار في هذه المنطقة حوالي مليار ونصف المليار شيكل.

وفقًا للخطة، سيتم بناء حوالي 900 غرفة على الأرض في فندق سيعتبر الأكبر في إسرائيل والوحيد الذي سيكون قادرًا على إيواء ألف عائلة في وقت واحد.




قصص محمد علي طه الكاملة: قصة متجددة عمرها عقود

فيصل دراج

بعض الوقائع البسيطة تبعث في القلب المسرة، كأن نلتقي بعجوز يغني، أو تقع علينا قبضة من المطر في أواخر نيسان. ومن هذه الوقائع قراءة الأعمال القصصية الكاملة لمحمد علي طه.

يشكل ظهور هذه الأعمال حدثا أدبيا فلسطينيا ثنائي البعد: يسمح بعده الأول للقارئ بقراءة أعمال طه كاملة، بعد أن كان يقرأها فرادى، وتصل متفرقة، هذا إذا وصلت؛ وقد لا تصل إن كان الكاتب لا يبارح “الجليل” إلا صدفة، وكان القارئ “لاجئا” ينقله عبث الوجود من مكان إلى آخر. فإن التقى بأديبه غير مرة، كان ذلك كرما من سديم اللجوء. ويتيح البعد الثاني استذكار أدباء فلسطينيين رحلوا، كتبوا قصة قصيرة مجيدة ذات يوم، وبرهنوا أن اللجوء لا يخنق النباهة ولا يعطل ذاكرة الفلسطينيين.

كان عندنا، نحن الفلسطينيين، قبل عقود، قصصي مشرق رائد يدعى خليل بيدس، درس تلاميذه، قبل النكبة، مبادئ الوطنية. وسميرة عزام التي اشتقت كرامة كتابتها من حكايات لاجئين موفوري الكرامة. وكان عندنا غسان كنفاني، الذي لم تمنعه حياته القصيرة من كتابة قصص طويلة الصفحات. وأفراد آخرون قدموا، رغم توزعهم على أجناس أدبية متعددة، صفحات للقصة القصيرة، حال الساخر إميل حبيبي والمقدسي الأخضر القلب جبرا إبراهيم جبرا والأديب المجتهد يحيى يخلف. يستطيع الفلسطيني أن يقرأ إبداع هؤلاء، وعلى ضوء كتابة “طه” ويخرج راضيا، أو أن يقرأ صاحبنا “الجليلي” على ضوء قصص غيره ويرسل إليه تحية إكبار ومحبة.

بين المجموعة الأولى لأديبنا الجليلي: “لكي تشرق الشمس” عام 1964، ومجموعته الأخيرة: “مدرس الواقعية السحرية” نصف قرن وعام. ذكْر عدد السنوات لا يحتاج إلى نباهة، وما يحتاج إلى نظر سليم ماثل في مدى الجهد الكتابي المديد الذي بذله “طه” في إحدى عشرة مجموعة قصصية، يحاورها القارئ وتحاوره، يتعرف فيها على البدايات المتجددة والنهايات المفتوحة وتلك الاستمرارية الكتابية التي لا ترضى بخلل ولا يعتورها نقص، جعلت من كتابة “طه” مرآة لحياته وشدت حياته إلى نص متميز لا يعرف الركود ولا التعب.

