1

الملوخية بدلاً من التبغ.. حيلة الغزيين لمواجهة الحصار وشح السجائر

لم تعد الملوخية في قطاع غزة مجرد صنف غذائي يتصدر الموائد الفلسطينية، بل تحولت في ظل الحرب المستمرة والحصار الخانق إلى وسيلة مبتكرة لمواجهة شح التبغ. حيث بدأ المدخنون في القطاع بالاعتماد على أوراقها المجففة والمطحونة كبديل للسجائر التقليدية التي اختفت من الأسواق أو ارتفعت أسعارها بشكل خيالي.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن سعر السيجارة الواحدة قفز من شيكل واحد قبل الحرب ليصل إلى نحو أربعين ضعفاً، مما جعل الحصول على التبغ المستورد ضرباً من المستحيل لغالبية السكان. هذا الواقع دفع الباعة والنازحين للبحث عن بدائل عشبية لسد حاجة المدخنين الذين يعانون من ضغوط نفسية هائلة جراء القصف المستمر.

في أزقة مدينة غزة وبين خيام النازحين، ينتشر باعة متجولون يقومون بخلط أوراق الملوخية المفتتة بسائل يُفترض أنه نيكوتين مركز. يتم رج الخليط جيداً داخل أكياس بلاستيكية صغيرة حتى يتشبع باللون الأخضر، ثم يُلف يدوياً في أوراق رقيقة ليباع كمنتج محلي الصنع للزبائن الباحثين عن أي بديل للتبغ.

يقول أحد الباعة، ويدعى أبو يحيى إن هذه السجائر ليست بديلاً حقيقياً من حيث التأثير أو المذاق، لكنها خيار اضطراري فرضته الظروف القاسية. وأوضح أن غياب السجائر المستوردة تماماً هو ما دفع الناس للإقبال على هذه الأعشاب المطعمة بالنيكوتين، رغم إدراكهم لفرق الجودة الكبير.

من جانبه، يرى البائع محمد حلس أن انتشار هذه الظاهرة ليس ترفاً بل ضرورة ملحة فرضها انقطاع الإمدادات الأساسية عن القطاع. وأكد أنه في حال توفرت السجائر العادية بأسعار معقولة، فإن أحداً لن يفكر في اللجوء إلى تدخين الملوخية أو غيرها من الأعشاب التي تفتقر للمعايير الصحية.

وتواجه الزراعة في غزة تحديات جسيمة، حيث تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن 4% فقط من الأراضي لا تزال صالحة للزراعة. هذا النقص الحاد في المساحات الخضراء جعل حتى البدائل العشبية مثل الملوخية والخروع صعبة المنال في كثير من الأحيان، مما يزيد من تعقيد المشهد المعيشي.

لو وضعوا سماً سندخنه، فلا حياة ولا مستقبل نخشى على صحتنا في ظل هذه الظروف.

وتتصاعد المخاوف الصحية بين الأطباء والمواطنين على حد سواء بشأن طبيعة المواد المضافة لهذه السجائر اليدوية. ويشير مواطنون إلى أن السوائل المستخدمة قد لا تكون نيكوتيناً نقياً، بل ربما تكون خليطاً من مواد كيميائية مجهولة أو حتى مبيدات حشرية تُستخدم لتعزيز التأثير المخدر للسيجارة.

ويعبر وليد النعيزي عن قلقه من أن هذه الأعشاب، ومنها أوراق الخروع، قد تحتوي على مواد سامة تضر بالجهاز التنفسي بشكل يفوق أضرار التبغ العادي. ومع ذلك، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للمخاطرة بصحتهم في سبيل الحصول على لحظة من الهدوء النفسي وسط ركام المنازل المدمرة.

أبو محمد صقر، الذي يدخن منذ عقود، يصف حالته باليأس المطلق، مؤكداً أنه لا يكترث بالمخاطر الصحية في ظل انعدام الأمان والمستقبل. وبالنسبة له، فإن تدخين الملوخية هو مجرد محاولة لنفث الدخان والتنفيس عن الغضب المكبوت، حتى لو كان المذاق سيئاً ولا يشبه التبغ في شيء.

