1

زهرات برقين يبتكرن 300 وسيلة تعليمية مستدامة

-عبد الباسط خلف- تقف لجين خالد جلامنة بجوار لوحات فنية شكلتها من حبات القهوة، وأضافت إليها ألوانا زيتية، وتتفقد منحوتاتها وأعمالها من خامات عديدة.

وتختزل يافطة بيضاء خط عليها بالأسود: “بيدي أتعلم”، سيرة معرض للمشاريع التعليمية وللوسائل الإيضاحية لـ “بنات برقين الثانوية”، غرب جنين.

فيما تصمد على الجدران بوسترات تدعو إلى مقاطعة سلع الاحتلال، ولوحات أخرى تبوح بالنكبة، ويقبع في زاوية ثانية مجسم لمعتقل مجدو، ورسومات عديدة.

ودخل طاقم المدرسة بـ 29 معلمة ومشرفة وإدارية في سباق مع الزمن لإتمام المعرض. وتقول المعلمات صمود نزال ونورا سمارة وسانا العبوشي إن المدرسة كلها نجحت في الاختبار، وقدمن المعروضات في موعدها، بالرغم من حصار المدينة المستمر منذ 5 أشهر وتصاعده في اقتحام أمس الثلاثاء.

وتشير لجين، التي أبصرت النور عام 2008، إلى أنها ترسم منذ طفولتها المبكرة، وفي رصيدها اليوم مئات اللوحات لوجه وأعمال فنية تجمع بين الفن والتعليم.

وتحلم جلامنة بدراسة الطب لكنها ترى في الفن وسيلة لإيصال رسائل وطنية وإنسانية واجتماعية دون الحاجة إلى التعبير المباشر عنها.

ترجمة عملية

وتشرح مديرة المدرسة، حنان عطاطرة، رسالة المعرض، الذي يؤلف بين الإبداع والشغف والتميز، وتقول إن معلماتها وطالباتها أنتجن نحو 300 وسيلة تعليمية في حقول معرفية وتعليمية عديدة.

وتشير إلى أن “بيدي أتعلم” ترجم بشكل عملي مفهوم التعليم النشط، واستطاع إشراك 408 طالبات بإشراف معلماتهن في إنتاج وسائل تعليمية ستكون مساندة للمنهاج المقرر، وستستفيد منها الطالبات في دروسهن، وستحتفظ بها المدرسة للأعوام القادمة.

ووفق عطاطرة، فإن المختلف في المعرض انخراط المدرسة كلها بإنتاج وسائله التعليمية خلال عدة أسابيع، بتكلفة بسيطة نسبيا، ووقت قياسي، وبرسائل تربوية مؤثرة.

وترى معلمة الفنون، وفاء أبو صلاح، بأن طالباتها استطعن تقديم عدة أعمال إبداعية بخامات مختلفة، وتنافسن مع أنفسهن لتقديم لوحات ومنحوتات ووسائل فنية ناطقة.

وتؤكد بأن طالبتها رسمن بالقهوة، واستعملن الزجاج والمسامير والخيوط والألوان والجبص والقماش والتطريز، وقدمن في النهاية فسيفساء جميلة.

وتقول مهندسة التربية الإسلامية رنا غوادرة إنها جسدت مع طالباتها معركة بدر، وصنعن مجسمات للكتب السماوية، وللأماكن المقدسة.

وتزيد: أبرزت طالباتنا قبة الصخرة بطريقة جذابة، وأنتجن خارطة سهلة توضح شعائر الحج، ووضعن ملصقات ولافتات للشعراء الصحابة، وأنتجن مسابقات للمعرفية دمجت بين المعلومات والألعاب.

عوالم وجريمة

وتبحر معلمة الجغرافيا آمنة ملاك، مع زهراتها، اللواتي أنجزن عدة خرائط للعالم، وتتبعن الوطن العربي، ونحتن فلسطين، وهندسن نماذج لطبقات الأرض، وقدمن سائل جغرافية كن سيحتجن أموالا لشرائها، لكنهن تشاركن في تقديم نماذج مختلفة.

ووقفت أستاذة الإنجليزية هناء العمري بجانب فريق، الذي قدم محاكاة لأعمال شرلوك هولمز، الشخصية الخيالية لمحقق من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وقالت إن طالباتها انتقلن من التعليم واستلهام الأفكار وتحليها وتقييمها إلى الإبداع ومحاكاة أعمال من الأدب العالمي.

