1

صانور.. وجهة جديدة لاقتحام شامل

 يحصي الشاب أحمد الصانوري حصيلة الساعات الأولى من اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لقريته صانور، جنوب جنين.

ويتتبع الشاب الأربعيني ما حل بقريته المرتبطة بقلعة عتيقة وتاريخ طويل، فيقول إن المقتحمين حولوا أكثر من 20 منزلًا لثكنات عسكرية، وطردوا أصحابها منها، وشرعوا في اقتحامها من بيت إلى بيت.

وتعيش بلدات وقرى كثيرة في محافظة جنين على وقع اقتحام واسع وشامل، منذ أكثر من أسبوع، طال سيريس، وجبع، وميثلون، والفندقومية، وعنزا، وصانور، قباطية، ومركة، وفحمة، وعرابة، ورمانة، وعانين، وتجمعات أخرى.

ويشير الصانوري إلى أن أهداف الاقتحام “استعراضية”، وليست حقيقية، لكنها اعتداءات تسمم حياة الناس وتطرد أعدادًا كبيرة من بيوتهم، وتفتش، وتعتقل، ثم تنتقل إلى قرية أخرى لتكرار العدوان نفسه.

ويفيد سكرتير المجلس القروي، طاهر أبو ليمون، بأن الاحتلال اقتحم صانور مساء السبت، وشرع في تفتش منطقة الحاووز، الأعلى فيها، التي وصلتها دوريات مشاة من قرية عنزا المجاورة، بعد الانتهاء من اقتحام استمر نحو 60 ساعة.

ويؤكد أن الاحتلال لم يبلغ أصحاب البيوت التي احتلها جنوده، بتوقيت الانسحاب الدقيق من القرية، فبعض الأسر أخبرت باقتحام مفتوح، والأخرى بثلاثة أو أربعة أيام، وثالثة بيوم واحد.

ويوضح المواطن بسام العيسة بأن الاحتلال سيطر على قرابة 30 بيتًا، وشن حملة تفتيش طالت عددًا كبيرًا منها في المدخلين الشمالي والجنوبي وحي الزواق، تتبع لعائلاتها الست: عيسة، وحبايبة، وغربية، وأبو علي، وولد علي، وجرار.

ووفق أبو ليمون، فإن الاحتلال اعتقل عددًا من المواطنين، عرف منهم: شحادة حبايبة، وزياد غربية، والدكتور محمد عيسة، وفادي سلامة ونجله ناجح فارس، والطفل عبد الله رائد أبو علي.

وأكد العيسة أن في صانور 5 آلاف مواطن، ينتشرون في أكثر ألف من بيت، تضررت أعمالهم في الزراعة والوظيفة العمومية والتجارة منذ مساء أول أمس.

ويتكهن أهالي القرية، التي يذيع صيتها خلال موسم الشتاء، بفعل سهلها الذي يصير بحيرة، أسباب الاقتحام الطويل، ويربطونه بالحرب الدائرة مع إيران وإخلاء المستعمرات، ومخططات عودة الاحتلال إلى “صانور” و”حومش” المجاورتين، ومحاولات إرضاء المستعمرين.

بدوره، يلخص رئيس مجلس عنزا المجاورة لصانور، تيسير صدقة، آثار اقتحام قريته، الذي استمر قرابة 60 ساعة، وسيطر المقتحمون خلاله على 25 بيتًا، وفتش قرابة 700 منزل.

ويؤكد أن جنود الاحتلال عبثوا بمقتنيات المواطنين، وأتلفوا قسمًا منها، وتعمدوا تخريب أثاث وتحطيم أبواب.

ويوضح صدقة، لـ”الحياة الجديدة” بأن حظر التجوال رفع عند السابعة من صباح أول أمس السبت، مع البقاء داخل البيوت، التي تحولت إلى ثكنات عسكرية.

ويشير إلى أن المجلس يعكف على إعداد تقرير مصور يلخص ويوثق حجم التخريب، الذي طال منازل المواطنين خلال الاقتحام.

ويبين بأن الجنود منعوا مراقبي امتحانات الثانوية العامة من الوصول إلى القرية من مدخلها الرئيس، وأجبرهم على سلوك طرق بديلة. كما سهل المجلس عقد الامتحان للطلبة الذين استولى الاحتلال على منازلهم، وأخرج الطالب سامر محرز عطياني من بيته، بعد منعه من الجنود المقتحمين.




