1

حالة قلبية نادرة لامرأة عمرها ٥٠ عاماً وأنجبت 8 أطفال

في رحلة عمرها 50 عاماً، كانت السيدة (ع.خ) تعيش حياتها وسط تحديات وصعوبات لا تتوقف، ولم تكن تعلم أن قلبها، الذي واجه الحياة بكل قوة، يحمل سراً نادراً لم يُكتشف إلا قبل شهور، وعلى الرغم من ذلك، استطاعت هذه السيدة أن تنجب ثمانية أطفال وتعيش حياة مليئة بالصمود والإصرار، قبل أن تكشف الأعراض المتفاقمة عن الحقيقة التي ظلت مخفية بداخلها طوال تلك السنوات دون أن تعلم.

عاشت السيدة سنواتها معتقدةً أن ما تشعر به من إرهاق وضيق تنفس بين الحين والآخر ليس إلا نتيجة لأنشطتها اليومية، ومع مرور الوقت، بدأت صحتها تتدهور بشكل ملحوظ، حيث انخفضت نسبة الأوكسجين في دمها إلى مستويات خطيرة وصلت إلى نحو ٦٥٪، مما جعل لون بشرتها يميل إلى الزرقة، وبعد استشارة العديد من الأطباء، نصحها البعض بزراعة قلب أو قلب اصطناعي، إلا أن أحدًا منهم لم يتوقع حجم التعقيد الذي تحمله حالتها.

رغم حالة القلق الكبيرة التي يعيشها المريض وذويه قبل إجراء هذا النوع من العمليات الدقيقة، يأتي دور الكادر الصحي في التخفيف عليهم، متسلحين بالمعلومة والتجربة الطبية، ومؤمنين بأن الله يعطي الإنسان بقدر جهده وتعبه وحرصه على سلامة وصحة الآخرين.

يقول رئيس قسم جراحة وقسطرة قلب الأطفال، د. نزار حجة، وصلت السيدة إلى مجمع فلسطين الطبي، وبدأ الأطباء بإجراء سلسلة من الفحوصات المكثفة التي كشفت عن إصابتها بحالة نادرة تُعرف بـ “رباعية فالو”، وهي حالة خلقية تسبب وجود فتحة بين بطيني القلب، وتضخم في عضلة القلب اليمنى، وتضيق عند الشريان الرئوي.

أمام هذه الحالة النادرة، التي تُعد من الحالات النادرة جداً على مستوى العالم لمريض بهذا العُمر، قرر الأطباء في قسم جراحة وقسطرة قلب الأطفال بالمجمع التدخل العاجل لإنقاذ حياتها، وأُدخلت السيدة إلى غرفة العمليات، وقام الفريق الطبي بإزالة التضيق من الصمام الرئوي وسد الفتحة بين البطينين، وتخفيف تضخم عضلة البطين الأيمن، مما ساعد على استعادة تدفق الدم بشكل طبيعي وتحسن وظائف القلب، كما تم تخفيف التضخم في عضلة القلب اليمنى، لضمان عمل جانبي القلب بتناغم دون الحاجة لاستبدال الصمام، أو زراعة قلب.

بعد العملية بشكل سريع، لاحظ الأطباء تحسناً ملحوظاً في حالتها، حيث عاد لون بشرتها إلى طبيعته بعد أن كان مائلاً إلى الزرقة نتيجة انخفاض نسبة الأوكسجين في الدم، لدرجة أن أهلها رأوا لون بشرتها الحقيقي لأول مرة منذ سنوات طويلة.

تعد هذه الجراحة واحدة من بين 134 عملية قلب مفتوح أجراها قسم جراحة قلب الأطفال في مجمع فلسطين الطبي منذ افتتاحه قبل عام ونصف، محققاً نسبة نجاح مذهلة بلغت نحو 99٪، ويُعد هذا القسم الأول من نوعه في المستشفيات الحكومية الفلسطينية، وقد تم تجهيزه بأحدث التقنيات بفضل دعم جمعية إغاثة أطفال فلسطين. 

ويضيف د. حجة، “عملُنا في غاية الدقة والحساسية بجميع مراحله وحلقاته المتداخلة في الجراحية والعناية المكثفة وأخصائيي تشخيص القلب والعمليات والتمريض ووحدة عناية القلب، وفنيي التروية وأخصائيي التخدير، وصولاً للعيادات لمراجعات المرضى ومتابعة حالتهم الصحية بعد نجاح العملية وخروجهم، ونحن نرسم خطة دقيقة جداً لمسار علاج المرضى بالفحوصات والصور والمتابعة الطبية، وتجهيز المعدات وغرف العمليات وأجهزتها، وحتى الاستعداد النفسي للكادر، وعلينا أن ننجح ولا مجال للخطأ”.

قسم جراحة وقسطرة قلب الأطفال في مجمع فلسطين الطبي يعتمد على فريق متكامل يتألف من أربع حلقات أساسية: الجراحة، العناية المكثفة، أخصائيو تشخيص القلب، وفريق العمليات والتخدير، مما يضمن تقديم رعاية شاملة ومتكاملة للمرضى.