وأشارت العمري إلى أن الدارسات استمعن للأدب العالمي وابدعن في التعامل معه، وانعكس في لوحة فنية ووسائل تعليمية.

وحسب زهرة خلف، وملك عتيق، وحلا سهمود، ونور غانم فإنهن حللن تجربة أدبية عالمية، وطورن من لغتهن الإنجليزية، وعرف قريناتهن بالشخصية التي ابتكرها الكاتب والطبيب الأسكتلندي سير آرثر كونان دويل.

ووفق قراءة الزهرات الأربع، فإن هولمز أشهر شخصية لمحقق خيالي يتخذ من لندن مقرا، ويساعد رجال الشرطة والمحققين عندما يعجزون عن حل خيوط الجرائم التي تصل إليهم.

وذاع صيت هولمز بمهارته في استخدام التفكير المنطقي، وقدرته على التنكر والتمويه، واستعمال معلوماته في الطب الشرعي لفك شيفرة القضايا المعقدة.

وتشعر رهف جرار، ابنة الصف الحادي عشر، بالفخر وهي تقف بجوار جناح رسوماتها، وتضع في البداية لوحة بالأبيض والأسود لوالدها، وتقول إن الفن يتكفل بالتعبير عن قصصنا كلها.

تدوير واستدامة

ويصف المشرف في التربية والتعليم، أسعد حبايب، المعرض بـ”العملي واللافت”، فقد استطاعت الطالبات بإشراف معلماتهن صناعة وسائل تعليمية، سيجري توظيفها في الحصص المدرسية.

ويبين أن المعرض طور من المعارف والمهارات وتعزيز المنهاج، كما جسد التعاون والمشاركة داخل المدرسية، واستطاع تقديم نموذج استدامة مبسط، وأعاد تدوير المواد، وسيفتح الباب، دون شك،لتبادل خبرات المدرسة مع مؤسسات تربوية أخرى.

ويعيد المعرض معلمة العلوم المتقاعدة، وداد شلبي، سنوات عديدة إلى الوراء، فتستذكر حصص العلوم التي كانت تقدمها لطالباتها، وحرصها على تجسيد المناهج بنماذج ووسائل إيضاحية.

وتقول إن المعرض مثل وسيلة إيضاح كبيرة، ستعزز من تعمق الطالبات في المعارف النظرية، وستجعلن ينفتحن أكثر على التجارب.

ويرى التربوي خالد قبها، المعلم في مدارس برطعة الغربية في اراضي الـ 48، بأن المعرض جمع أشكال المعرفة في مكان واحد، وشجعهن على تطوير مهاراتهن، وخاصة قدرتهن على المحادثة باللغة الإنجليزية.

ويشعر حسن عبيدي ومصطفى شلاميش، الناشطان في مجالس أولياء الأمور، بالراحة عقب التطوع في تجهيز المكان وترتيبه عدة ايام.

ويفيدان بأن المعرض سيشجع الطالبات على الدراسة، وسيساعدهن في استيعاب المواد الصعبة، وسيخفف العبء على الأهل في إنتاج وسائل تعليمية مكلفة، خاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.




35 عاما على رحيل المناضل عزت أبو الرب (خطاب)

تصادف، اليوم الأحد، الذكرى الـ35 لرحيل المناضل الوطني عزت فريد أسعد ابو الرب (خطاب).

ولد الراحل في بلدة قباطية، جنوب مدينة جنين، في 22 آب 1938. أكمل دراسته الثانوية في مدرسة جنين الثانوية عام 1956؛ والتحق بالسلك التعليمي في الأردن؛ حيث عمل مدرساً في بلدته (قباطية)؛ ثم انتقل للعمل مدرسا في المملكة العربية السعودية عام 1964؛ وكان يعمل مذيعا في الإذاعة السعودية بالرياض.