هل توفير منتجات التبغ البديلة المدعومة علمياً في إطار تنظيمي يساهم في تقليل أضرار التدخين؟

هذا التساؤل كان مدار مناقشات الخبراء والمختصون في القمة 12 للسجائر الالكترونية التي عُقدت في المملكة المتحدة أواخر العام الماضي، لتفضي إلى الإجماع العلمي على أن المنتجات البديلة من السجائر الإلكترونية تشكل خياراً أقل خطراً من السجائر التقليدية.

فالقمة تعد منصة تجمع العلماء، والجهات التنظيمية، وصناع القرار، وخبراء الصحة العامة، وممارسي الرعاية الصحية لاستكشاف أحدث الأبحاث حول المنتجات البديلة للتدخين، بهدف الحد من الوفيات والأمراض المرتبطة بالتدخين.

العديد من الآراء العلمية أشارت إلى أن السجائر الإلكترونية والمنتجات البديلة المسخنة أقل خطراً من السجائر التقليدية؛ كونها لا تعتمد على عملية الحرق، ولا تنتج رماداً أو دخاناً يحتوي على هذه المواد السامة.

فيما إعبتر آخرون أن استخدام المنتجات البديلة المسخنة يعد من أكثر الوسائل فعالية لتقليل استهلاك السجائر التقليدية. فالمنتجات البديلة أصبحت كأدوات تساعد المدخنين على الإقلاع من خلال التحول إلى خيارات أقل خطورة. كما أن تعد السجائر الإلكترونية أكثر فاعلية من علاجات تعويض النيكوتين (NRTs) في مساعدة المدخنين على الإقلاع.

ونوه آخرون إلى أن تقليل المخاطر لا يعني انعدامها تماماً، حيث أن تدخين سيجارة واحدة في حالة من عدم الإدراك أو انعدام التركيز لسبب أو لآخر والتعرض لحريق، أو استخدام سيجارة إلكترونية غير مطابقة للمواصفات والتعرض لانفجارها، كلاهما يشكلان خطراً. وهنا برزت الدعوة لضرورة توفير المنتجات البديلة الآمنة والمدعومة علمياً وإتاحتها ضمن إطار تنظيمي يوازن بين تقليل الضرر وتعزيز الفوائد للمجتمع.

ويشار إلى أن المنتجات الخالية من الدخان تتميز بمجموعة من الخصائص التي تجعلها بديلاً أفضل للمدخنين البالغين، إذ إنها تستند إلى تقنيات متطورة مصممة للقضاء على عملية الحرق، مما يقلل من التعرض للمواد السامة مقارنة بالسجائر التقليدية. وعلى ذلك، فإن الدعم العلمي لهذه المنتجات يجعلها خياراً أفضل لمن لا يرغبون في الإقلاع عن التدخين تماماً، ما يسهم في تحقيق تقدم ملموس نحو تقليل الأضرار الناجمة عن التدخين التقليدي.




العدوان على غزة يحرم الشابة أبو ختلة من حلمها في الأمومة

لميس الأسطل- تجلس الشابة ريم أبو ختلة في زاوية خيمتها؛ لتشاهد صور الأطفال على هاتفها، لتتسلل منها دموع صامتة على وجنتيها، تغطيها بابتسامة مقهورة على شفتيها بعد أن سلبها العدوان الإسرائيلي على قطاغ غزة بذرة أمل كادت أن تزرع داخل رحمها بعد تخصيبه؛ لتنبت منه طفلا يناديها “ماما”، بإغلاق المعابر وحرمانها من السفر للعلاج.

راودت أبو ختلة، البالغة من العمر 33 عاما، من محافظة خان يونس أحلام الأمومة منذ صغرها، متمنية حمل طفل بين أحشائها، ووهبه نبضا وحياة تحاول فيها قدر المستطاع رسم البسمة على وجهه وتلبية احتياجاته ومطالبه، لكن القدر كان له رأي آخر.

تقول: “تزوجت منذ خمسة أعوام، ولكن حرمنا أنا وزوجي من إنجاب الأطفال لمشاكل صحية؛ فبعد ستة أشهر توجهنا إلى الأطباء في قطاع غزة، وجميعهم أفادونا بعدم قدرتنا على الإنجاب إلا عبر زراعة طفل أنابيب”.

وتضيف أبو ختلة: “بعد فترة كبيرة من محاولاتنا بأخذ العلاج والأدوية والإبر الطبية، أجرينا العملية الأولى لزراعة طفل إلا أنها باءت بالفشل؛ فتأثرت نفسيا، وشعرت بالحزن الشديد، وبقي قلبي مكسورا حتى اللحظة؛ فتوجهت لأخذ مهدئات ومسكنات للقلق والتوتر؛ حتى أستطيع النوم”.

