1

تحت راية فلسطين.. إحياء الذكرى الـ21 لاستشهاد أبو عمار في لبنان

 هلا سلامة- في مشهد يفيض بالانتماء والوفاء، أحيت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” – منطقة بيروت، الذكرى السنوية الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس القائد الرمز ياسر عرفات “أبو عمار”، في احتفالات وطنية متزامنة في مخيمات شاتيلا، وبرج البراجنة، ومار الياس.

توحد الحضور تحت راية فلسطين، بحضور أمين سر حركة “فتح” وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت خالد عبادي، وقيادات الحركة وقوات الأمن الوطني الفلسطيني وممثلي الفصائل واللجان الشعبية ومؤسسات المجتمع المحلي وحشود من أبناء المخيمات.

في الشعبة الرئيسية في شاتيلا امتلأت الساحة بأعلام فلسطين وصور القائد الرمز، وتقدم الأهالي صفوف المشاركين بدموع وابتسامات امتزجت بالحنين.

وألقى عضو قيادة منطقة بيروت أحمد عامر كلمة باسم الحركة، أكد فيها أن هذه الذكرى “ليست محطة حزن، بل تجديد للعهد على مواصلة الدرب الذي خطه أبو عمار بالدم والإصرار”، مشيدا بصمود المخيمات ووحدتها في وجه التحديات.

وفي مخيم برج البراجنة، رفرفت الكوفيات فوق الرؤوس، وارتفعت الهتافات التي تمجد مسيرة القائد الراحل.

وفي الكلمة الرسمية، أكد عضو قيادة الإقليم في لبنان أبو إياد الشعلان أن “الشهيد عرفات كان رمزا للوحدة الوطنية، وأن حركة فتح ستبقى ماضية على نهجه بقيادة السيد الرئيس محمود عباس، حاملا الأمانة ومدافعا عن القرار الوطني المستقل”.

أما في مخيم مار الياس، فقد حملت المناسبة طابعا وجدانيا خاصا، حيث وضع المشاركون أكاليل الزهور على النصب التذكاري للقائد الراحل، وترددت كلمات الوفاء في أرجاء المخيم.

وفي كلمة حركة فتح، أكد عضو قيادة المنطقة أيمن حسين أن “أبو عمار لم يكن رجلا عابرا في التاريخ، بل فكرة خالدة في ضمير كل فلسطيني”، مجددا البيعة للرئيس محمود عباس على السير على خطاه في حماية الشرعية الفلسطينية.

إلى ذلك أصدرت قيادة فصائل منظمة التحرير في لبنان بيانا أكدت فيه تمسكها بالثوابت الوطنية وحق شعبنا الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال، مشددة على أن وحدة الصف تحت راية منظمة التحرير هي السبيل لمواجهة العدوان والإبادة الإسرائيلية، ومجددة دعمها للرئيس محمود عباس وجهوده السياسية والوطنية.




داود الزير يستعيد سيرة أبو عمار.. مدرسة الوحدة والقيادة

زهير طميزة- عشية الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد القائد المؤسس ياسر عرفات والتي تصادف اليوم الثلاثاء، التقت “الحياة الجديدة” رجل الإصلاح الشيخ الدكتور داود الزير (أبو سامي)، رئيس مجلس أمناء جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم، عضو المجلسين المركزي والوطني، وأحد المقربين من الرئيس الشهيد أبو عمار، فكان حديثا من القلب عن رفيق الدرب.

يقول أبو سامي: عرفت ياسر عرفات رحمه الله لعشرات السنين ثائرا في المنفى والشتات، منذ إبعادي عن الوطن عام 1969، ثم رئيسا للسلطة الوطنية، بعد عودتنا إلى الوطن، كان رمزا للوحدة الوطنية والوحدة المجتمعية، كان كخيط المسبحة الذي تنتظم حوله كل مكونات الحركة الوطنية، كان جامعا لكل ألوان الطيف الاجتماعي والديني والسياسي، كان الجميع يحب ياسر عرفات بمن فيهم خصومه السياسيون، لأنه بصراحة لم يكن يعتبر نفسه قائد فصيل، بل زعيما ثوريا باسم كل الفلسطينيين وأحرار العالم.

“كان رحمه الله -كما قال عنه الحكيم جورج حبش: قد نختلف معه،  لكننا أبدا لا نختلف عليه”.

يضيف الزير: كان أبو عمار يتميز بتواضع العظماء، ومرونة القائد، وحزم الأب الحاني، لم يفتخر بذاته بل يكبر بشعبه ورفاق دربه، لم يخجل يوما من الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وكأنه كان يعلم من حوله كيف تكون القيادة خادمة للشعب.

