1

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان.. زخرفوا جدران المخيم بكلمات الوطن

هي الأيام الظلماء التي اجتازوا فيها حدود الوطن الى أقرب وجهة أتيحت لهم، ورغما عنهم، للنجاة بحياتهم من مجازر ومذابح العصابات الصهيونية، فباتت بضعة أمتار تفصل بينهم وبين فردوس وطنهم الذي أضحى محتلا لتكون حينها النكبة وتبدأ معها رحلة شتاتهم  المريرة.
في الذكرى الخامسة والسبعين لنكبة 1948، تسترجع ذاكرة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تفاصيل الجريمة البغيضة التي ما زالوا يدفعون أثمانها تشريدا وحرمانا من وطنهم وضياعا لأبسط حقوقهم الانسانية والمدنية.        
فلسطين المتجذرة في ذاكرة الكبار الذين ولدوا فيها وعايشوا نكبتها ما زالوا يروون حكاياها بأمل رجوعهم الذي طال أمده.
الحاج ابو خليل كرزون ابن الأعوام التسعين الذي قذفته النكبة من بلدته لوبية في قضاء طبريا الى مخيم الجليل في البقاع، مآسي الشتات لم تتقدم في يوم على اعتزازه وفخره ان أهل بلدته قاتلوا الصهاينة حتى الرمق الأخير وقد سقط 52 شهيدا منهم على أرضها.
 كان أبو خليل صغيرا حين توفي والده وقد لجأ مع أمه الى بنت جبيل اللبنانية وبعدها الى مخيم الجليل.. “تعبت من هذا المنفى” يقول ابو خليل لـ “الحياة الجديدة” وهو الذي ما زال يحتفظ في أوراق الطابو التي تثبت ملكيته في عدد من دونمات الأرض في وطنه.
 يقول: إن عدت أو لم أعد، هذه الأرض ليست للبيع.. لا يتوانى الحاج أبو خليل أن يظهر غضبه الدائم والشديد من الاحتلال الاسرائيلي ومن المجتمع الدولي الذي لم يبدل ساكنا في قضية اللاجئين وهو يردد : “كل عام كنا نقول هذا العام، راح العمر ونحن ضحايا التآمر، شعبنا انظلم كتير ولكن لنا رب”.
 كل ما يحلم به أبو خليل أن يعود ويشيد بيتا له من القصب تحت شجرة زيتون في بلاده “ساعتئذ الحمد لله أكون قد مت في أرضي ووطني” هذا ما تمناه أبو خليل.
وكم ابو خليل قص الرواية الحقيقية على مسامع الأجيال الفلسطينية المتعاقبة في بلاد الشتات، ففهم الصغير منذ ان تفتحت عيناه على الحياة تماما لماذا هو يعيش في تلك المخيمات والتجمعات المصنفة “فلسطينية” في لبنان والتي يفتقر فيها الى أبسط حقوقه كانسان، عرف انه ضحية احتلال شرذم شعبه وشتته وهو يعيش على انقاض جريمة لم تحاسب قوانين الأرض عليها حتى اليوم، فتصرف على نحو يدحض تماما مقولة غولدا مئير ان الصغار يوما ينسون.  
 بعد خمسة وسبعين عاما ما زال المخيم يحمل الهوية الفلسطينية في تفاصيل تفاصيله ولو ان جنسيات اخرى سكنته في السنوات الأخيرة ، فان شيئا لم يتبدل أو يغير في معالمه اوحياة وعادات أهله المتمسكين بكل ما يرمز الى فلسطينيتهم.
هنا زخرفوا جدران المخيم بكلمات الوطن، ورسموه بألوان العودة، غنوا وعزفوا له، ازقتهم  وبيوتهم اعتلتها صور رموزهم وشهدائهم وأسراهم.. وكأنها الحكاية كلها أمام ناظريك لا تكلفك العناء في السؤال عن المكان وأهله.




