1

الأوقاف الفلسطينية تحذر من مخطط إسرائيلي لفرض واقع ديني جديد في المسجد الأقصى

أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية تحذيراً شديد اللهجة من المساعي الإسرائيلية الرامية إلى فرض واقع ديني جديد داخل باحات المسجد الأقصى المبارك. وأكدت الوزارة في تقريرها الشهري أن فبراير الماضي شهد تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في حجم الانتهاكات التي طالت المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة.

ورصد التقرير قيام مجموعات من المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى نحو 24 مرة خلال الشهر المنصرم، حيث تمت هذه الاقتحامات تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال. وتزامن هذا التصعيد مع بداية شهر رمضان المبارك، مما زاد من حدة التوتر في المدينة المقدسة في ظل القيود المفروضة على المصلين.

وأوضحت المصادر أن سلطات الاحتلال تواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الرابع على التوالي، متذرعة بحالة الطوارئ المعلنة منذ اندلاع المواجهات العسكرية الأخيرة السبت الماضي. ويأتي هذا الإغلاق في سياق تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني داخل البلدة القديمة ومنع وصول المصلين إلى مسجدهم.

وشهدت الاقتحامات الأخيرة أداء طقوس تلمودية علنية ومستفزة، شملت ما يعرف بـ ‘السجود الملحمي’ والانبطاح والغناء الجماعي داخل ساحات الحرم القدسي. واعتبرت الأوقاف أن هذه الممارسات تمثل خروجاً سافراً عن الوضع التاريخي القائم وتحدياً لمشاعر المسلمين في كافة أنحاء العالم.

وأشارت الوزارة إلى أن الشرطة الإسرائيلية توفر غطاءً كاملاً للمقتحمين، بينما تفرض في المقابل إجراءات مشددة تمنع مئات الفلسطينيين من الدخول وتؤدي إلى إبعادهم قسرياً. كما يتم توقيف الوافدين إلى البلدة القديمة وإخضاعهم لتفتيش دقيق واستفزازي لعرقلة وصولهم إلى الصلاة.

ولم تقتصر الاعتداءات على الساحات الخارجية، بل امتدت لتشمل اقتحام محيط المصلى القبلي وقبة الصخرة، خاصة خلال أوقات خطب وصلاة الجمعة. وتهدف هذه التحركات الميدانية إلى ترهيب المصلين وفض التجمعات الدينية داخل المسجد بأساليب قمعية وممنهجة.

التصعيد الإسرائيلي محاولة واضحة لفرض واقع ديني جديد وتغيير الوضع القائم داخل المسجد الأقصى وتغيير هويته الإسلامية.

وفي محيط المسجد، رصد التقرير تصاعداً في الفعاليات الاستفزازية عند حائط البراق، حيث تُقام طقوس تهدف إلى تعزيز الرواية الإسرائيلية وتغيير معالم المنطقة. وترى الأوقاف أن هذه السياسة تهدف بوضوح إلى تهيئة الأجواء لفرض التقسيم الزماني والمكاني بشكل نهائي ودائم.

وفي مدينة الخليل، كشف التقرير عن منع سلطات الاحتلال لرفع الأذان في المسجد الإبراهيمي 45 وقتاً خلال شهر فبراير الماضي بحجج واهية. كما سمحت قوات الاحتلال بإقامة حفلات موسيقية صاخبة في الأجزاء المغتصبة من المسجد، مما يعد انتهاكاً صارخاً لحرمة دور العبادة.

ويستمر إغلاق المسجد الإبراهيمي منذ يوم السبت الماضي تحت ذريعة حالة الطوارئ، وهو إجراء يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي المتبعة ضد سكان الخليل. يذكر أن الاحتلال يسيطر على أكثر من نصف المسجد منذ المجزرة التي وقعت فيه عام 1994 وحوله إلى كنيس يهودي.

وأفادت مصادر في وزارة الأوقاف بأن قوات الاحتلال منعت سدنة المسجد الإبراهيمي من الدخول لممارسة مهامهم الوظيفية والخدمية بشكل متكرر. كما طالت إجراءات المنع طواقم الهلال الأحمر والإسعاف، التي حُرمت من الوصول للمكان خلال الجمعتين الأولى والثانية من شهر رمضان.

