1

خليل طوقان.. عُمدة أطباء جنين

عبد الباسط خلف- يحمل الطبيب خليل نسيب طوقان صورة تخرجه في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1962، ويعيد عجلة الزمن إلى الوراء لتلخيص حكاية أحد أقدم أطباء جنين وعميد “ملائكة” رحمتها الأحياء.

وأشارت بطاقة هوية طوقان إلى أنه ولد عام 1938 في يافا، بحكم عمل والده في سلك القضاء وإقامته في المدينة الساحلية، فيما نال تعليمه في جنين، وحصل على الثانوية العامة من مصر عام 1954، ليلتحق بجامعة القاهرة، وليعمل نحو عامين في مستشفيات عجلون وإربد الحكومية، قبل أن يعود إلى جنين ليدشن عيادته الخاصة عام 1964، وليكون خامس طبيب فيها بجوار خاله مطيع الأسير، وهاشم عبد الهادي، وسعيد نمر، ونصفت كمال.

فوارق وخيول

واختزل طوقان حال التطبيب قبل النكسة وبعدها، إذ لم تتوفر وسائل المواصلات على نطاق واسع، وكان الشائع تنقل المرضى على خيولهم ودوابهم، أو السير على أقدامهم، أو الصبر على وجعهم.

واستذكر تفاصيل الشارع المجاور لعيادته، إذ كان في أطراف المدينة ويتحول مع عدد المراجعين الكبير إلى ما يشبه الخان، لكثرة الخيول والدواب التي كان يستخدمها المرضى ومن يرافقهم.

وأسهب في نقل أجواء الطب قبل عقود، إذ كان الغالبية يتحاملون على أوجاعهم؛ بفعل ضيق اليد، وكانوا يتوجهون إلى التداوي بالأعشاب والوصفات العربية والشعبية، ويتفادون طرق أبواب “الحكيم”.

تأثر طوقان بخاله الطبيب مطيع الأسير، فقد عمل معه خلال صباه في أول مستشفى أسسه الأسير في جنين قبل النكبة، واختار السفر إلى مصر لعدم وجود نظام لدراسة الثانوية العامة في فلسطين.

وقارن الأدوات الطبية التي كانت سائدة قديما، فلم تكن المضادات الحيوية حاضرة كاليوم، أما الحقن فكانت زجاجية يجري استعمالها عدة مرات بعد تعقيمها، بخلاف البلاستيكية منها اليوم، والتي تستخدم مرة واحدة، مثلما اختلف حال المعقمات.

أدخل طوقان جهاز الأشعة إلى عيادته، بعد وقت قصير من انتشاره، ووظف ممرضا بعد تدريبه على استخدامه، وكان شاهدا على انتشار عشرات العيادات، وتعلم مئات الأطباء الجدد للمهنة الإنسانية.

واسترد تفاصيل أو كشفية تلقها، إذ كانت 20 قرشا أردنيا، قبل أن ترتفع اليوم، لكنه يحرص على استمرارها مخفضة؛ مراعاة لأحوال الناس وتراجع دخولهم.

أمراض وحوادث

وبين أن الأمراض التي كانت أكثر شيوعا قبل عقود نزلات البرد، والتهابات اللوزتين، والأمراض المعوية والجلدية، أما السرطان فلم تكن الأجهزة المتوفرة قادرة على اكتشافه للجزم بوجوده من عدمه.

وفسر طوقان قلة عدد مواطني جنين قبل قرون إلى وجود الكثير من المياه والينابيع في المدينة، وانتشار الملاريا التي كانت تفتك بالأهالي، قبل اكتشاف أدوية تقطع الطريق عليها.

افتتح الراوي عيادة في بلدة قباطية 12 عاما، مطلع الستينيات والسبعينيات، لكنه أعاد إغلاقها، حينما كان يعود إلى عيادته في جنين، ويجد مرضى بلدة قباطية ينتظرونه في جنين.