وبجهود هذا الفريق الطبي المتكامل، استعادت السيدة صحتها بشكل كبير ونشاط حياتها الطبيعي، لتصبح مثالاً حياً على المعجزات الطبية التي تُصنع بالإيمان والعلم. واليوم، تعيشُ حياة جديدة مليئة بالأمل، بعدما كان قلبها يواجه تحدياً نادراً كاد أن يسلبها حياتها، وقصة علاجها ليست مجرد قصة عن تحدٍ صحي فقط، بل هي رمز لصمود الإنسان وإبداع الأطباء الفلسطينيين الذين يواصلون تقديم الرعاية المتقدمة في أصعب الظروف.

كوادر القسم كغيرها من الأقسام في المجمع والمستشفيات الحكومية، تعمل بروح الفريق الواحد، وهنا نفخر بكوادر كثيرة كالدكتور أحمد دار سليم أخصائي جراحة قلب الأطفال والكبار، وأحمد طنينة ومسلم شريتح وهما فنيي تروية، وكذلك الجهد الكبير مع الدكتور عبد الحليم أبو حلتم وفريقه التخديري في حلقة العمليات، والممرض محمد أبو حمد وفريقه التمريضي، وصولاً لأخصائيي العناية المكثفة، الدكتور محمد صلاح وطاقمه وأيضاً وحدة عناية القلب، وكذلك نذكر الدور الفعال الذي يقدمه أخصائيو قلب الأطفال محمد أبو طاقة والدكتورة رولا عواد وفريقهما.

يقول وزير الصحة د. ماجد أبو رمضان إن هذا القسم يهدف إلى توطين الخدمات العلاجية لجراحة وقسطرة قلب الأطفال، وهو ما يخفف بشكل كبير من العبء النفسي والمادي على العائلات الفلسطينية، وهذه الإنجازات الطبية التي تتحقق في المستشفيات الحكومية، هي دليل على التقدم الكبير الذي يشهده القطاع الصحي في فلسطين.

ويضيف الوزير أن إجراء عمليات نادرة ومعقدة، مثل هذا النوع من الجراحات، يعكس الكفاءة العالية للطواقم الطبية والقدرات المتقدمة للكوادر العاملة، مؤكداً أن الحكومة الفلسطينية ملتزمة بتطوير الخدمات الصحية وتوطين العلاج داخل الوطن، مما يخفف الأعباء على المواطنين ويعزز من الاعتماد على الكوادر الوطنية، والقيادة الفلسطينية والحكومة ستواصل دعمها لهذه المشاريع الحيوية.

ويؤكد وكيل الوزارة د. وائل الشيخ أن هذه النجاحات لم تكن لتتحقق لولا الدعم المستمر من الشركاء والداعمين الذين يسهمون بشكل فاعل في تعزيز البنية التحتية الصحية وتوفير المعدات الحديثة، ضمن استراتيجية الوزارة في تعزيز التعاون والعمل المشترك، بهدف توفير رعاية صحية متكاملة ومتقدمة لجميع المواطنين، وافتتاح المزيد من الأقسام المتخصصة التي تلبي احتياجات المواطنين.

ويقول مدير عام مجمع فلسطين الطبي د. أحمد البيتاوي إن قسم جراحة قلب الأطفال في المجمع يُعد من الإنجازات البارزة في المجال الطبي الفلسطيني، وهذا القسم الذي تم افتتاحه حديثًا بتجهيزات طبية عالية المستوى، يشهد نجاحات متتالية بفضل الطواقم الطبية المميزة التي تعمل فيه.

وهذا النوع من العمليات يُعدُّ فخراً للشعب الفلسطيني، نظرًا لندرته وأهميته الطبية، وتأتي في إطار سلسلة من النجاحات العلمية والطبية التي يفخر بها المجمع في مختلف أقسامه. 

وتعد هذه القصة جزءاً من العديد من القصص التي تفخر وزارة الصحة الفلسطينية بها، مشكلةً نموذجاً للعمل المتكامل بين مختلف التخصصات الطبية والتمريضية والمهن المساندة، وتُعد أيضاً مرآة لثمرة تعاون فرق طبية من خارج فلسطين وداخلها في تعزيز وبناء القدرات وتوطين الخدمات.




“الأفندي”.. 43 عامًا وراء العربة نفسها

عبد الباسط خلف- يتحامل محمد محمود عبد الرحمن عتيق على ضعف بصره وانحناء ظهره، فيدفع بشق الأنفس عربته التي يطغى عليها الأخضر والأحمر، في شوارع جنين المليئة بالحفر وآثار العدوان؛ ليلتقط رزقه منذ 43 عامًا.

ولخص عتيق، الذي أبصر النور في شباط 1952، سيرته، فأشار إلى ولادته بإعاقة بصرية كبيرة، ومن يومها بدأ يكافح في هذه الدنيا، وأطلق عليه أهله والناس “الأفندي”، دون أن يعرف السبب.