وتستكمل بصوت مرتجف: “لم أيأس وزوجي من هذا الأمر؛ فقمنا بادخار المال اللازم مرة أخرى، وبعت قطع الذهب الخاصة بي للسفر إلى مصر؛ للحصول على العلاج اللازم وزراعة طفل الأنابيب، وبعد استكمال كافة الإجراءات اللازمة وإدراج اسمينا على قائمة المسافرين في الثامن من أكتوبر عام 2023 طرقت الحرب أبوابها في اليوم السابق، فأغلقت نافذة الأمل لدينا”.

وتوضح أبو ختلة: “حرمني الاحتلال الإسرائيلي من أسمى حقوقي كامرأة “الأمومة”، فدوما ما أنظر إلى الأطفال من حولي وغيري من النساء الحوامل نظرة حسرة وألم، متحسسة بطني باستمرار، مغلقة عيني لأشعر باحتضان صغاري لي من حولي في مخيلتي”.

وتشير والدموع تنهمر من عينيها: “قلبي متعلق بالأطفال بصورة كبيرة؛ فأحنو عليهم وأحتضنهم بحب كبير، ولكن نظرة المجتمع لنا وصمة عار لعدم قدرتنا على الإنجاب، الأمر الذي يجعلني أتجنب الجلوس مع الناس، مكتفية بالانطواء على نفسي، محدثة ذاتي بكرم الله وإذا ما أعطى أدهشنا بعطائه”.

وتستكمل أبو ختلة حديثها قائلة: “خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حاولنا الذهاب إلى النقاط الطبية، لكن دون جدوى؛ فلم يكن هناك أي نوع من أنواع العلاج المتوافر، حتى أنني لجأت للعلاج العربي وقامت الطبيبة بإعطائي وصفة معينة، لكن مكوناتها لم تكن متوافرة وإن توافرت فبأسعار باهظة”.

وتتابع: “شعرت بغصة كبيرة في إحدى المرات، عندما جاءت مبادرة لتوزيع الخضراوات على العائلات في مخيمنا للنازحين، وعندما أظهرت لهم هويتي، اعتذروا مني قائلين إنه ليس لدينا أطفال، وبالتالي لا نعتبر عائلة، فلم يكن لنا نصيب منها”.

وتلفت أبو ختلة إلى أنها كانت دوما تبتاع الكثير من ملابس الأطفال وترتبها داخل خزانتها، متخيلة ابنها أنس؛ نسبة إلى خادم رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم-، وابنتها ماريا؛ نسبة إلى زوجته، يرتديانها وهما بين أحضانها.

وتصف إحساسها قائلة: “أشعر بسعادة لا مثيل لها تغمرني عندما أتخيل نفسي وأنا أشتم رائحة أطفالي، لكن سرعان ما تتحول هذه الرائحة إلى رائحة دخان إثر حرق مشاعري”.

وتروي أبو ختلة أنها رغم معاناتها وألمها الكبير إلا أنها تدعم النساء ممن حولها صاحبات القضية نفسها، مؤكدة دور الكلمة الطيبة في الدعم النفسي لهن، وعلى دعم زوجها لها ومساندتها في كافة الأوقات وتمسكها به رغم كل ما يقال.

وتختتم حديثها قائلة: “أرجو من جميع المنظمات الطبية والإنسانية مساعدتي في جعل حلم الأمومة لا يندثر، بعد أن  تحولت أوراقنا الطبية إلى أرشيف من الأحلام المؤجلة”.




طواحين وادي الفارعة “تبكي” حارسها الأخير

عبد الباسط خلف- استفاقت طواحين وادي الفارعة صباح الجمعة الماضي على رحيل حارسها الأخير علي مثقال الحمود، الذي ظل يسكنه الشوق طوال حياته لطواحين قريته الوادعة، فقد عاصرها قبل أفول نجمها، وكان أحد عناوين فلاحة أرضها.

وبكت وادي الفارعة بطواحينها وشيبها وشبابها في أول نهارات عيد الأضحى المبارك الحاج أبو مازن، الذي قضى جراء مضاعفات حادث سيرقبل نحو شهر.

وتستذكر “الحياة الجديدة” رواية الحمود التي باح بها قبل سنوات من توقف قلبه عن عشق قريته، واستعاد فيها شباب ينابيع الفارعة التي كانت تتدفق في الوادي بقوة، وأقيمت على حوافها 12 مطحنة قمح تعمل بالماء، وبقيت 3 منها تدور حتى عام 1972، وهي: الدبورية، والزكية، والمشاقية.

وظل الحمود، 79 عاما، يتذكر جيدا جمعه ورفاقه للأسماك من محيط عيون الفارعة، ولم تسقط من ذاكرته حكاية أمه عن أخه الأكبر أحمد الذي توفي بعدما غرق في إحدى الطواحين لشدة تدفق الماء.

ماء و”مندلينا”

ومما باح به المرحوم: كنا نمشي في “طريق تركيا” كل يوم من وادي الربيعية، ونصل بقايا جسر عثماني قديم، ثم نشاهد القادمين على الخيول والدواب، الذين يحملون القمح لطحنه.

وحسب شهادة الحمود، فقد اختفت طواحين الوادي: الميثلونية، والدبورية، والربيعية، والمشاقية، والطوباسية، والطمونية، والزكية، وأخواتها، وبقيت أطلال بعضها، وذكريات شفوية للذين شاهدوها، وهي تعمل بكل طاقتها أيام الحكم العثماني، ثم عاصرها الجيل التالي، فكان أصحاب الطواحين يجمعون الماء في خرطوم خشبي، ويدفعون به إلى حوض في أسفل البناء، وحين يصب الماء على الحجر المربوط بالأنبوب العلوي، يدور دولاب الطاحونة بقوة كبيرة.

ومما قاله الحاج أبو مازن إنه كان أساس الطواحين العمود الخشبي الذي يشبه محرك الجرار الزراعي الذي يشغل الأدوات الزراعية، فهو مربوط بحجر كبير في الأعلى، وحين يتحرك يبدأ طحن الحبوب، وإن أراد إيقاف الدولاب، يقترب من طاقة علوية مربوط فيها ألواح خشبية عريضة كان يسميها الأطفال “مندلينا”، حين تسحب يتوقف تدفق الماء عن فراشات المحرك، وإن أراد إعادة تشغيلها يسحب نحوه في جهة معاكسة. فيما كانت أسفل قناطير الطاحونة تسمى “النذر”، وهي منطقة مرتفعة تجري في داخلها المياه، وتحتها حوض الطاحونة في الأسفل.

واستنادا إلى إفادة الراوي الراحل، فإن طواحين الفارعة كلها كانت تسير بالتتابع، فحين يصل الماء لأول الطواحين وتدور رحاها، تنتقل المياه بسرعة إلى الطاحونة التالية، وهكذا وصولا إلى الطاحونة الأخيرة، عند جسر الملاقي (الذي يجمع وادي الفارعة بوادي الباذان)، وكلها في خط سير الوادي ذاته.

أجور وطحين

وحسب الحمود، فقد كان بعض أصحاب الطواحين يتقاضون ربع الدقيق بدل طحن الحبوب، وبعضهم يأخذ ثلث الطحين، ولم تكن النقود دارجة حتى توقفها عام 1972، ولم تجف ينابيع الوادي طوال عمل الطواحين، فقد كانت الأمطار غزيرة دائما.

وأضاف: كنت أزرع البطيخ والبندورة والخيار والفستق والشمام في الأراضي الوعرة فوق الوادي، وكنا نسحب الماء من آبار عديدة قبل جفافها، وفي مواسم المطر الجيدة كان الوادي يجمع كميات كبيرة من المطر ثم تشربها الأرض، أو تظل تجري حتى جسر الملاقي وتصل نهر الأردن. أما هذه الأيام فمياه الأمطار تتوقف فترة قصيرة، ثم تشربها الأرض، وقد بدأنا نعاني جفاف الآبار منذ بداية الثمانينيات.

اسـتأجر الحمود 30 دونما في المنطقة قبل عام 1967 بـ 60 دينارا لعشر سنوات، وكان يسحب المياه من المنطقة إلى سهل سميط، وحتى في الأراضي الوعرية كان وزن البطيخة الواحدة يفوق 20 كيلوغراما.

وحسب الراوي، فقد جفت بساتين الحمضيات في الوادي وينابيعه، ولم يتبق من طواحين الهواء إلا بعض الآثار المتداعية، وصارت بعض أماكن الطواحين مكرهة تجمع الخنازير، وتجمع ماء المجاري، وتلفظ مطاحن الحبوب آخر أنفاسها، بسبب انتشار المخابز الآلية، وتوقف معظم الناس عن صناعة خبزهم بأنفسهم.

وشيع أهالي وادي الفارعة الحاج الحمود، وفتح رحيله وجع ذكرياتهم على مصراعيها، فقد كان بكوفيته الحمراء وعكازه الأصفر، أحد رجالات القرية وأقدم مزارعيها، ومن أواخر حراس ذكريات طواحينها، التي اندثرت قبل نحو 50 عاما.

سيرة ومطاردة

ويقول ابنه البكر إن والده أبصر النور عام 1946، وتعلم حتى السادس الأساسي في قرية طلوزة، والتصق بالأرض وفلاحتها في سن مبكر، وتعرض لملاحقة جيش الاحتلال بعد وقت قصير من النكسة، ومنع من الحصول على رخصة قيادة.

ورزق الحمود بـ 5 أولاد و4 بنات، وله 70 حفيدا، وتعرض لحادث سير صعب خلال تحضير لزفاف حفيده الذي يحمل اسمه، وفصل لهذا الفرح المؤجل 3 بذلات رسمية، لكنهه رحل دون أن يرتديها.




معرض مريم لرانيا العامودي.. جدائل الذاكرة الفلسطينية في وجه الحرب

عبير البرغوثي- في غاليري “باب الدير” بمدينة رام الله، تعرض الفنانة الفلسطينية رانيا العامودي معرضها الفني الجديد بعنوان “مريم”، الذي يجسد حكاية بصرية تنطلق من الوجع الشخصي لتلامس ذاكرة الفلسطينيين الجمعية.

المعرض الذي يستمر حتى العشرين من حزيران الجاري، يضم خمسة عشر عملا فنيا تتنوع بين لوحات زيتية وأخرى بألوان الأكريليك على القماش، توثق فيها عبر اللون والشكل قصة التقطتها من لقاء سابق مع الطفلة “مريم”، التي تقاطعت حكايتها مع مشاهد الدمار والمعاناة اليومية في غزة ومخيمات شمال الضفة الغربية.

توثيق الذاكرة في مواجهة الغياب

في جميع لوحات المعرض، يتكرر حضور المرأة، والأطفال، والعائلة، والعرس، في محاولة واعية لتوثيق مفردات مهددة بالغياب بفعل الحروب والنكبات. تحرص العامودي على دمج المشاهد الداخلية بالمناظر الخارجية، في سرد فني يستكشف العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان في السياق الفلسطيني.

“مريم”: تجربة فنية تروي الوجع الفلسطيني

في معرضها الأخير، تتناول العامودي شخصية “مريم” التي ولدت من لقائها بامرأة فلسطينية أثناء عملها معلمة للتربية الفنية في شمال الضفة الفلسطينية المحتلة خلال انتفاضة الأقصى. تجسد اللوحات معاناة المرأة الفلسطينية، خاصة في غزة، وتظهر قوتها وصلابتها، لكنها في الوقت ذات تبرز هشاشتها الداخلية وآلامها. تظهر اللوحات مشاهد من الحياة اليومية، مثل ليلة الحناء الفلسطينية، حيث تجتمع النساء حول العروس، ويحيطها الخوف من الحرب في الخلفية. كما تصور أما تحتضن طفلها، بينما يقف آخر بعكاز بجوارها، في خلفية طبيعية تظهر شجرة زيتون، جبال بعيدة، وأرض قروية، تعكس الصراع القائم في الواقع.

“مريم”، بالنسبة لرانية العامودي، ليست مجرد طفلة، بل مرآة لذاكرة أكبر، لذاكرة أم وأرض وطفولة لم تعد كما كانت. هي شاهدٌ بصري على حكاية مستمرة، ترويها الفنانة بلغة اللون والخط، بعيدا عن الشعارات، وأقرب إلى الجوهر الإنساني للألم والمقاومة.

بين الفرح والخوف.. العرس الفلسطيني مشهدا

في إحدى أبرز لوحات المعرض، تصور العامودي مشهدا لليلة حناء فلسطينية، حيث تجتمع النساء حول العروس، يحطنها برداء أبيض. مشهد يبدو احتفاليا للوهلة الأولى، لكنه محمل بالخوف، إذ تحضر الحرب في الخلفية كظل لا يفارق المكان. تفاصيل صغيرة كصحن الحناء على الأرض، أو البساط المزخرف الذي يمتد خلف الأجساد، تحيل إلى رمزيات أكبر تتعلق بالمكان والزمان الفلسطينيين.

في لوحة أخرى، تتجلى مشاعر الفقد والمعاناة من خلال أم تحتضن طفلها بينما يقف آخر بعكاز بجوارها. الطبيعة في الخلفية – شجرة زيتون، جبال بعيدة، وأرض قروية- تبدو كديكور ثابت لأحداث متحركة، بينما يتقاطع الأسلوب العفوي في رسم الشخصيات مع الحدة الهندسية للخطوط والظلال، ما يخلق حالة من التوتر البصري تعكس الصراع القائم في الواقع.

من هي رانيا العامودي؟

بعيدا عن الألقاب والتصنيفات، تعرف الفنانة رانيا العامودي نفسها في حديث خصت بـ “الحياة الجديدة”، بأنها ما زالت في مرحلة التعرف إلى ذاتها، متأثرة بتجاربها وصدماتها التي تشكل هويتها الفنية. تعتبر الفن وسيلة للتعبير عن الذات، لا ترسم لأحد، بل ترسم لكي تعبر عن نفسها. بدأت رحلتها الفنية منذ الصغر، حيث كانت لوحتها الأولى في عمر ست سنوات. تخرجت من كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وتعمل حاليا كرئيس قسم الرسم في وزارة التربية والتعليم.

أسلوب “الحكواتي” في الرسم

تميل العامودي إلى تبسيط العناصر والتكوينات، متبنية أسلوبا أقرب إلى “الحكواتي”، حيث تسرد القصص من خلال لوحات توحي بالبساطة الشكلية، لكنها تحمل في طياتها طبقات من المشاعر والتأملات. تلتقط لحظات صامتة أشبه بصور فوتوغرافية، لكنها تحوي حركة داخلية تنبض بالحياة. يتجلى الطابع الهندسي في أجساد الشخصيات والمنظور المسطح للوحة، في استدعاء غير مباشر لأساليب رواد الفن الفلسطيني مثل إسماعيل شموط وسليمان منصور، مع تقديم بصمة خاصة تنتمي للعامودي وحدها، ممزوجة بعاطفة أنثوية وحس بصري حاد.

تجارب سابقة ومشاركات فنية

قبل معرض “مريم”، شاركت العامودي في معارض جماعية داخل فلسطين وخارجها، مثل معرض “على ناصية المجد” الذي نظمته جمعية إنعاش الأسرة في رام الله، حيث شاركت بلوحتين تهتمان بالفضاء الخاص بالمرأة الفلسطينية وتعكسان معاناتها وأحلامها وآمالها. كما شاركت في معرض “حضور” الذي تناول العلاقة بين الرجل والمرأة، مظهرة التوازن بين الطاقات الإنسانية. أيضا، تعاونت مع الكاتب زياد خداش في معرض “خمسة في واحد” الذي جمع بين النص القصصي والفن التشكيلي، مستعيدا تاريخ فلسطين.

رسالة إلى المرأة الفلسطينية

توجه العامودي رسالة إلى المرأة الفلسطينية، خاصة في غزة، قائلة: “لا أعلم ماذا أقول لها وأنا لا أعيش جزءا بسيطا من معاناتها في ذلك الواقع المجنون الذي فرض عليها. لا أعلم حقيقة ما تحتاج إلى سماعه، وهل فعلا هي تحتاج إلى سماع شيء ما؟ أم أنها تحتاج أولا إلى وقف فوري لهذا الجحيم الذي تعيشه؟” وتضيف: “على المرأة بشكل عام أن ترجع إلى داخل نفسها وتحرر نفسها من جميع الأفكار والمشاعر والتصرفات التي تحول دون إنسانيتها وكرامتها، ليتجلى لها واقع أفضل من ذلك الذي تختبره حاليا”.

نصيحة للشباب والشابات في عالم الفن التشكيلي

تنصح العامودي الشباب والشابات الذين دخلوا أو سيدخلون عالم الفن التشكيلي بأن يعتبروا الفن وسيلة للتحرر، وترى أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل. وتشدد على أهمية تنمية المهارات الأكاديمية في الفن، كونها نقطة انطلاق ناجحة وقوية في أي مسار فني يحدده الفنان لاحقا.

من خلال معرض “مريم”، تقدم رانيا العامودي شهادة بصرية عن الوجع الفلسطيني، مظهرة قوة المرأة الفلسطينية وصلابتها، وفي ذات الوقت، هشاشتها وآلامها. إنها دعوة للتأمل في واقعنا، ولإعادة النظر في مفاهيم القوة والضعف، الصمود والانكسار.