واجهت عميد أطباء جنين حاليا، العديد من المواقف، ولكنه يتوقف عند أغربها، عندما وصل إليه رجل يريد علاج زوجته، التي ما إن دخلت باب العيادة، وصعدت إلى سرير الشفاء حتى توفيت في الحال، ولولا حضور زوجها لاحتاج إلى جهد لإقناعه بأن الوفاة طبيعية، ولا علاقة لها بمحاولة مداواتها.

وأضاف إن إحدى المريضات، وكانت عرافة ذاع صيتها في قراءة الفنجان، وصلت إلى عيادته، لكنها رفضت أن يقترب منها للكشف عليها، واحتاج وقتا لإقناعها بأن تشخيص المرضى لا يتم عن بعد، وأن الأطباء لديهم القسم الغليظ لمهنتهم، ولا يفشون أسرار مرضاهم.

والدان استثنائيان

وتحتفظ جدران عيادة الطبيب طوقان، الواقعة في حي المحطة بعشرات الصور والوثائق التي تكتب تاريخ جنين، ففي إحدى الواجهات تستلقي صورة لوالده القاضي نسيب منيب طوقان، الذي كان من أوائل المحامين في فلسطين، وعمل قاضيا في محاكم يافا، واختار الإقامة في جنين بعد النكبة، وتنقل في العمل قاضي صلح بين جنين ونابلس، عقب خسارته لبيارة برتقال مترامية الأطراف بنحو 120 دونما اشتراها في مدينة أم خالد (نتانيا اليوم)، وركب لها مضخة ماء حديثة، قبل وقت قصير من أيار 1948.

وأشار إلى أن والده كان يرى في مزاولة مهنة المحاماة من المحرمات؛ لأنه لا يجوز الدفاع عن المذنبين، ومن أراد نصرة المظلومين فيجب أن يكون ذلك دون مقابل مادي، ولذلك رفض تعليم ابنه وابنته الوحيدة خولة للحقوق.

وتوقف طوقان عند والدته الحاجة عدالت مطيع الأسير طوقان، السيدة التي ولدت في حماة السورية سنة 1913، وتلقت تعليمها الأساسي هناك، ثم تنقلت بين السلط الأردنية وجنين، واستكملت دراستها بدار المعلمات بالقدس، وعملت معلمة في مدارس جنين وطولكرم ووكالة الغوث، وأسست جمعية جنين الخيرية عام 1971، وبدأت بتقديم مساعدات للجامعيين الفقراء، وأنشأـت مدرسة الحنان للصم، ثم أضافت خدمة رياض الأطفال.

ووفق طوقان، فإن مندوبي شركات الأدوية كانوا لا يحبذون الوصول إلى جنين، لبعدها عن مراكز المدن الكبيرة.

وأضاف أن أكثر أوقات المدينة صعوبة، ما عاشته خلال انتفاضة عام 1987، وفرض الاحتلال لحظر التجوال مددا طويلة، بينما كان يتنقل بين الجبال لمداواة الجرحى.

إذاعة ودولاب

وتلتصق بذاكرة الطبيب خليل ملامح زيارته لقريب والدته، من عائلة بدران، الذي كان يعمل في “إذاعة الشرق الأدنى”، والتي كانت على بعد خطوات من بيت عائلته، ثم انتقلت إلى يافا فالقدس عام 1947.

فيما عاش صباه مع دولاب الماء الشهير، الذي أحضره جده القاضي مطيع الأسير من حمص برفقة عمال لتركيبه في بيته، وكان يستخرج المياه من النبع لري المزروعات ولسقاية عابري السبيل. وأوضح أن الدولاب بقي حتى وقت قصير، إلى أن سقط تلقائيا قبل عدة سنوات.

وطوقان أب لأربعة أبناء وبنت وحيدة، رفضوا غالبيتهم دراسة الطب؛ بسبب إحساسهم بالتعب والجهد الذي يقدمه والدهم، ولعدم وجود وقت خاص لأبيهم، ولم يقتنع بذلك غير ابنه الأصغر معتصم، الذي يتخصص في الأمراض الصدرية بألمانيا الاتحادية.

ويرتبط الطبيب خليل بصلة قرابة بالملكة علياء طوقان، التي ولدت في القاهرة، وتزوجت من الملك الأردني الحسين بن طلال، رحمه الله، في كانون الأول 1972، فهي ابنة ابن عمه بهاء الدين.