وختمت الوزارة تقريرها بالتحذير من خطورة الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم الممنهجة التي تستهدف الهوية العربية والإسلامية للقدس والخليل. ودعت المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية إلى تحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية للتدخل الفوري ووقف هذه الانتهاكات التي تهدد بتفجير الأوضاع في المنطقة.




في “معجزة طبية”.. ميلاد أول طفل بريطاني باستخدام رحم متبرعة متوفاة

 في سابقة طبية هي الأولى من نوعها في المملكة المتحدة، أنجبت امرأة بريطانية وُلدت من دون رحم طفلًا سليمًا، بعد خضوعها لعملية زراعة رحم من متبرعة متوفاة.
ووضعت غريس بيل، في أوائل الثلاثينيات من عمرها، مولودها لتصبح أول امرأة في بريطانيا تنجب باستخدام رحم مأخوذ من متبرعة متوفاة.
وكانت بيل قد شُخّصت في سن المراهقة بمتلازمة “ماير-روكيتانسكي-كوستر-هاوزر” (MRKH)، وهي اضطراب خلقي يؤثر في نمو الرحم والمهبل، ويصيب نحو امرأة واحدة من كل 5000. وأبلغها الأطباء حينها بأنها لن تتمكن من الحمل والإنجاب، لكن بفضل عملية زراعة الرحم، أصبح ذلك ممكنًا.
واستغرقت جراحة الزراعة سبع ساعات، وأُجريت بدعم من منظمة “Womb Transplant UK” الخيرية، بقيادة جراح أمراض النساء ريتشارد سميث وجراحة زراعة الأعضاء إيزابيل كيروجا، بالتعاون مع مركز أكسفورد لزراعة الأعضاء التابع لهيئة الخدمات الصحية البريطانية.
وبعد العملية، خضعت بيل لعلاج هرموني لتحفيز الدورة الشهرية، ثم لجأت إلى التلقيح الصناعي (IVF) حتى تم الحمل بنجاح.
ورغم أن هذه الحالة هي الأولى في بريطانيا من متبرعة متوفاة، فإن أول ولادة ناجحة عالميًا بعد زراعة رحم من متوفاة سُجلت في البرازيل عام 2017. ومنذ ذلك الحين، وُلد نحو 12 طفلًا بهذه الطريقة، بينهم حالات في الولايات المتحدة وتركيا وإيطاليا والتشيك.
ووفق مراجعة عالمية نُشرت عام 2024، بلغت نسبة الولادات الحية بعد زراعة رحم من متبرعة متوفاة نحو 66%، وهي نسبة مماثلة تقريبًا لعمليات الزراعة من متبرعات على قيد الحياة.
ويقول الأطباء إن زراعة الرحم تُعد الخيار العلاجي الوحيد الذي يتيح للمرأة الحمل بنفسها. وتخطط منظمة “Womb Transplant UK” لإجراء عشر عمليات زراعة ضمن دراسة بحثية وطنية، نصفها من متبرعات على قيد الحياة، والنصف الآخر من متبرعات متوفيات.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة جديدة في طب زراعة الأعضاء والطب الإنجابي، ويفتح الباب أمام أمل واقعي لنساء حُرمن سابقًا من فرصة الحمل، سواء بسبب اضطرابات خلقية أو استئصال الرحم لأسباب طبية.




جنين.. حصار وشائعات وركود وخلية أزمة

عبد الباسط خلف- تعيش محافظة جنين، على وقع تشديد الاحتلال لإجراءاته منذ أمس الأول السبت.

وبين شهود عيان لـ”الحياة الجديدة” أن مدرعات الاحتلال العسكرية كررت التنقل بين جنين وريفها الجنوبي الغربي، مرورا عبر بلدة برقين.

ورصد الشهود أكثر من 8 حالات اقتحام للشارع الرئيس الرابط بين جنين وبلدات الخط الجنوبي الغربي، خلال أقل من 12 ساعة.

وقال سائقون إن الوصول إلى محافظة رام الله والبيرة بات محفوفا بالخطر منذ أمس الأول، وأكدوا أن الطريق باتت تحتاج قرابة 3 ساعات إضافية، في ظل إغلاق الاحتلال للبوابات، ونشرها لحواجز إضافية.

فيما نفى مصدر رسمي لـ”الحياة الجديدة” ما جرى تداوله عبر مواقع التواصل بشأن منع جيش الاحتلال المواطنين من التنقل بين المحافظات حتى إشعار آخر.

