1

بوابة “الموت البطيء” تشل”بيت فوريك” و”بيت دجن” اقتصاديا

* حاجز عسكري شرق نابلس يحاصر 25 ألف نسمة ويضرب مقومات صمودهم

*ارتفاع الكلفة التشغيلية للمنشآت الصناعية والتجارية وتراجع بنسبة 40% في حجم المبيعات 

* الاحتلال يعطل توسعة مشروع زراعي حيوي ويصادر المعدات ويستولي على آبار مياه حيوية

*ساعات الانتظار الطويلة تحت الشمس الحارقة تتسبب بموت جماعي للطيور قبل أن تصل إلى المسلخ

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- في عمق الضفة الفلسطينية المحتلة، على امتداد الطرق المؤدية إلى بلدتي بيت فوريك وبيت دجن شرق نابلس، تقف “بوابة الموت البطيء” كما يسميها الأهالي. تعيش البلدتان يوميات من الحصار الخانق، حيث يختصر حاجز عسكري واحد حكاية المعاناة المستمرة منذ ربع قرن.

وفي ظل تصاعد الهجمة الاستيطانية على محافظة نابلس، تحولت الحواجز إلى أدوات عقاب جماعي، وعنوان رئيسي لعزل المواطنين عن محيطهم الجغرافي والاجتماعي.

حاجز بيت فوريك، الذي يقف ككتلة صلبة منذ عام 2000، لم يعد مجرد نقطة تفتيش، بل بات معول هدم للأنشطة الاقتصادية، ومعرقلاً للحياة الطبيعية لما يزيد عن 25 ألف نسمة.

تشديدات إضافية فرضت نهاية عام 2023، زادت من قسوة المشهد، إذ أن بوابة حديدية واحدة تتحكم بمصير آلاف الطلبة، والعمال، والمرضى، والمزارعين، فيما تواصل قطعان المستوطنين اقتحاماتها المتكررة لقبر يوسف تحت حماية جيش الاحتلال، لتتحول معها حياة المواطنين إلى انتظار مرير على الحاجز، انتظار قد يكون ثمنه الحياة نفسها.

خسائر باهظة

يروي محمد كريم فرسان شاهين، صاحب مسلخ  للدواجن في بيت فوريك، حجم الكارثة التي يعيشها يوميا نتيجة وجود الحاجز الاحتلالي الذي يحاصر بلدته.

يقول شاهين: “عندي سيارات مخصصة لنقل الدجاج الحي من المزارع، كل سيارة تحمل بين 3000 إلى 4000 طير، وبمجرد توقفها على الحاجز ثلاث أو أربع ساعات يعني كارثة بين 500 إلى 600 طير يموت في كل شاحنة… وحظك نصيبك، ممكن أكثر”.

ويوضح انه الأسبوع الماضي فقط، وخلال موجة الحر الشديدة، فقد شاهين 1500 طير، رغم اتخاذه جميع التدابير الوقائية الممكنة؛ من نقل الطيور في أماكن مهواة، إلى استخدام المراوح، ورش الماء، لتقليل معدل النفوق، لكن مهما كانت الاحتياطات، فإن ساعات الانتظار الطويلة تحت الشمس الحارقة تتسبب بموت جماعي للطيور قبل أن تصل إلى المسلخ.

ضربة مزدوجة.. العمال والطلبيات

لم تقتصر الأضرار على الثروة الحيوانية فقط. فقد أشار شاهين إلى أن عماله، الذين يدخلون من خارج البلدة للعمل في المنطقة الصناعية، يقضون ساعات على الحاجز بانتظار السماح لهم بالمرور.

يقول شاهين بمرارة: “تأخير العمال معناه تأخير الإنتاج… وعندما يتأخرون، نضطر إلى إلغاء بعض الطلبيات التي حصلنا عليها، وفي النهاية نخسر زبائننا وثقتهم”.

ويتابع أن هذا التأخير تسبب بفقدان عقود كانت موقعة مع محلات الشاورما والمطاعم، التي اتجهت إلى مسالخ أخرى أكثر قدرة على الالتزام بالمواعيد، بسبب ما وصفه شاهين بأنه “الشلل المفروض قسرا بفعل الحصار”.

ارتفاع في التكلفة التشغيلية

أما الكلفة التشغيلية، فقد شهدت ارتفاعا حاداً منذ بداية التشديدات، يشير شاهين إلى أن استهلاك الديزل لشاحناته ارتفع بشكل لافت: “قبل الأزمة، كانت المصاريف معقولة، اليوم مصروف الديزل وحده قفز إلى عشرة آلاف شيقل شهريا، فقط بسبب الانتظار على الحواجز.”

وبحسب تقديرات شاهين، فإن العمل تراجع بنسبة 40% منذ عام 2023 وحتى اليوم، نتيجة التشديدات والقيود المفروضة على الحركة.

ما يحدث في هذا الإطار ليس مجرد معاناة فردية، بل نموذج مصغر عن كارثة اقتصادية تضرب بيت فوريك وبيت دجن المجاورة، وعدم استقرار تجاري.

الحاجز سلاح تعذيب يومي

في شهادة مؤثرة، تحدث الناشط في العمل الشعبي مناضل حنني عن حجم الضغوط التي تتعرض لها بلدتا بيت فوريك وبيت دجن بفعل الإجراءات الاحتلالية التعسفية، موضحا أن الحاجز العسكري تحول إلى أداة عقاب جماعي تستنزف حياة الأهالي على مختلف الأصعدة.

بدأ حنني حديثه بالإشارة إلى مشروع تنموي زراعي ضخم نفذ خلال العامين الماضيين، قائلا: “أقمنا شبكة مياه زراعية حديثة في السهل الممتد بين بيت فوريك وبيت دجن، استفاد منها أكثر من 250 مزارعا، وكل هؤلاء باتوا يعتمدون يوميا على حركة التنقل لجلب منتجاتهم إلى سوق نابلس المركزي”.

لكن مع تشديد الحواجز والإعاقات المتعمدة، أصبحت حركة السير اليومية تحديا مرهقا، ولم تقتصر المعاناة على المزارعين فحسب، بل شملت شريحة واسعة من الطلبة والعمال.

وأوضح حنني أن هناك أكثر من 300 طالب وطالبة من بيت فوريك وبيت دجن يدرسون في جامعة النجاح الوطنية وحدها، بالإضافة إلى نحو 150 طالباً وطالبة في جامعات وكليات أخرى، جميعهم مضطرون يوميا لعبور الحاجز.

إلى جانبهم، آلاف العمال الذين يتوجهون للعمل في نابلس أو في ورش البناء، ما يجعل البلدتين تشهدان يوميًا حركة خروج ودخول تتجاوز 700 مركبة ما بين سيارات عمومية وخاصة.

أداة تنكيل مقصودة

وصف حنني طبيعة المعاناة اليومية أمام الحاجز قائلا: “التفتيش اليومي، الإعاقات المتعمدة، والمعاملة المهينة، كلها تهدف إلى تنغيص حياة الناس. وأحيانا تكون هذه التصرفات فردية من قبل الجنود”.

وأشار إلى أن بعض الأيام تشهد إغلاقا كليا للبوابة دون سابق إنذار، ما يعرقل وصول الطلبة إلى جامعاتهم والعمال إلى ورشهم والأطباء والموظفين إلى أماكن عملهم.

اقتحامات مستمرة… ورسائل نفسية مدمرة

لم تقتصر ممارسات الاحتلال على الحاجز فحسب، بل أصبحت الاقتحامات اليومية لبيت فوريك جزءا من معاناة المواطنين،  حيث يرى حنني أن الهدف منها مزدوج: أولا: إيصال رسالة للسكان بأن الاحتلال موجود دائما في حياتهم، وأن عليهم التعايش مع هذا الواقع القسري، وثانيا، دفع بعض الأفراد، خصوصا ممن أنهكتهم الضغوط النفسية والاجتماعية، إلى التفكير بالهجرة أو النزوح إلى مناطق أخرى خارج البلدتين.

يكمل الناشط مناضل حنني شهادته حول الوضع الكارثي الذي تعيشه البلدتان، مؤكداً على أن الحاجز العسكري، الذي يشكل المنفذ الوحيد للسكان، بات أداة تدمير يومي لحياتهم.

يقول حنني: “لا يوجد أي مدخل آخر للبلدتين، والطرق المحيطة أصبحت خاضعة بالكامل لسيطرة المستوطنات”.

ويتابع أن المنطقة الواقعة بين البلدتين تضم منطقة صناعية نشطة تحتوي على مصانع للطوب والباطون والبلاط، جميعها تقع بعد الحاجز، ما جعلها تدفع ثمن التشديدات العسكرية بشكل مباشر.

الاقتصاد في حالة شلل شبه كامل

من موقعه كعضو سابق في المجلس البلدي، أوضح حنني أن الحركة الاقتصادية كانت نشطة، حيث كانت تصدر أسبوعيا بين 10 إلى 15 رخصة بناء أو تعديل مشاريع جديدة، لكن مع اشتداد القيود والحصار على الحاجز، انخفض العدد إلى رخصة أو اثنتين بالكاد شهريا.

يوضح حنني أن المواطنين اليوم بالكاد يفكرون في تأمين قوتهم اليومي بدل التفكير في المستقبل، بفعل الانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار.

استهداف ممنهج للبنية التحتية

لم يتوقف الاحتلال عند تشديد الحصار، بل تعداه إلى استهداف مشاريع حيوية.

يوضح حنني أن قوات الاحتلال اقتحمت مؤخرا بلدة بيت دجن وعطلت توسعة مشروع زراعي حيوي وصادرت كافة المعدات، كما هاجمت ما يسمى بـ” سلطة المياه” الآبار الزراعية في المنطقة، وصورتها بدقة، ما ينذر بنية الاحتلال لإغلاقها، ما سيؤدي إلى شل النشاط الزراعي بالكامل.

وينوه إلى أن هناك خوف كبير بين الأهالي من أن تكون هذه الاقتحامات تمهيدا لضرب آخر ما تبقى لنا من مقومات الحياة، مؤكدا آن ما يجري هو سياسة عقاب جماعي مدروسة، تشمل: إغلاق الحاجز بشكل مفاجئ، واقتحام البلدة وتخريب الممتلكات، ومصادرة آبار المياه الحيوية، ومنع التوسع العمراني في مناطق التصنيف (ج)، ومصادرة المعدات الثقيلة مثل الحفارات.

وشهدت بيت فويك مصادرة أكثر من خمس حفارات خلال فترة قصيرة، ما كبد اصحابها مخالفات مالية ضخمة، ورسوم أرضيات للمعدات المصادرة.

ويؤكد حنني أن  كل هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى خنق مشاريعنا، بل إلى إحباط أي فكرة للتنمية، وزرع الخوف والتردد الدائم في عقول الناس.

في ختام حديثه، شدد حنني على أن بيت فوريك وبيت دجن أصبحتا ساحة صراع يومي بين إرادة الحياة والإرادة الإسرائيلية لكسر الروح الجماعية للصمود.

في حديث خاص لـ”الحياة الجديدة”، كشف رئيس بلدية بيت فوريك، حسين حج محمد، عن حجم المعاناة التي تفرضها سياسات الاحتلال عبر حاجز بيت فوريك العسكري، الذي وصفه بـ”السجن الكبير المفتوح”، والذي يقف حائلا أمام حركة أكثر من 25 ألف نسمة من سكان بلدتي بيت فوريك وبيت دجن شرق نابلس.

ويوضح محمد أن هذا الحاجز عندما يغلق يتحول المشهد إلى عزلة تامة. لا مداخل أخرى، ولا طرق بديلة، فالمحيط محاصر بالشوارع الالتفافية والمستوطنات الاستيطانية التي قطعت صلة البلدتين بأي قرى مجاورة”.

ويشير إلى أن الإغلاق المتكرر يتسبب بشلل تام في حركة الطلاب الجامعيين، والموظفين، والعمال، وحتى المرضى. وأردف بلهجة يغلب عليها الأسى: “حدثت حالات إجهاض على الحاجز، بل سجلنا حالات وفاة بسبب منع مرور سيارات الإسعاف في الوقت المناسب. الحاجز لا يعيق فقط الحرية بل يهدد الحياة نفسها”.

ويضيف أن مع كل اقتحام ينفذه المستوطنون لقبر يوسف، يتم فرض إغلاق شامل على الحاجز يستمر من 6 إلى 10 ساعات متواصلة، يتم خلالها عزل بيت فوريك وبيت دجن عن العالم، تحت ذريعة “الاعتبارات الأمنية”، وهي الحجة التي وصفها بأنها مجرد غطاء لممارسة العقاب الجماعي بحق الأهالي.

التكاليف تضاعفت ثلاث مرات

ويؤكد رئيس بلدية بيت فوريك، في حديثه، عن حجم الأضرار البالغة التي لحقت بالمواطنين وأصحاب المصالح التجارية في بلدتي بيت فوريك وبيت دجن، نتيجة التشديدات العسكرية المفروضة على الحاجز الاحتلالي المقام على مدخل البلدتين.

ووصف الوضع قائلا: “بسبب وجود الحاجز، والتشديدات التعسفية عليه، المواطن هو الخاسر الأكبر، فأصحاب الدكاكين الصغيرة ومحال الخضار والمواد التموينية الذين يعتمدون على جلب بضاعتهم من نابلس أو جنين أو من أي مدينة أخرى بالضفة، وجدوا أنفسهم أمام ارتفاع حاد في التكاليف، بلغ ثلاثة أضعاف الكلفة السابقة.”

ويتابع أن هذا الارتفاع الفاحش دفع التجار لرفع أسعار السلع، مما انعكس مباشرة على المستهلكين الذين يعيشون ظروف اقتصادية صعبة.

ويوضح حج محمد أن رجال الأعمال والمقاولين المحليين، الذين يملكون مصانع أو شركات، لم يسلموا بدورهم من هذا الضرر، يشير الى ان أي مشروع أو شحنة كانت تنجز في ستة أشهر، اليوم تخسرها وتستنزفها في تسعة أشهر، بسبب التأخيرات على الحاجز أو الإغلاقات المفاجئة.

حاجز يتحكم به “مزاجية الجنود”

ويوضح أن البوابة التي تتحكم بحركة الدخول والخروج إلى البلدتين، تخضع لمزاج الجنود ولا تفتح أو تغلق وفق جدول زمني محدد، مما يجعل حياة الأهالي رهينة قرارات آنية وغير مفهومة.

وصف حج محمد المشهد قبل وبعد تشديدات الحاجز بالقول:” قبل هذه الإجراءات، كانت البلدتان تستقبلان يوميا عشرات الباعة المتجولين وأصحاب المصالح التجارية، وكانت المسافة بين بيت فوريك وسوق نابلس المركزي تقطع في خمس دقائق فقط، كون المسافة لا تتجاوز أربعة كيلومترات. أما اليوم، فأصبح الوصول يتطلب ساعات طويلة من الانتظار على الحاجز، ما تسبب في مضاعفة مصاريف المحروقات، فمثلا ما كان يكلف المواطن عشرين شيقل من الوقود، أصبح يكلفه أربعين شيقل”.

ارتفاع تكاليف النقل والتخلي عن السيارات الخاصة

لم يتوقف التأثير عند هذا الحد، بل شمل أيضا ارتفاع أجور المواصلات بشكل ملحوظ، حتى أصحاب السيارات الخاصة بدأوا بالتخلي عنها مجبرين، مفضلين الاعتماد على سيارات الأجرة، لتقليل استنزاف النفقات اليومية.

كما تراجع حضور الباعة المتجولين بشكل كبير، نتيجة صعوبة الوصول إلى البلدتين، ما أدى إلى ضرب الحركة التجارية.




مليكة.. طفلة ولدت من حرية مؤجلة

 حنين خالد- في السابع عشر من نيسان من العام الماضي، لم يكن يوم الأسير الفلسطيني كما في كل عام، فقد أطلت فيه “مليكة” على الحياة لتحتفل بعيد ميلادها الأول، ولتضيف معنى جديدا لهذا اليوم، كأنها ولدت من رحم الحرية، عبر نطفة محررة من داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم فرحة الحياة، لم تنعم مليكة بعد بحضن والدها الأسير سعيد حثناوي، المحكوم بالسجن لمدة 35 عاما، والمعتقل منذ 19 عاما، الذي لم يدرج اسمه في قوائم صفقة التبادل الأخيرة.

تقول والدتها مجد: “كنت أعيش على أمل أن تشمل الصفقة اسم سعيد.. قرأت القوائم مرة واثنتين وخمس مرات، كنت أكرر الأسماء وأعيدها في كل مرة أمسك بها، لكن الأمل كان يخيب في كل مرة”.

وتروي مجد تفاصيل ولادة الأمل من قلب العتمة: “منذ البداية، اتفقنا على إنجاب طفل حتى لو كانت الظروف قاسية، وبدعم من الأهل ونادي الأسير، تمت العملية في مركز رزان للإخصاب بإشراف الطبيبة فاتن”. وتضيف: “أقمنا حفلة بسيطة في القرية لإشهار الحمل، واليوم بعد عام، نحلم أن تكتمل فرحتنا بحضوره بيننا”.

ورغم الصعوبات، صممت مجد على الاستمرار في الحمل بعد أن أخبرها الأطباء في الشهر الثالث بوجود احتمال إصابة الجنين بمتلازمة داون.

تقول: “لم أيأس، أجريت كل الفحوصات اللازمة واستشرت أطباء آخرين، وتبين أن الجنين سليم. كان من أصعب المواقف التي عشتها، لكن الإيمان أقوى من الخوف”.

المحامي أنس صلاح من هيئة شؤون الأسرى والمحررين، نقل مشاعر الأسير سعيد خلال أول زيارة بعد انقطاع طويل منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث يعيش الأسرى في ظروف مأساوية وسط تصعيد الاحتلال وانتهاكاته، من تعذيب وإهمال طبي وسوء تغذية، أدت إلى استشهاد عدد منهن.

وفي لحظة إنسانية مؤثرة، تحدث الأسير سعيد بشوق ولهفة عن ابنته: “هل نطقت كلمة بابا؟ هل خطت خطواتها الأولى؟ من أمسك يدها؟ هل بدأت تطلع أسنانها؟” أسئلة يرددها الأب خلف القضبان، دون إجابات سوى دموع الانتظار، ربما محاولا اختصار المسافات حتى يحتضن ابنته ويطوي مسافة الحرمان ليكون بجوارها في مشوارها.

وتكشف مجد عن تحديات قانونية تواجه أطفال النطف المحررة، خصوصا في الضفة وغزة، حيث يطلب فحص DNA لإثبات النسب كشرط للزيارة، ما يشكل نوعا من الابتزاز النفسي والقانوني للأمهات والأطفال، إضافة إلى حرمانهم من السفر أو استخراج وثائق رسمية.

تقول مجد: “إسرائيل تتعامل مع أطفال النطف كما تتعامل مع من ولد قبل اعتقال الأب، دون اعتبار للظروف أو الشرعية الإنسانية لهذا الفعل. لكن هذه القضية ليست عشوائية، بل قائمة على أسس دينية ووطنية واجتماعية”.

وفي بيتها الصغير الكائن في قرية بيت سيرا غرب رام الله، تواصل مجد بناء صورة زوجها في خيال طفلته مليكة، رغم أنها لم تره بعد. تضع أمامها صوره القليلة، وتحكي لها عن نضاله، بصوت تختلط فيه القوة بالشوق. تقول: “لا أعلم إن كانت تفهم ما أرويه، لكني أحاول أن أزرع فيه حضور والدها، إلى أن يأتي اليوم الذي يضمها فيه إلى صدره”.




لون نراه لكنه غير موجود.. وعلماء يؤكدون “إنه مجرد خدعة”

لاشك أن عشاق اللون الأرجواني سيصدمون عندما يعلمون أن لونهم المفضل غير موجود في الواقع.

فقد وجدت دراسة جديدة أن الدماغ البشري هو من يُنتجه بكل بساطة.

وفي التفاصيل أوضح العلماء أنه عندما نرى خطوطا موجية حمراء وزرقاء من الضوء في آنٍ واحد، ترتبك العينان والدماغ لأن هذين اللونين يقعان على طرفي نقيض من طيف الضوء المرئي، حسب ما نقلت صحيفة “ديلي ميل”.

يجمع الأزرق والأحمر

وللتعويض عن ذلك، يُثني الدماغ الطيف على شكل دائرة، فيجمع الأزرق والأحمر ليُنتج اللون الأرجواني.

ومع أن هذا اللون “حقيقي” بمعنى أننا نراه، إلا أنه ناتج عن محاولة الدماغ حل الالتباس بين طولين موجيين متعاكسين للضوء، وفق ما جاء في الدراسة العلمية.

فعندما يدخل الضوء إلى عينيك يصطدم بخلايا خاصة تُسمى “المخاريط”، التي تساعد على رؤية الألوان، وهي 3 أنواع، نوع للأطوال الموجية القصيرة (المخاريط S، التي تستشعر الأزرق والبنفسجي)، ونوع للأطوال الموجية المتوسطة (المخاريط M، التي تستشعر الأخضر والأصفر)، ونوع للأطوال الموجية الطويلة (المخاريط L، التي تستشعر الأحمر والبرتقالي).

إذ يستجيب كل نوع من المخاريط لجزء مختلف من طيف الضوء المرئي.

فعندما يسقط لون معين من الضوء على العين، يتم تنشيط المخاريط المقابلة. ثم ترسل هذه الخلايا الخاصة إشارات عبر العصب البصري إلى الدماغ. فيستقبل المهاد، الذي يعالج حواس جسمك، الإشارات ويبدأ في عملية فهم ما تراه.

ثم تنتقل الإشارات إلى القشرة البصرية، حيث يحلل الدماغ المخاريط التي تم تنشيطها ومدى قوتها. ويستخدم هذه المعلومات لتحديد اللون الدقيق.

فإذا كان الضوء بين لونين- مثل الأزرق والأخضر- يُنشّط المخاريط S وM. فيقارن الدماغ مقدار تنشيط كل مخروط لتحديد اللون النهائي.

أكثر من مليون لون

ويسمح لنا هذا النظام برؤية ليس فقط الألوان الأساسية، بل أيضًا الألوان المختلطة والدرجات بينها، مثل الأزرق المخضر أو الفيروزي.

علما أنه إجمالاً، تستطيع أعيننا ودماغنا تمييز أكثر من مليون لون مختلف.

لذا قد يظن البعض أن الدماغ قد يُعالج اللون الأرجواني بنفس الطريقة.

لكن لأن الأحمر والأزرق يقعان على طرفي نقيض من طيف الضوء المرئي، فلا ينبغي أن يختلطا معًا لتكوين لون جديد، على الأقل وفقًا لأدمغتنا.

لذلك يتعثر الدماغ عند تنشيط كلٍّ من المخاريط S (الضوء الأزرق/البنفسجي) والمخاريط L (الضوء الأحمر).

وللتغلب على هذا الالتباس، يُقوّس الدماغ طيف الضوء المرئي على شكل دائرة بحيث يلتقي الأحمر والأزرق/البنفسجي، مما ينتج عنه اللون الأرجواني.

وهكذا، تُقنعنا أدمغتنا بأننا نرى لونًا غير موجود في الواقع.

على الرغم من تلك الحقيقة المفاجئة، لا شك أن اللون الأرجواني لا يزال يشكل أحد الألوان المفضلة للملايين من البشر حول العالم.




مخيم بلاطة… وجع الاجتياحات المتتالية

بشار دراغمة- فجر أمس الأربعاء، وبينما كان مخيم بلاطة يحرق من جديد في تنور نار الاحتلال. لم يكن الصبح نقيا بما يكفي ليغسل وجوه البيوت المتعبة وكأن الفجر حمل معه ثقل قرون من الوجع الذي يتجدد مع كل عمليات اقتحام تالية بينما يتغير حجم هذا الثقل تبعا لحجم عملية الاقتحام أو الاجتياح.

بدأ الموت جولته المعتادة في مخيم بلاطة، ذلك المكان الذي تعلَّم أن يستيقظ على أصوات إطلاق النار والانفجارات، وأن ينام على صدى الرصاص، لم يكن فجر أمس سوى رقم إضافي في رزنامة الجراح، لكنه كان الأشد وطأة، وفق روايات شهود عيان.

الصحفي جمال ريان الذي يعيش في المخيم تحدث عن مشاهد باتت فيه وصفها ممتدة لما يحدث في مخيمات جنين وطولكرم.

قال ريان: “أكثر من 500 جندي ينتشرون مشاة في أزقة المخيم، نشاهدهم ينسلون من العتمة ككابوس يملأون الزقاق بخطوات ثقيلة، لا يحملون سوى الحقد، ولا يعرفون سوى لغة الاقتحام من منزل لآخر”.

وأضاف ريان: “ينتقلون من بيت إلى بيت، كأنهم يجردون الحجر من خصوصيته. لا يطرقون الباب، بل يخلعونه، ولا يفتشون، بل يقتلعون، كل منزل هو اشتباه، وكل مواطن هو تهمة، ففي لحظات تحولت غرف النوم إلى ساحات تحقيق، وتحولت الأمهات إلى دروع بشرية”.

وقال ريان إن الوصول إلى المنازل التي تتعرض للاقتحام في المخيم مهمة مستحيلة لكن ما يتناقله المواطنون الذين تعرضت منازلهم للاقتحام يكشف حجم الجريمة التي تعرض لها مخيم بلاطة من عمليات تنكيل وتدمير.

وأضاف: “خربوا كل شيء، عبثوا بالصور، مزقوا المذكرات، قلبوا الأسرة كأنهم يبحثون عن وطن مدفون تحت الوسائد، يحتجزون المواطنين في غرفة واحدة”.

وأفاد ريان أنه رصد اعتقال مواطنين من قبل سلطات الاحتلال بالإضافة لعمليات اعتقال طالت عشرات الشبان.

وسط هذا المشهد المذبوح، وصلت سيارة إسعاف كانت تحمل مريضا أو مصابا يتأرجح بين الحياة والموت، أوقفها جنود الاحتلال وفتشوها كما يفتش القلب في لحظة خيانة. سائقها صرخ: “الوقت لا ينتظر!”، لكنهم كانوا أسرع من الزمن، أبطأ من الرحمة”.

صور رصدتها الكاميرات لسيارات الإسعاف وهي تستوقف تلك السيارة التي منعوا مرورها، لم يتركوا لها سوى الصمت رغم أن كل ثانية كانت تأخيرا في نبض، كل دقيقة كانت جريمة.

أما الصحفيون، أولئك الذين ظنوا أن الكاميرا درع، فقد طالتهم يد القمع على مداخل المخيم اصطفوا، أرادوا أن يكتبوا الحقيقة بالصورة، لكن الحقيقة هنا لا تنشر بل تقمع، قنابل الغاز أطلقت كأنها رسائل كراهية، وكأن الصورة صارت جريمة.. رواية أكدها عدد من الصحفيين.

محمد عامر شاهد عيان آخر قال إن الاحتلال يعرف إنه لا يبحث عن شيء في المخيم سوى الدمار والخراب.

وأضاف عامر: “بدأوا يتسللون من أطراف المخيم كأشباح تمشي على جراحنا، ثم ما لبثوا أن استباحوا كل شيء، فكل باب كان يفتح، يفتح بصرخة أو بانفجار، وكل منزل يقتحم، يهدم من داخله، لا بجرافة بل بغل بشري لا يعرف الرحمة”.




معرض للكتاب العربي… باسمة التكروري لـ “القدس”: تظاهرة ثقافية لتسليط الضوء على الإبادة في غزة

 جمع أكثر من خمسين كاتبًا وفنانًا وعشرين دار نشر ومنصة عربية

معرض للكتاب العربي بكندا يتزامن مع إطلاق رواية “الإمام” وتأسيس دار نشر فلسطينية كندية

باسمة التكروري لـ “القدس: أنها تظاهرة ومنصة للمقاومة الثقافية لتسليط الضوء على حرب الإبادة الجارية في غزة بالأدب والموسيقى والفخر بالهوية 

 اختتمت في مدينة ميسيساجا الكندية أول دورة من معرض ميسيساجا للكتاب العربي، الذي عُقد يومي 5 و6 من الشهر الجاري في مقر البيت الفلسطيني، وجاء بتنظيم من الكاتبة والروائية المقدسية باسمة التكروري، مديرة مؤسسة نواة للإنتاج الثقافي والفني، بالشراكة مع All Arts StudioوMiami Production،. وبدعم من مؤسسات ثقافية فاعلة مثل بيت الخيال في تورنتو، منتدى الشرق، ومنظمة حنين، وبرعاية من شركة مصرواري في ميسيساجا.

وقال التكروري ل(القدس):” لقد شكّل المعرض سابقة ثقافية على مستوى الجالية العربية في كندا، إذ لم يكن مجرد فعالية أدبية بل منصة للمقاومة الثقافية، خُصصت هذا العام لتسليط الضوء على الإبادة الجارية في غزة، حيث عبّر المشاركون من كتّاب وفنانين ومنظّمين ثقافيين عن التزامهم الأخلاقي والوجداني تجاه القضية الفلسطينية. المعرض جمع أكثر من خمسين كاتبًا وفنانًا وعشرين دار نشر ومنصة عربية، في تظاهرة ثقافية غير مسبوقة من حيث تضافر الجهود التنظيمية والتنوع في مدينة ميسيساجا.

في إطار الفعاليات، قُرئت نصوص من كتاب “الوصايا”، بينها قصيدة للشهيد الغزّي الراحل رفعت العرعير، قرأتها باسمة التكروري، كما قرأت الكاتبة الفلسطينية أمل فطاير نصًا بعنوان “لن يمرّوا”، وقدمت الفنانة التشكيلية الفلسطينية هنادي بدر نصًا من كتابها حول الحرب، فيما قرأ الروائي السوري المهند الناصر شهادة ملهمة للطفلة الغزية ميار ذات الاثني عشرة ربيعا، وقدم الشاعر العراقي كريم شعلان قصائد من ديوان شعري مشترك بعنوان “لغزة وأطفالها”.

وفي كلمتها الختامية، شددت التكروري على أن “تنظيم هذا المعرض الثقافي في كندا، وفي هذا التوقيت، هو موقف أخلاقي نابع من إحساسنا بالمسؤولية كمثقفين عرب في المهجر. هذه صرخة جماعية تقول: يجب أن تتوقف الإبادة في غزة”.

إطلاق رواية “الإمام”: كتابة القدس من قلب الذاكرة

الحدث تزامن أيضًا مع إطلاق رواية التكروري الجديدة “الإمام: حكاية شبح سكن”، والتي صدرت عن منشورات لوما، في طبعتها الكندية، وهي بصدد الصدور بطبعة فلسطينية عن دار طباق في رام الله، وبطبعة لبنانية عن دار مرفأ في بيروت. وتدور أحداث الرواية في القدس ما بين عامي 1920 و1950. الرواية، المبنية على أحداث حقيقية، تشكل عملًا روائيًا تاريخيًا يسلّط الضوء على البلدة القديمة في القدس خلال فترة الانتداب البريطاني، مرورًا ببدايات النكبة، عبر سردية تنبع من الداخل المقدسي لا من الهوامش، وهي بذلك تفتح زاوية سردية غير مكتوبة سابقًا في أدب النكبة.

وفي تعليقها على العمل، قالت التكروري ل(القدس): “رواية الإمام هي محاولة لكتابة القدس من وجهة نظر أهلها، من أزقتها، من صراعاتها اليومية، في زمن التحوّلات العنيفة. إنها قصة شخصية، نعم، لكنها أيضًا وثيقة وجدانية لأزمنة تغيّرت ولم تُنسَ.”

وبموازاة المعرض وإطلاق الرواية، أعلنت التكروري عن تأسيس دار نشر جديدة بالشراكة مع الشاعر الفلسطيني يونس عطاري، تحت اسم منشورات لوما – LUMA Publishing، والتي جاءت نتيجة اندماج بين دار الحاضرون التي أسسها عطاري، وBooktransits التي أسستها التكروري في كندا.تُعنى منشورات لوما بنشر وترجمة الأدب العربي، وتسعى إلى تمكين سوق نشر وتوزيع عربية قوية وفاعلة في كندا، تفتح الباب أمام الأدباء العرب المقيمين في المهجر، وتقدّم الأدب الفلسطيني والعربي بلغاته الأصلية أو مترجمًا للجمهور الأوسع. كما تعمل الدار على مد جسور التعاون مع دور النشر في العالم العربي لتكون بوابة للتوزيع والنشر المتبادل.

ختام المعرض: أدب، موسيقى، وفخر بالهوية

وضم المعرض أيضًا مشاركات لنخبة من الكتّاب العرب، من بينهم الكاتب التونسي كمال الرياحي، والكاتب السوري تيسير خلف، والكاتب العراقي كريم شعلان، والشاعر المقدسي أشرف الزغل، والكاتب السوري رضوان وحيد طالب، والكاتبة العراقية أمل حبيب، والكاتبة اللبنانية آسين شلهوب، والكاتبة العراقية مينا راضي، والشاعر المصري وليد الخشاب، والروائي السوري المهند الناصر، والشاعر الفلسطيني يونس عطاري، والكاتب المصري مدحت غبريال، والكاتب السوري عبد الرحمن مطر، والكاتب المصري محمد فتيح، والروائي العراقي صلاح صلاح، والشاعر المصري عصام خليفة، والمحاورة الأدبية اللبنانية رغدة ميقاتي، والشاعرة السورية جاكلين حنا سلام، والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، والكاتب السوري هاني يكن، والكاتب المصري مصطفى الأعصر، والكاتب والناشر العراقي ثامر الصّفار، والفنان العراقي جبار الجنابي، والمسرحية السورة ندى حمصي، والكاتب الصحفي والمسرحي الفلسطيني محمد هارون.

كما استمتع الأطفال بعرض مسرحي غنائي قدمته رهف العقباني وإسماعيل أبو فخر، من مؤسسة حنين، بينما أحيا الفنان المصري ماجد ظريف، والفنانة المصرية  نتالي جي، والفنان المصري ياسر سوريال، والفنانة الفلسطينية منى عايش عروض موسيقية تراثية ووطنية، حيث اختتمت الفعاليات بعرض دبكة فلسطينية شارك فيه أطفال ويافعون فلسطينيون، مجسّدين فخرهم بهويتهم وانتمائهم.

من بين دور النشر المشاركة في معرض ميسيساحا للكتاب العربي: النهضة العربية، المتوسط، الرافدين، طباق، الأهلية، الجديد، مرفأ، تامر، لاماسو، لوما، داري بوكس، مسعى، يونيك بوكس، عربوكش، وبوكتـرانزيتس.

وختمت التكروري حديثها بالقول ان ميسيساجا كتبت اسمها على خريطة الثقافة العربية في المهجر، برؤية مقدسية تقودها الكلمة في وجه الصمت، وتُعيد صياغة دور الكاتب في زمن المجازر.