تُقى وميار.. صداقة لن تمحوها مجازر الاحتلال

لا تزال الطفلة تُقى أبو عيشة تبكي صديقتها ميار عز الدين التي استشهدت، فجر أمس الثلاثاء، في قصف احتلالي على منزل عائلتها وسط مدينة غزة، فسنوات الصداقة، وأحلام المستقبل، انتهت بين الصديقتين بصاروخ إسرائيلي دمر منزل عائلة عز الدين في ليلة دموية لن تنساها غزة.

والدة تُقى تروي لحظات الحزن والصدمة التي تعيشها ابنتها بعد معرفتها باستشهاد صديقتها ميار، قائلة: “على حافة سريرها تضع ابنتي تُقى رأسها وتبكي بحرقة، ولكنها لا تزال تسأل: لماذا لم تُخبرني ميار بأنها سترحل؟”.

وتُضيف أبو عيشة: “لقد أحدث سؤال ابنتي الصغيرة المتكرر عن صديقتها كسرا كبيرا في قلبي، فهذا الوداع لا يليق بقلب طفلتي”، مضيفة: “ميار عز الدين هي صديقة أول الطريق وكله بالنسبة لابنتي، ولكنها تركت يد طفلتي ورحلت شهيدة في قصف إسرائيلي على منزل ذويها وسط مدينة غزة”.

وتروي أبو عيشة إحدى قصص الصداقة بين ابنتها والشهيدة ميار قائلة: “قبل شهر كُسرت يد ابنتي تُقى، وجاءت ميار لزيارتها، وأصرت الأخيرة على التقاط الصور مع ابنتي، ولكن ستبقى ذكريات الطفلتين عالقة في الأذهان ولن يمحوها الزمن”.

وتقول أبو عيشة:” لا تزال ابنتي تعانق الهدية التي حصلت عليها من صديقتها ميار خلال زيارتها الأخيرة لها، فدفتر المذكرات الذي ما زال مقفلا كما قدمته لها سيفي بعهده بأن تكتب أول رسالة فيه للشهيدة ميار، إضافة إلى البطاقة التي شكلت فيها حروف (تُقى) وذلك السوار ستبقى جميعها شواهد على وجع لن يمر عاديا أبدا على قلب طفلتي”.

شاهدة العيان ميرفت أبو عبدو تقول: “كأنه حلم.. نحاول أن نستيقظ أو نخرج منه لكن دون جدوى، لكن المشاهد الدموية التي رأيناها في مجزرة عائلة عز الدين لا تزال تخترق شباك العين، فتقهر القلب، ونكاد أحيانا لا نجيد الرؤية من بشاعة مشهد الأطفال المحمولين على الأكف شهداء يُزفون إلى الفردوس الأعلى بإذن الله”.




ذكرى النكبة 75: هل بدأ العد العكسي؟

في ذكرى النكبة، لا جديد بالقول إن النكبة ما زالت مستمرة، وإن المشروع الصهيوني قطع شوطًا كبيرًا على طريق تحقيق أهدافه، بدليل إقامة إسرائيل على 78% من فلسطين واحتلال الباقي في العام 1967، والعمل جارٍ على قدم وساق من أجل تهويد الضفة الغربية وضمها، وتهجير قسم كبير من سكانها، وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها. ولا شك أن الإنجازَ الأهم للحركة الصهيونية احتواءُ الحركة الوطنية الفلسطينية، كما تحقق في توقيع اتفاق أوسلو، ثم شق الطريق للانقسام الذي حدث في العام 2007، هذا الحدث المشؤوم والمستمر منذ ذلك التاريخ، ويتعمق باستمرار، ويتحول إلى انفصال.

ما زال المشروع الصهيوني على الرغم من ذلك مفتوحًا، ويعمل على استكمال بقية الأهداف بضم بقية الأرض، وتهويدها، وطرد أكبر عدد ممكن من السكان، وإقامة إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر.