وفي مخيمات خان يونس، تروي نيفين سمير تجربتها مع هذا البديل المر، حيث اضطرت لتقليص استهلاكها من علبة كاملة يومياً إلى بضع سجائر يدوية الصنع. وتصف نيفين الرائحة والمذاق بالسيئين جداً، لكنها تعتبرها وسيلة لمرافقة فنجان القهوة الصباحي الذي فقد هو الآخر جودته المعهودة.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تستمر فيه الانتهاكات الإسرائيلية رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ أكتوبر الماضي. هذه الظروف الأمنية المتردية تجعل من الصعب على السكان التفكير في الإقلاع عن التدخين أو البحث عن حياة صحية.

ويبقى مشهد بائعي ‘سجائر الملوخية’ فوق أنقاض المباني دليلاً صارخاً على قدرة الغزيين على ابتكار وسائل للبقاء، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. إنها قصة شعب يحاول التأقلم مع أقسى أنواع الحصار، حيث تتحول أبسط النباتات إلى أدوات لمواجهة واقع الحرب المرير.




تحولات مفهوم ‘السكن’: كيف أعاد العصر الرقمي صياغة علاقتنا بالبيت؟

لم يعد مفهوم ‘البيت المريح’ يحمل ذات الدلالات التي كانت سائدة قبل عقود قليلة، حيث كان يُختصر في معايير مادية واضحة. في السابق، كانت المساحة الجيدة والأثاث المرتب والتهوية الطبيعية هي الركائز الأساسية التي تحدد جودة المسكن وقدرته على تلبية احتياجات قاطنيه اليومية.

أما في الوقت الراهن، فقد تعقدت هذه الرؤية لتشمل أبعاداً نفسية وحساسية مفرطة تجاه المكان، إذ لم يعد السؤال عن جمالية الديكور هو الأهم. بات التركيز ينصب على مدى قدرة الجدران على امتصاص الضغوط النفسية وتوفير مساحة للتنفس بعيداً عن صخب العالم الخارجي المتسارع.

لقد شهدت الوظيفة التقليدية للمنزل تحولاً جذرياً، فبعد أن كان مكاناً مخصصاً للعودة والراحة والنوم واللقاءات العائلية الحميمة، أصبح مساحة هجينة متعددة الأدوار. هذا التداخل جعل من الصعب الفصل بين أوقات العمل وأوقات الاسترخاء، مما أثر على إيقاع الحياة الداخلي بشكل مباشر.

داخل هذه المساحات، يتم الآن إنجاز المهام الوظيفية ومتابعة تدفق الأخبار المستمر، إلى جانب إدارة الخلافات الأسرية ومحاولات التأمل الشخصي. هذا المزيج من الأنشطة المتناقضة جعل من ‘الراحة’ مفهوماً يرتبط بمدى القدرة على إدارة هذا الضجيج الوظيفي داخل حدود الجدران الأربعة.

وتعد طاولة الطعام المثال الأبرز على هذا التغير، فقد فقدت هويتها كمركز للاجتماع العائلي الدافئ لتتحول إلى ما يشبه ‘غرفة عمليات’ تقنية. اليوم، تزدحم هذه الطاولة بأجهزة الحاسوب المحمولة وأسلاك الشحن وبقايا القهوة التي تُحتسى على عجل بين مكالمات العمل المتلاحقة.

هذا الامتداد المستمر للالتزامات المهنية إلى قلب المنزل أدى إلى فقدان الإحساس بالبيت كملاذ آمن للاستجمام. فحين يقع بصر الإنسان على زاوية معينة، قد لا يرى فيها مكاناً للراحة، بل يراها تذكيراً دائماً بمهام لم تُنجز بعد، مما يتطلب جهداً إضافياً لاستعادة السكينة.

البيت المريح اليوم هو الذي يمنحك حق الاختباء، أي مكان لا تحتاج فيه إلى أداء دور أو ارتداء قناع.

في ظل زمن يتسم بالاحتراق النفسي وتلاحق الأزمات، برزت الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ ‘الهدوء البصري’ داخل المنازل. صار الميل نحو البساطة وتقليل الزينة والتحف توجهاً عاماً، بحثاً عن بيئة تهدئ العين وتخفف من حدة التوتر العصبي الذي تسببه الفوضى البصرية.

