1

“نادي جنين”.. إرث وطني ورياضي يسبق النكبة

عبد الباسط خلف- تستلقي صورة بالأبيض والأسود تعود إلى عام 1940 على جدار نادي جنين الرياضي، وتبوح لقطة لفريق كرة قدم بالكثير من التفاصيل الشاهدة على حياة المدينة قبل النكبة، وتنقل إصرار مجموعة من شبانها على تشكيل مؤسسات عامة فيها تسبق الاحتلال.

وجلست المديرة التنفيذية للنادي يسرى أبو الوفاء، في صالة متفرعة عن أحد أقدم الأبنية القائمة في جنين كلها، وأحيطت بكؤوس رياضية، وأمامها العديد من الملفات، لكنها استهلت من الصورة الأقدم للنادي، التي التقطت خلال مباراة في مدينة بيسان، الجارة الشرقية اللصيقة.

واستعادت أسماء اللاعبين، الذين كتبوا بخط أزرق خلفها، ففيها حلمي المنصور، وسعيد الراشد عبد الهادي، حارس عرين النادي، وبجواره محمد سليمان يونس، وأحمد كامل السعدي، وصاحب مركز هجوم الوسط عبد القادر سليمان يونس، وعلى مقربة منه ياسين رشيد، ومعهما صاحب مركز الدفاع القادم من الخليل عدنان طهبوب، ثم محمد المسعود، وبجانبه فايز المنصور، وبعدهما مختار العبوشي، ورجا المنصور.

بيت تاريخي

وأشارت أبو الوفا، إلى أن المبنى الحالي للنادي مستأجر من عائلة العبوشي منذ 54 عاما، وهو بيت كبير أقامته الأسرة عام 1920 في أطراف البلدة القديمة، وقبلها كان مسكونا من عائلة تركية، قبل نهاية الحكم العثماني.

وأكدت أن النادي الحالي حقق بطولات عديدة منها وصوله إلى درجة المحترفين عام 2011، ونفذ أنشطة عديدة في السياق الاجتماعي والثقافي والشبابي، الذي تقوده هيئة إدارية من 9 من أبناء المدينة بينهم أكاديميون ورجال أعمال وشخصيات عامة، وتديره اليوم 7 سيدات، إضافة إلى عدة إداريين.

وتبعا لأبي الوفا، فإن النادي ترك بصمة في تاريخ المدينة وحقق أرقاما محترمة في كرة السلة وكرة القدم، واستطاع الفوز بمنافسات المصارعة الحرة، ويقدم اليوم برامج لتطوير المهارات المهنية، عدا عن التفريغ النفسي للنساء، والتطريز، والشمع، والخرز.

ناد ملاحق

فيما توقف رئيس النادي الأسبق، جهاد أبو سرور، مع الصورة أيضا، وأفاد بأن المؤسسة الرياضية أعيد افتتاحها عام 1992، بعد قرار الاحتلال إغلاقه خلال منتصف الثمانينيات، كرم الأحياء الظاهرين في الصورة، من بينهم الشيخ أحمد كمال السعدي، الذي تحدث كثيرا عن ذكريات التأسيس، وأصبح رئيس بلدية المدينة، وظل آخر الراحلين من بين أعضاء الفريق.

وأضاف أنه التقى بمن بقوا على قيد الحياة مطلع التسعينيات، كمحمد سليمان يونس أو (أبو سمير البوليس كما كان معروفا)، وأبو حسني اليونس، ومحمد المسعود. والمصادفة أن ياسين رشيد لاعب الفريق عام 1940 عاد إلى النادي عام 1992، وسأل عن الصورة، وقبل أن يشاهدها أخبر أبو سرور بأنه كان يرتدي قبعة، وعندما رأى نفسه تبرع بـ 100 دينار للنادي، لكنه توفي بعد نحو عام من زيارته.

واسترد أبو سرور قرار الاحتلال عام 1985 إغلاق النادي، بدعوى خروج خلية مسلحة من أعضائه، ووقتها جرى اتلاف أرشيف النادي ومقتنياته العتيقة وكؤوسه.