واختتم طوقان بالقول إنه يرفع شعار (جنين فوق الجبين)، تعبيرا عن حبه لمدينته، ويقضي أوقات فراغه في حديقته المتاخمة لعيادته، ويعهد أشجاره ونباتاته، ويتحسر على مزاحمة الإسمنت لمساحاتها الخضراء ولسهولها الخصبة.




هاني فحص وياسر عرفات.. فلسطين لبنانية ولبنان فلسطينية

هلا سلامة- هي الذكرى العشرين التي تتسلل من بين خطوط النار وشلال الدماء وأنين المقهورين، أبو عمار الفكرة والسيرة التي تولد كل يوم في حنايا الوطن المكلوم، تتلو على مسامعنا قصة فلسطين الطويلة وعهدها ووعدها بالتحرر من الكيان المغتصب مهما عصفت الوحشية والاجرام، وها هي القنابل، أصواتها لا تخفت ضجيج الغائبين الحاضرين بأسمائهم وقصصهم ومواقفهم التاريخية، ليكونوا نبراسا للأجيال.

ما زال ابو عمار وبعد كل السنين يأسر قلوب احبته، من هنا من لبنان حيث احدى المحطات الأساسية لانطلاق الثورة الفلسطينية، ذكراه تعبق في احياء ومنازل مناضلين رافقوه في مسيرته.

أم حسن فحص زوجة رفيق دربه هاني فحص لها في الذكرى كلمات، لـ”الحياة الجديدة” تقول: أبو عمار شخصية لا يكررها التاريخ أبدا لأن لديه الحس الانساني والعاطفي، هو رمز أحبه الصغار والكبار، حين شاهدته لأول مرة في احدى المناسبات في منزل المناضل أبو جهاد الوزير، رحت أتأمله وهو يتفقد كل شخص على مأدبة الطعام، ماذا أكل! قلت لنفسي هل هو بشر أو ملاك مبعوث علينا. أدهشني وسألته: أنت انسان أم أحد أرسلك لنا؟

تتطرق أم حسن لعلاقة الرئيس الشهيد ياسر عرفات بزوجها هاني فحص قائلة: كانت علاقة حلوة وودية وقوية، وفي الحقيقة أنا صفحت عن السيد هاني حين تعرفت على أبو عمار، لطالما اعتبرت ان لديّ ضرة واحدة في هذه الحياة تنافسني على السيد فحص وهي فلسطين، ولكن حين عرفت أبو عمار والقيادات الفلسطينية قلت لنفسي: اذا كانت هذه هي الضرة فأنا راضية، فهي انسانة محبوبة بأهلها ومجتمعها وأولادها.

تتابع أم حسن فحص: جعلوني أشعر أني فلسطينية، وأنا تزوجت بعمر الرابعة عشرة، تربيت على هذا الخط الثوري ونسيت لبنانيتي ليس تعاطفا إنما ايمانا بالقضية الفلسطينية.

تضيف: كان الرئيس عرفات يمازحني ويقول: بدك تسمحيلنا بالسيد، فيما السيد كان مغرما بأبو عمار، وحين استشهد تأثر كثيرا وقال لي حرفيا: هذا ركن من أركان فلسطين انهد، وانهمرت دموعه.

واردفت أم حسن: رحيل ابو عمار عن عالمنا هو نكسة، واليوم نكبة ثانية في غزة، الله عوض الشعب الفلسطيني بالرئيس محمود عباس الانسان الطيب الذي يؤدي المهمة والعبء ثقيل جدا على كاهله، من هنا نطالب العالم بالتعاون معه ومع الشعب الفلسطيني لوضع حد للاحتلال وجرائمه والاعتراف بالدولة الفلسطينية سيدة حرة مستقلة.

