تقرير: 925 حاجزا وبوابة عسكرية تعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية في الضفة
|
قيود الحركة تتجاوز الحواجز لتطال الأرض والعمل والتعليم والصحة والاقتصاد الفلسطيني
رام الله -وفا- خلص تقرير تحليلي إلى أن الحواجز العسكرية والبوابات والإغلاقات والطرق في الضفة الغربية لم تعد مجرد قيود منفصلة على حركة الفلسطينيين، وإنما أصبحت جزءا من منظومة مكانية تؤثر في الوصول إلى الأرض والعمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات، وتعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
وأوضحت الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، في تقرير بعنوان “إعادة تشكيل المجال الفلسطيني تحت منظومة الأبارتهايد الإسرائيلية: دراسة الحواجز والطرق في الضفة الغربية”، أن القيود المفروضة على الحركة تحولت من إجراءات متفرقة إلى منظومة مكانية وإدارية تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية.
ويستند التقرير إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى جانب مراجع قانونية وحقوقية وأكاديمية.
ووفق أحدث بيانات المكتب التي يغطيها التقرير، والتي تعود إلى كانون الأول/ ديسمبر 2025، جرى توثيق 925 عائقا دائما أو متقطعا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، تؤثر في حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني، بزيادة نسبتها 43% على المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين، والبالغ 647 عائقا.
وتشمل هذه العوائق 89 حاجزا مأهولا على مدار الساعة، و218 حاجزا جزئيا، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقا خطيا، و167 كتلة ترابية، و105 حواجز طرق. وتشكل الحواجز والبوابات نحو 60% من مجموع عوائق الحركة، في مؤشر، على ترسخ القيود المفروضة على الحركة.
منظومة تتجاوز تقييد الحركة
ويرى التقرير أن أهمية هذه العوائق لا تكمن في عددها فقط، وإنما في تحولها إلى عناصر ثابتة في المجال الفلسطيني، تؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والمؤسسات التعليمية والمرافق الصحية والأراضي الزراعية، فضلا عن حركة البضائع والخدمات.
ويصف التقرير هذه المنظومة بأنها “بنية تحتية مرنة للسيطرة”، موضحا أن العائق لا يحتاج إلى أن يكون مغلقا بصورة دائمة حتى يؤدي وظيفة تقييدية، إذ يكفي أن يكون فتحه غير مضمون، أو أن يتطلب تنسيقا مسبقا، أو أن يخضع لإجراءات وتعليمات متغيرة.
ويركز التقرير على ما يسميه “اقتصاد عدم اليقين”، الناجم عن صعوبة التنبؤ بمدة الرحلات أو إمكانية المرور، وما يترتب على ذلك من زيادة استهلاك الوقود، وخسارة ساعات العمل، وارتفاع تكاليف النقل، وتأجيل المواعيد الطبية، وتأخر وصول المنتجات الزراعية والغذائية إلى الأسواق.
الطرق وإعادة تشكيل الجغرافيا
ويتناول التقرير عددا من المناطق كنماذج على تداخل الحواجز والطرق والجدار والاستيطان ونظام التصاريح، من بينها القدس وقلنديا ورام الله وحزما وجبع ومنطقة E1 وبيت لحم والخليل.
وفي منطقة حزما-جبع وE1، يشير التقرير إلى أن تداخل مشاريع الطرق والاستيطان والحواجز وتنظيم استخدام الأراضي يؤثر في طبيعة الاتصال الجغرافي بين مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
كما يتناول التقرير الطريق 60، أحد الطرق الرئيسة التي تربط شمال الضفة الغربية بجنوبها، مشيرا إلى أن عوائق الحركة تدفع الفلسطينيين في بعض المناطق إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن ما لا يقل عن نصف عوائق الحركة الموثقة، وعددها 459 عائقا، تعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، بما يؤثر في الوصول إلى أماكن العمل والخدمات.
الأرض والخدمات
ولا تقتصر القيود على الطرق والمناطق الحضرية، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية. ووفق التقرير، فإن ما لا يقل عن 20% من عوائق الحركة الموثقة تعرقل الوصول إلى الأراضي الزراعية، فيما يتطلب الوصول إلى بعض الأراضي الواقعة بين الجدار والخط الأخضر تصاريح أو تنسيقا مسبقا عبر بوابات زراعية.
ويرى التقرير أن هذه القيود تؤثر في قدرة المزارعين على تنظيم عملهم وفق احتياجات الأرض والموسم الزراعي، وتجعل الوصول إلى بعض الأراضي مرتبطا بمواعيد فتح البوابات وإجراءات التصريح.
كما يربط التقرير القيود على الحركة بصعوبات الوصول إلى المرافق الصحية والتعليمية، وبالتأثير في حركة البضائع والأسواق والعلاقات بين القرى والبلدات.
البعد القانوني والذاكرة المكانية
ويتناول التقرير منظومة الحركة في سياق قانوني وحقوقي أوسع، مستندا إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.
وقد خلصت المحكمة، ضمن ما تناولته في رأيها، إلى أن القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة تنطوي على تمييز محظور، كما تناولت آثار السياسات والممارسات الإسرائيلية على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
ويركز التقرير كذلك على البعد البصري والمكاني، مشيرا إلى أن الحواجز والبوابات والجدران والكتل الترابية أصبحت عناصر ثابتة في المشهد اليومي، تؤثر في علاقة الفلسطيني بالمكان والطرق والقرى والمدن والأرض.
ويخلص التقرير إلى أن الحواجز العسكرية لا تقتصر آثارها على تقييد حركة الفلسطينيين، وإنما تمتد إلى علاقتهم بالأرض والخدمات والعمل والتعليم والرعاية الصحية، وإلى النشاط الزراعي والاقتصادي وشكل المدن والقرى.
ويؤكد أن فهم هذه الآثار يتطلب النظر إلى الحواجز ضمن شبكة أوسع تشمل الطرق والجدار والمستوطنات ونظام التصاريح والإغلاقات، باعتبارها عناصر مترابطة تؤثر في المجال الفلسطيني وفي أنماط الوصول والحركة داخله.