وقال إنه معروف بأبي أشرف، وينال شعبية واسعة بين الزبائن والتجار والمارة، كما تلازمه القبعة بالصيف والشتاء، ولا يتنازل كما أشار عن معاملته الحسنة للجميع، ولا يخرج في إجازة إلا مكرهًا، أو لظروف العدوان والاجتياح، التي صارت تتكرر كثيرًا في السنوات القليلة الماضية.

ويُعد عتيق أقدم عتّال متنقل في جنين، ويلازم مهنته منذ عام 1981، يوم ضاقت الدنيا بوجهه، وانقطعت به سبل العيش، ولم يعد يقوى على رفع الإسمنت والأوزان الثقيلة جداً، والسير في المناطق المحفوفة بالمخاطر، بفعل بصره.

وأفاد بأنه تنازل عن المهنة التي رافقته 18 عامًا أيام صباه، وخلالها ساهم في بناء مدرستين في بلدته برقين، وشّيد عشرات المنازل، ورفع آلاف تنك الإسمنت الثقيل على كتفيه، كما كان شاهدًا على ظاهرة “العونة”، وفيها اجتمع الأهالي على مساعدة أصحاب البيوت حديثة العهد، دون مقابل، قبل دخول مضخات الإسمنت.

اشترى “الأفندي” عربته بـ 50 دينارا، وحافظ على هيكلها المعدني، وأجرى بعض التغييرات على خشبها، ويقطع نحو 20 كيلومترًا كل نهار، ويرفض طلبات أولاده بالتقاعد والراحة؛ لأنه يعتقد أن من يتوقف عن العمل في سنه، فسيصبح رهينة للأمراض.

واستعاد قصصًا من الماضي، يوم كان مشهوراً برفع الباطون على ظهره، وكان الناس يطلبونه على أي ورشة بناء، لأنهم كانوا يعرفون إخلاصه، ويحترمون كفاحه وبساطته وطيبته.

وأفاد عتيق بأنه يشتغل في الصيف والشتاء أكثر من 10 ساعات يومياً، وفي فترة المساء كان يرجع لرعى قطيع أغنامي في السهول والجبال المحيطة ببلدته.

وأضاف بابتسامة عفوية، إن المسافة اللي قطعها مع عربته توصله لو جمعها إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنه يمشي منذ 43 عامًا.

وسرد إنه يعجز في بعض الأيام عن جمع بضعة شواقل، لكن هذا أفضل من أن ينتظر المساعدات، أو يمد يده للناس. كما نقل لأولاده العصامية والاعتماد على الذات.

ووفق الراوي، فقد صارت العربة جزءًا منه، وكان في السابق ينقلها إلى بيته في بلدة برقين (5 كيلومترات غرب جنين) مشياً على الأقدام، ثم أصبح يتركها عند أحد التجار.

وأكد أن العربات تكاثرت هذه الأيام، كما تضاعفت المركبات والمتاجر، وصارت هناك منافسة مع تراجع الحال الاقتصادي، لكنه يلتزم الصمت ولا ينادي على الزبائن، ولا يفاوض أحدًا، غير أنه يصف الوضع بـ”الدمار” بسبب كثرة الاجتياحات، وأزمات الرواتب، وتعطل المشتغلين عن العمل في الداخل المحتل، وحصار جنين ومنع أهالي الداخل من الوصول إليها، إلا في المناسبات القليلة.

درس أبو أشرف حتى الصف الأول الإعدادي، ولم تشجعه أوضاعه الصحية على الاستمرار، واتجه إلى العمل في الباطون، ومساعدة والده في رعي الأغنام والزراعة، وله 5 أولاد وابنتان وعدة أحفاد.

وأوضح أن العمل خلال انتفاضة عام 1987 كان صعبًا، وفيه الكثير من المعاناة، لكن الأحوال الاقتصادية الراهنة أشد صعوبة، كما تضاعف الغلاء عدة مرات، وارتفعت أجرة طلب العربة من 2 شيقل إلى 5.

واختتم بأمنية عامة، وهي أن يشعر الناس بأحوال جيرانهم وأهالي بلدتهم، في هذه الظروف الصعبة، وأن يتفقدوا باستمرار احتياجاتهم، ويعتقد بأن التكافل قوة.

والأفندي، كما نقلنا إلى حامل اللقب، اسم مفرد وجمعه أفندية، وهي كلمة تركية ذات أصل يوناني، كانت تستعمل كلقب اعتباري لأصحاب الوظائف العليا، وشاع استخدامها في مصر والعراق وبلاد الشام مع الحكم العثماني.




الاتحاد الأوروبي وألمانيا والسلطة الفلسطينية يوقعون اتفاقية جديدة لتنفيذ اثني عشر مشروعًا في المنطقة (ج)

وقع الاتحاد الأوروبي وألمانيا والسلطة الفلسطينية اليوم اتفاقية منحة بقيمة 6 ملايين يورو لبناء 12 مشروعًا جديدًا للبنية التحتية الاجتماعية والعامة في المنطقة (ج) من الضفة الغربية. وتشكل هذه المبادرة جزءًا من برنامج تنمية المنطقة (ج) الجاري تنفيذه من قبل الاتحاد الأوروبي، والذي يهدف إلى تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية للمجتمعات الفلسطينية.

تمثل حزمة التمويل الأخيرة هذه المرحلة السابعة من برنامج الاتحاد الأوروبي لتنمية المنطقة (ج)، وسوف يستفيد منه أكثر من 33 ألف فلسطيني يعيشون في 12 منطقة في جميع أنحاء الضفة الغربية. وتشمل المشاريع التي سيتم تنفيذها بناء مدرسة وطرق وشبكات صرف صحي وتوزيع المياه، وكذلك خزان مياه وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء. ومع هذه المساهمة الجديدة، يرتفع إجمالي الاستثمار في البرنامج إلى 23.2 مليون يورو، تغطي 73 مشروعًا للبنية التحتية في 59 منطقة. هذا ويتم تمويل برنامج المنطقة (ج) التابع للاتحاد الأوروبي من قبل الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.

وقد جرى توقيع الاتفاقية في مكتب رئيس الوزراء، بحضور رئيس الوزراء محمد مصطفى، ووزير الحكم المحلي سامي حجاوي، وممثل الاتحاد الأوروبي ألكسندر ستوتزمان، والممثل الألماني أوليفر أوفتشا، ومسؤولين من صندوق تطوير وإقراض البلديات.

وقال ممثل الاتحاد الأوروبي ألكسندر شتوتسمان: “يعتبر الاتحاد الأوروبي المنطقة (ج) جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة وجزءا حيويا لتحقيق حل الدولتين. ومن حق كل فلسطيني أن يتمتع بالوصول دون عوائق إلى الخدمات الاجتماعية والعامة. كما أن العيش في المنطقة (ج) لا يجعل هذا الحق موضع شك. إن الاتحاد الأوروبي، جنبًا إلى جنب مع الدول الأعضاء فيه، ملتزم بدعم السلطة الفلسطينية في تلبية هذه الاحتياجات، وبينما نفعل ذلك، فإننا ندعو إلى تغيير جذري في السياسات الإسرائيلية في المنطقة (ج) لتتماشى مع القانون الدولي ونتوقع حماية استثماراتنا”.

بالإضافة إلى ذلك، قال ممثل ألمانيا، أوليفر أوفتشا، “في ظل تزايد عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الحركة، تؤكد ألمانيا على أهمية برنامج تطوير المنطقة (ج) وتستمر في دعمه بشكل كبير. كذلك فإننا نشيد بصندوق تطوير وإقراض البلديات لقيادته في ضمان مشاركة المجتمعات الريفية ذات الصلة والاستفادة منها”.

إن جميع أنشطة الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية تتوافق تمامًا مع القانون الإنساني الدولي، كما يعمل الاتحاد الأوروبي مع السلطة الفلسطينية لتنمية المنطقة (ج) ودعم المجتمعات الفلسطينية ويشمل ذلك مشاريع تعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين نوعية حياة المجتمعات الفلسطينية في مجالات توفير الخدمات العامة الأساسية وتنمية القطاع الخاص والبيئة والزراعة. إن الهدف العام للمساعدات الإنمائية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي هو ضمان تمتع الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة (ج) بحقهم في التنمية والعيش بكرامة.




إلياس خوري يغيب عن “باب الشمس”.. رحيل روائي وحكّاء وطني وقومي

د. أحمد الطيبي: إلياس خوري كاتب ومثقف متميز عاش تفاصيل حياة الفلسطينيين في الوطن والشتات

د. مصطفى البرغوثي: سنذكر حديثنا عبر الهاتف ونحن معتصمون على تلة المقاومة الشعبية “باب الشمس”

إبراهيم جوهر: أديب عجن مداد قلبه وروحه وخياله بمأساة الإنسان المظلوم في العالم وفي فلسطين

ديمة السمان: إلياس خوري لم يكن صوتاً أدبياً فحسب بل كان أيضاً مدافعاً شرساً عن حقوق الفلسطينيين

جميل السلحوت: إلياس خوري اللبنانيّ المولد الفلسطينيّ الهوى ولد في النّكبة الأولى ورحل في النّكبة الثّانية

حسان البلعاوي: “باب الشمس” أول عمل توثيقي إنساني أدبي للنكبة واستندت لبحث مع الجيل الأول للاجئين

د. جمال الشلبي: واحد من أهم النقاد والكتاب اللبنانيين والعرب الذين أثروا على المشهد الأدبي العربي المعاصر

أسعد الأسعد: إلياس خوري أحد أعمدة الرواية في عالمنا العربي بقي مخلصاً لحبه لفلسطين وسنظل نقرأه

نعت شخصيات سياسية وكتاب وأكاديميون الروائي اللبناني إلياس خوري الذي رحل عن الدنيا الأحد 15 أيلول/ سبتمبر تاركاً خلفه إرثاً كبيراً من الأعمال الروائية والنقدية والكتابات والمقالات أبرزها رواية “باب الشمس” التي تؤرخ لتاريخ اللجوء الفلسطيني بعد نكبة العام 1948.

واعتبروا في أحاديث لـ”ے” أن الساحة الأدبية خسرت علماً بارزاً واستثنائياً من أعلامها، كان مسكوناً بفلسطين التي انضم منذ نعومة أظافره إلى ثورة أبنائها، ليشاركهم شرف الدفاع عن أرضها وشعبها وقضيتها، وقد عاش بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعاش همهم الوطني والإنساني كما لم يفعل غيره، وهو ما جعله يعتبر نفسه لبنانياً وفلسطينياً في آن واحد.

اللبناني العاشق لفلسطين

ووصف النائب أحمد الطيبي رئيس الحركة العربية للتغيير، إلياس خوري بأنه الروائي والمثقف والكاتب الملتزم بلا مهادنة، وهو اللبناني العاشق لفلسطين، المتابع لادقّ  تفاصيل حياة الفلسطيني.

وقال الطيبي لـ “القدس”:  “إلياس خوري لم يكن مجرد كاتب أو ناقد، لقد كان مثقفاً متميزاً، اللبناني الفلسطيني، والفلسطيني اللبناني الذي عاش تفاصيل حياة الفلسطينيين في الوطن والشتات. الياس الذي التقيته مراراً في القاهرة، عبر عن الألم الفلسطيني والأمل الفلسطيني.

وأضاف الطيبي: “إن صاحب رواية “باب الشمس” غاب وما زال باب الشمس لا يرى شمس الحرية”، منوهاً إلى أن الرواية تحولت إلى فن، وكانت جزءاً من ترسيخ الرواية التي دأب إلياس خوري على نشرها في كل مكان، رواية الفلسطينيين، رواية من تعرضوا للقمع والقهر والإبعاد، رواية من عايشوا النكبة ولم يتركوا الأمل.

ونوه إلى أن زاوية خوري في جريدة القدس، كانت زاوية يتابعها الناس بشغف وينتظروا نشرها. 

وأكد الطيبي أن هناك اناس في غيابهم يتركون فراغا،ً إلا أن الفراغ الذي يتركه إلياس خوري يملأه ما كتب وما نشر.

وقال الطيبي “إالياس خوري ومحمود درويش اللذان كانا أصدقاء عرفا كيفية استعمال  الكلمة بفن ودقة وريشة رسام”. لروحه السلام ولأهله ومحبيه خالص العزاء.

حامي السردية الفلسطينية

ونعى د. مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية الكاتب المسرحي والناقد  والروائي العربي الكبير، حامل وحامي السردية الفلسطينية إلياس خوري.

وقال البرغوثي: “إن رحيل الكاتب والمفكر الياس خوري صاحب رواية “باب الشمس “، وروايات عديدة أخرى كرسها لفلسطين، هو خسارة كبيرة للشعبين اللبناني والفلسطيني وللفكر والثقافة العربية بكاملها.

وأضاف “إذ ننعى رحيله لشعبنا الذي يقدر له دعمه وعمله وإخلاصه لقضية فلسطين، وتكريسه إرثه الأدبي الرفيع لتاريخ ونضال شعب فلسطين، فإننا نتقدم لعائلته وأصدقائه ومحبيه ولأنفسنا بأعمق مشاعر العزاء والثقة بأن تراثه الأدبي والفكري سيبقى خالداً في حياة الشعبين اللبناني والفلسطيني”.

وتابع البرغوثي “سنذكر دائماً حديثنا عبر الهاتف مع إلياس خوري ونحن معتصمون على تلة المقاومة الشعبية التي سميناها “باب الشمس”، تيمنا بروايته، في مواجهة الاستيطان الاستعماري الصهيوني للقدس”.

رحيل العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية

وقال الأديب المقدسي إبراهيم جوهر لـ “القدس” إن العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية يرحل قبل اكتمال فتح باب الشمس – إلياس خوري الفتى اللبناني الذي ترك أرز لبنان وجبالها الساحرة وليالي شبابها ليلتحق بالثورة الفلسطينية وهو ابن 19 عاماً، فيعيش في المعسكرات ويقيم في المخيمات، لينزرع حب فلسطين في قلبه أكثر، فيعطي الوطن السليب بغزارة وكأنه يسابق الزمن”.

وأضاف جوهر: “خوري أديب عجن مداد قلبه وروحه وخياله بمأساة الإنسان المظلوم في العالم وفلسطين في قلب هذا العالم. كتب لفلسطين وللعودة وكتب عن الناس ولهم حتى صار فلسطينياً أكثر من كثيرين من الفلسطينيين. رحل وهو في قمة عطائه. رحل قبل أن يرى فرح العائدين إلى باب الشمس…”

وتابع: “وكأنّه عاش ليكتب لفلسطين، هذا ما يخرج به المتابع لمسيرته الأدبية.”

وقال جوهر ” لقد تمثّل ألم الناس وأنين الجغرافيا فعاهد قلبه وقلمه أن يظل وفيّا لعدالة قضية هي أكثر القضايا الإنسانية التي تآمر عليها الغرب الاستعماري، فرمى أبناءها إلى الموت والغياب وشوّه تاريخها وسرق جغرافيتها.”

وأكد جوهر أنه بوفاة المبدع الكبير إلياس خوري تخسر فلسطين فارساً حقيقياً لم يعرف النكوص يوماً.

انخرط بعمق في دعم القضية الفلسطينية

وقالت الروائية المقدسية ديمة السمان لـ “القدس” إن إلياس خوري كان من أبرز المثقفين العرب الذين انخرطوا بعمق في دعم القضية الفلسطينية، حيث شكلت هذه القضية محورًا رئيسيًا في مسيرته الأدبية والفكرية. 

وأكدت أنه من خلال رواياته، وخاصة “باب الشمس”، نقل خوري معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، مسلطًا الضوء على النكبة، الشتات، وحلم العودة. وقالت: “لم يكن مجرد كاتب متضامن، بل اعتبر القضية الفلسطينية قضية إنسانية عالمية، تجسد الصراع بين الحق والظلم”.

وأشارت إلى أن خوري لم يكن صوتًا أدبيًا فحسب، بل كان أيضًا مدافعًا شرسًا عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الثقافية والإعلامية، حيث استخدم قلمه وفكره لفضح الاحتلال وإبراز الظلم الواقع على هذا الشعب. 

وأوضحت السمان أنه بفضل أعماله المترجمة إلى لغات عدة، استطاع خوري إيصال معاناة الفلسطينيين إلى جمهور عالمي، مساهمًا في نشر الوعي بالقضية والدفاع عن حقوق المظلومين في كل مكان. لترقد روحه بسلام.

“باب الشّمس” سيبقى مفتوحا

وقال الأديب المقدسي جميل السلحوت لـ “القدس”: “ان إلياس خوري رحل عن دنيانا إلى دار الخلود، لكنّ اسمه وذكراه  سيبقيان خالدان في ذاكرة أمّته وذاكرة الإنسانيّة، فالرّجل الّذي عرفناه صحفيّا وروائيّا وناقداً يشار إليه بالبنان، خلّدته أعماله الأدبيّة، ومواقفه النّبيلة”.

وأضاف: “إن إلياس خوري اللبنانيّ المولد الفلسطينيّ الهوى العروبيّ الانتماء. ولد في النّكبة الأولى ورحل في النّكبة الثّانية، وكأن القدر يجاريه في انتمائه الذي اختاره طواعية، وكأنّي به بهذا الرّحيل يؤكّد أنّ” النّكبة مستمرّة”، لكنّه لم ينس يوماً أنّ “باب الشّمس” سيبقى مفتوحا إلى آن تسطع شمس إرادة شعب وآمّة أخرجها “طويلو العمر” من التّاريخ.

وأشار إلى أن إلياس خوري صاحب “رجل يشبهني” لم يتشبّه بأحد، ولن يستطيع آحد أن يغلق “باب الشّمس” الّذي اختاره طواعية؛ لتبقى “الوجوه البيضاء” رافضة لـ ” للنّكبة مستمرّة”، وإن بدت الأمّة “كآنّها نائمة”.

وقال السلحوت “إن الياس خوري برحيله في هذه المرحلة الحرجة يؤكّد بأنّه ليس فقيد لبنان أو فلسطين، بل هو فقيد أمّة وفقيد الإنسانيّة، لذا لا نقول له وداعاً لأن ذكراه ستبقى خالدة”.

كادر في الثورة وفي مركز الأبحاث الفلسطيني

والتي استندت إلى بحث طويل مع الجيل الأول للاجئين الفلسطينين في لبنان، هي عملياً وقال الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني حسان البلعاوي لـ “القدس”: ” شكل رحيل إلياس خوري خسارة ليس فقط الأدب العربي وتحديداً الرواية، ولكن للقضية الفلسطينية والتي كانت محوراً رئيسياً في حياته والتزامه السياسي”. 

وأشار إلى أن إلياس خوري انخرط بشكل مباشر في الهم الفلسطيني فكان كادراً سياسياً في الثورة الفلسطينية في مواقع متعددة في لبنان، وكان فعالاً في مركز الأبحاث الفلسطيني. 

وأكد البلعاوي أن روايته “باب الشمس ” والتي استندت إلى بحث طويل مع الجيل الأول للاجئين الفلسطينين في لبنان، هي عملياً أول عمل توثيقي إنساني أدبي للنكبة الفلسطينية. 

وقال: “”لقد تحولت فيما بعد  لفيلم روائي من إخراج يسري نصر الله، وتم عرضه على كثير من شاشات التلفزة والسينما الأوروبية والتي قدمت المأساة الإنسانية بشكل إنساني”. 

وأوضح البلعاوي أنه “في الموتمرات الدولية التي كان يشارك فيها إلياس خوري كانت القضية الفلسطينية إحدى مواضيعه الأساسية، فكان صوتاً فلسطينيناً بامتياز، وشكلت مقالاته في الصحف وازعاً وطنياً واخلاقيا”.

مواقف خلافية فيما يخص “الربيع العربي”

وقال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية الهاشمية د. جمال الشلبي لـ “القدس” “إن إلياس خوري واحد من أهم النقاد والكتاب اللبنانين والعرب الذين أثروا على المشهد الأدبي والفكري العربي المعاصر. فارق الحياة عن عمر يناهز 76 عاماً، بعد أن ترك أثرا كبيراً أهمه رواية “باب الشمس” المشهورة جداً والتي تحكي معاناة الشعب الفلسطيني.”

وأضاف: “شخصيا، التقيت به لأول مرة في باريس أثناء احتفائية “جائزة اليونسكو الشارقة للثقافة العربية عام 2012” التي فاز بها في العام ذاته، إذ دعت إدارة الجائزة الفائزين بهذه الجائزة بمناسبة مرور 10 سنوات على انطلاقها. وقد تشرفت بأن أكون من بين هؤلاء الفائزين المدعوين لها بعد أن فزت بها عام 2006.

وأضاف: لقد اختلفت مع الراحل الكبير عندما قال في كلمته كفائز بالجائزة إن الربيع العربي “نتيجة كتابات المثقفين العرب”!

وأنهى   الشلبي بالقول: “رحم الله إلياس الذي كان لديه مواقف نتفق معها، أو نختلف، لكن هذا لا يمنع من القول أنه واحد من أعمدة النقد والأدب والإعلام العربي المعاصر الذي سيذكره المستقبل بكثير من الاهتمام والإجلال” .

إلياس خوري ترك نوافذه مشرعة

وقال الكاتب الروائي أسعد الأسعد لـ “القدس”: “إلياس خوري أحد أعمدة الرواية في عالمنا العربي. ها هو يستعجل الرحيل في زمن نحن بأمس الحاجة إليه”، مؤكداً “أننا سوف نظل نقرأه، لأننا اكتشفناه اليوم، نبوح بفرحنا حين نكتشف ذاتنا عند نوافذ إلياس خوري التي تركها مشرعة لنستزيد حباً لكاتب كرس حياته غارقاً في ملكوت الأدب.

وأضاف الأسعد “إن خوري ظل مخلصاً لحبه لفلسطين، هذا اللبناني، هذا الفلسطيني الهوى، سنظل نذكره نحن ومن سيأتي بعدنا”.

وتابع: “نحن الآن ننتظر من تتلمذ على يده، ونتطلع على نوافذه التي تطل علينا، مشيراً إلى أن إلياس خوري الذي أحببناه وعشقنا رواياته كأننا عشنا معه في صياغة كل جملة وردت في نصوصه”. وختم بالقول: إلياس خوري نحبك وسنبقى نفتقدك أبد الدهر”.




في الذكرى العاشرة لوفاته سميح القاسم.. حديث لم يُنشر

إنه الشاعر سميح القاسم، الكبير في قصيدته، والكبير في حياته، التي بدأها صعبة، وما زالت. بدأ معلمًا وعاملًا وصحفيًّا، حتى استوى شاعرًا، له إسهامات كبيرة وواضحة في خريطة الشعر العربي، واستطاع كسر الحصار وفك العزلة والتواصل مع محيطه العربي والإسلامي، ولم تُقعِده القيود المختلفة عن الاختيار الصحيح والخيار الأمثل. قد تختلف معه في أمورٍ عدة، ولكنك بالتأكيد ستتوقف طويلًا أمام قصيدته التي أضافت للروح الفلسطينية والعربية الشيء الكبير.

مع هذا الشاعر الكبير الذي دفع ثمن مواقفه في أشد الظروف قسوة وإظلامًا؛ نرى قوة الإرادة وأثر الوعي وعمق الموقف، هذا الموقف الذي ورَّثه لابنه محمد الذي دخل سجن الاحتلال على درب أبيه. فسميح القاسم شاعر ذو صليل وأصالة، اتكأ على تاريخ قومه، فمتح منه الدلالة والأصالة.

الأستاذ سميح مساء الخير!

مساء النور.. وأنا سعيدٌ بهذا الخروج عن النص والخروج على النص، الذي قُدِّر لشعبنا؛ نص الغياب من اللا تاريخ، وها نحن في فضائية فلسطينية، شكرًا لله تعالى، ولدماء شهدائنا.

لو فتحنا بداية بطاقتك الشخصية، ماذا نقرأ؟

في الحقيقة، هناك أكثر من قراءة، تاريخ الميلاد مثلًا هو الحادي عشر من أيار (مايو) من العام 1939، التاريخ الرسمي للميلاد، لكني أعلنت أكثر من مرة أن تاريخ ميلادي هو تاريخ موتي في أيار (مايو) 1948، الموت التاريخي الذي نزل كالصاعقة على طفولتي، وهو أيضًا تاريخ ميلادي الإنساني والشعري والفكري، البطاقة لا تعني شيئًا خارج سياقها التاريخي.

مكان الولادة في مدينة الزرقاء، التي تسمى مدينة أُردنيّة، ولكنها مدينة في بلاد الشام التي لا تتعامل مع خرائط سايكس بيكو. إذن، فأسرتي من شبه جزيرة العرب، جدي البعيد كان من فرسان صلاح الدين الأيوبي. توفي جد والدي ودُفن في سوريا، ومسقط رأسي في الأردن، وحياتي في فلسطين، إذن أنا لحسن حظي محكومٌ بالعروبة وبالوحدة العربية، هذه هي بطاقتي الأساسية.