يذكر الشيخ داود موقفا حدث أثناء أحد الاجتماعات في العاصمة العراقية بغداد، حين احتد النقاش بين أبو عمار وأحد الرفاق من قيادة الجبهة الشعبية، فجأة توقف الرئيس وتوجه نحو محدثه وقبل رأسه قائلا: أنا من بدأت الصراخ عليك وها أنا أعتذر منك، فصفق له جميع الحضور، لينهض الرفيق بدوره مقبلا رأس أبو عمار ويتعانقان.

ويضيف: “كانت أكبر الخلافات داخل البيت الفلسطيني يحلها أبو عمار بحنكته وفراسته وذكائه الفطري. أود من أبنائنا أن يقتدوا بخصاله العظيمة. وخاصة نحن أحوج ما نكون اليوم إلى الوحدة والثبات وتعزيز صمود الناس على الأرض”.

أحب بيت لحم فقابلته حبا بحب

يقول أبو سامي: كان لبيت لحم مكانة خاصة عند أبو عمار، فقد كان الجناح الجنوبي من كنيسة المهد مقرا دائما له بعد أريحا، وكان الرهبان يسهرون على راحته بأنفسهم، وبعد استقراره في رام الله دأب على حضور المناسبات والأعياد الدينية التي تميز بيت لحم خاصة أعياد الميلاد وقداس رأس السنة، ولم يكن يميز بين طائفة وأخرى، فكان يشارك كل طائفة أعيادها. كان دائما يوصينا بالناس، ويقول: نحن شعب واحد، لن نستفيد شيئا إن كسبنا العالم وخسرنا شعبنا، كان يصطحبنا لزيارة أمهات الشهداء والجرحى.. يقبل رؤوسهن وأيديهن، كان محبا للأطفال تحديدا، يقبلون عليه كأنه جدهم المحبوب، يقبلهم ويحضنهم، ولم يكن يتوانى عن تقديم المساعدة لمحتاجيها، يلبي كل مناشدة أو طلب لأبناء شعبه خاصة أسر الشهداء والأسرى والجرحى. كان وفيا لشعاراته، بأن الشعب أكبر من كل القادة، كان بابه مفتوحا لكل الناس. لم يكن أبو الوطنية الفلسطينية فحسب، بل والابن النجيب لشعبه في المخيم والقرية والمدينة، في الداخل والشتات والمنفى”.

عرفات.. الزعيم الديمقراطي

لم يكن أبو عمار ذلك القائد الكارزماتي الصلب صاحب الرؤية الثاقبة فحسب، بل كان أيضا مثالا على ديمقراطية القائد، كان يوسع دائرة صنع القرار ما استطاع ويستمزج جميع الآراء، كان لديه من طول النفس أن يستمع لساعات قبل أن يتخذ القرار.

كان أبو عمار يقدر عاليا دور رجال الإصلاح خاصة قبل قيام السلطة الوطنية، فلم نكن نحبذ اللجوء لقوانين الاحتلال وقضائه لحل خلافاتنا المجتمعية، فأوجد من خلال رجال الإصلاح لجانا لحل خلافات الناس بالتعاون مع القوى والأحزاب والأطر الوطنية، انضوت تحت اسم هيئة شؤون العشائر التابعة لمنظمة التحرير، للحفاظ على وحدة المجتمع والسلم الأهلي، لإدراكه وإدراكنا بأن الاحتلال وقوانينه لا تهتم بسلامة مجتمعنا وتعزيز انتمائه.




فضيحة فساد في اسرائيل: اعتقال رئيس “الهستدروت” وزوجته ومسؤولين آخرين

شهدت الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين مداهمة واسعة نفذتها الشرطة الإسرائيلية لمكاتب الاتحاد النقابي العمالي في إسرائيل “الهستدروت”، في إطار تحقيقات تتعلق بفضيحة فساد كبرى، أسفرت عن اعتقال عدد من كبار المسؤولين في المنظمة، من بينهم رئيس الهستدروت أرنون بار دافيد وزوجته، إضافة إلى مسؤولين في السلطات المحلية، بينهم رئيس بلدية.

وبحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، نفذت وحدة التحقيقات الخاصة “لاهف 433” المداهمة عند نحو الساعة السادسة صباحا، حيث جرى توقيف مسؤولين رفيعي المستوى يخضعون مع عشرات آخرين، للتحقيق في شبهات تتعلق بتلقي امتيازات مالية غير مشروعة، وتبادل مصالح، ووظائف مقابل خدمات.