ولأمهات فلسطين اللواتي يكسر الاحتلال قلوبهن في كل لحظة توجهت أم حسن فحص بالقول: أنتن نموذج للعالم، تتحملن المآسي والمسؤولية، نحن نغار منكن ومن ايمانكن وكلماتكن وصمودكن، وفقكم الله يا أهل فلسطين وأنعم عليكم بالسلام الذي تستحقونه، لا بد لهذا الليل ان ينجلي ولهذا القيد ان ينكسر.. تختم زوجة المناضل العروبي هاني فحص لـ”الحياة الجديدة”.




المهرجان الدولي المغاربي للفيلم.. “وداعًا جوليًا” يتألق ويفوز بالجائزة

اختتم السبت المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بمدينة وجدة في شرق المغرب، حيث فاز الفيلم السوداني (وداعًا جوليا) للمخرج محمد كردفاني بالجائزة الكبرى لمسابقة الأفلام الروائية الطويلة في الدورة الثالثة عشرة للمهرجان. 

ومنحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم المغربي (أبي لم يمت) للمخرج عادل الفاضيلي، كما نوهت اللجنة بتميز فيلمي (فالنسول 1965) من فرنسا و(وراء الجبال) من تونس.

وذهبت جائزة الإخراج إلى لوك رازاناجونا من مدغشقر عن فيلم (ديسكو أفريكا)، فيما حصل الفيلم السنغالي (خروف سادة) على جائزة أفضل سيناريو.

ويلقي فيلم “وداعًا جوليًا” الضوء على الحرب الأهلية في السودان ومآسيها، والتي أدت لكارثة إنسانية في البلاد. ويعد الفيلم دعوة للتصالح كما يلقي الضوء على القوى المحركة الاجتماعية التي أدت إلى انفصال جنوب السودان، ويتطرق إلى العوامل والأسباب التي أدت إلى انفصال جنوب السودان، وما حدث من ويلات الحرب وذلك في إطار درامي. 

يذكر أن فيلم “وداعًا جوليًا” كان قد حصد جائزة مركز السينما العربية في مهرجان كان، والذي يجري بإشراف لجنة تحكيم مكونة من 225 ناقدًا ينتمون لـ72 دولة، وقد أصبح في جعبة صناع الفيلم عشرات الجوائز العالمية. 

الفيلم المغربي

وفي مسابقة الأفلام القصيرة في المهرجان المغربي، فاز بالجائزة الفيلم المغربي (الأيام الرمادية) للمخرجة عبير فتحوني، كما نال الفيلم جائزة الإخراج فيما ذهبت جائزة السيناريو للفيلم المغربي (لي) من إخراج انتصار الأزهري.

ومنحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة للفيلم الموريتاني (والدك.. على الأرجح) من إخراج الطيب طلبة وسيدي محمد الطلبة.

وكرم المهرجان في حفل الختام الممثلة والمغنية المغربية سحر الصديقي، والمخرج المغربي محمد بلحاج، ومصممة الأزياء السنغالية أومو سي، والإعلامية ورائدة الأعمال المغربية الكندية دانييلي هينكل.

وقال مدير المهرجان خالد سلي في كلمته: “خلال أيام المهرجان، استمتع جمهورنا وضيوفنا بأفلام حرصنا على أن تكون جيدة، وتقاسمنا المعرفة من خلال الندوات والموائد المستديرة والورشات”.

وكان المهرجان الذي تنظمه جمعية (سيني مغرب) قد انطلق في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني تحت شعار (السينما بين المواطنة والانتماء الإنساني) بمشاركة نحو 25 فيلمًا إلى جانب الورش التدريبية واللقاءات الحوارية.




جنين تبكي “سدرة المنتهى” بعد 50 عاما

عبد الباسط خلف- تسكن في ذاكرة عاهد خالد شعبان التفاصيل الدقيقة لارتقاء منتهى عوض الحوراني، أول شهيدة في جنين بعد النكسة، والتي لقبتها أمها بـ “سدرة المنتهى”.

واستطرد شعبان، مشرف الكشافة ومعلم الرياضيات المتقاعد، اللحظات الصعبة التي شهدتها جنين ظهيرة الإثنين 11 تشرين الثاني 1974، حينما انطلقت مسيرات طلابية من ذكور جنين الثانوية المجاورة لمنطقة المعلب البلدي حاليا، اخترقت الشوارع الرئيسة، وكانت وجهتها بنات جنين الابتدائية، وعندما وصلت طلعة “دبة العطاري”، التحقت بها الطالبات، وسارت نحو بنات جنين الثانوية، وتبعتها المدارس الأخرى.

مريول ودم!

وتابع شاهد العيان، الذي كان طالبا في الصف الأول الثانوي، أنه رأى قرب الدوار الرئيس وسط جنين، طالبة بمريولها الأخضر والأبيض ملقاة على الأرض تنزف الدماء من أسفل أذنها، فحملها برفقة شبان إلى عيادة مجاورة لمبنى النادي الرياضي، وأخبرهم الطبيب بضرورة نقلها الفوري للمستشفى.

ووفق الراوي، الذي ولد في خريف 1956 في بلدة اليامون، فقد سارع مع الشبان في تأمين الجريحة بسيارة كانت في المكان، ولم ينتظروا وصول الإسعاف.

واستذكر شعبان انتشار نبأ استشهادها، فقد سارع للمشاركة في مسيرة تشييعها الحاشدة، ووقتها كانت سيرة منتهى على كل ألسن المدينة وبلداتها.

وأشار، وهو يحمل صورة لمنتهى بالأبيض والأسود، بأنه وعقب نحو 40 يوما من استشهادها، سار مشيا من بلدته اليامون لشارع حيفا صباح عيد الأضحى، (صادف في 23 كانون الأول 1974)، وانتظر سيارة ليصل إلى قبر الحوراني، ويقرأ الفاتحة على روحها، في أول عيد بعد رحيلها.

واستجمع بعض التفاصيل، إذ كانت عائلتها تحيط بالضريح المحاط بسعف النخيل، وسط حزن ودموع وتلاوة للقرآن.

واختتم بالإشارة إلى أن ما يشاع حول دهس منتهى بمجنزرة لم يكن دقيقا، فعندما حملها لم تكن هناك أية آثار على جسمها، باستثناء الدماء النازفة من منطقة الأذن.

أحلام بالصيدلة

فيما جسدت شقيقتها عفاف، خلال مقابلة سابقة، أحزان العائلة وذكريات شهيدتها، التي ارتقت بزيها المدرسي، قبل أن تقترب من أحلامها بإنهاء “التوجيهي” ودراسة الصيدلة التي دخلت قلبها منذ الصغر.

وروت، وهي تحمل مطرزة نسجتها منتهى: خرج أبي إلى العمل في منجرته، وذهبت أختي إلى المدرسة، ولم يمض غير وقت قصير، إلا وعاد والدي مسرعا على غير العادة، وأخبرنا بمسيرات ومظاهرات مع جنود الاحتلال وسط المدينة، وقبل أن يكمل حديثه، سمعنا أصوات أعيرة نارية، فقال والدي لنا: “راحت منتهى”.

ووفق الشقيقة، فقد امتلأ البيت بالجيران وأهالي الحي والمدينة، وكان معظمهم يعرفون باستشهاد منتهى، وأخفى والدها الأمر عنهم، ووصلت برفقة أمها إلى المستشفى، وأخبرتا باستشهادها، وطلبتا من جارهما أبو عصام العودة إلى المنزل، دون رؤية منتهى في دمها.

وأشارت الأخت المكلومة، بأن بيت عائلة منتهى ليس ببعيد عن مدرستها “فاطمة خاتون”، بينما جرحت فتاة أخرى من عائلة أبو فرحة في المكان. ويومها طلب جنود الاحتلال من والدها، بأن تدفن العائلة ابنتها بعد ساعة فقط، وهو ما لم يحدث، فخرجت لوداعها جماهير غفيرة، ودارت مواجهات عنيفة، وشن الاحتلال اعتقالات، طالت أحد المصورين. فيما صادرت مريولها الذي ارتقت به، وأعيدت كتبها إلى مدرستها، ووصلت قبرها أكاليل زهور من مدن الوطن، واتحادات المرأة.

وتحمل منتهى الترتيب الخامس في أسرتها، بين ثماني بنات وأخوين، وأبصرت النور في 20 شباط 1958.