خبز “الغذاء العالمي” في “كرش” السوق السوداء.. تتبعٌ يكشف الطريق
|
خبز “الغذاء العالمي” في “كرش” السوق السوداء.. تتبعٌ يكشف الطريق
الطفل علي: أصطف بالطابور لساعات يوميًا وأحيانًا أعود بلا خبز
الطفل روحي: أكرر دوري فأجمع رزمًا كثيرة لغرض البيع.. أحيانًا أغير ملابسي للتمويه
أم محمد: أشتريها بستة شواكل.. لا أستطيع أن أعود إلى خيمتي بلا خبز
عودة: ليس من العدل أن يحصل شخص على عشر ربطات ويحرم آخر منها
جمعية “المخابز”: رقابتنا تنتهي عند نقطة التوزيع.. وهناك تبدأ مشكلة السوق السوداء
“حماية المستهلك”: مهمتنا مراقبة السعر.. أما اختيار نقاط التوزيع فمسؤولية البرنامج
مفتش في “حماية المستهلك”: أحيانًا نغضّ الطرف لأن نقاط التوزيع بعيدة عن الناس
“أمان”: السعر المعلن هو مفتاح المساءلة القانونية
مستشار قانوني: إذا أُعلن السعر للمستهلك فالمزود ملزم بإعلانه على وحدة البيع
استبانة إلكترونية وزّعتها “نوى”:
(78.6%): لا أحد يسجل أسماءنا عند استلام الخبز
(70%): لا أحد يتأكد أننا لم نستلم من نقطة أخرى
(65.1%): منظومة التوزيع عاجزة عن منع تكرار الاستلام
(60%) رأوا المشترين المتكررين
(5.71%) فقط حصلوا على حصتهم كاملة خلال أسبوع
(84.6%) اشتروا الخبز بأكثر من سعره المدعوم
(72%) لا يثقون بعدالة توزيع الخبز
(95%): نقص الخبز يغيّر طعام الأسرة
ظريفة أبو قورة وعلاء الهجين
غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
عند الخامسة والنصف صباحًا، يخرج علي محمد من خيمته في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، مرتديًا ملابسه وحذاءه، ويقطع أكثر من نصف كيلومتر ليحجز لنفسه مكانًا متقدمًا في طابور يضم أكثر من 100 شخص، ينتظرون وصول شاحنة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي.
يحمل علي، البالغ من العمر (13 عامًا)، مهمةً لا يُفترض أن يحملها طفل في مثل سنه، فمنذ استشهاد والده خلال الحرب، ترسله والدته بشكلٍ شبه يومي لشراء ربطة الخبز التي تزن كيلوين، بسعر 3 شواكل، لأسرة مكونة من خمسة أفراد.
لكن وصول علي إلى الطابور لا يعني بالضرورة عودته بالخبز، فبمجرد وصول الشاحنة، تتحول نقطة التوزيع إلى ساحة من التزاحم والفوضى، ويندفع المتجمعون للحصول على الربطات قبل نفادها.
وفي مرات عدة، وصل الدور إلى علي ليجد أن الخبز قد نفد، رغم أنه من سكان المنطقة نفسها، فيعود إلى خيمته خالي الوفاض، أو يضطر إلى شراء الربطة من الباعة بـ(6) إلى (8) شواكل.
وعلي ليس حالة فردية، فقد أكد (39.7%) ممن شملتهم استبانة وزّعها معدا التحقيق، أنهم واجهوا المشكلة نفسها: نفاد الخبز قبل وصول دورهم.
لكن تتبع ما يحدث داخل نقاط البيع كشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المتاحة، بل بثغرة في آلية التوزيع تتيح لبعض الأشخاص الحصول على الربطة أكثر من مرة، ثم نقلها إلى السوق السوداء وبيعها بضعف السعر.
من الطابور إلى المفترق
رافق معدا التحقيق علي إلى نقطة التوزيع في مواصي خانيونس، ولاحظا تكرار الأشخاص أنفسهم، وبينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عامًا، في الطابور أكثر من مرة.
كان بعضهم يحصل على عدة ربطات، وصلت في حالات إلى (15) ربطة، ثم يحملونها إلى منطقة “الكنيس” في شارع العطار، على بعد أمتار من نقطة التوزيع، حيث يتحول الخبز المدعوم إلى سلعة تباع بأسعار مضاعفة.
وبمتوسط (10) ربطات يحصل عليها بعض هؤلاء، فإن عشرات الأسر تُحرم من شراء الخبز بالسعر المدعوم، وتضطر إلى اللجوء إلى السوق السوداء.
وعلى مدار (20) يومًا، رصد معدا التحقيق أسعار الخبز في المفترقات، فبدأت من (5) ووصلت إلى (8) شواكل، فيما كشفت استبانة إلكترونية وزعاها عبر مجموعات “واتساب” اجتماعية وإعلامية متخصصة في نشر أخبار المساعدات، فجوةً بين حجم الإنتاج المعلن وبين انتظام وصول الخبز إلى الأسر.
ووفق نتائج الاستبانة التي قام بتعبئتها (350) مستفيدًا ورب أسرة في غزة والنصيرات ودير البلح وخانيونس، بالتوازي مع زيارات ميدانية، فإن (29.6%) من الأسر تشترى الربطة بـ(6) شواكل، أي ضعف السعر المدعوم.
لكن كيف يحصل الباعة على هذه الكميات؟ الإجابة جاءت من أحدهم..
“روحي” والطابور المتكرر
بعد أيامٍ من البحث، قابل معدا التحقيق الفتى روحي “ع”، البالغ من العمر (17 عامًا)، الذي كشف لهما آلية حصوله على (7) إلى (11) ربطة خبز يوميًا وإعادة بيعها.
يخبرنا روحي أنه يقف في نقطة البيع منذ السادسة صباحًا وحتى انتهاء التوزيع، فيستلم ربطة، ثم يعود إلى الطابور ويأخذ بطاقةً أخرى ليستلم ربطة جديدة، ويكرر العملية مرات عدة.
“نشتري من الطابور المخصص للكاش، ثم ننتقل إلى التطبيق، وهكذا”، يقول، موضحًا أنهم يبيعون الربطة بـ(7) شواكل عبر التطبيق، و(6) شواكل نقدًا، رغم أن سعرها المحدد من البرنامج هو (3) شواكل فقط.
ولا يقتصر الأمر على نقطةٍ واحدة، إذ ينتشر روحي مع أصدقائه وأقاربه في أكثر من نقطة توزيع، بهدف جمع أكبر كمية ممكنة من الخبز وبيعها في السوق.
وفي مدينة غزة، رصد الصحفيان نمطًا مشابهًا: طفلٌ يزاحم على الطابور، ثم يسلّم الربطات إلى طفلٍ آخر شريك له، فيضعها داخل كيس دقيق، وبعد أن اكتشف البائع الأمر ومنعه من الاستلام، لجأ إلى شراء الخبز من المستفيدين بـ(5) شواكل للربطة، وبعد امتلاء كيس كان قد أعده مسبقًا بنحو (15) ربطة، غادر الطفلان المنطقة باتجاه السوق لبيعها بسعر أعلى.
هذه الوقائع تضع سؤال الرقابة في قلب القضية: إذا كانت الكمية تخرج من المخبز وتصل إلى نقطة التوزيع، فمن يتابع إلى أين تذهب بعد ذلك؟
أين تتوقف الرقابة؟
بحسب تقرير للأمم المتحدة صادر في 23 يوليو/تموز 2026م، تدعم الجهات الإنسانية حاليًا إنتاج نحو 300 طن من الخبز يوميًا، بما يغطي قرابة (36%) من الاحتياجات الغذائية المقدرة في قطاع غزة.
ووفق التقرير، ينتج 28 مخبزًا مدعومًا نحو 110 آلاف رزمة يوميًا، وزن كل منها كيلوغرامين، بينما يُباع نحو (80%) من هذه الكمية عبر أكثر من 150 تاجرًا متعاقدًا بسعر مدعوم يبلغ 3 شواكل، أي (0.93) دولار أمريكي، فيما توزع الـ20% المتبقية مجانًا على نحو 320 مركز إيواء وموقعًا مجتمعيًا.