إسرائيل في أضعف حالاتها، ولكنها لا تزال قوية وقادرة على العدوان

كانت تبدو إسرائيل في ذكرى النكبة السابقة في أقوى حالاتها، بل تملك فائضًا من القوة يجعلها تتقدم في طريقها من دون عوائق كبرى، وخلقت حقائق على الأرض تجعلها تقترب من استكمال تحقيق أهدافها، وساعدها على ذلك الاتفاقات الإبراهيمية التي جسدت اختراقًا صهيونيًا جديدًا كبيرًا للعرب، ظهر فيه العرب المطبعون وكأنهم تخلوا عن القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وحتى عن “مبادرة السلام العربية” التي كانت تنص على انسحاب كامل مقابل سلام كامل، وظهروا كأنهم مستعدين لتجاوز التطبيع البارد وإقامة سلام حار وتحالف عربي إسرائيلي سياسي اقتصادي عسكري في مواجهة الخطر الإيراني.

إذا ما قارنا ذكرى النكبة في هذا العام بالعام الماضي، سنجد أن هناك طعمًا مختلفًا تمامًا، فإسرائيل اليوم وبعد تشكيل أكثر حكومة تطرفًا تبنت برنامجًا للضم والتهويد والتهجير، وتسعى إلى تطبيقه بسرعة عن طريق خطة الحسم، وسنجد أنها مع ذلك في أضعف حالاتها وبدأت بالعد العكسي؛ ذلك بسبب تفجر الخلافات الداخلية إلى حد والانقسام بين تياريْن أساسييْن: واحد يريد أن تبقى إسرائيل كما كانت منذ تأسيسها دولة يهودية ديمقراطية، والآخر يريدها أن تتحول إلى دولة الشريعة اليهودية بالكامل.

وبناء عليه، وصلت إسرائيل إلى مأزق عميق بنيوي، كاد أن يصل يوم 27 آذار 2023 إلى عصيان مدني وحرب أهلية، لولا تدخل الدولة العميقة والدولة الأم الولايات المتحدة؛ حيث جُمِّدَتْ خطة الحكومة لإضعاف القضاء لصالح الكنيست والأغلبية في محاولة للتوصل إلى تسوية من الصعب التوصل إليها، فالكثير من الناس في دولة الاحتلال يقولون إنه لا يمكن العودة إلى الوضع قبل الإصلاح القضائي، وإذا جرى التوصل إليها فستكون مؤقتة وقابلة للانقسام في أي وقت لاحق.

المفجر الرئيسي للمأزق الإسرائيلي الحالي داخلي وليس فلسطينيًا أو خارجيًا

لم تستطع الحركة الصهيونية – كما تنبأ بن غوريون وغيره من القادة الصهاينة – أن تصهر اليهود الذي أحضروا من مختلف بقاع وشعوب وقوميات العالم، بل يبدو الآن أنهم أبعد عن الانصهار من أي وقت مضى، ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على تحقيق ذلك أن القضية الفلسطينية وأداتها الحركة الوطنية لم تعد ذلك الخطر الوجودي الذي كانت تمثله؛ لذلك أدى تراجع الخطر الخارجي الذي يهدد وجودها وشرعيتها من الجذور إلى تقدم، بل تفاقم الخلافات والتناقضات الداخلية.

ما سبق يوضح أن المفجر الرئيسي للمأزق الصهيوني الراهن هو الصراعات الداخلية حول هوية إسرائيل ودورها، وعلى من هو اليهودي، وبين المتدنيين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، وليس المقاومة الفلسطينية، فهي الآن – أي المقاومة – ليست في أحسن حالاتها، على الرغم من البطولات والتضحيات الغالية، وظهور جيل المقاومين الجدد، وامتلاك المقاومة الصواريخ وحفرها للأنفاق، وتقدمها في السنتين الأخيرتين.

لقد كانت القضية الفلسطينية في السابق في وضع أفضل، وكانت المقاومة في السبعينيات من القرن الماضي أقوى، لا سيما عندما صنفت الأمم المتحدة الحركة الصهيونية بوصفها شكلًا من أشكال العنصرية والتميز العنصري عام 1975؛ إذ شهدنا في تلك الفترة النهوض الوطني الفلسطيني الذي بدأ باندلاع الثورة الفلسطينية التي حوّلت اللاجئين إلى ثوار، ووحدت الشعب في كيان وطني واحد.