التحق خطاب بحركة “فتح” عن طريق الرئيس الراحل الشهيد ياسر عرفات، عندما دخل إلى الضفة الغربية لإنشاء القواعد الداخلية، ومعه مجموعة من كوادر حركة “فتح”، من ضمنهم الإخوة عبد الحميد القدسي، وأبو علي شاهين، وآخرون؛ حيث انتقلت المجموعة إلى جبال قباطية، وكان في استقبالهم عزت أبو الرب (خطاب). وكان أبو عمار يذهب إلى منزله في قباطية؛ ثم وصلت المجموعة إلى جنين؛ ثم إلى نابلس وبيت فوريك، وتوجه أبو عمار إلى القدس؛ فيما بعد أصبح خطاب مطاردا ومطلوبا لقوات الاحتلال الإسرائيلي؛ وعلى أثرها غادر خطاب الضفة الغربية إلى الأردن، بعد أن تم مداهمة بيته عدة مرات لاعتقاله؛ وفي عمان أسندت إليه مسؤولية عضو قيادة تنظيم حركة “فتح”، إضافة إلى عمله معلقًا في إذاعة “صوت العاصفة” بعمان (إذاعة زمزم 105).

في عام 1976 أسندت إليه مهمة التوجيه السياسي؛ حيث عمل نائباً للمفوض السياسي العام لقوات العاصفة؛ وبقي منصبه هذا، حتى خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

أنشأ في مجال الإعلام عددا من المجلات الخاصة بالكفاح المسلح؛ وكان له عدد من البرامج الإذاعية في إذاعتي فلسطين في بيروت والقاهرة.

عين خطاب مديرا لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في العاصمة الأردنية (عمان)؛ ثم سفيرا لدى رومانيا، وبقي فيها عدة سنوات؛ ثم عين سفيرا لدى الجماهيرية الليبية؛ وكان له دور هام في المساهمة الفعالة في تعزيز العلاقات الفلسطينية مع تلك الدول.

كان خطاب عضوا في المجلس الثوري لحركة فتح، وعضوا في المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ نشر له عشرات المقالات والدراسات والأبحاث، كما صدر له العديد من الكتب منها:

– أيام فلسطينية حافلة في الشرق الأقصى 1982

– كلمات مضيئة 1993، صدر بعد رحيله

– صفحات مشرقة 2009، صدر بعد رحيله

انتقل السفير خطاب إلى رحمة الله تعالى في رومانيا بتاريخ 25/5/1992؛ وشيع جثمانه إلى مثواه الأخير في مقبرة سحاب في العاصمة الأردنية.

بتاريخ 26 تموز 2015، منحه الرئيس محمود عباس وسام الاستحقاق والتميز؛ تقديرا لدوره النضالي والريادي، كأحد المناضلين في الأُطر القيادية في منظمة التحرير الفلسطينية، وتثمينا لجهوده وعمله الدبلوماسي وتمثيله لفلسطين في أكثر من دولة.




الاحتلال يداهم منازل وينصب حاجزين خلال اقتحامه اللبن الشرقية




في بروقين وكفر الديك.. وجع لا تلتقطه العدسات..!!

عبير البرغوثي- في بلدتي كفر الديك وبروقين، لم تعد البيوت مأوى، ولا الجدران ملاذًا آمنًا.. منذ سبعة أيام.. تعيش البلدتان تحت كابوس يومي.. اقتلاعًا بطيئًا للحياة من تفاصيلِها. اقتلاعا لا يُدَوّي، لكنه يمزق القلوب بصمت. هناك، حيث الأزقة التي اعتادت أن تستيقظ على صوت الأمهات، باتت ساحات مستباحة… تنمر ممنهج.. المنازل التي كانت تروي قصص العائلة كل مساء تحولت فجأة إلى نقاط مراقبة لجنود الاحتلال ومواقع تحقيق. “الحياة الجديدة” اقتربت من المشهد أكثر لتسلط الضوء على بعض من فصول المعاناةِ اليومية لنساء البلدتين تحت أنياب الحصار وهمجية المحتلين.

“في كل ليلة ننام ولا نعرف إن كنا سنستيقظ جميعًا في الصباح…”

بهذه الكلمات بدأت أم محمد، من بلدة بروقين، سرد حكايتها مع الحصار الذي يطبق على قريتها منذ سبعة أيام. لم تكن هذه الجملة مجرد استعارة، بل حقيقة تعيشها نساء القرية وأطفالهن منذ لحظة دخول جنود الاحتلال إلى بلدتهم، مدججين بالسلاح والعتاد.

“منذ بداية الاقتحام، ونحن نعيش في رعب. أكثر من 80% من البيوت فُتشت، ومنزلنا كان أحدها، اقتحموا المكان وكسروا كل شيء، حتى أننا لا نشعر بالأمان لأن بيتنا يقع في منطقة جبلية، بعيدة عن الأنظار، يمكنهم أن يفعلوا بنا ما يشاءون دون أن يراهم أحد”.. وتقول والخوف بادٍ على وجهها.

لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك. فمنذ اليوم الأول، صدر قرار بمصادرة 260 دونمًا من الأراضي المحاذية لمستوطنة “بروخين”، وتكررت مشاهد الهدم لمنازل تحت سيف عدم الترخيص، وكأن الفلسطيني يحتاجُ ترخيصًا من محتليه للبناء في أرض آبائه وأجداده، بينما الجرافات والمعدات الثقيلة تتجول في الأزقة الضيقة كأنها تستعرض سطوتها.

“نساؤنا يُحقق معهن في الشوارع، والمواد التموينية باتت حلما”

تروي أم محمد بمرارة: “النساء في البلدة يتعرضن لتحقيقات مهينة. نحن نعيش في حالة توتر دائم، وأجسادنا بدأت تُظهر بقعًا زرقاء نتيجة الضغط النفسي. لا يوجد طحين، لا يوجد حليب أطفال، المرضى لا يُسمح لهم بالوصول إلى المستشفيات إلا بعد تنسيق، ومن يخالف منع التجول يُضرب أو تُسحب منه سيارته”.

في منزل أم أمير.. خراب وسرقة واحتجاز

في الجهة الغربية من بروقين، حيث تقف منازل قليلة قريبة من مستوطنة “بروخين”، تسكن أم أمير. تقول إن الجنود اقتحموا منزلها فجأة، وبدا أنهم يعرفون طريقهم جيدًا.

“دخلوا بيتنا وخرّبوا كل شيء. سكبوا الزيت على الأرض، أفسدوا الطعام، صادروا الهواتف والهويات، واحتجزوني مع ابنتي لأكثر من ساعتين. سرقوا الذهب والمال الموجود في البيت، ولم يتركوا لنا شيئًا. نحن خمسة أفراد نعيش على اللبن، ولا توجد مياه لأننا لا نتمكن من شحن الخزان”، تقول أم أمير.

وتوالي سرد بعض من فصول معاناتها: “زوجي أُصيب بوعكة صحية أثناء الحصار، ولم يُسمح لنا بمرافقته إلى المستشفى. اضطر للذهاب وحيدًا، وحين تعافى، لم يُسمح له بالعودة إلى القرية، فبات يقيم عند ابنته المتزوجة في بلدة مجاورة”.

في كفر الديك.. صراخ طفلة مريضة، وجيش يحتل البيوت

في بلدة كفر الديك المجاورة، لم تكن الأحوال أفضل. (ز.د)، وهي أم لطفلة تبلغ من العمر 8 سنوات وتعاني من “الثعلبة الحمراء”، تصف اللحظات التي عاشوها وسط الحصار: “ابنتي كانت تصرخ من الألم، ولم نستطع إخراجها إلا بعد تنسيق استغرق وقتًا. البنت كانت تنهار أمامنا، ونحن عاجزون”.

أما (ر.د)، فاستُهدفت عائلتها باقتحام همجي لمنزلهم من قبل أكثر من مئة جندي: “جمعونا في غرفة واحدة، صادروا هواتفنا، أطلقوا النار داخل البيت، ولم يرحموا جدتي التي تبلغ 90 عامًا. صادروا الغاز، ومنعونا من شراء الطعام إلا بتنسيق، وحتى البيوت القديمة لم تسلم من التخريب”.

الخرائط المُرقّمة.. ذاكرة الخوف التي لا تمحى

(أ. د)، وهي من نساء كفر الديك، تحمل في صوتها وجعًا أكبر من الكلمات. تصف كيف تحول الحصار إلى شكل من أشكال “الحرب النفسية المنظمة”، فتقول: “الجيش يستخدم خريطة للبلدة تُظهر منازلنا كأرقام، كل بيت عليه رقم، وكل رقم يعني اقتحامًا قادمًا. لا نعرف متى، ولا كيف. نعيش في قلق دائم، نحاول ألّا ننظر في عيون الجنود خوفًا على بناتنا. نرتدي العباءات طوال الوقت لأننا لا نعرف متى يدخلون”.