الاستبانة كشفت فجوة بين حجم الإنتاج وانتظام وصول الخبز إلى العائلات في قطاع غزة، فــ(5.71%) فقط من المشاركين قالوا إنهم حصلوا على الخبز 7 مرات أسبوعيًا خلال الأسبوع السابق لتعبئة الاستبانة، ولفهم هذه الفجوة، تتبع معدا التحقيق سلسلة توريد الخبز من المخبز حتى نقطة البيع.
أحد أعضاء الهيئة الإدارية في أحد المخابز، ورفض الكشف عن اسمه أو اسم المخبز، قال: “المخابز تتلقى الدقيق والسولار مقابل إنتاج كمية محددة، ثم تسلم الخبز صباحًا إلى نقاط التوزيع بحضور مراقب من البرنامج لإحصاء العدد، بهدف منع السرقة والتلاعب بالكميات.
وأكدت إحدى نقاط التوزيع المتعاقدة مع البرنامج أنها ترسل رسالة إلى المنظمة تتضمن عدد الرزم التي تستلمها يوميًا من المخبز، لكنها رفضت تقديم إثبات على ذلك.
هنا، يبدو أن الرقابة موجودة عند نقطة التسليم، لكنها لا تمتد بالقدر نفسه إلى ما يحدث بعده. فبحسب (78.6%) من المشاركين في الاستبانة، لا يتم تسجيل أسمائهم عند استلام الخبز، في حين قال (70%) منهم إنه “لا توجد آلية للتحقق من حصول الشخص نفسه على الخبز من نقطة أخرى في اليوم ذاته”، بينما أكد (65.1%) أن النظام الحالي غير قادر إطلاقًا على منع الازدواجية.
وفي المقابل، أكد (60%) أنهم شاهدوا أشخاصًا يشترون الخبز بشكل متكرر. “روحي” نفسه أكد أن تكرار الاستلام لا يتطلب سوى تغيير المظهر أحيانًا، “إذا شعر البائع أنه حفظني، أخرج قبعة وأرتديها وأعود إلى المكان نفسه” يضيف.
كما أفاد المشتركون بأن مفتشي برنامج الأغذية العالمي يتواجدون في بعض نقاط البيع ليومين فقط في الأسبوع، وبصورةٍ غير مستمرة.
أسر تبحث عن ربطة.. وسوق يرفع السعر
أم محمد شبات واحدة من المتضررات، وهي ضمن (84.6%) من المشاركين الذين أكدوا لـ”نوى” أنهم اشتروا الخبز بسعرٍ أعلى من 3 شواكل من مصدر غير متعاقد.
قد يمر أسبوع كامل دون أن تتمكن السيدة الستينية من شراء الربطة بالسعر المدعوم، فتدفع 6 شواكل للحصول عليها.
تعيش أم محمد مع ابنها الضرير داخل خيمة في مواصي خانيونس بعد نزوحها من رفح، ولا تملك مصدر دخل ثابت، وتقول: “أمنيتي أن يتم وضع رابط أو نظام للخبز، على غرار آلية تعبئة غاز الطهي، بحيث تضمن الأسرة حصتها دون الوقوف في طوابير لا تضمن الحصول على شيء”.
أم محمد واحدة أيضًا من (95%) قالوا :”إن نقص الخبز أثر على كمية الطعام الكلية لأسرهم، واضطروا إلى استبداله بالأرز والمعلبات”.
أما هي، فلا تستطيع شراء الحطب أو إشعال النار بسبب أزمات صحية ألمت بها، كما لا تستطيع شراء الخبز المدعوم من مخابز أخرى، بسعرٍ يتراوح بين 6 و8 شواكل.
ويؤكد عبد اللطيف عودة (38 عامًا)، من حي الزيتون غربي مدينة غزة، وأب لثلاثة أطفال أكبرهم عمره 10 سنوات، أنه يعجز مرارًا عن الحصول على خبز الغذاء العالمي بالسعر المدعوم بسبب نفاده السريع.
ويقول: “أرى أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا يزاحمون الجميع، يشترون الربطات ثم يهربونها إلى مكان ما، ويعودون إلى الطابور حتى يجمعوا كميات كبيرة، ثم يبيعونها في الأسواق والمفترقات بسعر مضاعف”.
ويطالب عودة بالسماح لكل عائلة بربطة واحدة، حتى لا يحصل شخص على 10 ربطات بينما تعود عائلات أخرى من دون خبز.
السعر يرتفع مع الوقت
لم يكن السعر في السوق السوداء ثابتًا، حيث أظهرت نتائج الاستبانة أنه يصل أحيانًا إلى 10 شواكل! وبناءً على شكاوى وصلت عبر الاستبانة، في بندٍ يتيح كتابة التجربة، نزل معدّا التحقيق ميدانيًا في أوقات مختلفة، ليتبين أن سعر الربطة يتغير خلال اليوم.
في الصباح، تراوح بين 5 شواكل نقدًا و6 شواكل عبر التطبيق، ثم ارتفع إلى 7 شواكل في الظهيرة، وبدأ بالارتفاع تدريجيًا بعد الساعة الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساء، مستفيدًا من أن توزيع الخبز المدعوم يتم أساسًا بين السادسة والنصف والثامنة صباحًا.
ووصلت إلى معدّي التحقيق (234) شكوى من أصل (350) مشاركًا، تناولت جودة الخبز والأسعار ونظام التوزيع وغياب العدالة ونقص التغطية الجغرافية.
إحدى المشتكيات، وهي أم لخمسة أفراد تقيم في خيمة غربي مدينة غزة، طلبت وجود نظام يتيح لأبنائها استلام الخبز نيابة عنها، لأنها لا تستطيع الذهاب أحيانًا لعدم وجود زوجها الذي اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.
وفي شكوى أخرى، قال رجل يبلغ من العمر (70 عامًا) من شمالي غزة، ويعيل أسرة من سبعة أفراد بينهم أربعة أطفال: “لم أعد قادرًا على الذهاب يوميًا للحصول على ربطة الخبز”.
وتكشف هذه الشكاوى أن مشكلة التوزيع لا تضرب الأسر بالطريقة نفسها، بل تجعل الأطفال وكبار السن والنساء والأسر التي تعيلها امرأة أكثر عرضة لفقدان حصتهم.
ربطة واحدة لا تكفي
وهناك مشكلة أخرى تتعلق بغياب معيار واضح لكمية الخبز التي تحتاجها الأسرة، فقد أجاب (67%) من المشاركين عن سؤال معرفتهم بالمعيار المحدد لحصة الأسرة اليومية بإحدى الإجابات الثلاث: “لا أعرف”، أو “كمية ثابتة بغض النظر عن العدد”، أو “لا، لا يوجد معيار واضح”.
أما الرصد الميداني فأظهر أن الشخص الواقف في الطابور يحصل على ربطة واحدة وزنها 2 كيلوغرام، بغض النظر عن عدد أفراد أسرته.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ متوسط حجم الأسرة في قطاع غزة (5.3) فردًا. وقد أظهرت الاستبانة أن الأسرة المكونة من (4) إلى (5) أفراد تحتاج في المتوسط إلى (1.35) ربطة يوميًا، بينما يرتفع الاحتياج لدى الأسر المكونة من 6 أفراد فأكثر إلى (1.76) ربطة يوميًا.