ويتسع نطاق التحقيق في قضية الفساد، إذ من المتوقع أن يخضع نحو 350 شخصا للتحقيق، بينهم رؤساء بلديات ومسؤولون كبار في السلطات المحلية والمنظمات العامة في إسرائيل.

وتشير التحقيقات إلى أن رجل أعمال في مجال التأمينات أدار شبكة فساد ممنهجة داخل الهستدروت، اعتمدت على نظام “العطاء والأخذ”، حيث كان يقدم خدماته مقابل تعيينات في السلطات المحلية والشركات العامة الإسرائيلية، في حين تلقى كبار مسؤولي الهستدروت منه منافع مالية وشخصية.

ويعتقد أنه قام بتوزيع وظائف وتعيين مساعدين مقربين منه كرؤساء لجان في مجالات مختلفة، تشمل السلطات المحلية والشركات العامة والحكومية في إسرائيل.

وكشفت الشرطة الإسرائيلية تفاصيل تحقيق سري استمر لعامين في قضية الفساد المرتبطة بالهستدروت، والذي تحول إلى تحقيق علني في موجة اعتقالات مفاجئة شملت مسؤولين كبارا وشخصيات معروفة.

وخلال العملية، نفذت الشرطة عمليات تفتيش في 55 منزلا بمناطق مختلفة في البلاد، بحثا عن أدلة ووثائق تدعم شبهات الفساد واستغلال النفوذ.

وأوقفت الشرطة الإسرائيلية من أجل التحقيق موظفين في بلديات، بينها: ريشون لتسيون، وكريات بيالك، وكريات غات، وروش هعاين، وأشدود، وموظفين في “كيرن كييمت ليسرائيل”، وشركة القطارات، وشركة الطيران “إل عال”.

ومن المقرر أن يحال المشتبه بهم لاحقا اليوم إلى محكمة الصلح في “ريشون لتسيون” للنظر في طلب تمديد احتجازهم، بينما تواصل “وحدة لاهف 433” تحقيقاتها في واحدة من أوسع قضايا الفساد التي تهز المؤسسات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة.

وتعتبر هذه القضية من أخطر قضايا الفساد التي تهز المؤسسة العمالية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، وسط توقعات بتوسع دائرة الاعتقالات خلال الأيام المقبلة.




“عميد أسرى فتح” يستعيد في ذاكرته مواسم الزيتون المؤجلة

عزيزة ظاهر- لم يكن موسم الزيتون هذا العام عاديا بالنسبة لعميد أسرى حركة فتح، الأسير المحرر قتيبة مسلم “أبو حمدي” من بلدة تلفيت جنوب نابلس، بعد أن غيب قسرا عن 33 موسما لقطاف الزيتون، فقد شاءت له الأقدار أن يشارك في موسم القطاف لهذا العام.

الرجل الذي تجاوز الستين من عمره، وأمضى ما يقارب ثلاثة عقود في سجون الاحتلال، متنقلا بين الزنازين والمعتقلات ومراكز التحقيق، أفرج عنه في الدفعة الثالثة من عملية التبادل التي جرت مطلع كانون الثاني من هذا العام، وخلال مسيرته النضالية شهد عدة تجارب اعتقال منذ عام 1984 حين اعتقل أول مرة وقضى أربع سنوات ونصف السنة، ثم اعتقال إداري لستة أشهر عام 1990، تلاه مطاردة استمرت لعامين، ثم اعتقال ثالث عام 1992 حكم فيه بثماني سنوات وأمضى منها ثلاثا ونصف السنة، أما الاعتقال الأطول فكان في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2000، حيث حكم عليه بـالسجن 37 عاما، أمضى منها 24 عاما متواصلة قبل أن يعود اليوم إلى الحياة التي طال انتظارها.

موسم الحرية

لم يكن اللقاء عاديا ولا حدثا عابرا، فحين سار أبو حمدي بين أشجار الزيتون التي نشأ بينها طفلا، كان يعود في الواقع إلى نفسه، بعد 33 عاما من الأسر، بدا وكأنه يعيد ترتيب العمر من جديد، يلتقط ملامحه التي ظل يحملها في الذاكرة، ويحاول وصل ما انقطع من تفاصيل الحياة.

وقف أمام شجرة يعرفها أكثر مما يعرف وجوه السجانين، انتظرها في مخيلته ثلاثة عقود، وقف أمامها طويلا، يلمس جذعها بأصابعه التي شاخت دون أن تشيخ روحه، وبيدٍ ارتجفت قليلا، قائلا بصوت خافت: “كنت أشعر أنني أتنفس هذه الشجرة في ذاكرتي، واليوم أتنفسها حقيقة، فموسم الزيتون هذا العام هو موسم حريتي”، ثم عانقها كما يعانق إنسان عمرا ضاع منه قسرا.