تضيف: “اقتحموا منزلنا، احتجزونا في غرفة وأغلقوا الباب بالمفتاح. استخدموا البيت وكأنه ملكهم، سرقوا مصاغي الذهبي، ومبلغ 4000 شيقل كنت استلفته لدفع قسط الجامعة لابنتي”.

في بيت (أ. د) حيث تسكن مع 9 أفراد، بينهم طلبة جامعات، الحصار أصبح مأساة تعليمية أيضًا، إذ حُرم الأبناء من الذهاب إلى الامتحانات، وسط صعوبة اقتصادية خانقة.

“أولادي يسهرون ليلاً خوفًا من المستوطنين، فكل سكان مستوطنة بروخين من المتطرفين، حتى الجنود الموجودون في المنطقة من المستوطنين أنفسهم. لم نعد ننام، لم نعد نأكل، لا نعيش، نحن فقط نحاول أن نصمد”، تقول الديك.

قصص لا يجب أن تُنسى

نساء بروقين وكفر الديك لا يطلبن المستحيل، فقط الأمان، فقط القدرة على العيش بكرامة، فقط حقهن في الطمأنينة في بيوتهن، وبين أطفالهن. بين الحصار والجرافات والجنود، هناك قصص إنسانية تختنق خلف الجدران، صرخات مكتومة، وحليب أطفال لا يصل.. ففي الوقت الذي يُسدل فيه الليل ستاره على البلدتين، تبدأ فصول الخوف، العائلات تنتظر بلا حَوْل… كأنّها طردت من ذاكرتها لا من بيوتها فقط.. هناك مشاعر لا تُصوَّر… هناك وجع لا تلتقطه العدسات.. ولا تعبر عنه الكلمات، ما يحدث في كفر الديك وبروقين محاولة لمحو الإنسان من مشهده وسلبه بيته وذكرياته، وصوته.. هنا لا تنتهك المنازل فقط… بل تنتهك الحياة نفسها.




مخيم جنين.. دبلوماسيو العالم في مرمى نيران الاحتلال

إدانات فلسطينية وعربية ودولية واستدعاء سفراء تل أبيب في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا ودعوات لمحاسبة المسؤولين عن استهداف الوفد

 عبد الباسط خلف- فتح جنود الاحتلال النار بكثافة على وفد دبلوماسي عربي واجنبي خلال جولة في مدخل مخيم جنين الشرقي، ظهر أمس الأربعاء.

وصوب الجنود المتمركزون داخل المخيم أسلحتهم الرشاشة نحو ممثلي 32 دولة عربية وأوروبية وآسيوية ومنظمة دولية، قبل نهاية جولة تضامنية نفذتها وزارة الخارجية والمغتربين ومحافظة جنين لدبلوماسيين وقناصل وإعلاميين.

وقطعت الطلقات النارية، قرابة الثانية بعد الظهر، الجولة الدبلوماسية عند المدخل الشرقي لمخيم جنين، الذي عزله الاحتلال ببوابة حديديةـ، عقب إخلاء قسري لنحو 20 ألف مواطن منه خلال 3 أيام فقط.

وكان الدبلوماسيون على وشك المغادرة، لكن رصاص الاحتلال الحي، وأصوات سيارات الإسعاف، وحالة الهلع والتدافع، نقلت لأعضاء السلك الدبلوماسي مشهدا تعيشه جنين ومخيمها وريفها منذ 121 يوما. وأكد مدير وكالة (وفا) ومصورها في جنين، محمد منصور لـ”الحياة الجديدة” أن جنود الاحتلال أطلقوا الرصاص من مسافة قريبة، وأن الطلقات النارية اصطدمت في الجدران المجاورة للبوابة التي وضعها الاحتلال قبل أسابيع على مداخل المخيم.

مقابلة لم تكتمل

وكانت “الحياة الجديدة” تجري مقابلة مع سفير جمهورية مصر العربية لدى دولة فلسطين، إيهاب سليمان عند بوابة المخيم المستهدفة، لكن رصاص الاحتلال أنهى الحوار قبل أن يبدأ.

فيما جدد السفير الأردني في فلسطين، عصام البدور لـ”الحياة الجديدة”، قبيل إطلاق النار وانفضاض الجولة القسري بقليل، دعم المملكة لفلسطين حتى تستعيد حريتها.

وقال إنه برغم الألم الذي شاهده في جنين ومخيمها، وفي طولكرم، فإن ذلك يؤكد أن الأمل قائم ومتمثل بصمود المواطنين الفلسطينيين وبطريقة تعاملهم مع التحديات والظروف الصعبة.