وبما أن الربطة لا تُشترى مجزأة، فإن الأسرة المتوسطة أو الكبيرة تحتاج عمليًا إلى ربطتين يوميًا، بينما لا تتيح لها نقطة التوزيع سوى ربطة واحدة للشخص الذي يقف في الطابور.
وهكذا، تضطر الأسرة المكونة من 6 أفراد إلى شراء الربطة الثانية من السوق السوداء، بما يتراوح سعرها بين 5 و7 شواكل، أي إن كلفة احتياجها الأدنى تصل إلى مبلغ يتراوح بين 10 و14 شيكلًا يوميًا.
ويضع سامي العمصي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة، هذه الكلفة في سياق اقتصادي أشد قسوة، إذ يقول: “نسبة الفقر تجاوزت 90%، بينما يبلغ متوسط دخل الفرد في القطاع 17 شيكلًا يوميًا”.
وبذلك، فإن شراء الخبز من السوق السوداء قد يستهلك نحو (82%) من دخل الفرد اليومي، بينما كان يمكن أن تنخفض النسبة إلى (35.29%) لو تمكنت الأسرة من الحصول على ربطتين بالسعر المدعوم البالغ 6 شواكل.
من يتحمل المسؤولية؟
رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، يقر بوجود تلاعب وتجاوزات في بيع الخبز المدعوم.
ويقول: “إن برنامج الأغذية العالمي يبيع الربطة لنقطة التوزيع بـشيكلين، ثم تبيعها النقطة للمستفيد بـثلاثة شواكل”، مؤكدًا أن الرقابة على النقاط لا تزال غير كافية.
“إذا استلمت النقطة 500 ربطة، يفترض أن توزعها على 500 عائلة، لا أن تبيع 200 منها لتجار أو باعة بـ4 شواكل، ليبيعها هؤلاء للمواطنين بـ6 شواكل”، يقول العجرمي، عادًا أن مثل هذه الممارسات ترتقي إلى شبهات فساد.
ويضيف: “بعض نقاط البيع متورطة في تهريب كميات كبيرة إلى التجار، بهدف تحقيق ربحٍ أكبر، وأن ذلك يحدث “بمعرفة مالك النقطة”.
وتتوافق هذه الشهادة مع نتائج الاستبانة، إذ بيّن (62.6%) من المشاركين أنهم سمعوا عن بيع تجار جزءًا من حصتهم بسعر أعلى، فيما أشار مصدر في وزارة الاقتصاد طلب عدم ذكر اسمه،إلى أن الوزارة سبق أن ضبطت بعض نقاط التوزيع.
لكن دور الجهات الرسمية لا يمتد إلى كل حلقات السلسلة. المهندس عماد الحوراني، مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، يقول: “إن طواقم الوزارة تراقب جودة الخبز ووزنه خلال الجولات العامة على الأسواق، فيما لا تتولى اختيار نقاط البيع، لأن ذلك من اختصاص برنامج الأغذية العالمي”.
وأكد أن دور الوزارة داخل نقاط البيع يتعلق بالتزامها بالسعر، غير أن أحد عناصر التفتيش في الدائرة، ورفض الكشف عن اسمه، أشار إلى أنهم “يغضون الطرف أحيانًا عن بعض باعة الخبز على المفترقات، خصوصًا في إحدى مناطق مواصي رفح، لأن التوزيع الجغرافي لنقاط البيع “غير سليم”، ولأن المواطن قد يضطر إلى دفع أجرة مواصلات تعادل ما سيدفعه لشراء الخبز من السوق السوداء”.
ماذا يقول برنامج الأغذية العالمي؟
برنامج الأغذية العالمي، أجاب عبر البريد الإلكتروني على أسئلة معدَّي التحقيق بقوله “إن البرنامج يتعاقد حاليًا مع 28 مخبزًا في شمال ووسط وجنوب قطاع غزة ضمن “نموذج التحول”، ويوفر لها دقيق القمح والديزل فقط لإنتاج الخبز المدعوم.
وأوضح أن اختيار المخابز تم عبر عملية تنافسية من قائمة مختصرة مؤهلة مسبقًا، وأن الطاقة الإنتاجية اليومية للمخابز الـ(28) تبلغ 100 ألف حزمة، وزن كل منها 2 كيلوغرام، أي 200 ألف كيلوغرام من الخبز أو قرابة (2.2 مليون رغيف) يوميًا، يستفيد منها نحو 500 ألف شخص.
وبحسب البرنامج، يشتري تجار التجزئة الحزمة بشيكلَين، ويسمح لهم بإعادة بيعها بثلاثة شواكل، فيما يشتري البرنامج جزءًا من الإنتاج لتوزيعه مجانًا ضمن برنامج الوجبات الساخنة، خصوصًا في المناطق النائية.
لكن البرنامج لم يجب عن سؤال مباشر حول وجود رقابة كاملة على نقاط بيع الخبز المدعوم، وفي الوقت نفسه، أوصى الحوراني بضرورة زيادة عدد نقاط التوزيع وتغطيتها جغرافيًا، حتى لا يتحول بُعد المسافة نفسه إلى وسيلة استغلال للمواطنين.
هل رفع السعر مخالفة قانونية؟
ويضع المدير الإقليمي لائتلاف “أمان” في غزة، وائل بعلوشة، المسألة أمام احتمالين قانونيين: إذا كان سعر الـثلاثة شواكل مقررًا بقرار أو تعليمات رسمية فلسطينية، فإن تجاوزه يمثل مخالفة للتسعيرة، وقد تنطبق عليه أحكام قانون حماية المستهلك.
ويشير بعلوشة إلى القرار الوزاري رقم (1) لسنة 2010م بشأن إشهار الأسعار، والقرار الوزاري رقم (6) لسنة 2010م بشأن تحديد سقف سعر بيع كيلوغرام الخبز، مع التأكيد أن القرار القديم لا يثبت وحده أن سعر الثلاثة شواكل هو السعر الرسمي النافذ حاليًا.
أما إذا كان السعر ناتجًا عن اتفاق تعاقدي بين برنامج الأغذية العالمي ونقاط البيع، فإن الالتزام يكون في الأصل تعاقديًا.
ويؤكد المستشار القانوني محمد عبد القادر أبو علوان أن بيع الربطة بـ 6 أو7 شواكل، إذا كان عقد النقطة يلزمها ببيعها بـ 3 شواكل، يمكن أن يؤدي إلى فسخ العقد أو وقف التوريد أو الاستبعاد والمطالبة بالتعويض.
لكن الأمر يصبح أكثر وضوحًا إذا كان سعر الثلاثة شواكل معلنًا للمستهلك، فالمادة (17) من قانون حماية المستهلك تلزم المزود بإعلان السعر بالعملة المتداولة على وحدة البيع، فيما تحظر المادة (22/7) بيع السلعة بسعر أعلى من السعر المعلن.