وأشارت المواطنة هبة الشيخ إبراهيم إلى أنها شاهدت ما قيل إنه تحذير منسوب إلى جيش الاحتلال بالإغلاق الشامل بين المحافظات، لكن تبين لاحقا عدم صحته.

بينما انعكست الأحداث الإقليمية المتسارعة على أسواق جنين، التي بدت شبه خالية من المتسوقين، وسط تفاقم الأزمة على محطات الوقود، واصطفاف طوابير من المركبات عند مداخلها.

وأوضح التاجر إبراهيم حماد أن أسواق المدينة شبه مشلولة، وسط وجود أعداد كبيرة من المتاجر التي لم تفتح أبوابها بشكل طبيعي.

وأشار إلى أنه مقارنة لهذه الفترة من شهر رمضان بالأوضاع الطبيعية، فإن “الفارق فلكي” بسبب الأوضاع الراهنة، وقلة المتسوقين، وترددهم في الوصول إلى المدينة بالشكل المتعاد.

وذكر مالك متجر للمجوهرات، آثر عدم نشر اسمه، أنه منذ يومين لم يعرض المصاغ الذهبي للزبائن؛ بسبب الأوضاع الراهنة، ويكتفي بتواجد شكلي في متجره.

وقال الشاب علي عبد القادر، إنه اضطر للانتظار عدة ساعات للحصول على وقود لسيارته، وسط أزمة وازدحام خانق.

في المقابل، أعلن محافظ جنين، كمال أبو الرب، في بيان رسمي، منع محطات الوقود من التعبئة بالغالونات أو العبوات.

واشترط على محطات الغاز تعبئة أسطوانتي غاز لكل عائلة، وأكد ضرورة تواجد الأمن عند كل محطة وقود. ودعا جميع المحطات إلى الاحتفاظ بالحد الأدنى للطوارئ، وعدم المساس به.

وترأس أبو الرب، الاجتماع الدوري للجنة الطوارئ؛ لبحث ملف المحروقات ومحطات الغاز في المحافظة، في إطار متابعة أوضاع القطاع وضمان انتظام التزويد وتعزيز إجراءات السلامة.

وناقشت اللجنة آليات توفير المشتقات النفطية، وضبط التوزيع، والالتزام بمعايير السلامة في محطات الغاز، وتعزيز الرقابة الميدانية ومعالجة أية معيقات قد تؤثر على استقرار الإمدادات، بما يضمن خدمة المواطنين بالشكل الأمثل.

وعقد الاجتماع بحضور أمين سر حركة فتح إقليم جنين محمود حواشين، وعضو المجلسين الثوري والمركزي وفاء زكارنة، وأعضاء لجنة الطوارئ، ومديري مؤسسات.

وكانت وزارة التربية والتعليم أعلنت التحول إلى التعليم عن بعد أمس الأحد واليوم الإثنين، بفعل الأحداث الأخيرة.




تكية “مبرة الخير” في نابلس.. اقتصاد الرحمة في زمن الضيق

ميساء بشارات- في أحد أزقة البلدة القديمة في مدينة نابلس، يبدأ النهار باكرا على غير إيقاع الأسواق.. فعند الساعة الثامنة صباحا تشعل المواقد، لا لتلبية طلب تجاري، بل لتجهيز وجبات ستصل قبل الظهيرة إلى بيوت أنهكها الغلاء.. هنا، لا تقاس الكلفة بعدد الصحون فقط، بل بعدد الأسر التي خف عبء يوم كامل عن ميزانيتها.

في “تكية مبرة الخير”، يتحول الطبخ إلى فعل تضامن يومي، وإلى اقتصاد رحمة يسند الفقراء والمتعففين بصمت.

يتصاعد البخار من أوعية ضخمة، ويقف متطوعون يجهزون مئات الوجبات التي ستجد طريقها إلى بيوت أنهكها الغلاء، وعند الثانية عشرة والنصف يبدأ توزيع الطعام، وفي الخلفية حكاية مستمرة منذ 11 عاما: مطبخ لا يتوقف.

تعود جذور هذا العمل إلى جمعية المركز الاجتماعي الخيرية، المؤسسة عام 1980، والتي تعنى بالفئات المهمشة والأيتام والأسر في مناطق يصنفها الجهاز المركزي للإحصاء ضمن الشرائح الأشد فقرا في البلدة القديمة في مدينة نابلس، وحي رأس العين. ومع تصاعد الحاجة، أنشأت الجمعية عام 2015 مطبخ “مبرة الخير” ليقدم وجبات صحية ساخنة على مدار العام، باستثناء يوم الجمعة والعيدين.