وأكد البدور، أن المستشفى الميداني الأردني في جنين يقدم الخدمة يوميا لـ300 مريض، في حين يعالج المستشفى الأردني في نابلس 600 حالة.

وأشاد بالدور الإنساني النبيل القوات المسلحة الأردنية، في دعم الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده فوق أرضه بكل السبل المتاحة.

وجاء إطلاق النار بعد وقت قصير من تصريح ختامي للمستشار السياسي لوزير الخارجية والمغتربين، السفير أحمد الديك، الذي تطرق لعدوان الاحتلال على كفر الديك وبروقين في محافظة سلفيت، المستمر منذ 7 أيام، وسط حصار مشدد ومنع للتجوال وتفتيش البيوت كافة وتحطيم محتوياتها.

عقوبات وضم

ووصف الديك على بعد خطوات من البوابة المعدنية الصفراء، التي تعزل مخيم جنين ما يحدث هنا وفي طولكرم ومخيميها وبروقين وكفر الديك وكافة المواقع بـ”عقوبات جماعية لإرضاء المستوطنين، وجزء من محاولة ضم الضفة الغربية”.

وقال لـ”الحياة الجديدة” إن الحراك الدبلوماسي يهدف إلى نقل ما تتعرض له جنين وطولكرم، وما يواجه شعبنا من إبادة وتطهير عرقي ومحاولات للضم وعقوبات جماعية.

وأشار إلى أن المشاهدات التي سيطلع عليها الدبلوماسيون ستكون شهادات حية مهمة تدعم الموقف الدولي الرافض للاحتلال.

ورحب الديك بمواقف كندا وبريطانيا وفرنسا المساندة لإدخال المساعدات إلى غزة، والرافضة لاستمرار العدوان الواسع ضد شعبنا.

32 تضامنا

وتشكل الوفد المستهدف من سفراء مصر، والأردن، والمغرب، والاتحاد الأوروبي، والبرتغال، والصين، والنمسا، والبرازيل، وبلغاريا، وتركيا، وإسبانيا، وليتوانيا، وبولندا، وروسيا، وتركيا، واليابان، ورومانيا، والمكسيك وسيريلانكا، وكندا، والهند، وتشيلي، وفرنسا، وبريطانيا وعدد من ممثلي الدول الأخرى.

إدانات ومطالبات بالتحقيق واستدعاء سفراء

وأدان نائب رئيس دولة فلسطين، نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حسين الشيخ، إطلاق النار على الدبلوماسيين العرب والأجانب، وطالب المجتمع الدولي بلجم “الانفلات الوحشي لقوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية”.

فيما استنكر أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، عضو اللجنة المركزية لـ”فتح” عزام الأحمد، ما حصل، واعتبر”الاستهداف الوحشي للمبعوثين الدبلوماسيين، جريمة تضاف لسجله الدامي، وتؤكد للعالم أجمع أن جيش الاحتلال مستمر في جرائمه ضد أبناء شعبنا، وضد كل من يتضامن معه دون أي رادع”.

واعتبر رئيس المجلس الوطني روحي فتوح، ما حصل عملا إرهابيا وخرقا واستهتارا بالقانون الدولي، ودليلا على ثقافة جيش الاحتلال الإسرائيلي القائمة على عدم احترام أي قوانين دولية، أو أعراف دبلوماسية.

وأدانت “الخارجية والمغتربين”، استهداف الوفد الدبلوماسي، واعتبرته “فعلا عدوانيا وخرقا فجا وخطيرا” لأحكام القانون الدولي، ولأبسط قواعد العلاقات الدبلوماسية المنصوص عليها في اتفاقية فيينا 1961، والتي تضمن الحماية والحصانة للبعثات والوفود الدبلوماسية.

وأكدت الوزارة أن قوات الاحتلال هي التي أطلقت الرصاص الحي تجاه الوفد الدبلوماسي أثناء جولته الميدانية قرب إحدى البوابات على مداخل مخيم جنين، وهو ما وثقته العدسات.

ولم تمض ساعات قليلة على الاستهداف، حتى طالب العديد من الدول توضيحا من جانب الاحتلال، فقد طالب وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، إسرائيل بتوضيح فوري لما حدث، معتبرا “التهديدات ضد الدبلوماسيين غير مقبولة”. كما وجه باستدعاء السفير الإسرائيلي في روما للحصول على توضيحات رسمية بشأن ما حصل.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، أنه سيستدعي السفير الإسرائيلي، وصف الواقعة بأنها غير مقبولة، وقال إنه سيُطلب من السفير تقديم تفسير. كما أعلن وزير الخارجية الإسباني أن مدريد تعتزم استدعاء القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية.

وعبر وزير الخارجية البلجيكي، ماكسيم بريفو، عن صدمته تجاه ما حدث، وأكد أن الوفد كان في موكب “واضح المعالم” وطالب “إسرائيل بتفسير مقنع”.

من جانبها، دعت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كاياكالاس، الاحتلال الإسرائيلي، إلى التحقيق في الحادث.

وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداء، مضيفة أن “أي تهديد لحياة الدبلوماسيين أمر غير مقبول، لذا، ولأن إسرائيل طرف في اتفاقية فيينا، فمن حقها، بل من واجبها، ضمان أمن جميع الدبلوماسيين الأجانب”.

كما أدانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية الحادثة، واعتبرت على لسان الناطق باسمها السفير سفيان القضاة، ذلك انتهاكا واضحا للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وجريمة تخالف جميع الأعراف الدبلوماسية.

وأكدت جمهورية مصر العربية، وزارة خارجيتها “رفضها المطلق للاعتداء، الذي يعد منافيا لكافة الأعراف الدبلوماسية، وطالبت دولة الاحتلال بتقديم التوضيحات اللازمة حول ملابساته.

وكان الدبلوماسيون أمضوا ساعتين في دار محافظة جنين، واستمعوا إلى إحاطات عن العدوان وتداعياته، قدمها المحافظ أبو الرب، ورئيس البلدية جرار، ورئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم جنين، محمد الصباغ، ورئيسة منطقة الشمال في وكالة الغوث “الأونروا”، هنادي أبو طاقة، كما شاهدوا عرضا مرئيا لخص 4 أشهر من العدوان، ورئيس الجامعة العربية الأمريكية، براء عصفور.

16 عدوانا

ولخص المحافظ أبو الرب تداعيات العدوان المستمر وما سبقه، وقال إن المحافظة تعرضت إلى 16 اقتحاما متواصلا، بين 7 تشرين الأول 2023 وحتى 21 كانون الثاني 2025، عدا العدوان الحالي.

وأكد أن العدوان المتواصل أسفر عن 41 شهيدا، ونحو 200 جريح، و276 معتقلا. وقال إن الاحتلال قتل الطبيب، والمعلم، والموظف، والطفل، وطالب المدرسة، والنساء، وأجبر نحو 20 ألف مواطن على النزوح.

وحمل أبو الرب صورة ابنه الطبيب شامخ، الذي استشهد قبل عام ونصف العام، في باب بيته وأمام والده وأفراد عائلته، بينما أصيب ابنه طالب الطب محمد بالرصاص، وأجريت له 8 عمليات جراحية لاستعادة عافيته.

وأضاف بصوت حزين إن ابنه استشهد في الساحة نفسها التي أقيم فيها حفل تخرجه، وبعد أسبوعين فقط على انتقاله للتخصص في الأمراض الباطنية بمستشفى ابن سينا، وهذا يثبت أن الجميع تحت رصاص الاحتلال وفي مرمى جنوده.

ووفق أبو الرب، فإن الاحتلال سعى إلى إفشال الجولة الدبلوماسية، واقتحم المدينة قبل ساعات منها، وأنه شخصيا اضطر للانتقال من بلدته قباطية، التي تتعرض لاقتحام من طريق فرعي، بعد حصارها وتجريف طرقات فيها.

وثمن مواقف الدول الصديقة الشقيقة الداعمة لحقوق شعبنا الفلسطيني، والرافضة لتهجيره واقتلاعه من أرضه، وأثنى على مواقف بريطانيا وفرنسا وكندا الأخيرة المساندة للحقوق الفلسطينية المشروعة، والداعمة للقيادة والرئيس محمود عباس.

وأكد أبو الرب أن جنين تصر دائما على أن تنهض من جديد، وأشاد بدعم الحكومة للمحافظة وعقدها أول جلسة لها خارج رام الله والبرية في جنين، وتقديمها نصف مليون شيقل للنازحين، كما أثنى على القطاع الخاص الذي أطلق مبادرة (لبيك يا جنين)، التي قدمت مليون ونصف المليون شيقل لمن فقدوا بيوتهم في المخيم.

استهداف مباشر

وقال رئيس بلدية جنين، محمد جرار لـ”الحياة الجديدة” إن الجنود أطلقوا النار على الوفد العربي والأجنبي رغم معرفتهم بتواجده، وتنسيق الجهات الرسمية للجولة ومسارها.

وأضاف أن الدبلوماسيين هرعوا إلى سياراتهم للاحتماء من الرصاص، ولحسن الحظ لم تقع إصابات في صفوفهم، فقد كان إطلاق النار من مسافة ليست بعيدة ودون سابق إنذار.

ووصف ما حدث بـ”الصعب جدا”، خاصة أن إسرائيل تعاملت مع الوفود الأجنبية بعدم احترام، ولم تراع أصول الدبلوماسية.

نزوح قسري

وبين رئيس بلدية جنين، بأن المدينة التي تعرضت إلى 17 عدوانا خلال 19 شهرا فقط تكبدت خسائر فادحة، وشهدت حركة نزوح كبيرة طالت أكثر من 20 ألف مواطن.

وقدر جرار حجم الأضرار التي أصابت المدينة بنحو 298 مليون دولار، خلال العدوان المستمر، مؤكدا وجود خسائر غير مباشرة. كما ذكر بأن نحو 20% من مواطني المدينة معرضون للإصابة بأمراض تنفسية بفعل الغبار جراء التدمير المستمر للطرقات والمباني.

وشدد على أن ما تنفذه البلدية منذ سنوات أصبح إغاثيا وضمن حالة الطوارئ، وليس له علاقة بالخطة التنموية والاستراتيجية.

3 أيام قاسية

بدوره، ذكر رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم جنين، محمد الصباغ، بأن المخيم تعرض خلال 3 أيام لأكبر عملية تهجير قسري، شملت 17 ألف مواطن من داخله دون أن يمنهم من إخراج أي شيء من مقتنياتهم، و3 آلاف هجروا من أحياء مجاورة للمخيم.

وأفاد بأن الاحتلال دمر بشكل كامل نحو 700 بيت، كما هدم بشكل جزئي 2300، فيما أصبح المواطنون يتوزعون على 35 موقعا في المحافظة، تنتشر في جنين وحدها 1200 عائلة.

ووصف ما تعرض له المخيم بنكبة حقيقية، ومحاولة لترسيخ سياسة التهجير، ولطمس المخيم ومحوه وتحويله إلى حي من أحياء المدينة، بصفته تعبيرا عن اللجوء والنكبة.

وقال إن ما يحدث له تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية خطيرة، ويتزامن مع استهداف الاحتلال لوكالة “الأونروا” ومحاولة شطبها. وبين أن الحكومة والشعب جسم واحد، وأن الهم الفلسطيني يوحد الجميع.

وطالب الدبلوماسيون بنقل الصورة إلى حكوماتهم، وحثهم على عدم الصمت على المجازر والتهجير، وترجمة أخلاقها وقيمها إلى سلوك يمنع المذبحة في غزة، ويوقف تدمير مخيمات شمال الضفة الغربية.

مدينة مخنوقة

وقال رئيس الغرفة التجارية، عمار أبو بكر، إن العدوان خنق المدينة، من خلال أقفال رئتها الاقتصادية الممثلة بحاجز الجلمة، ومنع وصول 300 مركبة يوميا من أهلنا في الداخل، كانوا يتسوقون بنحو 10 مليون شيقل.

كما أشار إلى تعطل قرابة 35 ألف عامل، ومنعهم من الوصول إلى الداخل، وسط صعوبات اقتصادية وبطالة وفقر بنسب متزايدة.

وجدد سفراء الأردن ومصر والمغرب دعم بلادهم للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، ورفضهم لاستمرار العدوان، وتمسكهم بإعادة الإعمار في غزة وشمال الضفة الغربية.

وقال سفير المملكة المغربية لدى دولة فلسطين عبد الرحيم مزيان إن ما يجري في جنين وطولكرم وغزة لا يحتاج إلى نقل، فكل العالم يشاهده، ورغم ما يحدث، إلا أننا نرى الأمل في نهاية النفق.