إن البيت المريح في العصر الحالي هو ذلك المكان الذي يمنح الفرد ‘حق الاختباء’ والتحرر من الأقوار الاجتماعية المفروضة عليه. هو المساحة التي تسمح للإنسان بأن يكون على طبيعته، سواء كان صامتاً أو حزيناً، دون أن يشعر بضغط الأداء أو ضرورة البقاء متصلاً بالشبكة العالمية.

ومع هذه التحولات، بدأت تظهر أهمية ‘الزوايا الصغيرة’ كصمامات أمان ومساحات للإنقاذ النفسي داخل البيوت الكبيرة أو الصغيرة على حد سواء. قد يكون هذا الركن مجرد كرسي بجانب نافذة أو شرفة بسيطة تضم بعض النباتات، لكن قيمتها الوظيفية باتت تفوق فخامة الأثاث.

هذه المساحات الصغيرة لم تعد نوعاً من الرفاهية، بل أصبحت ضرورة ملحة تعمل كـ ‘رئات’ تساعدنا على التنفس واستعادة التوازن. فالبيت الذي يفتقر لزاوية تمنح شعور الانفصال عن العالم يظل مكاناً ناقصاً، مهما بلغت درجة رقي تصميمه أو تكلفة تجهيزاته المادية.

إن العلاقة المعاصرة بالمسكن باتت تعكس إيقاع الحياة اليومي بكل تناقضاته، حيث يتداخل الهدوء مع الضوضاء والانتظار مع الإنجاز. لم يعد السؤال يتمحور حول المظهر الخارجي، بل حول الإحساس الداخلي الذي يخلقه المكان في نفس ساكنه ومدى مساهمته في تحقيق الاستقرار.

في نهاية المطاف، تحول البيت من كيان مادي إلى حالة نفسية شعورية تطلب منها تخفيف وطأة العالم الخارجي. الراحة الحقيقية اليوم لا تكمن في الفخامة أو الاتساع، بل في ذلك الشعور البسيط بالأمان عند عبور العتبة، حيث يتوقف الزمن قليلاً ويُسمح للإنسان بالابتعاد عن ضغوط الحياة.




سموتريتش يطالب بتوسيع حدود إسرائيل ويصف الفلسطينيين بـ ‘محور الشر’

أطلق وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تصريحات مثيرة للجدل طالب فيها بضرورة توسيع حدود إسرائيل الجغرافية لتشمل مناطق أوسع في قطاع غزة ولبنان وسوريا. وزعم سموتريتش أن هذه الخطوة ضرورية لتوفير حدود قابلة للدفاع عنها من الناحية الأمنية والتضاريسية، معتبراً أن الخطوط الحالية لا تلبي الاحتياجات الاستراتيجية للدولة العبرية.

وفي حوار مع صحيفة جيروزاليم بوست، وصف الوزير اليميني المتطرف الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بأنهم جزء لا يتجزأ مما أسماه ‘محور الشر الإيراني’. وشدد على أن حدود عام 1967 تفتقر إلى العمق الجغرافي اللازم، مما يجعلها غير صالحة لحماية أمن إسرائيل في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.

ودافع سموتريتش بشدة عن المستوطنين في الضفة الغربية، واصفاً إياهم بأنهم من ‘أقل الشعوب عنفاً’، ومعتبراً أن التقارير الدولية التي تتحدث عن اعتداءاتهم هي مجرد حملات تضليلية. وأكد أن كافة التحركات الاستيطانية في الأراضي المحتلة تتم بتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية، مشيراً إلى وجود تفاهمات مستمرة بهذا الشأن.

وأوضح وزير المالية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يدعم بشكل كامل خطط توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، لافتاً إلى أن الحكومة تواصل نشاطها الاستيطاني بوتيرة متصاعدة. وأعرب عن أمله في أن تنجح إسرائيل مستقبلاً في إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بضرورة تطبيق السيادة الإسرائيلية الكاملة على أراضي الضفة.

حدود عام 1967 غير قابلة للدفاع، وإسرائيل بحاجة إلى حدود أوسع في غزة ولبنان وسوريا لمواجهة التهديدات.

وكان سموتريتش قد جدد دعواته العلنية لإعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة وإقامة تجمعات استيطانية داخله، وذلك خلال فعالية رسمية شارك فيها وزير الدفاع يسرائيل كاتس. وتأتي هذه الدعوات في سياق سياسة حكومية تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في المناطق التي تصنفها الأمم المتحدة أراضي محتلة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية قد وصل إلى نحو 750 ألف شخص، يتوزعون على مئات المستوطنات والبؤر الرعوية. وتؤكد تقارير حقوقية أن هذه التوسعات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً وتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.

ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق. وأفادت مصادر طبية وحقوقية باستشهاد ما لا يقل عن 1150 فلسطينياً وإصابة آلاف آخرين، في ظل حملات اعتقال واسعة طالت نحو 22 ألف مواطن فلسطيني.

وتعكس تصريحات سموتريتش التوجهات اليمينية المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تولت مهامها في نهاية عام 2022. وتواجه هذه السياسات إدانات دولية واسعة، حيث تعتبرها معظم دول العالم والمنظمات الدولية خرقاً صارخاً للقانون الدولي وعائقاً أساسياً أمام تحقيق السلام في المنطقة.




“الإحصاء” في يوم الصحة العالمي: القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة وقاهرة

شلل تام في منظومة غزة الصحية: دمار طال 94% من المستشفيات ونفاد نصف الأدوية 37 ألف امرأة حامل ومرضع و31 ألف طفل يواجهون خطر سوء التغذية والموت البطيء قيود الاحتلال تعرقل وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية في الضفة رام الله   الحياة الجديدة- أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بيانا صحفيا، لمناسبة يوم الصحة العالمي 2026، الذي يأتي هذا العام تحت شعار “معاً من أجل الصحة: لنقف مع العلم”، مستعرضاً واقع النظام الصحي في فلسطين في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة، خاصة في قطاع غزة. وأوضح “الإحصاء” أن القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة نتيجة استمرار العدوان والحصار، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المعايير الصحية الإنسانية والواقع المعيشي، في وقت يشهد فيه العالم تقدماً متسارعاً في مجالات الطب والرعاية الصحية. وأشار إلى أن البيانات المحدّثة حتى آذار 2026 تُظهر وصول المنظومة الصحية في قطاع غزة إلى حالة انهيار حاد، حيث طال الدمار 94% من المستشفيات، ما أدى إلى خروج المستشفيات الـ 36 كافة عن طاقتها التشغيلية الكاملة، فيما يعمل 18 مستشفى بشكل جزئي فقط.  كما سجلت خدمات الرعاية الصحية الأولية تراجعاً كارثياً في أدائها، انخفض إلى أقل من نصف قدرتها التشغيلية، حيث لا يعمل سوى 1.5% منها بكامل طاقتها.   وتزداد حدة الأزمة مع نفاد 51% من الأدوية الأساسية التي وصلت “رصيد صفر” في المستودعات، ما يضع آلاف المرضى، لا سيما ذوي الأمراض المزمنة، أمام عجز حاد في الحصول على العلاج المنتظم، ويجعل المنظومة الصحية في حالة شلل شبه تام يضع حياة السكان على المحك. ونوه إلى أن هذا التدهور لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد أيضا إلى الضفة الغربية، حيث تؤثر القيود على الحركة بشكل متزايد على إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الحوادث التي استهدفت الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ما أدى إلى تعطّل العديد من الخدمات، بما في ذلك العيادات المتنقلة.  وتشير التقديرات إلى أن واحدة من كل خمس أسر أفادت بعدم قدرة أطفالها على الوصول إلى الرعاية الصحية، أو الحصول على الأدوية اللازمة نتيجة الإغلاقات المتكررة. ووفقاً لتقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) للفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى نيسان/أبريل 2026، شهد قطاع غزة خلال الفترة بين 16 تشرين الأول/أكتوبر إلى 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، حيث ما زال نحو 1.6 مليون شخص (77% من السكان الذين شملهم التحليل) يواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.   وعلى الرغم من التحسن النسبي المحدود بعد وقف إطلاق النار، فإن تدمير 96% من الأراضي الزراعية، وارتفاع البطالة إلى 80%، وافتقار 47% من السكان للمرافق الصحية الأساسية، يجعل هذا التحسن هشّاً للغاية؛ ما يبقي خطر المجاعة قائماً في حال توقف المساعدات أو تجدد الأعمال العدائية. ويواجه الأطفال والنساء أوضاعاً تغذوية مقلقة في قطاع غزة؛ حيث أشارت التقديرات حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2026 في تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، إلى أزمة سوء تغذية حادة تهدد حياة 101,000 طفل (من سن 6 أشهر إلى59 شهراً)، من بينهم 31,000 حالة ستعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يضع حياتهم على المحك.  وفي السياق، من المتوقع أن تعاني نحو 37,000 امرأة حامل ومرضع من سوء تغذية حاد، في حين تظل عشرات الآلاف من النساء الأخريات عرضة لمخاطر صحية وتغذوية مرتفعة.   