ربما يكون في عنوان مجموعة صاحبنا الأولى ما يشير إلى منظر “للعالم” اتكأ على فعل “أشرق” وسخر من سواد الأيام. وربما يكون في عنوان مجموعته الأخيرة ما يترجم مسارا كتابيا مضيء الجهات. ذلك أن كتابة “طه” لا تحتاج إلى صفات تقريظ وكلمات مصبوغة، فصفاتها من الصدق الذي يصوغها، وجمالها أو جمالياتها من أديب يعيش واقعه ويترجمه كتابة، أو يعيش كتابته، ويدعها تحدث عن نفسها. لكأن بينه وبين كتابته معاهدة لا تنقضي، وكأن كتابته نصرة للحق واحتفاء بالحقيقة، وترى الطرفين في الفضاء الفلسطيني لو كنا في زمن آخر لهتفْت سريعا: إن محمد علي أديب واقعي، وسارعت وقلت: إنه واقعي في الكتابة لأنه واقعي في الحياة، ولأن زمن تصنيم الكلمات توارى، سأعطي قولي حرا: يتعرف إبداع محمد علي طه بشخصه، ينتسب إلى صدقه الموهوب لا إلى مذهب أدبي مجدد، ويقرأ في خبرته الأدبية المتوالدة لا في قواميس مبتورة أو سليمة. تغيرت الأزمنة ولم يسقط مفهوم الحقيقة، على الرغم من ثرثرات أنصار “ما بعد الحداثة”، وعيْن محمد علي طه داخل الكتاب وخارجه تمسك بالحقيقة، وتسرد المأساة الفلسطينية، بعيدا عن عقول تائهة تعطي “الشأن الفلسطيني” ما شاءت من الصفات، وتتخفف من الكرامة.

ومع أن طه كتب الخاطرة والمقالة السياسية وسيرة ذاتية نضرة التفاصيل، فإن في كتابته ما يقول: الكتابة التي تقطع مع “التقميش” تصنع أجناس الكتابة بين قوسين وتكتفي بكلمة من خمسة حروف: الابتكار، حيث ما قيل يقال بشكل مختلف، وما تم سرده له طرق في السرد جديدة. ولعل نضارة الابتكار هي ما جعلت “الجليلي”، الذي جاوز السبعين، شابا ومزهرا في حياته كلها، فلا الوهن أصاب قصصه في مجموعة “جسر على النهر الحزين”، ولا تجرأ النسيان على “عائد المعياري يبيع المناقيش في تل الزعتر”. فالكتابة تقاوم الموت والحزن معا، وروح “الكتابة الفلسطينية” يتجاوز الأقاليم المختلفة والأزمنة المتحولة، ويرجع إلى عصافير الجليل.

وزع طه قصصه على عوالم الإنسان الفلسطيني المتصادمة، إذ وراء الفلاح الصابر “مختار” يتقن الدسيسة، وأمام الصبي المتحدي متكسب يحقد على الصبي ويتوعده الصبي، وإلى جانب أنثى من كبرياء وأمومة رجل دين زائف يجهل اسم توفيق زياد ويلهج بذكر “أبي هريرة”. رسم طه الشخصيات جميعا من وجهة نظر ما هو جدير بالحياة وبكفاح فلسطين، كما لو كان الانتساب الصادق إلى فلسطين يقوم على الأخلاق والقيم والدفاع عن الجمال، بعيدا عن أي “معيار خرافي” راسخ المعنى، ذلك أن فلسطينية الإنسان تصدر عن ممارسته الصائبة، عن مقته للقبيح والجاهل والمتصاغر، ورفضه للرؤوس المتماثلة التي تميل إلى الانحناء.

لا غرابة أن تأخذ القصة عند محمد علي طه أشكالا مختلفة تحاور خصب الحياة، وتتحاور مع الواقع المعيش، وتلبي خبرة فنية متنامية تنكر الركود والتجانس.

ومع أن القصة القصيرة، تعريفا، مقطع من الحياة اليومية تنسجه اللغة، فإن ما كتبه طه اختاره حرا دون أن يسأل عونا من كتاب أو نصيحة من “ناقد”. اقترح تصوره الفني شكلا “يتكامل”، تجاوب مع إيقاع الحياة، تغير وتبدل وتحول واغتنى وتأبى على شكل أخير، ففي مجموعات صاحبنا: القصة ـ المقالة، والقصة المتعددة الأصوات والقصة أحادية الصوت، وفيها القصة “القصيرة جدا” وقصة “الرواية المختزلة”، وقصص قصيرة تحتفي باللغة وتحتفي بها اللغة وتكون نثرا صافيا، والقصة المحمولة على مفارقة ضاحكة تذكر بإبداع (أو. هنري)،… وهذه القصص في الحالات جميعا تنطق بسياسة صريحة وتخترقها السخرية من الألف إلى الياء، وإن يكن في بعض السخرية ما يدمي القلب ويصادر الضحك…