تفاصيل صغيرة تعيد الحياة

قررت عائلة مسلم أن يكون موسم الزيتون لهذا العام عيدا، التف الجميع حول أبو حمدي، تحت ظل زيتونة قديمة، وأشعل موقد النار، وضع إبريق الشاي فوق الجمر، أعدّ بيديه قلاية البندورة التي ظل يتخيل طعمها طوال سنوات الأسر تفوح منها رائحة الريحان، تأمل الدخان وهو يتصاعد نحو الفضاء المفتوح، كان المشهد بسيطا، لكنه كان يحمل معنى عميقا بالنسبة له ولعائلته.

الوالدة الثمانينية الحاجة خضرة، جلست إلى جوار ولدها بملامحها المتعبة وعصاها الخشبية، كانت تتأمل ملامحه وقد عاد رجلا بشعر أبيض، لكن بملامح القلب ذاته، وعيناها تلمعان بدموع لا تشبه دموع الحزن، بل دموع استرداد العمر المفقود قدر المستطاع، اقترب منها، أمسك يدها برفق، وقبّلها طويلا.

أما زوجته أم حمدي، التي انتظرت ما يقارب ربع قرن، أعدت ورق العنب والمحاشي بعناية وحب، بيدين تجرّعن الصبر كما يُتجرّع الماء، كانت تضع الطعام أمامه كما لو أنه وليمة حلمت بها طويلا، وتتابع اللحظات بصمت، وبابتسامة تحمل سنوات طويلة من الانتظار، تقول وهي تحرص أن تبقى كلماتها متزنة: الانتظار مدرسة، لكن الحمد لله ما ضاع صبرنا ولا تعبنا، يبادلها أبو حمدي النظرات ويقول برفق، أم حمدي لم تكن زوجة فقط، بل هي العمر البديل عن العمر الذي ضاع.

رمزية شجرة الزيتون

كانت العائلة تحاول أن تعيد ترتيب السنين بطريقة هادئة، دون ضجيج أو استعجال، بدا المشهد وكأنه استعادة بطيئة لملامح الحياة التي توقفت ذات يوم على بوابة الزنزانة.

لم يكن الحديث يدور حول ما مضى بقدر ما كان الاتجاه نحو ما يمكن استعادته، يتنفس أبو حمدي عميقا، يلامس جذع الزيتونة، كمن يصالح الزمن، يقول لصحيفة “الحياة الجديدة”، كل الأسرى يخرجون بأمنية واحدة، مكان صغير يظللهم وظل شجرة تحميهم، لا نطلب الدنيا، نطلب مساحة حياة فقط.

أما عن رمزية شجرة الزيتون في الموروث الفلسطيني يقول: تُشكّل شجرة الزيتون في الوعي الفلسطيني أكثر من رمز زراعي، هي ذاكرة وانتماء وامتداد جذور لا تنقطع رغم تبدل الفصول، وبالنسبة لي، كانت الشجرة شاهدة على غيابي الطويل، وهي اليوم شاهدة على عودتي لحضنها.




نسرين بيرقدار.. من المخيم إلى ميادين التمكين: تكتب حكاية الأمل بإصرار

 حنين خالد- من بين أزقة مخيم عسكر التي اعتادت أن تُنبت الألم والصمود معًا، خرجت نسرين أحمد بيرقدار لتصنع من المطبخ ورشة حياةٍ ومن أدوات التصنيع الغذائي مفاتيح للتمكين والاعتماد على الذات. ابنة المخيم التي بدأت رحلتها بدورة صغيرة في المركز النسوي، باتت اليوم مدرّبة معتمدة ووجهًا نسويًا بارزًا في تمكين النساء والفتيات داخل المخيم وخارجه، تُعلّمهن كيف يصنعن النجاح كما يصنعن الخبز بأيديهن، وكيف تتحول التجربة القاسية إلى طاقة نهوضٍ وأمل.

لم تولد نسرين في بيئةٍ ميسورة، بل في بيتٍ بسيط يضيق بما فيه، لكن قلبها كان أوسع من حدود المكان. بالإصرار والمثابرة، شقت طريقها من متدربةٍ تبحث عن فرصة، إلى مدرّبةٍ تمنح غيرها فرصة الانطلاق. وها هي اليوم، نموذجٌ فلسطينيّ يُحتذى به في صناعة التغيير، وامرأةٌ حوّلت معاناتها إلى طاقة تمكين، لتصبح رمزًا للإرادة التي تهزم الصعب وتصنع الأمل في يوم المرأة الفلسطينية.