مجد ضائع

وقال بحسرة، إنه لا ينسى العودة إلى مقر النادي عام 1992، ويومها شاهد الدمار والركام في المبنى، وتحته ذكريات عريقة وتاريخ طويل، وبطولات كثيرة ظفر بها النادي قبل النكبة وبعدها، ولم يبق منها غير كأس قدمه السيد محسن حسن، لبطولة أقيمت عام 1980 تعود إلى الفوز على نادي سلفيت.

ووفق السارد، فقد كان عدد سكان المدينة قليلا جدا، وكان مركزها محصورا في البلدة القديمة، بينما جرى استئجار المقر الحالي عام 1970 على تخوم “السيباط”، وعام 1940 كان النادي في بدايات البلدة القديمة المعروفة بـ”دخلة موسى المحمود” القريب من شارع نابلس، واستمر حتى الستينيات.

ولخص أبو سرور، الذي كان مشرفا رياضيا قبل رئاسة النادي، أعمال “جنين الرياضي” قبل النكبة والنكسة، وأشار إلى أنها كانت محصورة في الأنشطة الرياضية، وبعض البرامج الثقافية، وقد ساعد وجود عدد من العاملين في مؤسسات جنين من خارج أبنائها في تطوير النادي كلاعب الدفاع في الفريق عدنان طهبوب، من الخليل.

وتفاخر الراوي بأن جنين سبقت الكثير من المدن الفلسطينية في تأسيس ناديها، كما أن إقامته كانت قبل نيل الكثير من الدول العربية لاستقلالها أو قبل إقامتها.

وتحسر أبو سرور على فقدان أرشيف النادي، الذي يعود إلى 84 عاما إلى الوراء، وتمنى لو كان حاضرا كالبطولات التي حصل عليها، والصور التي التقطها، والوثائق الأخرى التي تكتب سيرة رياضية عريقة للمدينة.

وأشار إلى عمليات دمج نهاية التسعينيات بين نوادي جنين جمعت النادي الإسلامي والنقابات ونادي أهلي جنين، الذين تحولوا فترة قصيرة لنادي اتحاد جنين، استمرت نحو 4 سنوات، وعاد “جنين الرياضي” بهويته السابقة.

وأنهى بأن ما يسمى الحاكم العسكري طالب إدارة النادي بتغيير اسمه، مقابل حصوله على دعم مالي، لكن الهيئة الإدارية رفضت، وردت بأنه ليس من حقها التصرف بجزء من تاريخ المدينة وذكرياتها.




“سنابل كنعان” تزهر في أطراف مرج ابن عامر

عبد الباسط خلف- راحت المعلمتان الفنانتان سندس فياض ودعاء نجيب تفككان رموز أطول جدارية في جنين، وأخذتا تشرحان معاني لوحاتهن التي أمضين نحو شهرين في رسمها على الجدار الشرقي لمدرسة برهان الدين العبوشي، في أطراف جنين ومرج ابن عامر.

وسارت الرسامتان بجوار عشرات اللوحات، التي اختزلت مراحل بارزة في تاريخ فلسطين، ونحتتا شعارات وكتابات وطنية، ونقشتا آيات قرآنية، واستحضرتا سنوات عجاف في التاريخ الوطني.

ملحمة ألوان

وقالت سندس وهي تضع لمسات النهاية على لوحة حاكت تاريخ اللجوء، إن الجدارية هي ملحمة حافلة بالألوان أرّخت لمراحل مفصلية في حياة شعبنا الفلسطيني، وانتهت بما يواجهه من تحديات جسام.

وأشارت خلال تدشين اللوحات، التي نفذتها جمعية إنسان للعمل الخيري ومديرية التربية والتعليم ومركز الطنطورة الثقافي وحركة “فتح”، إلى أن الجدارية الأكبر في جنين قدمت سيرة كنعان، مثلما وثقت الوطن خلال حريته، ونقلت وجع الخيام ومحنة التشريد، واستعارت رموزا لناجي العلي بأيقونة حنظلة، واستحضرت لوحة جمل المحامل لسليمان منصور.

وبينت فياض، المعلمة في المدرسة المستضيفة للجدارية، أن أسوار المكان صارت تنطق بعشرات الرموز والدلالات، وتقدم لوحة لفلسطين ومحكيتها الكبرى، وتنقل مفارقة تحول الخيمة من لونها الداكن عام 1948 إلى اللون الأبيض خلال العدوان الحالي، فصارت رمزا للموت.

وغيرت فياض رموز فحص النظر المتعارف عليها دوليا، وصبغتها بأحرف كلمة غزة في استعارة تفيض بالمعاني، كما قالت.

بينما كانت معلمة الرياضيات في المدرسة ذاتها، دعاء نجيب، والموهوبة بالرسم تتابع تناسق الألوان في الجدار الممتدة على 100 متر، والتي ترتفع لأربعة أمتار.

وشرحت لزوار المعرض سبب إطلاق “سنبلة كنعان” على العمل الفني، وقالت إن السنابل مستعارة من جنين وحقول مرج ابن عامر، بينما يعيدنا كنعان إلى جذورنا التاريخية العصية على الاقتلاع.

رياضيات وفن

وفسرت دعاء شغفها بالرسم، بالرغم من تخصصها المختلف تماما، وقالت إن الرياضيات علم قائم على المنطق، وهو أساس الهندسة والتناسب.

وقالت إن أخطاء الرياضيات لا يتحملها العقل، وهفوات الفن لا تستوعبها الأذن والعين.

وذكرت دعاء أنها ورفيقتها حرصتا على اختزال سيرة فلسطين الطويلة في الجدارية، عبر رموز جمعت الفن والسياسة والتضحية والمحنة والمقاومة والبقاء.

وأمضت سندس ودعاء نحو 60 يوم عمل في الرسم، وكانتا تصلان الليل والنهار لإنجاز الجدارية وقص شريطها في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وتداخلت ألوان العمل الفني وخطوطه، فباحت بالبلاد المفعمة بالحياة، ومجدت الثوب الفلسطيني، ثم انتقلت إلى النكبة وخيامها، وجسدت العدوان المتواصل من أكثر من 13 شهرا على قطاع غزة.

وتنافست محطات زمنية مهمة على الحضور في العمل الفني، الذي توقف عند إعلان الاستقلال، واستحضر وعد بلفور، ومزج بين ألوان أعلام سوريا والعراق والأردن ومصر واسترد تضحياتها في فلسطين، واستحضر احتضان الجزائر لإعلان الاستقلال.

400 متر

بدوره، ذكر مدير جمعية إنسان للعمل الخيري، فداء تركمان، أن افتتاح الجدارية عبرت عن سيرة فلسطين خلال 76 عاما، وأكدت في يوم التضامن مع شعبنا على توق فلسطين للحرية، وطيها لصفحات القهر.

وقال إن الجدارية الممتدة عبر 400 متر مربع، هي الأضخم في المحافظة، وتتفوق على جداريات في مدن مجاورة.

بينما وصف مساعد محافظ جنين، أحمد القسام الجدارية بلوحة تعكس حياة شعبنا الفلسطيني، وتعبر عن الصفحات الطولية التي عاشها طوال سنوات محنته.

وأشار مدير عام التربية والتعليم، طارق علاونة، إلى أن العمل يعكس قيم الارتباط بالأرض، إذ تقدمه معلمتان وتشاهده طالبات، وسيتحول إلى وجهة لتعليم التربية الوطنية في درس عمل وفي الهواء الطلق.

فيما أكدت مدير المدرسة، رابية ذياب، أن الجدارية تمثل رسالة إلهام للطالبات، اللواتي سيتعلمن عبر ألوان ورموز وشعارات الكثير من المفاهيم الوطنية، وخاصة أنهن شاهدن معلماتهن وهن يتطوعن على إنجازها عدة أسابيع.

وقالت الطالبة رغد أبو زيد إنها ستشاهد كل صباح اللوحات الممتدة على سور مدرستها، وستتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء، كما في أول الجدارية الجميلة والمليئة بالحياة، دون حروب ودمار كما رسم في نهايتها.

ورأى منسق مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، أحمد عمارنة، بأن “سنابل كنعان” يمكن أن تكون وسيلة تعزز مفهوم “القراءة من خلال الصورة”، وستكون أداة فاعلة تصلح للتأمل، ويمكنها تشجيع الطالبات على الإبداع.

سيد المكان

يشار إلى أن برهان الدين العبوشي، الذي تستضيف مدرسته العمل، أبصر النور في جنين عام 1911، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، والتحق بكلية النجاح لدراسة الثانوية، ثم انتقل إلى الكلية الوطنية بالشويفات في لبنان، والتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1933، ولم يتمكن من مواصلة دراسته لأسباب وطنية، فعاد إلى فلسطين وعمل موظفا في البنك الزراعي العربي (بنك الأمة العربية) في طبريا.

واشتهر الراحل بمناهضة الاحتلال البريطاني، فشارك في ثورة 1936، ووقف على رأس حملة توعية في القرى الفلسطينية للتحذير من الهجرة اليهودية، وكافح الاستعمار وهو في الخامسة عشرة، والتحق بجيش الإنقاذ وشارك في المعارك حول مدينته، وأصيب بجرح بالغ في كتفه، ولقب برائد المسرح الشعري، ووضع عدة مسرحيات إبداعية، وصدرت له 4 دواوين شعرية هي: “جبل النار”، و”النيازك”، و”إلى متى؟”، و”جنود السماء”، كما تقلد عام 1991 وسام القدس للآداب والفنون، ورحل عام 1995 في العراق.




التسعينية صبحية محاميد تستذكر جارها الشيخ القسام

عبد الباسط خلف- تبرز تجاعيد عميقة في وجه التسعينية صبحية يونس محاميد، ويحافظ لسانها على لهجته الحيفاوية، وتسكن ذاكرتها قصة جار عائلتها الشيخ السوري عز الدين القسام، الذي أشعل فتيل ثورة عام 1936، وارتقى في معركة مع جيش الاحتلال البريطاني في أحراش يعبد، نهار 19 تشرين الثاني 1935.

وروت أم صلاح، كما يعرفها أهالي قرية الطيبة، في أقصى شمال جنين، التفاصيل الصغيرة التي كانت شاهدة عليها في حي وادي الصليب بحيفا، عندما كانت تقيم مع عائلتها في بيت لمحمد مسعود جرار في المدينة الساحلية، استقر الشيخ القسام في طابقه العلوي.

لحية وابتسامة

ورسمت وصفا للجار والشيخ، فقد كان هادئا ومحبوبا، وقمحي البشرة، ولحيته بيضاء، ويرتدي بذلة سكنية اللون، وليست لديه كبرة، ويبتسم في وجه الناس، ولم يكن يميز في معاملته بين الأهالي، ويوزع عليهم كسوة العيد.

ومما تحتفظ به الحاجة صبحية، التي أبصرت النور في حيفا (نحو عام 1929 كما تقول الوقائع، بخلاف تحديد السن في بطاقتها الشخصية)، أن الحي الذي أقامت فيه كان تقطنه عائلات العوف، ومطر من غزة، بينما رحل القسام من الحي إلى بلد الشيخ (7 كيلومتر في الجنوب الشرقي للمدينة).

وقالت إنها كانت في السادسة من عمرها، عندما عرفت الجار الهادئ وطيب القلب والمبتسم، وتعاملت عن قرب مع زوجته الحاجة أمينة، وعلمتها القرآن ابنته ميمنة، ورأت ابنته عائشة (عيشة كما اعتادت محاميد على نطقها) وهي تحيك الملابس وتصلحها، بينما تخصصت خديجة في مساعدة والدتها بأعمال المنزل.

واستردت محاميد، دور القسام في إقناع والدها بإرسالها إلى مدرسة الجمعية، الذي كان يقول للشيخ إنها ما زالت صغيرة على التعليم، بينما كان محمد الابن الوحيد للشيخ يتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة البرج.

وأضافت وهي تبتسم، إن ابن الشيخ تعثر وكسرت رجله، وظل لا يستطيع المشي فترة من الوقت، ودرست هي للصف الرابع الابتدائي، وكانت ذكية.

وحسب الساردة، فإنها لا تنسى مديرة مدرستها فاطمة خانوم من الشام، ومساعدتها سلوى النبهاني من إجزم قضاء حيفا، وتلقت تعليما في الحساب والقرآن والنشيد، وتميزت بتجويدها للقرآن، ورفض والدها إرسالها إلى القدس لإكمال تعليمها.

موائد وكسوة

ومما التقطته محاميد واستقر في ذاكرتها، أجواء بيت عائلة الشيخ، إذ كانت زوجته تطبخ الطعام للضيوف وللفقراء باستمرار، بينما تخصصت الابنة عائشة في حياكة الملابس وترميمها وتوزيع الكسوة على أطفال حيفا.

وتابعت، وهي تحمل صورة للشيخ على هاتف متنقل، أن بيت عائلتها وأسرة القسام، القريب من درج الناطور بحي وادي الصليب كان يطل على حاكورة (حديقة صغيرة)، وخلال أيام العيد كان الشيخ يوزع العيدية على الأطفال.

ولا يغيب عن ذاكرة محاميد يوم وفاة اختها الكبيرة فاطمة وهي في عز الشباب بحيفا، عندما جاءت عائلة الشيخ القسام معزية ومتضامنة.

وأضافت أن قبر اختها ملاصق لقبر القسام في مقبرة بلد الشيخ بحيفا، وقد زارته أكثر من مرة، وجودت سورة الفاتحة.

وزادت: خرجنا من حيفا عام 1940، وهربنا إلى بيت جدتي بهية أيوب في الطنطورة (24 كيلو متر جنوب حيفا)، وكانت أمي صفية يوسف البطل من طيرة حيفا.

وحسب محاميد، فإن استشهاد مفجر ثورة عام 1936 كان بعد انتقاله إلى منزل جديد في بلد الشيخ، وتؤكد أن ذلك اليوم كان حزينا على الناس، فقد عرفوا أن شيخهم استشهد في أحراش يعبد.

وأكدت أن الأهالي لم يكونوا يعلقون صور القادة على الجدران، خوفا من بطش الاحتلال البريطاني.

أشعار وسيرة

أنجبت محاميد 6 أولاد و6 بنات، ولها عشرات الأحفاد، وتعيد لهم كثيرا سرد سيرة الجار الطيب، وتحفظ أشعارا قيلت في رثاء جار الطفولة، ومنها ما أبدعه الزجال الشعبي نوح إبراهيم (1913 – 1938)، الذي ارتبط بالشيخ القسام، وعندما استشهد رثاه بزجلية طويلة، لحنها وغناها وسجلها على أسطوانة، وذاع صيتها في عموم فلسطين، وكانت بالعامية بعنوان “عز الدين يا خسارتك”.

الغداء الأخير

بدوره، استذكر الخمسيني أحمد زيد، الذي أبصر النور في قرية نزلة زيد (شرقي يعبد وتبعد 19 كيلو مترا عن جنين) ما عرفه من والده الراحل من تفاصل استشهاد القسام، إذ كان الشيخ الثائر مدعوا لطعام الغداء في بيت عارف سليمان بري، في منطقة وادي الخشب، بقرية نزلة زيد، في منطقة أحراش يعبد، عندما حاصرهم جنود الاحتلال البريطاني، وخاض الشيخ ورفاقه معركة، انتهت باستشهاده.

وتابع زيد، كما أخبره والده، أن جثمان الشيخ أحضر على تابوت يشبه السلم، وسجي تحت شجرة توت بالقرية، قبل أن ينقل إلى مقبرة بلد الشيخ في حيفا.

وأكد أن مكان وضع الجثمان تحول إلى محراب اليوم، وفي منطقة قريبة منه أقيم مقام تخليدا لذكراه.

وبين زيد أن مكان استشهاد القسام موجود اليوم وراء جدار الفصل العنصري، وداخل مستوطنة شاكيد، ويحاول أحد المستوطنين فيها الزحف عليه.

بيت ووصية

ووفق ما نشره أحفاده، فقد أرسل الشيخ شقيقه فخري لبيع بيته لشراء سلاح للثورة في فلسطين، ثم انتقل وحده إلى حيفا، قبل أن يرافقه فخري وزوجته أمينة وبناته الثلاث، إذ إنه باع المنزل والجمال التي كان يملكها، واشترى بثمنها السلاح.

بينما كانت الجدة أمينة نعنوع (توفيت عام 1977) توصي أحفادها بزيارة فلسطين وقراءة الفاتحة على روح زوجها، وحاولوا البحث عن صور إضافية ومقتنيات من الأزهر الشريف بالقاهرة، غير أن مقتنياته الشخصية: المصحف ومفتاح البيت الحيفاوي، والمنديل، والمسدس فقدت.

وأكد أحفاده بأن جدهم لحظة استشهاده في أحراش يعبد كان في جيبه مصحفه ومسدسه الشخصي و10 جنيهات، وقد أعادها رفاقه الثوار إلى زوجته وابنه محمد.




الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى يحصل على جائزة الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية

حصل الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى، على جائزة الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية الدولية التي سميت هذا العام بـ”الأميرة العظيمة يليزافيتا فيودورفنا”، ليصبح أول فلسطيني وعربي يحصل عليها.

وفي حفل تسليم الجائزة الذي جرى بحضور حشد كبير من ممثلي الأوساط والمؤسسات المختلفة، تم الإعلان عن تميز الشاعر عيسى في الحركة الشعرية، والإبداعية، وحقل الترجمة، حيث قام بترجمة أعمال العديد من الشعراء والكتّاب الروس، وساهم في تعميق الروابط الثقافية والروحية.

واعتبر الشاعر عيسى أن منحه هذه الجائزة المرموقة، يعد دعما لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه المقدسة في مواجهة حرب الإبادة الجماعية والثقافية التي تنتهجها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ودعما لعدالة قضيته وحقوقه المشروعة بالحرية والعودة والاستقلال.

ويتزامن حصول الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى على الجائزة هذا العام، مع حلول الذكرى الـ142 على تأسيس الجمعية التي يرأسها السياسي المخضرم سيرغي ستيباشين.

يشار إلى أن الأمير سيرغي ألكسندر وفيتش والأميرة يليزافيتا، قد لعبا دورا مهما في تاريخ الجمعية التي تعتبر أقدم جمعية روسية، وكان لها دور في تعميق الاتصالات مع الأراضي المقدسة، بما في ذلك تنظيم موجات الحجيج الروس إلى فلسطين، وتقديم كافة أشكال المساعدات الإنسانية، وفتح المدارس في فلسطين، ثم في سورية ولبنان، وتخرج منها كتّاب ومترجمون أبرزهم: خليل بيدس، وسليم قبعين، وميخائيل نعيمة، وخليل سكاكيني.




شارع جنين العسكري في عين التخريب

 عبد الباسط خلف- جلس الشاب فادي صلاح على ناصية شارع فلسطين أو “العسكري” كما يتداوله أهالي جنين، وراح يراقب أعمال الصيانة، عقب جولة تدمير أخرى نفذها جيش الاحتلال على مدار يومين.

وقال وهو يروج لقهوته العربية في يوم خريفي، إنها المرة الرابعة هذا العام التي يتعرض لها الشارع لعمليات تجريف وتدمير واسعة النطاق، لكنها أكثر عمقا من سابقاتها.

ورأى صلاح بأن هدف جيش الاحتلال من تكرار استهداف البنية التحتية في جنين ومخيمها تحويل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، خاصة مع حلول الشتاء وتشكل الوحل.

وأحصى الشاب العشريني قرابة 45 اجتياحا لمدينته منذ مطلع العام الحالي، لكنه أشار إلى وجود ما اسمها “حصانة” لدى المواطنين لعدم اليأس.

بينما كان هادي حنتولي، وهو صاحب متجر لمواد البناء يتابع آليات راحت تزيل آثار الاقتحام في الشارع، أكد أن الاحتلال يتعمد تدمير الطريق بعد الانتهاء من صيانته، وهو ما حدث الصيف الماضي.

وأفاد بأن أهالي الحي والتجار أطلقوا مبادرة لصيانة الشارع بتبرعاتهم، وما أن انتهوا من ذلك عادت جرافات (D9) لجولة خراب جديدة.

وتبعا لحنتولي، فإن تخريب الشارع المقابل لمؤسسة عائلته التجارية دفعه إلى تناول دواء يمنع تجلط الدم؛ من شدة قهره على الطريق.

وتسبب تخريب الشارع، والكلام للشاب العشريني، في صعوبة وصول الزبائن إلى المنطقة، وتكدس الغبار عليها، كما تراجعت الحركة في الطريق الحيوي، وكأن الاحتلال صار يتخصص في ملاحقة الشوارع.

وراح موظفو شركة الاتصالات يبحثون عن كوابل شبكات الهواتف والإنترنت المقطوعة لإعادة ربطها، في عمل قال لؤي حنون، الموظف في إحدى الشركات المتعاقدة معها إنها تجري للمرة الرابعة، ومن الممكن أن تتكرر مرة أخرى.

ويضع حنون يده على قلبه مع كل اجتياح، خشية تخريب الأعمال التي تمت صيانتها في الشارع الواقع شمالي المدينة، واحتاجت إلى جهود مضنية.

رئة جنين

وتبعا لعبد الناصر أبو عبيد، وهو مدير شركة تأمين في الشارع، فإن تدمير الطريق الحيوي أثر كثيرا على قدرة الزبائن على الوصول إلى الشركة.

واعتقد بأن سبب تكرار التدمير في هذا الشارع، وفي جنين عموما تحويل المدينة إلى منطقة غير قابلة للحياة.

ورأى أبو عبيد بأن الطريق يربط طرفي جنين الحيويين ببعضهما البعض، ويعتبر رئة للمدينة، كما يشكل حلقة وصل بين طريقين حيويين.

من جانبها، بينت رئيسة قسم الهندسة في بلدية جنين، شيرين أبو وعر، أن الشارع العسكري تعرض للتدمير 4 مرات، واليوم تعجز البلدية عن إعادة صيانته على أكمل وجه؛ بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها، وعدم استجابة المقاولين للعمل دون تسديد ديونهم المتراكمة.

وأكدت أن البلدية بدأت بصيانة الشارع بعد وقت قصير من انسحاب جيش الاحتلال مساء الأربعاء، واستمرت طواقمها حتى الثالثة من فجر الخميس، وتسعى إلى إعادة فتح الطريق وتمكين المركبات والمارة من استخدامه.

وتخشى المهندسة من حلول الشتاء، لأن الطريق مسار لتصريف مياه الأمطار، وفي حال لم تجر صيانته وفق الأصول الصحيحة، فإن مصاعب كبيرة ستواجه المارة والمتاجر على طرفي شارع يمتد لأكثر من 2 كيلو متر.

طرق مستهدفة

وأكدت أبو وعر أن تكلفة تعبيد الطرقات وإنشاء قنوات لتصريف مياه الأمطار كلف جنين ومخيمها 29 مليون و600 ألف دولار خلال نحو عام، واستهدف الاحتلال طرقات بطول 45 كيلو مترا، عدا شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات.

ويبدأ الطريق من دوار الداخلية مرورا بدوار البطيخة فدوار الجلبوني وينتهي بدوار المنطقة الصناعية، ويشكل همزة وصل بين شارعي الناصرة الشرقي وحيفا الغربي، ويمر من أراض كانت زراعية خصبة حتى وقت ليس ببعيد، اشتهرت سابقا بزراعة البطيخ.

وقالت هبة الشيخ، التي كانت تمر من المكان إن والدها عمل مزارعا في الأراضي القريبة من الشارع، لكن بعد الزحف العمراني على الحقول تم تحويل القمح والبطيخ إلى رمزين من الإسمنت والمعدن وضعها على دوارين في الطريق.

واستنادا إلى محمد مسلماني، الذي أقامت عائلته أول بيت في منطقة الشارع عام 1977، فإن الطريق كان ترابيا، وعبده الاحتلال عام 1984 ليكون طريقا خارجيا يربط مقر ما تسمى “الإدارة المدنية” بشارع الناصرة، دون الحاجة إلى المرور من داخل المدينة.

وقال إن الاحتلال منع الأهالي من البناء في محيط الشارع لغاية 50 مترا من الجهتين، وكان مخصصا لمرور دوريات الاحتلال العسكرية والمستوطنين.

وأشار مسلماني إلى أن البلدية أعادت إنعاش الشارع عام 2011 ووسعته، ثم شهد طفرة في البناء وانتشار المتاجر، وهو اليوم يشهد عمليات تجريف لا تتوقف.