كما كانت المقاومة كذلك أقوى أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية، وأفعل وأحسن وأكثر تأثيرًا مما هي عليه الآن، مع أن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة والباسلة وبقاء القضية حية من أهم الأسباب والجذور التي أدت إلى ما تعانيه إسرائيل اليوم، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن كون إسرائيل في أضعف حالاتها ومهددة بتحول الانقسام إلى تقسيم؛ لا يعني أنها لم تعد خطرة أو غير قادرة على العدوان، بل يبقى العدوان ضد الفلسطينيين أحد المخارج التي قد تلجأ إليها لتأجيل انفجار مأزقها الداخلي من خلال تصديره إلى الخارج، وشن عدوان أكبر ضد الفلسطينيين بحكم أنهم الحلقة الأضعف في أعداء إسرائيل. لذا، يجب استمرار الحذر والاستعداد لمثل هذا السيناريو، وعدم الاعتماد أكثر ما ينبغي على وحدة الساحات، وتوازن الرعب والردع وقدرات محور الممانعة.

تحولات ومتغيرات جديدة في المنطقة من دون انتصار حاسم لمعسكر

لا يزال محور الممانعة على الرغم من التقدم الذي أحرزه يخشى من مواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال؛ خصوصًا أنها ستؤدي إلى مواجهة مع الولايات المتحدة التي لا تزال الدولة الأقوى عسكريًا في العالم، والتي لن تتخلى عن حماية إسرائيل بسهولة وسرعة كما يتخيل البعض، وكما يظهر في الردود الإيرانية والسورية على العمليات التخريبية والعدوان المستمر على أهداف داخل سوريا، وبدرجة أقل داخل إيران، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه في ميدان الصراع مع إسرائيل، أو في المنطقة بشكل عام، بالمصالحات التي تشهدها المنطقة.

كما أن المصالحات لا تحركها دوافع وأزمات عند فريق فقط، فهناك دوافع وأزمات في دول محور الممانعة تدفعها كذلك نحوها. وهي لا تعني – أي المصالحات – وقف عمل كل طرف لتحقيق أهدافه بوسائل أخرى، فلم يتحقق انتصار حاسم لطرف على آخر، بل هناك معسكر تقدم في بلد أو ملف، وآخر في بلد أو ملف آخر، وهناك صيغة أقرب إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب، أو طرف انتصر بالنقاط وليس بالضربة القاضية.

إسرائيل ستزول لأنها تجسيد لمشروع استعماري ترفضه وستلفظه المنطقة وليس جراء نبوءات أو صراع داخلي

هناك من يسارع ويزف البشرى بأن ما يجري في الكيان يعني قرب زوال إسرائيل، وهناك من حدد مواعيد لهذا الزوال، منها ما فات، مثل نبوءة زوال إسرائيل في العام السابق، ومنها من يقترب، مثل نبوءة زوال إسرائيل عندما يبلغ عمرها 80 عامًا تحقيقًا للعنة الأجيال. ونقول لمن كان يبشر عشرات المرات بأن إسرائيل منذ تأسيسها على وشك الزوال، او حدد موعدًا لزوالها، خلال سنوات قليلة إن إسرائيل ستزول كما زال كل استعمار على مدى التاريخ، ولكن هذا الزوال سيحدث عندما تتوفر أسبابه، وأهمها نهوض فلسطيني وعربي يعرف كيف يسرع لحظة الوصول إلى هذا الزوال، ومن دون هذا الشرط فيمكن أن تعيش إسرائيل 20 أو 50 أو 100 عام، فهي جزء من منظومة عالمية لن تزول إلا بإضعافها، وعدم قدرتها على خدمتها.

وأكبر حجة لدى المتنبئين بزوال إسرائيل ما يقوله الإسرائيليون بأنفسهم؛ إذ كثرت التصريحات والتحليلات بين الإسرائيليين، بمن فيهم قادة سياسيون ودينيون سابقون وحاليون وغيرهم، متناسين أن الهدف الأكبر لدى معظم هؤلاء هو السعي إلى منع زوال إسرائيل، وليس التبشير بزوالها مع أن أي استعمار وأي مجرم يبقى يخشى على مستقبله ما دام ضحيته صامدا وحيا ومقاوما.