وقد انعكس هذا الواقع، بشكل كارثي، على صحة المواليد، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات الولادة المبكرة، بحيث يحتاج واحد من كل خمسة مواليد جدد إلى رعاية مكثفة، بالتوازي مع زيادة حادة في حالات الإجهاض والمضاعفات الصحية المرتبطة بنقص المتطلبات الغذائية الأساسية. الأمراض تلتهم مراكز النزوح وسط عجز حاد في الخدمات الصحية واستنادا إلى لوحة مراقبة الأمراض الموحدة لنظام التحذير والاستجابة المبكر (EWARS)، التي تجمع بيانات أسبوعية صادرة عن المرافق الصحية، يُظهر عبء الأمراض المعدية في قطاع غزة أعداداً مرتفعة بشكل غير مسبوق من الحالات التنفسية وأمراض الجلد والطفيليات المسجلة.  وصل الوضع الصحي في قطاع غزة إلى مستوى حرج غير مسبوق، حيث شكلت الأمراض السارية ما يقارب ربع إجمالي الاستشارات الطبية (23.3%) منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية شهر شباط/ فبراير، في ظل عجز وانهيار فعلي لقدرة النظام الصحي على الاستجابة. وسجلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة أعلى نسبة بين الأمراض المعدية المشخصة، إذ بلغت 68% خلال الشهرين الأولين من العام 2026، مع تسجيل أكثر من 1.9 مليون إصابة تراكمية.   وعلى الرغم من تسجيل تراجع نسبي في عدد الإصابات مؤخراً، فإن تسجيل 17 حالة وفاة خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، يعكس تفاقم خطورة الوضع وحدة المرض الناتجة عن البرد القارس في ظل الاكتظاظ الحاد داخل مراكز النزوح التي تجاوزت قدرتها الاستيعابية بأكثر من أربعة أضعاف، إلى جانب انعدام التدفئة والتهوية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. أما الإسهال المائي الحاد، فقد شكل ثاني أكثر الحالات المرضية إبلاغاً بنسبة 16%؛ إذ تم تسجيل نحو 81 ألف حالة خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، فقط، من العام 2026، من بينها أكثر من 36 ألف إصابة بين الأطفال دون سن الخامسة.   في حين سجلت أكثر من 496,000 حالة إسهال مائي حاد خلال العام 2025، 47% منهم بين الأطفال دون سن الخامسة.  ويُعزى هذا الارتفاع الحاد -الذي يزيد بنحو 20 ضعفاً مقارنة بفترة ما قبل الحرب- إلى تدهور جودة المياه، وانهيار أنظمة الصرف الصحي، حيث تشير التقديرات إلى أن 97% من المياه في القطاع غير صالحة للاستهلاك.  فيما انتشرت الأمراض الجلدية مثل الجرب والقمل بنسبة 15%، لتطال نحو 75 ألف شخص، في ظل غياب شبه كامل لمرافق النظافة الشخصية. كما تفاقمت معاناة المصابين بالأمراض المزمنة نتيجة تعطل الخدمات التشخيصية والعلاجية، ونفاد 70% من الأدوية الأساسية؛ ويقدّر عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة بنحو 1,100 مريض، في حين لا يتلقى العلاج سوى نحو 600–700 مريض فقط، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية الصحية، وتعطل معظم مراكز غسيل الكلى، ما يضع حياة المرضى في خطر شديد.   هذا ويعاني مرضى الأورام والسرطان، الذين يُقدّر عددهم بنحو 10–12 ألف مريض، من انهيار شبه كامل في منظومة العلاج، في ظل نقص حاد في الأدوية الكيماوية، وتعطل خدمات التشخيص المتقدمة، بما في ذلك الأشعة المقطعية، إلى جانب القيود الشديدة على التحويلات الطبية خارج القطاع، ما يجعل الحصول على بروتوكولات علاجية متكاملة أمراً بالغ الصعوبة.   ويمتد هذا التدهور ليشمل مئات الآلاف من ذوي الأمراض المزمنة، في ظل نفاد نسبة كبيرة من الأدوية الأساسية، الأمر الذي يزيد من خطر المضاعفات والوفيات المرتبطة بأمراض كان بالإمكان السيطرة عليها في الظروف الطبيعية. ولا تقتصر الأزمة على الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث يعاني أكثر من مليون طفل في قطاع غزة من آثار نفسية حادة، بما في ذلك القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، في ظل غياب شبه كامل لخدمات الدعم النفسي المتخصصة. وفي رصد مأساوي لحجم الإبادة والنزيف البشري المستمر، تشير المعطيات إلى أن العدوان المستمر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أسفر حتى آذار/مارس 2026، عن أكثر من 72,280 شهيداً، إضافة إلى ما يزيد على 172,000 جريحاً، يُقدّر أن نحو ربعهم يعانون من إصابات دائمة تتطلب خدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد.  وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من 21000 طفل من بين الضحايا، إضافة إلى ما يزيد على 11,000 طفل يعانون من إعاقات دائمة وإصابات غيرت مجرى حياتهم، وهم بحاجة ماسة إلى برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد غير متوفرة في ظل الظروف الحالية. ويتطلب حجم الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة تحركاً دولياً فورياً وفعالاً، ورفع القيود المفروضة على إدخال المعدات والتجهيزات الطبية الحساسة، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات الصحية المنقذة للحياة.  