فساتين وألعاب

ورسمت عفاف صورة لشقيقتها، التي تستقر صورها بجدران البيت، وتصمد فساتينها ومطرزتها في خزائن المنزل وقلب العائلة، وقالت إن أمها كانت تنادي أختها بـ” سدرة المنتهى”، وكن يلعبن معا “الطميمة”، و”الحجلة”، و”السبع حجار”، ولا تنسى ضحكتها، وطول قامتها، وشعرها الأسود الساحل، وابتسامتها التي لا تغادرها، وطيبة قلبها، وعيونها الواسعة البنية، وكلما تشاهد صورتها وآثار بقايا دمها، تتذكر حلمها بدراسة الصيدلة، وتفوقها قبل عام واحد في “المترك” الإعدادي.

وقالت عفاف: رفضت أمي خديجة (توفيت عام 2008) أن نعيد تسمية منتهى على بنات الأخوات والأخوة والأقارب. وكنت تقول: هذا الاسم هبة من الله، وربنا أخذ أمانته، ولن نعيده في البيت. وقبل أن ترحل عن الدنيا، أعادت الوصية، أن نحافظ على منتهى واحدة في العائلة.

وتبعا لما تجمعه الأخت من ذكريات ومواقف، فإن الأم التي سافرت بعد 40 يوما من استشهاد صغيرتها، لتأدية فريضة الحج، شاهدت منتهى في منامها تطلب منها ألا تنسى هديتها، وتحضر لها بلوزة وبنطالا، وهو ما فعلته الأم، وعادت من الحجاز بهدية فقيدتها، التي قدمتها لفتاة في عمرها.

وقالت عفاف التي أبصرت النور بعد سنتين من ميلاد منتهى: ولدت ابنة أختي ربى أبو زيد، بعد وقت قصير من رحيل منتهى، وبالرغم من أنها لا تحمل اسمها إلا أنها تكاد تكون نسخة طبق الأصل عنها، وحين نراها نخبرها بذلك، فنحزن وندعو الله لأختنا.

تخصص عائلة حوراني وقتا لذكرى ابنتها، فتذهب الأخوات والجيل الثاني الذي ولد بعد استشهاد منتهى في الخزانة، لتفقد فستانها، وللتمعن في مطرزتها التي سهرت على نسجها، فتتوزع بين الألم والترحم على روحها، مثلما سبق وأن حافظت الأم على تقاليد الذهاب إلى المقبرة، للترحم والدموع وزراعة الأزهار.

واللافت في حكاية منتهى، أن إحدى زميلاتها على مقاعد الدراسة، واسمها فاطمة العمار (توفيت في نيسان العام الماضي) انتقلت لتكون مديرة المدرسة التي تحمل اسمها. فيما ينقل أهالي من المدينة أن حوراني ارتقت جراء تعرضها للدهس من دبابة احتلالية وسط المدينة، خلال قمع جيش الاحتلال لتظاهرة جماهيرية، وهو ما فنده شاهد العيان لـ”الحياة الجديدة”.

اسم ومدرسة

فيما أشارت مديرة مدرسة منتهى الحوراني، سهى لحلوح، أن الشهيدة حاضرة دائما بين المعلمات والطالبات، فدائما تجري قراءة سيرتها، وتدخل مواضيع التعبير، ويتم تفسير اسم المكان للطالبات الجدد، وسبب اختياره.

وأكدت أن قصة ارتقاء منتهى بزيها الأبيض والأخضر، وهي على مقاعد مدرسة فاطمة خاتون، كثيرة التداول في المدرسة التي أقيمت عام 2014، واحتفظت بصورة منتهى المنقوشة بالحجر.

وتبعا للحلوح، فإن المديرة الراحلة فاطمة العمار، التي كانت زميلة منتهى في الصف، هي التي اقترحت على وزارة التربية والتعليم إطلاق اسمها على المدرسة، التي تقع في الأطراف الشمالية الغربية للمدينة.