لم تكن حياة نسرين سهلة؛ فالفقر وشُحّ الفرص كانا عنوان طفولتها. لكنّها وسط هذا الواقع القاسي آمنت أن الأمل لا يُمنح بل يُصنع، وأن النور يولد من قلب العتمة، وان تصنع طريقها بيديها، وحين تدخلت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عبر برنامج إدارة الحالة، بدأت ملامح التحول في حياتها من جديد. لتفتح أمامها أبواب الدعم النفسي والاجتماعي، لتبدأ رحلة نهوضٍ جديدة كتبت فصولها بعرق المثابرة وعزيمة لا تلين.

كانت محطتها الأولى وبداية رحلتها المركز النسوي في مخيم عسكر، حيث التحقت بدورة تدريبية مكثّفة في التصنيع الغذائي استمرت ثلاثة أشهر. هناك، اكتشفت نسرين شغفها الحقيقي، وتقول؛ لم تكن تلك الدورة مجرد دورة عابرة بل نقطة التحول الحقيقية لمسيرة مهنية في حياتها؛ تعلمت كيف تصنع النجاح كما تصنع بيديها أشهى الأطباق. ومع مرور الأيام، تحولت من فتاة مترددة تخشى الفشل إلى امرأة تعرف تمامًا طريقها، امرأة تصنع قوتها بيديها وتمنح غيرها طاقة النهوض. اصبحت عموداً اساسياً في كل فعالية غذائية تنظم، ووجهاً لن ينسى في ورش العمل والدورات التدريبية.

واليوم، تشغل نسرين موقعًا ثابتًا في المركز النسوي ضمن برنامج التشغيل التابع للأونروا، تتقاضى راتبًا رسميًا، وتواصل رسالتها بإخلاص. لكنها ترى أن وظيفتها ليست مجرد عمل، بل رسالة حياة. فهي تُعلّم النساء كيف يبدأن من جديد، وتزرع في كلٍّ منهن بذور الثقة بالنفس، وتفتح لهن نوافذ نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا.

وفي مسيرتها، وفي كل محطة من محطات رحلتها، كانت نسرين تحيط نفسها بنور الدعم، لم تنس نسرين الأيادي التي ساندتها، فرفعت الامتنان لكل من آمن بها وساعدها على النهوض: السيدة وهيبة صالح وسماح أبو عبدو اللتان كانتا عونًا لها في رفيقتي دربها في التمكين والدعم، والشيف كفاح العسكري التي غرست فيها روح الإبداع والمثابرة. كما تهدي نجاحها وامتنانها إلى عائلتها، سندها الدائم في كل لحظة تعب أو تردد.

تتحدث نسرين لـ “الحياة الجديدة” بثقة واثقة؛ “لم تكن الطريق سهلة أو مفروشة بالورود، لكنني تعلمت أن كل تعب يصنع المعنى، وأن كل فشل هو خطوة نحو القوة. أنا نسرين بيرقدار، ابنة المخيم، وفخورة بأنني امرأة فلسطينية تصنع مستقبلها بيديها.”

لم تكتفِ نسرين بعالم التصنيع الغذائي، بل وجدت في الفن اليدوي مساحة جديدة للتعبير عن ذاتها. التحقت بعدة دورات في المكرمية، الكليم، الصوف، وفن الريزن، لتبدع في صناعة المعلّقات، توزيعات المناسبات، وزينة رمضان التي تحمل لمساتها الخاصة. تحوّلت الهواية إلى شغف، والشغف إلى إنجاز، لتصبح أعمالها الفنية عنوانًا للجمال والإبداع في المخيم.

واليوم، كعضوٍ في الهيئة الإدارية لمركز نسوي عسكر، تقف نسرين شامخة بين نساء يسعين مثلها نحو التغيير. تحمل مسؤولية مجتمعية نابعة من إيمانها بأن نجاحها ليس فرديًا، بل ثمرة تضامنٍ ودعمٍ نسوي يغيّر الواقع ويصنع الأمل.

قصة نسرين بيرقدار ليست مجرد حكاية نجاح شخصي، بل شهادة حية وحكاية وطنية تعكس روح المرأة الفلسطينية على النهوض من تحت الركام لتبني وطنًا بالحلم والعمل والارادة.

وفي اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، نُحيّي نسرين، نحيي كل امرأة كتبت حكايتها بالحبر والعزم، ونُحيّي كل امرأة فلسطينية تمضي نحو التغيير بخطى ثابتة لتصنع من الصبر قوة، ومن الألم أملاً، ومن المحنة انطلاقة نحو الحرية. لأن فلسطين تزهر دائماً بأيدي نسائها.