وتشير البيانات إلى أن أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى الإخلاء الطبي الفوري، من بينهم 3,800 طفل ممن يحتاجون إلى تدخلات علاجية متقدمة خارج فلسطين. المنظومة الصحية في الضفة الغربية قائمة تحت الضغط تعتمد منظومة الرعاية الصحية في الضفة الغربية على شبكة واسعة من الخدمات، حيث في العالم 2024 تم تقديم الرعاية الأولية من خلال 608 مراكز صحية، إضافة إلى 60 مستشفى توفر ما يقارب 13.4 سرير لكل 10,000 من السكان وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ حوالي 30 سريراً.  كما بلغت كثافة الكوادر الصحية 21.9 طبيب عام و43.6 ممرض لكل 10,000 من السكان، وهو ما يعكس توفر الموارد البشرية، مع استمرار الحاجة إلى تحسين توزيعها وكفاءتها لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يمكن فصل الوضع الصحي عن القيود المفروضة، حيث تؤثر الإجراءات الإسرائيلية، بشكل مباشر، على كفاءة الخدمات الصحية في الضفة الغربية واستمراريتها؛ إذ تعيق الحواجز والقيود على الحركة، وصول المرضى، وبخاصة الحالات الطارئة، إلى المستشفيات في الوقت المناسب، كما تحدّ من قدرة الكوادر الصحية على التنقل، وتؤثر على توريد الأدوية والمستلزمات الطبية. وتنعكس هذه التحديات سلباً على جودة الرعاية الصحية واستمراريتها، ما يشكل ضغطاً إضافياً على النظام الصحي، ويهدد المكاسب المحققة. انخفاض وفيات الأمهات والأطفال في الضفة الغربية تعكس المؤشرات الصحية في الضفة الغربية تقدماً تدريجياً في خفض وفيات الأمهات والأطفال؛ إذ بلغ معدل وفيات الأمهات 22.2 لكل 100,000 مولود حي، وهو أدنى بكثير من السقف الذي حددته منظمة الصحة العالمية ضمن أهداف التنمية المستدامة (أقل من 70 حالة).  كما سجلت وفيات الرضع 8.5 لكل 1,000 مولود حي، ووفيات الأطفال دون الخامسة 10.1 لكل 1,000 في العام 2024، وهي مستويات ضمن الحدود العالمية المستهدفة. وعند مقارنتها بنتائج المسح الفلسطيني العنقودي متعدد المؤشرات 2020، يتضح مسار تحسن واضح؛ إذ بلغت وفيات الرضع نحو 14 لكل 1,000، ووفيات الأطفال دون الخامسة حوالي 26 لكل 1,000 مولود حي.  ويعكس هذا الانخفاض تحسناً في فعالية خدمات الرعاية الصحية الأولية والتدخلات الوقائية.  ويُعد الوصول شبه الكامل للولادات المؤسسية، بنسبة 99.9%، من أبرز النجاحات في النظام الصحي، لما له من دور حاسم في خفض المخاطر الصحية على الأمهات والمواليد. عبء الأمراض في الضفة الغربية تشير بيانات وزارة الصحة في الضفة الغربية للعام 2024، إلى تباين واضح في نمط الأمراض، حيث تُعد الأمراض غير السارية التحدي الأبرز أمام الصحة العامة؛ إذ تهيمن على أسباب الوفاة بشكل كبير.  وتتصدر أمراض القلب الإقفارية (أمراض القلب الناتجة عن انسداد الشرايين) قائمة المسببات بنسبة 24.7% من إجمالي الوفيات، تليها الأورام السرطانية بنسبة 18.2%، ثم مضاعفات داء السكري بنسبة 14.5%.  كما يبلغ معدل حدوث السرطان نحو 130.8 حالة لكل 100,000 من السكان، وهو أقل من المتوسط العالمي، إلا أنه يُعد مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالعديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ويقع ضمن الحدود العليا للمعدلات المسجلة إقليميًا، ما يعكس عبئاً صحياً متزايداً يتطلب تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب تحسين خدمات التشخيص والعلاج. وفي المقابل، لا تزال الأمراض السارية تحت السيطرة نسبياً، حيث تسجل معدلات إصابة منخفضة؛ إذ بلغ معدل الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) حوالي 5.23 لكل 100,000 من السكان، بينما سجل السل الرئوي معدلاً منخفضاً جداً بلغ 0.23 لكل 100,000.  ويُعد خلو الضفة الغربية من حالات شلل الأطفال والحصبة خلال العام 2024 مؤشراً إيجابياً يعكس فعالية برامج التطعيم، ونظم الترصد الوبائي، على الرغم من استمرار التحديات الصحية القائمة. الإنفاق المباشر للأسر المعيشية على الصحة: عبء مالي إضافي بلغ إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في فلسطين العام 2024 نحو 1,793.9 مليون دولار أمريكي، ويشكل حوالي 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل نصيب للفرد 351.7 دولار سنوياً.   ويعتمد النظام الصحي، بشكل كبير، على التمويل الحكومي 41.7%، بينما تشكل الأسر المعيشية ثاني أكبر وكيل تمويل للصحة في فلسطين، حيث بلغت نسبة مساهمتها 44.9% من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في العام 2024.   وهذا يعكس عبئاً مالياً مباشراً مرتفعاً على الأسر، قد يحدّ من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى، ويزيد من مخاطر التعرض لضغوط اقتصادية