أفكار وحلول إسرائيلية لإنقاذ إسرائيل من نفسها: التقسيم والفدرالية مثالًا

لكي أبرهن على ما سبق، أنصح بقراءة مقال لإيتاي مشياش، تحت عنوان “فيدرالية كانتونات، مناطق ذاتية الحكم؟ فجأة الكل، وهو منشور في صحيفة “هآرتس”، يوم 5 أيار 2023، وقدمت له وترجمته الدكتورة غانية ملحيس، ونشرته بالعربية في ملتقى فلسطين.

يتحدث هذا المقال عن تقسيم إسرائيل، ويستعرض الأفكار المتداولة الرامية التي توضح عمق المأزق الوجودي، وتقدم الحلول الرامية إلى بقاء إسرائيل على الرغم مما تعانيه.

ويسلط مشياش في مقاله الضوء على الجدل المتنامي داخل المجتمع الصهيوني، الذي يحفزه أساسًا الإحساس بالخطر الوجودي، والسعي إلى الحفاظ على استمرارية الدولة الصهيونية، وحمايتها من خطر التفكك والاندثار، في ضوء اتساع الفجوات بين مكونات المجمع الاستيطاني الصهيوني.

بات دعاة تقسيم إسرائيل، من خلال اقتراحات بتطبيق الحكم الذاتي، والفصل بين المكونات المختلفة، خصوصًا المتدنيين والليبراليين، وصيغ فدرالية مختلفة وغيرها، أكثر من مجرد أفراد نخبويين، بل أصبحت الآراء التي يطرحونها تلقى اهتمامًا وانتشارًا وتأييدًا ملحوظًا ومتزايدًا، ويرون أنها حلول قد تنقذ إسرائيل من نفسها، ومن مصير ينتظرها إذا لم تعالج مأزقها البنيوي. أما الغائب الأكبر عن هذا الحوار الإسرائيلي فهو الموضوع الفلسطيني؛ إذ لا ينظر المعسكران المتخاصمان إلى أنه يشكل خطرًا جديًا على الأقل في هذه المرحلة.

لنجعل الذكرى بداية لحملة عالمية لعزل إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها

لنجعل من الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة بداية العد العكسي للمشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري الاحتلال الإجلائي، الذي جسدته إسرائيل، من خلال العمل على وقف التعامل الدولي مع إسرائيل بوصفها دولة فوق القانون الدولي، والشروع في حملة عالمية لإسقاط الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعزلها، ومحاسبتها، وفرض العقوبات عليها، ومحاكمة إسرائيل على كل الجرائم التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين والعرب منذ تأسيسها وحتى الآن.

تتصور الحكومة الكهانية أنها قادرة – بعد تجاوز المأزق الحالي، أو من أجل التهرب منه وتوحيد الإسرائيليين خلفها – على حسم الصراع بسرعة مع الفلسطينيين، وليس بشكل بطيء، من خلال صيغ خادعة عن إشاعة وهم إمكانية التوصل إلى تسوية تارة، وإدارة الصراع تارة ثانية، وتقليص الصراع تارة ثالثة، وهي كلها صيغ تهدف إلى تحقيق هدف واحد، وهو تصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها وأبعادها. وتراهن حكومة نتنياهو على الوقت وعلى اليمين واليمين المتطرف في الولايات المتحدة، والغرب عمومًا، وعلى المسيحيين الصهاينة، وعلى عودة دونالد ترامب أو رئيس جمهوري آخر في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة في تشرين الثاني من العام 2024 سيسعى إلى تمكين الحكومة الإسرائيلية من تحقيق أهدافها.

إن لدى الفلسطينيين، والعرب، وأنصار الحرية والعدالة والتقدم والديمقراطية في كل العالم، بما في ذلك إسرائيل، فرصة تاريخية في ظل مأزق المشروع الصهيوني والمتغيرات في المنطقة والعالم؛ لفتح طريق جديد قادر على هزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني، وتفكيك نظام الامتيازات العنصري، وإقامة دولة ديمقراطية من دون تمييز بين مواطنيها على أساس الجنس واللون والدين والمعتقد والقومية.