وأوضحت المديرة أن أهالي جنين يتناقلون روايتين لاستشهاد الحوراني، لكن الأهم أنهم يجمعون على استعادة سيرة أول شهيدة ارتقت في مدينتهم بعد النكسة، ويخلدون اسمها بمدرسة كانت تضم العام الماضي 300 وتراجع العدد إلى 180 هذا العام؛ بسبب موقع المدرسة المتاخم لمخيم جنين، والذي يشهد اجتياحات متكررة.




وزير الحكم المحلي يبحث مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية آفاق العمل المشترك

بحث وزير الحكم المحلي سامي حجاوي، مع المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ( UN-Habitat)  آنا كلوديا روسباخ، آفاق العمل المشترك خلال المرحلة المقبلة، وآليات معالجة التحديات التي تواجه واقع التنمية المحلية المستدامة في فلسطين، وتداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة والآثار المترتبة على ذلك.

جاء ذلك خلال اللقاء الذي عقد في القاهرة، على هامش اختتام أعمال المنتدى الحضري العالمي 12، بحضور سفير فلسطين لدى نيروبي حازم شبات، وطواقم الوزارة المتخصصة المشاركة في فعاليات المنتدى.

وأكد حجاوي أهمية العمل المشترك على تمكين الهيئات المحلية وتعزيز أدوارها لدفع عملية التنمية ايمانا من الجميع بأهمية أداور تلك الهيئات وعدم اقتصارها على الواقع الخدماتي وإنما شموليتها العديد من الجوانب والاسهامات على المستوى الوطني، مع التأكيد على أهمية استمرار العمل التشاركي والتكاملي مع كافة المؤسسات الرسمية والخاصة والأهلية ومؤسسات المجتمع المدني من أجل تحقيق الاهداف المنشودة خاصة فيما يتعلق بتعزيز قدرتها على الاستجابة لتحديات الاسكان، والتركيز على مشاريع الطاقة المستدامة، وتبني حلول بيئية للحد من اثار التغيرات المناخية، وتعزيز قدرات المجتمعات على الصمود وغيرها.

وأشاد حجاوي بنجاح أعمال المنتدى وبتنوع الموضوعات والقضايا التي تضمنتها فعاليات المنتدى على مدار ايام انعقاده، معربا عن أمله في أن تشكل التوصيات فرصة لتعزيز العمل المشترك عالميا وليكون دليل عمل لاستكمال مسار التنمية المشترك خاصة فيما يتعلق بتعزيز التخطيط الحضري المستدام، وتعزيز التعاون الدولي والمحلي، والابتكار في الحلول الحضرية وغيرها.

وجدد حجاوي التأكيد على التزام دولة فلسطين بمواجهة التحديات الحضرية، والاستمرار بالعمل المشترك مع كافة الجهات ذات العلاقة من أجل التغلب على تلك التحديات، ووضع خطط عمل وتصورات شاملة بهذا الخصوص، إضافة الى استمرار فلسطين بالمشاركة في كافة المحافل واللقاءات الدولية التي تتعلق بالتنمية المستدامة والتحديات الحضرية وغيرها.

من جهتها، أعربت روسباخ عن سعادتها لتمكن الوفد الفلسطيني من المشاركة في اعمال المنتدى الحضري الهام والذي يشكل منطلقا للتأكيد على ضرورة العمل الدولي المشترك بين كافة الأطراف من أجل تذليل كافة العقبات ومعالجة التحديات والاستمرار بتبادل الافكار والخبرات والتجارب في هذا الصدد.

وفي سياق منفصل، التقى حجاوي مع كافة أعضاء الوفد الفلسطيني المشارك في أعمال المنتدى، ومع مجموعة من المتخصصين من أبناء شعبنا في قطاع غزة المشاركين ضمن اللقاءات والجلسات الحوارية في المنتدى، وأشاد بحضورهم ومشاركتهم وتواجدهم الفعال، مؤكدا التزام الحكومة الفلسطينية بدعم أبناء شعبنا في القطاع واستعدادها الكامل بالشراكة والتعاون مع كافة المؤسسات الدولية للإغاثة العاجلة وتقديم كافة اشكال الدعم والمساعدة لهم.