 “مطبخ مبرة الخير” ليس مبادرة موسمية، ولا نشاطا رمضانيا عابرا، بل مشروع إغاثي تنموي يعمل يوميا منذ عام 2015، ويعد اليوم أحد أهم روافع التكافل الغذائي في البلدة القديمة وحي رأس العين.

من 300 وجبة إلى 630 تضاعف الحاجة

عندما انطلق المطبخ في نيسان 2015، كان يقدم ما بين 250 إلى 300 وجبة يوميا، تخدم نحو 50 إلى 60 أسرة.

اليوم، في عام 2025، ارتفع المعدل اليومي إلى 630 وجبة يوميا. وخلال عام 2025 وحده، وزع المطبع تقريبا 190 الف وجبة على مدار 303 أيام عمل، بمعدل يومي يبلغ 630 وجبة، وهذا يعني ان هناك تصاعدا في الحاجة.

يقول عدنان عودة، المسؤول عن التكية: “كل سنة بتزيد نسبة الاحتياج… اليوم نخدم ما يقارب 500 أسرة أسبوعيا”.

ويؤكد عودة وهو يشرف على الوجبات: “أن 400- 500 أسرة تعتمد جزئيا على هذا المطبخ لتأمين البروتين الأساسي من لحوم ودواجن وأسماك”.

ويشير عودة ان تكلفة الوجبة تتراوح ما بين 15 إلى 20 شيكل، شاملة المواد الخام والتجهيزات.، ولو احتسبنا المعدل الوسطي (17 شيكلل تقريبا)، فإن: الكلفة اليومية التقديرية تقارب 10,000 شيكل، ما يعني أن الكلفة السنوية قد تتجاوز 3 ملايين شيكل. فالأرقام تكشف ان الحاجة تتسع.

وفي شهر رمضان، يتبدل المشهد. يرتفع التوزيع إلى 1250–1300 وجبة يوميا، ولا يقتصر الدعم على الوجبات الساخنة، بل توزع مواد تموينية ليوم الجمعة، إضافة إلى التمور والأجبان والحمص والحلويات والعصائر. هكذا يتحول المطبخ إلى شبكة أمان غذائي كاملة خلال الشهر الأكثر حساسية في إنفاق الأسر.

واللافت أن المطبخ لا يعتمد على التطوع وحده؛ فهناك موظفون يتولون الإعداد في بيئة منظمة ونظيفة، بينما يتكفل متطوعون بإيصال الوجبات للأسر المستورة وكبار السن وذوي الإعاقة، وبعض المستفيدين يحضرون لاستلام وجباتهم، فيما تنقل وجبات أخرى إلى البيوت حفاظا على الخصوصية والكرامة.

ويضع عودة سبب زيادة الحاجة الى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتوقف عمال الداخل المحتل عن العمل، ودخول فئات جديدة إلى دائرة الاحتياج، من بينها صغار الموظفين.

ويشير إلى أن البلدة القديمة وحي رأس العين يعانيان من: فقر الدم بين النساء، وزواج مبكر، وولادات في سن صغيرة، ونقص مزمن في البروتين والفيتامينات، وبالتالي، المطبخ لا يعالج الجوع فقط، بل يحاول معالجة أثر اقتصادي صحي متراكم.

التبرعات تزداد رغم الأزمة

في وقت تعاني فيه الأسواق من تباطؤ تجاري، يؤكد عودة أن عدد المتبرعين يزداد ولم يتراجع، ويؤكد ان المجتمع المحلي يدرك حجم الأزمة، والناس تثق بالمطبخ، لذلك التبرعات زادت كما ونوعا”. منوها ان التمويل يعتمد على: تبرعات نقدية، وتبرعات عينية (لحوم، دواجن، أرز، مواد غذائية).

وفي وقت تتقلب فيه الأسعار وترتفع كلفة المواد الأساسية، يؤكد عودة: “ان المطبخ لم يضطر يوما إلى تقليل عدد الوجبات، بل يزيدون الوجبات”.

ويتابع ان الثقة المتراكمة عبر 11 عاما صنعت علاقة متينة مع المجتمع المحلي، فيما يحرص تجار نابلس، وغالبا من البلدة القديمة، على تقديم أسعار تفضيلية باعتبار العمل خيريا. بذلك، لا يخفف المطبخ عبء الأسر فحسب، بل يحرك أيضا عجلة شراء داخل السوق المحلي.

يقول مواطن فضل عدم ذكر اسمه ينتفع من التكية انه في ظل تضخم متصاعد وتراجع في السيولة، تتحول التكايا إلى صمام أمان اجتماعي،  فهي لا تعوض غياب السياسات الاقتصادية، لكنها تقلل من أثرها المباشر على الفئات الأضعف. ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، تصبح كل وجبة مجانية بمثابة تخفيف فعلي على ميزانية الأسرة، قد يصل إلى مئات الشواقل شهريا.

يقول عودة: “في التكية لا يقاس النجاح بعدد الوجبات فحسب، بل بعدد البيوت التي نامت مطمئنة لأن قدرا ما غلى لأجلها”.

ويضيف: “ليست القضية عدد القدور، بل عدد البيوت التي أعفيت من حساب تكلفة اللحوم في يوم صعب، وهنا، لا يصبح العمل الخيري فعل إحسان فقط، بل استجابة اقتصادية شعبية لفجوة آخذة في الاتساع”.

في البلدة القديمة بنابلس، حيث تتلاصق البيوت كما تتلاصق الحكايات، تقف التكية شاهدا على أن الاقتصاد ليس أرقاما فقط، بل شبكة تضامن تحاول أن تسد فجوة آخذة بالاتساع.




32 عاما على مجزرة الحرم الابراهيمي

يصادف اليوم الأربعاء، الذكرى الـ32 لمجزرة الحرم الابراهيمي، التي أسفرت عن استشهاد 29 مصليا، وإصابة 150 آخرين.

ففي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 1994، الخامس عشر من شهر رمضان، نفذ المستعمر الإرهابي باروخ غولدشتاين، المجزرة عندما دخل إلى الحرم الابراهيمي، وأطلق النار على المصلين.

وأغلق جنود الاحتلال الإسرائيلي المتواجدون في الحرم أبواب المسجد لمنع المصلين من الخروج، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وأثناء تشييع جنازات الشهداء، ما رفع مجموعهم إلى 50 شهيدا، 29 منهم استشهدوا داخل المسجد.

وفي اليوم ذاته، تصاعد التوتر في مدينة الخليل وقراها وكافة المدن الفلسطينية، وبلغ عدد الشهداء الذين سقطوا نتيجة المواجهات مع جنود الاحتلال إلى 60 شهيدا ومئات الجرحى.

وإثر المجزرة، أغلقت قوات الاحتلال الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة لمدة ستة أشهر كاملة، بدعوى التحقيق في الجريمة، وشكلت ومن طرف واحد لجنة “شمغار”، للتحقيق في المجزرة وأسبابها، وخرجت في حينه بعدة توصيات، منها: تقسيم الحرم الإبراهيمي إلى قسمين، وفرضت واقعا احتلاليا صعبا على حياة المواطنين في البلدة القديمة، ووضعت الحراسات المشددة على الحرم، وأعطت للاحتلال الحق في السيادة على الجزء الأكبر منه، حوالي 60% بهدف تهويده والاستيلاء عليه، وتكرر منع الاحتلال رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي مرات عديدة.

ويضم القسم المغتصب من الحرم: مقامات وقبور أنبياء، وشخصيات تاريخية، إضافة إلى صحن الحرم، وهي المنطقة المكشوفة فيه.

كما وضعت سلطات الاحتلال بعدها كاميرات وبوابات إلكترونية على كافة المداخل، وأغلقت معظم الطرق المؤدية إليه في وجه المسلمين، باستثناء بوابة واحدة عليها إجراءات عسكرية مشددة، إضافة إلى إغلاق سوق الحسبة، وخاني الخليل وشاهين، وشارعي الشهداء والسهلة، وبهذه الإجراءات فصلت المدينة والبلدة القديمة عن محيطها.

يذكر أن الإرهابي باروخ غولدشتاين الذي كان يبلغ من العمر (42 عاما) عند ارتكابه المجزرة يعد من مؤسسي حركة “كاخ” الدينية، وقد قدِم من الولايات المتحدة الأميركية عام 1980، وسكن في مستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي مدينة الخليل.

“ولد بنيامين غولدشتاين في نيويورك، لعائلة يهودية متشددة، تلقى تعليمه في مدارس “يشيفا” اليهودية في بروكلين، ونال درجة الشرف من كلية ألبرت اينشتاين للطب في جامعة يشيفا، وحقق نجاحات باهرة في مجال الطب، ثم غير اسمه إلى “باروخ” في خطواته الأولى للعنصرية والإرهاب.”

لا عفوية قط في مجزرة الحرم الابراهيمي، ليس جنونا فرديا ذلك الذي قام به “باروخ غولدشتاين”، لأن الجنون الفردي ليس قادرا على حساب التفاصيل بدقة، والتخطيط لها، فاختيار الخليل وبالذات الحرم الابراهيمي، واختيار فجر الجمعة من رمضان، ولحظة سجود المصلين لتكون لحظة الذبح، لا يمكن أن يكون اختيارا من شخص مجنون. من كتاب “الجمعة الدامية.. عقيدة غولدشتاين”.

ويضيف الكتاب، الذي صدر عام 1994، وهو من تأليف: مازن حماد وعامر طهبوب ونادر طهبوب، أن المجزرة جزء من جنون جماعي، فالقاتل لم يوقفه الجنود على بوابات ومداخل الحرم، كما أنه استطاع الوصول بسهولة إلى مصلى المسلمين، وإطلاق عدة صليات من الرصاص لمدة عشر دقائق دون تدخل جنود الاحتلال المرابطين على الحرم.

ترك الجيش غولدشتاين ينفذ مجزرته كاملة.  رغم نقاط المراقبة المكثفة في محيط مسرح الجريمة، واستعدادهم الدائم للتحرك تجاه أي حركة أو نشاط مشبوه، وفوق ذلك كله شاركوا في اطلاق الرصاص على المصلين والمئات الذين هرعوا لنقل الاصابات وانقاذ المتبقين، ما أدى إلى ارتقاء شهداء آخرين وصل عددهم إلى أكثر من سبعة شهداء في باحات الحرم ومحيطه، وهم ينقلون الشهداء والجرحى.

وقد سبق للارهابي غولدشتاين، الاعتداء على الحرم الابراهيمي، وتم تبليغ رئيس وزراء الاحتلال آنذاك “رابين”، بإجرامه وحقده العلني والواضح، وخطورة تصرفات غولدشتاين ومستعمرين آخرين متطرفين.

وجاء في رسالة بعثتها “الهيئة الاسلامية العليا””، أن عددا من المستعمرين اعتدوا على ستة من حراس المسجد الابراهيمي وأحد المصلين، مساء الجمعة 8 تشرين الأول 1993، وقام المتطرف غولدشتاين بقطع آذان العشاء بعد اعتدائه على المؤذن.

قبلها بعام، في مساء الخميس 14 تشرين الأول 1992، قام غولدشتاين بإلقاء مواد كيميائية حارقة على سجاد المسجد، ولولا يقظة الحراس والمصلين، لوقعت مذبحة.

وما زال الاحتلال الإسرائيلي يحاول، ضمن سياسة ممنهجة، السيطرة على المسجد الإبراهيمي وإلغاء السيادة الفلسطينية، وإلغاء اعتباره وقفا إسلاميا خالصا، ففي عام 2020، أغلق الاحتلال المسجد الإبراهيمي 77 يوما، ومنع رفع الأذان فيه 599 وقتا.

ففي نهاية العام الماضي، قرتت سلطات الاحتلال تجريد صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي، في تصعيد خطير وانتهاك للوضع القانوني والتاريخي القائم.

وفي شهر أيار/ مايو الماضي، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن إصدار سلطات الاحتلال، قرارا بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، من خلال أمر استملاك يقضي بالاستيلاء على ما مساحته 288 متراً من السقف المحدد للحرم.

ولم تتوقف سلطات الاحتلال عن تنفيذ مخططاتها الخبيثة فيه منذ احتلال الخليل عام 67، فعلى سبيل المثال لا الحصر منعت دائرة الأوقاف الإسلامية من فرشه بالسجاد في تشرين الثاني 1967، وبعد أقل من شهر أدخلت إليه خزانة حديدية فيها أدوات عبادة يهودية، ثم أدخلت كراسي خاصة بهم إلى القاعة الإبراهيمية في حزيران 1968، وبتاريخ 25/9/1968 سمحت سلطات الاحتلال لفئة يهودية بالصلاة فيه، في تحدٍّ سافر لمشاعر المسلمين، وبعد أقل من شهر نسفت سلطات الاحتلال درع الحرم الإبراهيمي والبوابة الرئيسية المؤدية إليه وهما أثران تاريخيان.