 كم عدد أولادك؟

 تذكرني بجلسات التحقيق. هم: محمد البكر، ووضَّاح، وكلاهما خاض تجربة السجن الإسرائيلي، ثم عمر وياسر، للأسف الشديد لم أرزق بهاجر؛ كنت أتمنى أن تولد لي طفلة أسميها هاجر.

رغم ما بلغت من العمر، فإن وجهك ينطق بالنضارة وبشبابٍ دائم، ما السر؟

لن ألجأ إلى علم الوراثة، لكن أعتقد أن شيئًا من المناكفة لا بد منه، مناكفة أولئك الذين يريدون شيخوختي ورحيلي عن هذا العالم، رحيلي الجسدي والروحي والشعري والفكري والسياسي، مناكفتي مع هؤلاء هي ما يجعلني أحاول أن أظل شابًا قدر المستطاع.

إن حياتك حين تعرضها تبدو حياةً غير عادية؛ فوالدك كان ضابطًا في الجيش الأردني، وأعمامك شاركوا في القتال ضد العصابات الصهيونية، إلى أي مدى أثرت هذه البيئة على توجهاتك الوطنية والقومية؟

في الحقيقة لا نستطيع تجاهل البيئة والخلفية الاجتماعية لأي إنسان، ومعروفٌ أني نشأت في بيئة تميل إلى التمرد والقتال، إلى الذود عن الحياض، وقد كررت أكثر من مرة أن أناشيد طفولتي لم تكن من طراز «تيجي نقسم القمر»، و«هزي يا نواعم»، وإنما كانت الأناشيد الثورية، الحروبيات، أغاني العنفوان الوطني، مثل: «موطني»، «نحن الشباب»، «يا ظلام السجن خيِّم»، «بلاد العُرْب أوطاني»… كانت هذه أناشيد طفولتي بحكم المرحلة التاريخية، وكوني حينها عضوًا في فرقة الإنشاد المدرسية.

ومن دون شك، فإن تاريخ الأسرة، ودور الأجداد والأب والأعمام والأخوال، وأبناء العمومة في الحياة العامة، كانت له اليد الطولى على الصعيدين: الفكري والشعري، ففي أسرتي كثيرون ممن سبقوني إلى كتابة الشعر والغوص في أعماق الثقافة العربية والإسلامية؛ لذلك فتحت عيني على كتب التراث في مكتبة البيت القديم.

متى تفتَّحت موهبة الشعر لديك؟

في الحقيقة، لا أذكر الهاجس الأول، لكني أذكر أن معلم اللغة العربية دخل إلى فصلنا ذات يومٍ –كنت في المرحلة الابتدائية- وأعلن: «وُلِد في صفِّكم شاعر!»، ونظر أحدنا إلى الآخر بحثًا عن هذا الشاعر، إلى أن كتب معلم اللغة العربية فقراتٍ من موضوع تعبير كنت كتبته بعنوان «الربيع» أو شيءٍ من هذا القبيل، وإذا بهذه العبارات موزونة ومقفاة! لكنني في الليلة نفسها، سهرت الليل بطوله، محوت وكتبت وأتلفت أطنانًا من الأوراق، وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة كاسف البال، شاحبًا، لأقول لأستاذي إنني لستُ شاعرًا؛ فطيلة الليل لم أنجح في كتابة قصيدة، وبذلك أعطاني أحد الدروس الأساسية: «لا تذهب إلى الشعر، دعه يأتي إليك». هذه في الحقيقة كانت الموعظة الأولى والدرس الأول في مجال الكتابة.

جاءت مرحلة الثانوية حاملةً معها همومها: غزل في زميلة، هجاء في معلم… حتى ينتقل الإنسان عن هموم هذه المرحلة إلى التورط في همومٍ أكبر: هَمُّ وطن، هَمُّ شعب، هَمُّ أمة… ويجد في القصيدة وسيلة لحفظ التوازن بينه وبين همومه، وبينه وبين العالم الخارجي.

 وهل تعتقد أنك نجحت في حمل هذا الهم وتوصيله؟

لو لم يكن لدي إحساس بأني حققت هذا التوازن بيني وبين ذاتي، وبيني وبين العالم من خلال القصيدة، لكنت قد ذهبت إلى منحى آخر. سُئِلتُ مرةً: «لو لم تكن شاعرًا، ماذا يمكن أن تكون؟».

 قلت: «ربما سأكون ممثلًا أو موسيقيًّا أو رسَّامًا، أو قاتلًا محترفًا»؛ كان لا بد لي من أداة للدفاع عن ذاتي وعن كياني وعن وجودي، ولذا فأنا راضٍ عن الإجابة الراهنة: وهي أني وجدت اكتفائي الذاتي في القصيدة.

 هل تتذكر أول قصيدة؟

في الحقيقة لا أذكر، لكن مجموعتي الشعرية الأولى «مواكب الشمس» التي صدرت في العام 1958 فيها قصائد كتبتها وأنا في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر، تلك كانت البداية.