وبحسب أبو علوان، فإن مخالفة المادة (22/7) قد تصل عقوبتها إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة، وغرامة من (1000) إلى (10,000) دينار أردني أو ما يعادلها.
أما الحصول على عدة ربطات وإعادة بيعها، فلا يمثل تلقائيًا جريمة، إذ يفرق بعلوشة وأبو علوان بين تكرار الاستفادة، وإعادة البيع، ودور صاحب نقطة التوزيع.
فإذا استخدم الشخص بيانات الغير أو مستندات غير صحيحة أو انتحل صفة للحصول على كمية إضافية، فقد تدخل الواقعة في نطاق الاحتيال إذا توافرت عناصر الجريمة، أما مجرد الوقوف في الطابور أكثر من مرة، فلا يكفي وحده للإدانة إذا لم يكن هناك نظام واضح يمنع التكرار.
وفي حال تحول بيع الخبز إلى نشاط متكرر ومنظم، فقد ينطبق على البائع تعريف “المزود” الوارد في القانون، خاصة إذا كان يعيد البيع بسعر أعلى من السعر المعلن.
أما الحالة الأخطر فتتعلق بصاحب نقطة البيع الذي يسلّم عمدًا كميات كبيرة إلى شخص يعرف أنه سيعيد بيعها، إذ يمكن عندها بحث مخالفته لشروط عقد برنامج الأغذية العالمي وقواعد التوزيع والسعر، وربما مسؤوليته عن الاشتراك أو المساعدة إذا ثبت العلم، فيما تصبح سجلات الدفع وكميات البيع اليومية والفروق بين الكميات المصروفة والمفترض بيعها أدلة أساسية.
ثغرة تبدأ من الطابور
وبينما يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن (28) مخبزًا تنتج 100 ألف حزمة يوميًا، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى إنتاج يقارب (110) آلاف رزمة مدعومة يوميًا ضمن إجمالي إنتاج إنساني يقارب (300) طن، تكشف البيانات الميدانية عن مشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المنتجة، بل بما يحدث بعد خروجها من المخبز.
فالرقابة على الكمية والجودة لا تعني بالضرورة الرقابة على المستفيد النهائي، وفي غياب تسجيل الأسماء، وغياب آلية تمنع الازدواجية بين نقاط التوزيع، وعدم وجود معيار واضح لحصة الأسرة، يجد بعض الباعة مساحة للحصول على ربطات متعددة، فيما تضطر أسر أخرى إلى شرائها بسعر يصل إلى 10 شواكل.
وبينما قال (72%) من المشاركين إن ثقتهم منخفضة في عدالة توزيع الخبز بين الأسر المستحقة، قالت ما نسبته (84.6%) إنهم اشتروا خبزًا بأعلى من السعر المدعوم من مصادر غير متعاقدة، فيما رأى (95%) أن نقص الخبز أثر على كمية الطعام في أسرهم.
هنا لا تعود ربطة الخبز مجرد سلعة رخيصة في طابورٍ مزدحم، بل تصبح اختبارًا لمنظومة المساعدات نفسها.. من يحدد الكمية؟ ومن يتأكد من المستفيد؟ ومن يراقب النقطة بعد تسلمها الخبز؟ ومن يحاسب من يحول الدعم إلى تجارة؟
حتى الآن، تتوزع المسؤولية بين برنامج الأغذية العالمي الذي يراقب إنتاج الخبز وجودته وتسليمه، ووزارة الاقتصاد التي تراقب الوزن والسعر ضمن جولات الأسواق، ونقاط بيع تفتقر إلى نظام واضح لمنع الازدواجية، فيما تبقى السوق السوداء مستعدة لابتلاع كل ربطة خبز لا تصل إلى مستحقها.
ورغم أن الخبز المدعوم يُنتج يوميًا بمئات الأطنان، فإن المشكلة التي كشفتها هذه المتابعة ليست في كمية الخبز فقط، وإنما في الطريق الذي يسلكه من المخبز إلى يد المواطن.. طريقٌ يمكن أن تضيع فيه حصة أسرة كاملة بين طابور يتكرر، ونقطة لا تسجل الأسماء، وسوق سوداء ترفع السعر، ورقابة تتوقف قبل أن تصل الربطة إلى فم من يحتاجها.
تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
الاحتلال يلاحق “رئة” قباطية
|
عبد الباسط خلف- يحصي مزارعو بلدة قباطية، جنوب جنين خسائرهم الجديدة، بعد أحدث جولة تدمير احتلالية، طالتها صباح أمس السبت.
ويقول المزارع محمود كميل بصوت حزين لـ”الحياة الجديدة” إن أهالي قباطية كانوا ينتظرون بدء موسم القطاف بفارغ الصبر، بعد أقل من 3 أسابيع، إلا أن الجرافات بدأت في اقتلاع كل شيء.
ويشير إلى أن الحقول القريبة من مستوطنة (نوعا) الجديدة، والكروم المتاخمة لقرية حداد السياحية أصبحت ملاحقة، ولا يعلم أصحابها ما الذي تخفيه لهم الأيام القادمة.
ويبين كميل أن قباطية تعتبر الزيتون رئتها التي تتنفس منها، فالزيت والزيتون يحضران في كل بيت، والشجرة تربطهم بأرضهم.
ويخشى المواطنون من أن يكون موسم الحصاد القادم شديد السوء، بعد الواقع الاستيطاني الجديد الذي خلقه الاحتلال في البلدة.
وتعتمد قباطية على قاعدة اقتصادية من 3 أركان: الزيتون والزراعة، وقطاع الحجر والكسارات، وسوق الخضراوات، لكن ثلاثتها أصبحت مهددة.
ويفيد رئيس البلدية، بلال عساف أن قباطية مستهدفة من كل الاتجاهات، باستثناء شريط ضيق من جهة شارع نابلس وصولا لمشارف قرية بير الباشا.
ويرسم لـ”الحياة الجديدة” صورة حالكة لأوضاع بلدته، فقد خسرت خلال بضعة أشهر ما لم تخسره منذ نكبة 1948.
ويفيد بأن الاحتلال اقتلع أمس أشجار زيتون قرب معسكر حداد، المقام على أراضي مواطني البلدة، ونفذ قبل أيام جولة تخريب واقتلاع أطول قرب مستوطنة (نوعا) دون أن يخطر أصحابها.
ووفق عساف، فإن الاحتلال أصدر أوامره باقتلاع 307 دونمات، قرب مستوطنة جانيم، 50 دونما منها من أراضي جنين، كما أصدر قرارا بالاستيلاء على دونمين و250 مترا لتوسعة المعسكر المتاخم لقرية حداد السياحية، والذي يملكه مواطن من عائلة كميل.
ويبين أن قباطية تعاني الأمرين من جهتها الجنوبية والشرقية، فقد صادر الاحتلال 30 دونما من أراضي بلدته قرب قرية مركة، عدا عن 180 دونما متاخمة لقرية مسلية، و200 دونم لصالح المستوطنة.
ويؤكد الشاعر والأديب حسان نزال بأن بلدته لم تتعرض منذ الاحتلال لأي نشاط استيطاني، وهي اليوم تدفع ثمنا كبيرا من أراضيها وزيتونتها.
وينقل لـ”الحياة الجديدة” حالة القلق التي تنتاب الأهالي، فلا يعرفون شكل موسم القطاف القادم، في ظل الهجمة الاستيطانية الشرسة على الأراضي، وإقامة مستوطنة ومعسكر والتحضير لشق شارع استيطاني.
ويشير نزال إلى الحالة النفسية الصعبة التي يعيشها أبناء البلدة، وبخاصة قطاع المزارعين، الذين يعتبرون شجرة الزيتون عماد حياتهم، لكنهم يشعرون بالعجز والقلق على مصير كرومهم، وليس في أيديهم حمايتها.
ويقول السائق سامر عوض، الذي اعتاد على نقل ركاب إلى الجامعة العربية الأمريكية إن الاحتلال يحاول خنق قباطية، ويسعى إلى حصارها ولإطلاق يد الاستيطان فيها.
ويفيد بأن المرور من الطريق الالتفافي الواصل إلى شرق البلدة، صار محفوفا بالاحتجاز والتنكيل والمنع.
تحت وطأة الإبادة.. قفزة في عدد الوفيات والتشوهات الخلقية
|
أجنّة غزة.. صرخاتٌ مشوّهة
الجرو: “مات أحد توأمَي ووُلدت الأخرى بتشوهاتٍ حادة”
أبو معروف: “وُلدت طفلتي بلا جمجمة وفارقت الحياة فورًا”
دوّاس: “أبصرَت طفلتي النور بغيابٍ كامل لعظمة الفخذ”
بهار: “ولدتُ توأمًا وسط الركام أحدهما مصاب باستسقاء الدماغ”
د. الوحيدي: “بياناتنا الرسمية تؤكد تضاعف معدل تشوهات الأجنة”
د. جندية: “عيوب القلب الخلقية تصدّرت التشوهات داخل الأقسام”
د. القرشالي: “نرصد ميدانيًا طفرة بالولادات المبكرة منخفضة الأوزان”
د. حمد: “النزوح المتكرر دمّر انتظام المتابعة الطبية للحوامل”
د. الفرا: “تحديد أسباب التشوهات بدقة يحتاج فحوصات غير متوفرة حاليًا بغزة”
العكلوك: “مخلفات الركام والصرف الصحي تحمل مخاطر طويلة الأمد”
د. حسان: “الحرب قطعت مخزون المكملات والفيتامينات لفترات طويلة”
زغرة: “غياب حمض الفوليك يهدد نمو الأنبوب العصبي”
نغم كراجة وأروى عاشور
غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن القصف وحده ما أثقل حمل وردة الجرو (27 عامًا)، الذي اكتشفته منتصف عام 2025م، بينما كانت نازحة منذ أكثر من عام ونصف في منزل متصدع وسط مقبرة شمالي مدينة غزة.
لقد أمضت الأشهر الستة الأولى من حملها بتوأميها من دون متابعة طبية منتظمة، في حين لم تُتح لها الفرصة لإجراء صورة “سونار” إلا في الشهر السابع.
تقول لـ”نوى”: “لم أجد عيادة أتابع فيها حملي، وعندما تمكنت أخيرًا من إجراء صورة للجنين كانت الصدمة: أحد التوأمين توفي، فيما أخبرني الأطباء أن الجنين الآخر يعاني تشوهات”.
في الثاني من شباط/ فبراير 2026م، وضعت الجرو طفلتها “مسك”، التي شُخّصت بإصابة في مفصل الحوض، وتشوهٍ في القدم، وإصابة في الضفيرة العصبية بالكتفين، وانحناء والتواء في اليدين والقدمين.
تستعيد وردة تلك الفترة بقولها: “كنت أعيش تحت القصف بشكل متواصل، وامتلأ المكان بالدخان والغبار بعد استهداف المنزل المقابل قرب المستشفى المعمداني، لكنني لم أتخيل أنني سألد طفلة تبدأ رحلة علاجٍ صعبة في يومها الأول”.
منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تعرض النظام الصحي لانهيارٍ واسع، تزامن مع موجات نزوح متكررة، ونقص حاد في الأدوية والمكملات الغذائية، وتراجعٍ في خدمات متابعة الحمل.
وبهذا لم يعد القلق الذي يرافق رحلة الحمل هناك مرتبطًا فقط بالخوف من القصف أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات، بل بسؤالٍ أكثر إيلامًا: هل تركت الحرب آثارًا جديدة على صحة الأجنة؟
وسط الخوف والركام
لم تكن وردة وحدها التي بدأت رحلة الأمومة في ظروف استثنائية، فـ”بركة بهار” (32 عامًا)، وهي أم لخمسة أطفال، كانت حاملًا بتوأم أيضًا حين اضطرت للنزوح من شرقي حي التفاح إلى تل الهوى غربي مدينة غزة.
تخبرنا: “كنتُ أخشى أن أصل إلى موعد الولادة دون متابعة طبية، ولم أتوقع أن تبدأ معاناة طفليّ منذ لحظة ولادتهما”.
في منتصف آب/ أغسطس 2025م، أنجبت توأميها مصعب وصهيب، قبل أن تكشف الفحوصات إصابة أحدهما باستسقاء في الدماغ.
ورصدت معدّتا التحقيق حالات فقدت مواليدها خلال الساعات الأولى من الحياة بسبب تشوهات خلقية حادة، في ظل ظروف حمل استثنائية فرضتها الحرب.
هناء أبو معروف (26 عامًا) إحداها، إذ لم تعرف بمشكلة طفلتها “نورة” إلا بعد ولادتها قيصريًا في مجمع ناصر الطبي جنوبي غزة، حين أظهر التقييم عدم اكتمال الجمجمة وثقبًا في القلب، قبل أن تفارق الطفلة الحياة بعد ساعات.
تقول هناء: “عشت شهور حملي وسط القصف، وتعرض منزلنا في دير البلح خلال مايو/أيار 2024م للقصف وانتشر الدخان والغبار، ونزحت أكثر من سبع مرات سيرًا على الأقدام وأنا حامل في شهري السادس. لم أكن أعلم أن طفلتي تعاني تشوهات إلا بعد ولادتها”.
وتضيف بنبرة أسف وانكسار: “كنت أنتظر أن أسمع صوتها وأحملها، لكنني تلقيت خبرًا لم أكن مستعدة له”.
اكتشاف التشوه في منظومة متهالكة..
وفي السابع من شباط/ فبراير 2026م، وُلدت الطفلة وتين صابر دواس في مستشفى القدس غربي مدينة غزة، وبعد ساعات من ولادتها أظهرت الفحوصات إصابتها بتشوه خلقي في ساقها اليمنى، تمثل في غياب الجزء العلوي من عظمة الفخذ.
يقول والدها صابر دواس (40 عامًا): “زوجتي ناهد (33 عامًا) عاشت حملها في ظروف استثنائية، ولم تتمكن خلال الأشهر الأولى من الحصول بصورة منتظمة على حمض الفوليك والفيتامينات الضرورية، بسبب نقص الأدوية وتدهور الظروف المعيشية والمجاعة”.
ويضيف: “كانت تعاني فقر الدم، وفي كثير من الأيام كانت تعتمد على الخبز فقط، لأنها لم تكن قادرة على توفير غذاء متوازن يساعدها خلال فترة الحمل”.
ولا تبدأ معاناة الأطفال عند اكتشاف التشوهات، بل تمتد إلى منظومة الرعاية الصحية التي تراجعت قدرتها على متابعة الحمل ورعاية حديثي الولادة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م.
وبحسب رئيسة قسم الحضانة في مستشفى النصر للأطفال، ميادة جندية فإن أكثر التشوهات الخلقية التي تصل إلى الأقسام الطبية تتمثل في عيوب القلب الخلقية، “فيما لوحظ ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية للأجنة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة” تقول.
وتوضح جندية أن مقارنة أعداد الحالات الحالية بما قبل الإبادة لا تعكس الواقع بدقة، بسبب تغير التوزيع السكاني وانتقال المرضى بين مناطق ومستشفيات مختلفة.
وتكشف بيانات حصلت عليها معدّتا التحقيق من وزارة الصحة في قطاع غزة، أن عدد حالات التشوهات الخلقية المسجلة بلغ (322) حالة خلال عام 2025م، مقابل (184) حالة في عام 2022م، وهو آخر عام توفرت فيه بيانات كاملة قبل بدء الإبادة.
ولا تقف الزيادة عند عدد الحالات، إذ ارتفع معدل التشوهات الخلقية بين المواليد من (32) حالة لكل عشرة آلاف مولود حي عام 2022م إلى (64) حالة عام 2025م، أي أن المعدل تضاعف.
ويؤكد مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة، زاهر الوحيدي، تسجيل (100) حالة تشوهات خلقية منذ بداية عام 2026م وحتى نهاية يونيو/حزيران، موضحًا أن الوزارة لا تملك تقارير سنوية مكتملة لعامي 2023م و2024م، بعد انهيار جزء من الأنظمة المحوسبة وفقدان قواعد البيانات، قبل استعادة العمل بالنظام الصحي المعلوماتي عام 2025م.
ويشير الوحيدي إلى أن عدد مراكز الرعاية الأولية خلال فترات من عام 2024م لم يتجاوز (16) مركزًا، من أصل (160) إلى (167) مركزًا قبل الإبادة، رغم دورها الأساسي في متابعة الحمل وتوفير المكملات.
“الظاهرة لا تختزل في عامل واحد”
وفي ظل غياب البيانات الرسمية الكاملة، أجرت معدّتا التحقيق استطلاعًا شمل (40) سيدة خضن تجربة الحمل خلال عام 2024م.
وأظهرت النتائج أن نصفهن لم يحصلن مطلقًا على مكمل حمض الفوليك خلال الأشهر الأولى، فيما أفادت (19) سيدة، بنسبة (47.5%)، بأن أطفالهن ولدوا بتشوهات خلقية أو مشكلات صحية.
ولا تعني هذه النتيجة، وفق المعطيات الطبية الواردة في التحقيق، إثبات علاقة مباشرة بين نقص الفوليك والتشوهات، إذ يحذر الوحيدي من اختزال الظاهرة في عامل واحد، موضحًا أن نقص حمض الفوليك يأتي ضمن مجموعة من العوامل، بينها سوء التغذية وفقر الدم.
ووفق بيانات الوزارة، كانت (57%) من الحوامل اللواتي خضعن للفحص خلال الثلث الأول من الحمل عام 2025م مصابات بفقر الدم.
ورغم ارتفاع مؤشرات التشوهات الخلقية والمضاعفات الصحية، يؤكد المختصون استحالة تحديد سبب مباشر واحد في ظل غياب الدراسات الوبائية ونقص أدوات تحليل الملوثات وقياس آثارها.
ويتفق الأطباء الذين استطلعت آراءهم معدتا التحقيق على أن الأزمة نتاج تداخل عوامل عدة، على رأسها: سوء التغذية، ونقص “حمض الفوليك”، وتلوث المياه والهواء، ومخلفات الدمار.
ويوضح الوحيدي أن سوء التغذية قد يؤدي إلى اضطرابات في المشيمة ونقص وصول الأكسجين إلى الجنين، بما قد يرفع احتمالات التشوهات الخلقية والإجهاض والولادة المبكرة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية، في بيانها الصادر في 27 تموز/ يوليو 2025م، أن سوء التغذية في غزة وصل مستويات “خطيرة”، وأنه يطال النساء الحوامل والأطفال بشكل خاص، مع تسجيل ارتفاع في الوفيات المرتبطة به، مؤكدة أن منع وصول الغذاء والرعاية الصحية أدى لتدهور غير مسبوق في الوضع الصحي.
وفي السياق، كان بيان مشترك لوكالات الأمم المتحدة الأربع: (WHO – UNICEF – WFP – FAO)، نُشر في الثاني والعشرين من آب/أغسطس 2025م، أعلن أن المجاعة أصبحت مؤكدة في أجزاء من قطاع غزة، “فقد تضاعف عدد النساء الحوامل والمرضعات المتوقع إصابتهن بسوء تغذية حاد من 17 ألفًا إلى 55 ألف امرأة”.
دراسات “غير متوفرة” حاليًا
بدوره، يؤكد القائم على أعمال فرعين لإحدى صيدليات غزة، الدكتور إحسان حسان، أن الإبادة تسببت في نقصٍ حادٍ في مخزون الأدوية والمكملات، وأن حمض الفوليك لم يتوفر بانتظام لفترات طويلة، فيما تؤكد الصيدلانية بتول زغرة أهميته بالنسبة نمو الجنين وتقليل خطر بعض التشوهات، وخاصة عيوب الأنبوب العصبي.
ويشير أطباء قابلتهم معدتا التحقيق إلى تداخل عوامل عدة في صحة الأجنة، بينها سوء التغذية ونقص المكملات الغذائية والضغط النفسي والخوف المستمر، إلى جانب تلوث المياه والهواء ومخلفات الدمار.
ويقول طبيب الأطفال أحمد الفرا: “التشخيص الدقيق للتشوهات يحتاج إلى فحوصات ودراسات غير متوفرة حاليًا في غزة”، مشيرًا إلى أن سوء التغذية الحاد أثناء الحمل يضاعف مخاطر انخفاض وزن المواليد ومشكلاتهم الصحية، ويؤثر في المشيمة وتغذية الجنين.
وفي السياق ذاته، يؤكد استشاري أمراض النساء والولادة بوزارة الصحة الدكتور ناجي القرشالي وجود مؤشرات داخل المستشفيات على ارتفاع التشوهات الخلقية والولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد وحالات الحمل عالي الخطورة، لكنه يشدد على أن تحديد سبب كل حالة يتطلب دراسات متخصصة غير متوفرة في غزة.
وتؤكد مديرة صحة الأم والطفل بوزارة الصحة الدكتورة خلود حمد، أن عوامل الخطر تتداخل لدى الأمهات، من سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة الحصول على الفيتامينات إلى تعطل متابعة الحمل بسبب النزوح المتكرر وصعوبة الوصول إلى الخدمات، لكنها تقول: “السجلات الطبية المتاحة حاليًا لا تسمح لنا بتحديد عامل واحد بعينه بوصفه المسبب الأكثر تكرارًا بصورة علمية وحاسمة لحالات العيوب الخلقية أو الإجهاض”.
ولا يقتصر القلق على الغذاء والرعاية الصحية إذ يحذر الخبير البيئي سعيد العكلوك من المخاطر طويلة الأمد للملوثات الناتجة عن القصف والركام وتراكم النفايات ومياه الصرف وتلوث الهواء، في ظل غياب فحوصات شاملة.
ويقول العكلوك: “هذه الظروف قد تعرض الحوامل للبكتيريا والفيروسات والطفيليات، كما قد تنتقل بعض الملوثات عبر السلسلة الغذائية من التربة الزراعية ومياه البحر إلى الخضار والأسماك”، مشيرًا إلى وجود مواد كيميائية ومعادن ثقيلة ناتجة عن حرب الإبادة لم تُقَس بعد في القطاع.
ويشدد على أن تحديد وجود مواد مشعة أو معادن ثقيلة وتأثيرها يتطلب قياسات ودراسات علمية دقيقة.
موقف القانون الدولي
وكانت دراسة إيطالية قادتها الباحثة باولا ماندوكا بالتعاون مع وزارة الصحة عام 2020م، ربطت ارتفاع معدلات العيوب الخلقية بعد حرب 2014م بالتعرض لملوثات كيميائية ومعادن ثقيلة أثرت في المادة الوراثية.
ويؤكد الطبيب نبيل البرقوني، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، أن تراكم معادن ثقيلة مثل الزئبق واليورانيوم والكوبالت والكادميوم في أجساد الحوامل يمثل مصدر قلق صحي، مرجحًا أن الدمار الهائل واستنشاق النساء لمخلفات القصف ورائحة البارود قد يكونان من العوامل المرتبطة بارتفاع المعدل الحالي.
في الوقت ذاته، يؤكد العكلوك أن تحديد أثر المعادن الثقيلة أو المواد المشعة على الأجنة في غزة يحتاج إلى قياسات مباشرة ودراسات متخصصة.
ويبقى السؤال الأهم: “هل ترقى هذه المخاطر إلى انتهاكات يجرمها القانون الدولي؟”. يمنح القانون الدولي الإنساني النساء الحوامل حماية خاصة، فالمادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على “حماية واحترام خاصين” لهن، فيما تلزم المادة (56) الاحتلال بالحفاظ على المنشآت الطبية وشبكات المياه والصرف.
ويشكل تدمير المستشفيات ومرافق الولادة انتهاكًا محتملًا، لكن توصيفه كجريمة يتطلب إثبات الرابطة السببية بين الفعل والضرر.
وتؤكد الخبيرة في القانون الدولي رندا قدادة، أنه “لا يكفي رصد ارتفاع التشوهات أو الإجهاض لإثبات الانتهاك، بل يجب ربط الفعل العسكري بالضرر الصحي”.
وتضيف: “السجلات الطبية وتقارير الإجهاض وعينات المياه والتربة وشهادات الأمهات تمثل أدلة مهمة إذا أُرشفت علميًا”، ملفتةً إلى أن المادة (75) من نظام روما، تتيح جبر الضرر بالتعويض وإعادة التأهيل حتى لو ظهرت الأضرار بعد سنوات.
وبين طفلة تولد بتشوه خلقي، وأم حملت وسط القصف والمجاعة، وبيانات ترصد تغيرات مقلقة في صحة المواليد، تبدو آثار الإبادة أكبير بكثيرٍ من لحظة القصف، وإثبات ما إذا كانت حرب الإبادة قد تسببت مباشرة في ارتفاع التشوهات، يحتاج إلى ما هو أبعد من الشهادات والأرقام.. تحتاج إلى دراسات علمية تحفظ الدليل قبل أن يضيع.
تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.
المصادر المفتوحة:
1- منظمة الصحة العالمية تحذر من وصول معدلات سوء التغذية في غزة إلى مستويات كارثية
4- المخاطر طويلة الأمد على صحة حديثي الولادة الناتجة عن التعرض للحرب: دراسة استقصائية امتدت لتسع سنوات حول الصحة الإنجابية والتلوث بالمعادن الثقيلة المنقولة عبر الأسلحة في غزة، فلسطين.
عبد الباسط خلف- يلخص رئيس مجلس فقوعة، بركات العمري، تفاصيل ما حدث في قريته، شرق جنين، صباح أمس السبت.
ويفيد لـ “الحياة الجديدة” بصوت متعب أنه تلقى اتصالا قرابة السابعة والنصف صباحا من عائلات تعرضت لعدوان من مستوطن وجندي مسلح، في منطقة أبو قسيس بالقرية.
ويؤكد أن عمالا كانوا في منزل بالقرية، خرجوا لاستكشاف ما يحصل، لكن جنديا احتلاليا أطلق النار على شاب، كان يرعى أغنامه بعيدا عنه، فأصابه بجروح، وهو ما وثقته فيديوهات عمّت مواقع التواصل الاجتماعي.
ويشير العمري إلى أن نحو 8 دوريات للاحتلال اقتحمت القرية، وطوقت المنطقة وأوقفت نحو 40 مواطنا، وبدأت بالتقاط الصور، وأوقفت 4، بينهم رئيس المجلس، ثم أطلقت سراحهم.
ويفيد بأن الشاب قاسم رجا حسن الحسين، أصيب في رجله اليسرى برصاصة اخترقت عظامه، ونقل إلى المستشفى.
ويعود أستاذ التاريخ وابن القرية، مفيد جلغوم إلى الفترة بين 1922 و1936، حين بدأ الاستيطان يحاصر فقوعة.
ويسرد لـ”الحياة الجديدة”: أقام مستوطنون بحماية جيش الاحتلال البريطاني 3 مستوطنات فوق أراضي القرية، بعد شراء أراض من الإقطاعي سرسق باشا في الأغوار، وأسموها: بين ألفا، وحافصبا، شمال القرية، وتل عمال شرقها، وبدأوا بمهاجمة المواطنين.
ويؤكد أن أهالي القرية يربطون بين ما يحصل من هجمة استيطانية عليهم، وما حل لأجدادهم من ظلم قبل أكثر من 100 عام.
ويبن أن 7 مستوطنين فقط من عائلة واحدة، بحماية جيش الاحتلال، يفرضون سطوتهم على نحو 5 آلاف مواطن.
ويشير جلغوم إلى أن المستوطنين اليوم يكررون ما حصل قبل قرن، عندما كانوا يهاجمون القرية بالأسلحة، بحماية جيش الانتداب، كما نفذوا اعتداءات على المزارعين وقتلوا وجرحوا العشرات من أبناء القرية.
ويؤكد أن المستوطنين عام 1948، قدموا معلومات مفصلة للعصابات الصهيونية عن القرية، التي خسرت 20 ألف دونم، وبقي لها 10 آلاف فقط، مثلما خسرت بين 2002 و2003 مئات الدونمات، خلال إقامة جدار الضم والتوسع العنصري.