من ايرلندا لفلسطين .. ما بين الإضراب عن الطعام والإضراب عن التعليم

جاء صيف 1981 للإضراب عن الطعام في ايرلندا, لحظة حاسمة للقضية الايرلندية، بقيادة بوبي ساندز وثلاثة آخرين من سجن “ميز”، حيث بدأوا في رفض الطعام حتى بدأت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا العظمى في ذلك الوقت بالاعتراف بحقوق السجناء “الإرهابيين” كسجناء سياسيين وسمح لهم بـ “مطالبهم الخمسة”. بوبي ساندز هو الريادي التحرري، الذي سُجن بتهمة حيازة سلاح ناري وتفجيرات. وكان أول من فقد حياته بعد 66 يومًا من الإضراب عن الطعام، حيث كان تم انتخابه لمقعد في البرلمان. بعد وفاة ساندز، اندلعت أعمال شغب وحرق حافلات وهجمات على السفارة البريطانية في جمهورية أيرلندا، وكانت هناك مظاهرات حاشدة حول العالم, واندلعت أعمال الشغب والعصيان المدني في جميع شوارع بلفاست. حينها أعرب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب إفريقيا ونيلسون مانديلا عن دعمهما لـلمضربين عن الطعام (ادعى مانديلا نفسه أنه كان مستوحى بشكل مباشر من Sands لشن إضرابات عن الطعام ضد حكومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا) وكذلك فلسطين ومنظمة التحرير أعلنت عن تأييدها للمضربين عن الطعام وحقوقهم في الجدل ما بين الإرهاب والحقوق السياسية في التحرر. 

لقد حضر أكثر من 100,000 جنازة ساندز، الذي قال ان “انتقامنا سيكون ضحكة أطفالنا.”

واستخدم هذا الأسلوب من الاضراب الجمهوريون الإيرلنديون في العام 1917 وأيضاً خلال الحرب الإنجليزية-الإيرلندية، وأول إضراب عن الطعام قام به الجمهوريون أدى لاستشهاد اثني عشر سجيناً كان أولهم “توماس آش” في سجن “مونتجوي”، ووصل استخدام الاضراب في ايرلندا ذروته عام 1981 عندما خاض السجناء من الجيش الأيرلندي ما عرف بالاحتجاج الشامل اعتراضًا على تحويل توصيفهم من سجناء حرب إلى سجناء جنائيين، وبعد استشهاد المناضل الإيرلندي بوبي ساندز بسبب تعنت رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر حظي الإضراب السياسي عن الطعام بدعاية ضخمة في تاريخ النضال ضد الاحتلال وتحقيق الحقوق. وورد في كتاب “جينيس” للأرقام القياسية الرقم القياسي العالمي في الإضراب عن الطعام بدون إطعام قسري بالقوة لمدة 94 يوماً عام 1920 قام به كل من “جون وبيتر كراولي”، و”توماس دونوفان”، و”مايكل بورك”، “ومايكل اوريلي”، و”كريستوفر ابتون”، و”جون باور”، و”جوزيف كيني”، و”شين هينيسي” في سجن مدينة كورك، وتعدى ذلك الرقم الأسير الفلسطيني سامر العيساوي صاحب أطول إضراب مفتوح عن الطعام في التاريخ واستمر تسعة أشهر وانتهى باتفاق مع إدارة السجون يقضى بالتحرر، وإضراب الأسير أيمن الشراونة واستمر 260 يوماً وانتهى بالتحرر، والاسيرة هناء الشلبي التي أضربت 43 يوماً ، وقبلها الأسيرة عطاف عليان والتى أضربت 40 يوما متواصلة، وإضراب الأسير أيمن طبيش لأكثر من 4 شهور وعشرات الأسماء التي انتصرت على السجان وفاقت إضرابات عالمية مفتوحة عن الطعام.