لا وجود لهوية إلا في مواجهة هوية أخرى تهددها وتفرض عليها المنازلة والصراع. في قصص “طه” هويتان: هوية أدبية فلسطينية الشكل والمضمون – إن كان الكلام واضحا – تمتح ديمقراطيتها من سخريتها، واتساقها من التزامها الوطني، وتواجه قصة “إسرائيلية” تصطنع هوية تداخلها أيديولوجيا عنصرية ـ مستبدة حتى لو نسيت ذلك أو تناسته، … وتصدر الهوية الثانية، وهي تخص نص طه الأدبي، عن اللغة التي يكتب بها، عن نثره الأدبي المميز له، على اعتبار أن اللغة وعي عملي يترجم، عفويا، الفلاح الفلسطيني الذي يسكن الكاتب وتجربة الاقتلاع من البيت القديم وذكرياته وشجونه وأحلامه وتجربة صمود تتدافع فيها الكرامة والأسى.

إنْ كانت هوية محمد علي طه الوطنية صدرت عن خيار حر “سقته” الأيام ووقف صامدا، فإن هوية قصصه القصيرة أنتجتها لغة الكتابة المتحررة من مشيئة الأديب وإرادته. ذلك لأن الصدق في الكتابة تمليه عملية الكتابة العفوية، كما لو كانت تشهد على صدق صاحبها، أو تقرر أنه يصطنع الصدق وما هو بصادق.

ذلك الفلاح الذي يقبع في صدر محمد علي طه ينطق بوجه في تاريخ فلسطين؛ وذلك المعلم الذي صاحب طه طويلا يصرح بشيء من تاريخ فلسطين؛ وتلك الكتابة “الشجاعة”، التي سخرت من عرب ما هم بعرب، جزء من تاريخ فلسطين؛ وذلك النثر المتألق في قصص قديمة وجديدة معْلم من معالم فلسطين؛ وتلك الروح الملحمية، التي حفظت ما كان وتغير في قصص “طويلة” أو قصص قصيرة جدا، مرآة لزمن صعب سار كما أراد وحفظه طه سليما كما حلم أن يكون.

نستذكر ونحن نقرأ طه في أعماله القصصية الكاملة أحزان النكبة “الأولى” وتستيقظ فيها أطياف اللجوء، ويغمرنا العثار سائرين من حصار إلى آخر، ويصدمنا الحزن أمام “مجازر المخيمات”، ونشد أرواحنا بإبداع فلسطيني متناتج من بعد النكبة إلى اليوم. مجلاه أديب فلسطيني ولد في قرية ميعار في الجليل عام 1941، يدعى: محمد علي طه.




سموم المستوطنات تسلب الحياة في “بروقين”

منذ نحو ربع قرن لا تزال معاناة ما يزيد على 5 آلاف نسمة في بلدة بروقين غرب مدينة سلفيت مستمرة، نتيجة المياه العادمة والمخلفات الكيماوية التي تنساب من المستوطنات المحيطة كأفعى قاتلة بين منازل المواطنين، هدوء البلدة وجمال طبيعتها تنغصهما الروائح الكريهة والحشرات التي باتت تتكاثر بطريقة ملفتة.

وتعتبر قرية بروقين نموذجا حيا لمدى المعاناة الحقيقية التي كرسها الاحتلال في شتى الجوانب الإنسانية منها والبيئية والاقتصادية والزراعية، فقدت ما يزيد على 8000 دونم من مجمل أراضيها البالغة مساحتها نحو13237 دونماً لصالح أعمال توسعة المستوطنات الثلاث التي بنيت بالأصل على أراضيها الزراعية، ففي عام 1987 تم تأسيس نواة مستوطنة أريئيل في الجهة الشمالية الشرقية من بلدة بروقين، ثم تلاها  بسنوات عديدة تأسيس مستوطنة “بركان” من الجهة الشمالية الشرقية، ومستوطنة “بروخين” من الجهة الشمالية، التي اشتقت في الأصل من اسم قرية بروقين، وبذلك أصبحت بروقين محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية التي تحيط بالقرية كالأفعى، تطوق وتلتهم أراضي القرية دون أي حساب، وقد باتت تلك المستوطنات مصدر تهديد حقيقيا على حياة الإنسان والحيوان والبيئة في المنطقة لدرجة أنها أصبحت تهدد التنوع الحيوي نتيجة المياه العادمة والغازات المنبعثة من تلك المستوطنات.

مراد سمارة الناشط في مجال الاستيطان أفاد لـ “الحياة الجديدة” بأن حياة أهالي بلدة بروقين تحولت إلى جحيم بفعل المياه العادمة، والمخلفات الكيماوية التي يطلقها المستوطنون نحو أراضي البلدة بكمياتٍ هائلة، فالأضرار الناجمة عن المياه العادمة القادمة من المستوطنات الثلاث، لا تقتصر على تلويث نسيج التربة فحسب، بل يصل ذلك الضرر إلى الإنسان عبر السلسلة الغذائية من خلال أشجار الزيتون، والمزروعات الأخرى، إضافة إلى تفشي مرض السرطان بين صفوف المواطنين.

ونوه سمارة إلى أن المياه العادمة المتدفقة من مستوطنة “أريئيل” لا تبعد عن بيوت قرية بروقين سوى أمتار قليلة، ما أدى إلى تلوث آبار مياه الجمع المحيطة بتك المنازل والتي يعتمد عليها السكان في سد حاجياتهم الأساسية من المياه.

وعن مدى الأخطار الناجمة عن مخلفات مستوطنة بركان يقول سمارة، منطقة بركان الصناعية تحوي العديد من الصناعات الشديدة التلويث للبيئة والصحة العامة، مثل مصنع (كيتر) الذي ينتج الصناعات البلاستيكية، ومصنع (تسيفكا) الذي ينتج المعلبات الغذائية، وغيرها من المصانع التي تنتج الألمنيوم، والمطاط، ومواد التنظيف، والدهان، والبطاريات، وصناعة المبيدات، والنسيج، ومصانع ذات طابع عسكري سري وغيرها، وتحتوي النفايات الناتجة عن هذه الصناعات على عناصر سامة مثل الكروم، الرصاص، الخارصين، النيكل، فمثلا مصانع الألمنيوم تنتج عنها مخلفات الألمنيوم والحوامض، أما الصناعات الإلكترونية فينتج عنها النيكل والكروم والحوامض، كذلك الصناعات البلاستيكية تنتج عنها مواد ضارة ومسرطنة، ويتم التخلص من هذه المخلفات السامة بطريقة عشوائية مثل إلقائها على شكل نفايات صلبة أو سائلة أو غازية في وديان بلدة بروقين، وبجوار المناطق المأهولة بالسكان دون أي احتياطات للحفاظ على البيئة في المناطق المحيطة، وهي تشكل مصدر خطر على البيئة والكائنات المحيطة وبخاصة الأطفال الذين يعبثون بهذه المخلفات، والحيوانات التي ترعى بجانب المياه العادمة المتدفقة من مستعمرة بركان، ما يزيد احتمالية نفوقها و التأثير على نوع وجودة لحوم وحليب هذه الحيوانات، فضلا عن تلويث التربة من خلال رفع نسبة سميتها وجعلها غير صالحة للزراعة.

وفي السياق جاء في تقرير لمنظمة “بتسيلم”، أن 121 مستوطنة في الضفة الغربية تنتج حوالي 17,5 مليون م3 من المجاري في السنة، 81 مستوطنة منها فقط مربوطة بمنشآت لتنقية المجاري تعمل بطرق قديمة بخلاف المنشآت الحديثة التي تعمل داخل “إسرائيل”، وفضلاً عن كونها صغيرة غير قادرة على معالجة كميات مياه المجاري الناتجة عن أعداد المستوطنين الكبيرة، وتعاني معظم هذه المنشآت باستمرار أعطابًا فنية، وأحياناً تتعطل تماماً، أما باقي المستوطنات فلا تُعالج مجاريها مطلقًا وتتخلص منها في الوديان والجداول في أنحاء الضفة الغربية.




شهيدان و10 إصابات إحداها خطيرة خلال اقتحام الاحتلال نابلس