وبتاريخ 11/10/1971 أدخل المستعمرون طاولة خشبية إلى القاعة الإبراهيمية، وفي 9/9/1972 مُنع المصلون المسلمون من أداء صلاة العصر في الحرم لأن المستعمرين كانوا ينشدون الأناشيد الدينية بأصوات مرتفعة وينفخون في البوق، وفي 17/12/1972 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي أوامره بإغلاق الباب الشرقي للحرم الشريف.

وبتاريخ 1/10/1973 سمح الحاكم العسكري في الخليل بإدخال 50 كرسيًّا خشبيًّا إلى القاعة اليعقوبية من الحرم الشريف، وقامت سلطات الاحتلال بتغطية صحن الحرم 10/11/1973 في محاولة لتغيير معالمه الإسلامية.

وفي حزيران 1974 قامت سلطات الاحتلال بسلسلة من الحفريات في محيط الحرم الإبراهيمي، وأسفل الباب الثلاثي إلى الداخل، وإلى الغرب منه، وأسفل المدرسة الحنفية.

وفي مطلع عام 1976 اقتحم ثلاثة مسلحين يهود الحرم برفقة سبعة مستعمرين وعبثوا بمحتوياته، وبتاريخ 16/3/1976 منع المستعمرون المسلمين من أداء الصلاة في القاعتين اليعقوبية والإبراهيمية.

وفي 21/10/1976، حول جنود الاحتلال قسما من الحرم إلى ثكنة عسكرية، ووضعوا فيه أسرَّة وأمتعة للنوم، وفي 2/11/1976 اعتدى مستعمرون على الحرم وداسوا نسخا من القرآن بأقدامهم، واعتدوا على المصلين بالضرب، وفي 18/11/1976 أعلن الحاخام المتطرف مائير كهانا أنه سيحوِّل الحرم الإبراهيمي إلى قلعة للمتطرفين اليهود بهدف ترحيل المواطنين الفلسطينيين من مدينة الخليل.

وفي 8/3/1977 أعلنت الهيئة الإسلامية عن اختفاء مفقودات ذات قيمة بعد فترة من منع المسلمين دخول الحرم الشريف، وبتاريخ 16/5/1977 اقتحم عدد من المستعمرين الحرم برفقة الحاخام ليفنجر وقاموا بالرقص داخل القاعة الإبراهيمية، وأشهر أحد المستعمرين مسدسه تجاه عدد من المصلين أثناء صلاة الظهر بتاريخ 4/7/1977.

وفي 27/2/1978 اقتحم أحد المستعمرين الحرم وعبث بمحتوياته، وفي 24/4/1978 أدخل مستعمران إليه نسخة جديدة من التوراة وأقاما احتفالاً كبيراً بحماية جنود الاحتلال.

وفي 31 /5/1979 اقتحم جنود الاحتلال القاعة الإبراهيمية، ووضعوا فيها الكراسي، ومنعوا المسلمين من الوصول إلى الحرم، وفي 27/2/1979 اقتحم 20 مستعمرا الحرم وهم يرفعون الأعلام الإسرائيلية، وفي 24/6/1984 أجرى المستعمرون ختان طفل في القاعة الإبراهيمية، وفي 11/9/1984 قام الجنود بتركيب عدسات تلفزيونية داخل الحرم لمراقبة المصلين.

انتهاكات وممارسات سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة في مدينة الخليل لم تتوقف، فقد زرعت فيها عددا من البؤر الاستعمارية وأغلقت شوارعها، وارتكبت فيها أفظع الانتهاكات لحقوق الإنسان، من قتل وتدمير، وحظر للتجول، وحصار اقتصادي متواصل أدى إلى شلّ الحركة التجارية في أسواقها القديمة، كما تستمر الاعتداءات على ممتلكات أهلها بهدم المباني الأثرية والتاريخية في أبشع مذبحة تستهدف طمس معالمها الحضارية وتغيير هويتها العربية الإسلامية، وبشق طريق استعماري يربط بين مستعمرة “كريات أربع” والحرم الإبراهيمي الشريف وجميع البؤر الاستعمارية، بهدف تهويد المدينة.