من خلية نحل إلى “النبتة المعجزة”.. مليحة نصار تكتب سيرة الصمود بريادة تنبت من الأرض

 عبير البرغوثي- بينما تتكاثر العوائق أمام الرياديات الفلسطينيات، اختارت مليحة نصار أن تشق طريقها خارج القوالب الجاهزة، لا عبر وظيفة مستقرة، بل من قلب الأرض، حيث النحل والأعشاب والرهان على الطبيعة. حكايتها ليست مجرد تجربة عمل خاص، بل سردية إنسانية تتقاطع فيها الأمومة مع الفقد، والريادة مع الاحتلال، لتتحول إلى نموذج لامرأة أعادت تعريف النجاح على إيقاع الصمود.

لم تكن رحلة مليحة نصار نحو الريادة قرارا مفاجئا، بل امتدادا لتجربة حياتية تشكلت منذ الطفولة، في بيت اعتاد العمل الحر، حيث كان الأب مزارعا، والأشقاء يخوضون مشاريعهم الخاصة. هذا الإرث المبكر، إلى جانب تجربة عمل قصيرة في الإمارات، ثم سنوات طويلة في مؤسسات حكومية وحقوقية في رام الله وغزة، دفعها لإعادة النظر في معنى الاستقرار المهني.

تقول نصار في حديثها لـ”الحياة الجديدة” إن العمل في بعض المؤسسات، خاصة تلك المعنية بتمكين المرأة، كشف لها فجوة بين الشعارات والتطبيق، مضيفة أن المرأة القوية قد تواجه أحيانا بالمنافسة بدل الدعم. وتوضح أن هذا الإدراك شكل نقطة تحول، دفعتها لترك الوظيفة التقليدية والانخراط في مشاريعها الخاصة.