خضر عدنان, أب لتسعة أبناء، فقد حياته في الثاني من أيار الجاري خلال إضرابه الخامس عن الطعام بعد اليوم الـ٨٦ . عندما سئل عدنان من أين يحصل على قوته، أجاب: من ايمانه بالله، ايمانه بقضيتنا العادلة ومن زوجته المحبة “رندة” التي يمكنه الاعتماد عليها بأي شيء! بلغ عدنان من العمر 44 عامًا فقط، وهو إنسان حارب من أجل الحرية ووثقها إلى الأبد في تاريخ النضال الفلسطيني.

أنا متأكدة أن الشعب الفلسطيني يشعر مع الأسرى ويتألم لمعاناتهم، فالإضراب عن الطعام هو الوسيلة الأكثر سلمية والأكبر ألماً التي قد يلجأ إليها الإنسان لاستخدام جسده للمطالبة بحقوقه عندما لا تنفع كل الطرق الأخرى. 
خاض عدنان اضرابات عدة:

2012 خاض اضرابًا لمدة 66 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2015 خاض اضرابًا لمدة 52 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال 

2018 خاض اضرابًا لمدة 59 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2021 خاض اضرابًا لمدة 25 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2023 خاض اضرابًا مفتوحًا عن الطعام لمدة 86 يومًا، وارتقى شهيدًا معلنا عن حريته الأبدية.

لا بد لي من الوقوف عند بعض مظاهر تضامننا مع الأسرى، ففي الإعلان عن الاضراب الشامل, تصطدم بالحجارة والعجلات المطاطية المُلقاة على الشوارع والنيران المُشتعلة في وسط الطريق ومحاولات عدة لإغلاق الطرق الفلسطينية الداخلية، هذه مشاهد مؤلمة وسلبية بالتأكيد فلا يختلف اثنان أن هذه الأدوات لا تفيد الأسرى ولا بأي شكل ولا توثر على الاحتلال الإسرائيلي إلا أنها تنشر ثقافة الفوضى والتخريب وعدم المسؤولية التي لن تنفع ولن تُعجب الأسرى الأبطال، وأكثر ما يؤلمني هو قضاء آلاف المواطنين وطلبة المدارس ليوم الإضراب الشامل في بيوتهم.

ضروري الحفاظ على خيمة الاعتصام التي تمثل نقابات ومؤسسات مختلفة, ضروري حمل اليافطات والعبارات تعبيرا عن التضامن مع الأسرى والتأكيد أن الحرية قادمة لا محالة، لكن قطار الحرية بهذا الشكل يقف على جزيرة الطريق دون حراك. من يقف في المسيرة او يعتصم في الخيمة هم المواطنون أهالي الأسرى الذين يمارسون التضحية والمقاومة ويحلمون بالتحرر باسمنا جميعاً. 

نحن بحاجة لتوظيف العقل والأفكار المعاصرة لتشكيل ردود فعل تتناسب مع لغة العصر والتكنولوجيا وحقنا في المقاومة بكافة اشكالها، مع التأكيد ان التعليم هو حق وهو أداة مقاومة مشرفة واستراتيجية لا بد من حمايتها والتأكيد عليها. برنامج التعبئة الوطنية حول قضية الأسرى وشهداء الحركة الأسيرة يجب ان يشمل البناء والاستثمار في قرابة المليون طالب في المدارس الفلسطينية لتزويد الجيل الجديد بالمعرفة والثقافة حول هذه القضية الإنسانية وكيفية المطالبة بالحقوق. 

ويتكرر السؤال كيف ندعم قضية الاسرى؟ ماذا نعلّم الجيل الجديد حول الأسرى والأسرى الأطفال والحركة الأسيرة وشهداء الحركة الأسيرة؟ عن الشهيد خضر عدنان, عدد الاضرابات التي خاضها وهدفها, في الفن, في المسرح, في أغانٍ حول قضية الأسرى في السجون, في أفكار ومبادرات وطنية تدعم قضية الأسرى, في إطلاق حملات الكترونية معاصرة إبداعية تظهر قضيتهم للعالم. كيف نستعمل وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الألم والتضامن أو نصور فيديوهات ونطلق هاشتاجات لإضراب الأسرى والحرية والكرامة، مِنَا من هو فنان فترى لوحات جميلة تعبر عن الأسرى ومعاناتهم، ومِنا من يهوى الموسيقى ويقدم واجبه مِن خلالها، وتارة أخرى نعلن الإضراب العام والشامل ونتوقف عن العمل ونغلق المحال التجارية وتتوقف المدارس والمؤسسات الإنتاجية والدراسية. أؤكد هنا أن الأسرى بحاجة لمساندة ودعم الشعب لمعركة صمودهم داخل السجون الإسرائيلية وأتفهم مدى تأثير أخبار المساندة والدعم التي تأتي الأسرى من الخارج، على نفسياتهم وصمودهم واستمرار مقاومتهم. علينا جميعاً كل من موقعه نصرة الأسرى، وعلى القيادة وضع حرية الأسرى في أعلى سلم الأولويات، وعلى كل أم وأب يحتفلون هذا الشهر بتخريج أبنائهم أن يشعروا بمعاناة غيرهم ممن يتخرجون ويتزوجون وينجبون أثناء وجود آبائهم في السجون. هؤلاء يضحون ويقاومون عنا وباسمنا جميعاً من أجل فلسطين والحريّة. 

إلى أن يتحقق الإفراج عن الأسرى، لنعمل من أجل حرية هؤلاء الأبطال ولتكن ردود أفعالنا وأنشطتنا ذات معنى ومغزى، فبدلاً من إغلاق المدارس، علينا تخصيص ساعة مدرسية للحديث والكتابة عن الأسرى، وبدلاً من إيقاف العمل العام ومنع الموظفين من الوصول لمكاتبهم وخسارة التاجر لدخل بيته لذلك اليوم، علينا أن نعمل وننتج ونقدّم للأسرى وذويهم.

 مبارك هذا النصر للأسرى وعائلاتهم الصابرة، فليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى. 

التعليم هو حق ،، التعليم هو مقاومة ،، التعليم استراتيجية للتحرر.

د. دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي, كلية الدراسات العليا, الجامعة العربية الأمريكية.




فلسطين تشارك في أعمال المؤتمر 16 للأطراف في اتفاقية بازل والمؤتمر 11 لاتفاقيتي روتردام وستوكهولم في جنيف

 شاركت دولة فلسطين في أعمال مؤتمر الأطراف للاتفاقيات البيئية الدولية الثلاث بشأن النفايات والمواد الكيماوية الخطرة المنعقد في مدينة جنيف السويسرية (السادس عشر لاتفاقية بازل بشأن نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها، والحادي عشر لاتفاقية روتردام المتعلقة بالموافقة المسبقة عن علم في التجارة الدولية لمواد كيماوية ومبيدات زراعية خطرة، والحادي عشر لاتفاقية ستوكهولم الخاصة بالملوثات العضوية الثابتة.

ومثل دولة فلسطين من سلطة جودة البيئة أ. ياسر أبو شنب، نقطة الاتصال الوطنية لاتفاقيتي بازل وروتردام وأ. دعاء عبد الله نقطة الاتصال الوطنية لاتفاقية ستوكهولم، والعقيد لطفي أبو ناصر مدير إدارة المكافحة والتفتيش في جهاز الضابطة الجمركية وبمشاركة 1500 من ممثلي الأطراف في الاتفاقيات.

وتتضمن أعمال المؤتمر مناقشات ومفاوضات مع الدول الأطراف في العديد من مسودات القرارات الخاصة بالمواضيع التقنية والتوجيهات الإرشادية للإدارة السليمة للنفايات والمواد الكيماوية الخطرة، وإدراج الملوثات العضوية الثابتة ومواد ومبيدات زراعية خطرة في المرافق الخاصة باتفاقيتي ستوكهولم وروتردام.

وتشمل المفاوضات مناقشة التعديلات المقترحة لتحسين الإجراءات المتعلقة بالموافقة عن علم في نقل النفايات الخطرة لاتفاقية بازل والتعديلات المقترحة على الإجراءات المتعلقة بإدراج المواد الكيماوية والمبيدات الزراعية الخطرة في مرافق اتفاقية روتردام.