بدأت نصار بمسارين متوازيين: محل ملابس ومنحل لإنتاج العسل، ثم توسعت لاحقا إلى مشروع مطعم صغير، بالتزامن مع عملها كمحاضرة بدوام جزئي. وتضيف لـ”الحياة الجديدة” أنه رغم قسوة البدايات، حيث كانت تعمل لساعات طويلة على حساب حياتها العائلية، إلا أنها تصف تلك المرحلة بأنها الأكثر متعة، لما فيها من استقلالية وشعور بالإنجاز.

لكن التحول الأعمق في مسيرتها لم يأت من السوق المحلي، بل من تجربة خارجية جديدة. ففي عام 2016، شاركت في برنامج تدريبي في الصين حول القيادة النسوية، وهناك، انفتحت أمامها آفاق مختلفة لريادة الأعمال الزراعية، خاصة في مجال الأعشاب الطبية.

وتوضح لـ”الحياة الجديدة” أنها انبهرت بمشاريع نسوية قائمة على زراعة نوع واحد من النباتات بمساحات واسعة، وربطها بالصناعات الغذائية والعلاجية.

عادت نصار إلى فلسطين بفكرة مشروع مختلف، قائم على الأعشاب الطبيعية، وسرعان ما وجدت ضالتها في نبتة “المورينجا”، التي تعرف عالميا بـ “النبتة المعجزة” لغناها بالعناصر الغذائية.

وتقول لـ”الحياة الجديدة” إنها بدأت بزراعتها في أريحا، مستفيدة من ملاءمة المناخ، ومركزة على إنتاج منتجات طبيعية تجمع بين الأعشاب والعسل.

غير أن الطريق لم يكن ممهدا. واجهت نصار تحديات زراعية وبيئية، أبرزها ضعف خبرتها الأولية، وملوحة التربة، وندرة المياه، إلى جانب واقع أكثر تعقيدا تمثل في وقوع الأراضي التي استأجرتها بين بؤر استيطانية، ما صعب الوصول إليها وعرضها لمضايقات متكررة، وصلت حد الاحتجاز وتخريب المزروعات.

وتؤكد لـ”الحياة الجديدة” أنها رغم هذه الظروف، واصلت تطوير مشروعها، وانتقلت من بيع الأعشاب بشكلها الخام إلى تصنيع منتجات متنوعة، وصولا إلى مستحضرات العناية بالبشرة من مكونات طبيعية، مشيرة إلى أن التوجه العالمي نحو المنتجات الطبيعية شجعها على تسريع هذه الخطوة، رغم ما تتطلبه من استثمارات وتراخيص.

في موازاة التحديات المهنية، خاضت نصار تجربة شخصية قاسية تمثلت في اعتقال اثنين من أبنائها في فترات مختلفة، ما فرض عليها ضغوطا نفسية وشتت تركيزها بين العمل ومتابعة قضاياهم. كما تعرض منزلها لاقتحام وتخريب، في سياق يعكس واقعا يوميا يفرض نفسه على تفاصيل حياتها ومشروعها.

وتشير نصار لـ”الحياة الجديدة” إلى أن التمويل يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه الرياديات، موضحة أن القروض غالبا ما تكون مرهقة بفوائدها، فيما يفتقر الدعم المقدم من بعض المؤسسات إلى الاستدامة والتخطيط طويل الأمد. وترى أن المشكلة لا تكمن فقط في نقص التمويل، بل في غياب استراتيجية وطنية واضحة لدعم المشاريع الصغيرة، خاصة في القطاعات الإنتاجية كالزراعة.

ورغم ذلك، لا تزال تؤمن بإمكانية البناء، ولو بخطوات بطيئة. وتضيف لـ”الحياة الجديدة” أنها تعمل اليوم على توسيع شبكة إنتاجها، والتفكير في التصدير، إلى جانب تطوير مهاراتها عبر الدورات التدريبية، ونقل تجربتها لنساء أخريات.

وتختم حديثها لـ”الحياة الجديدة” بالقول: إن مشروعها ليس قصة نجاح مكتملة، بل “رحلة صمود”، تختبر فيها يوميا معنى البقاء على الأرض، مؤكدة أن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل فعل مقاومة، ومحاولة للحفاظ على علاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه.