1

موسم الزيتون بالضفة الغربية: صمود المزارعين يواجه تصاعد اعتداءات المستوطنين والقيود العسكرية

يقف المزارع الفلسطيني تيسير الشيخ، البالغ من العمر 64 عاماً، وسط أشجاره في قرية رنتيس شمال غربي رام الله، متأملاً ثماراً انتظرها عاماً كاملاً. لم يتمكن الشيخ من العناية بأرضه البالغة مساحتها 26 دونماً كما اعتاد سابقاً، بسبب تصاعد التوترات الأمنية واعتداءات المستوطنين المتكررة.

اضطر الشيخ للاستعانة بمتضامنين للوصول إلى حقله بعد تعرضه لاعتداء جسدي من قبل المستوطنين قبل أيام قليلة. ويؤكد المزارع المتقاعد أن هذه الأشجار ليست مجرد مصدر للرزق، بل هي التي مكنته من تأمين التعليم الجامعي لأبنائه وبناته طوال العقود الماضية.

تعكس قصة الشيخ واقعاً مريراً كشف عنه تقرير حديث لوزارة الزراعة الفلسطينية، أشار إلى تضرر نحو 286 ألف شجرة زيتون في الضفة الغربية. هذه الأضرار سجلت في الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى نهاية سبتمبر من العام الجاري 2026، نتيجة الممارسات الميدانية المختلفة.

تعتبر شجرة الزيتون المحصول الشجري الأكثر انتشاراً في فلسطين، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود نحو 13 مليون شجرة. وتغطي هذه الأشجار مساحة تقدر بـ 575 ألف دونم، ما يمثل الغالبية العظمى من مساحات البستنة المزروعة في البلاد.

يتحول موسم قطاف الزيتون في شهر أكتوبر من كل عام إلى ما يشبه العرس الوطني الذي يجمع العائلات الفلسطينية في الحقول. إلا أن هذا التقليد الاجتماعي بات مهدداً بفعل الخوف من هجمات المستوطنين التي تصاعدت وتيرتها خلال العامين الأخيرين بشكل ملحوظ.

أفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال منعت مزارعي بلدة بيتا جنوب نابلس من الوصول إلى أراضيهم الواقعة على أطراف البلدة. واستخدمت القوات الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المزارعين الذين حاولوا جني ثمارهم، مما أدى لوقوع إصابات وحالات اختناق.

من جانبها، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصعيد إسرائيلي في إصدار الأوامر العسكرية التي تستهدف الغطاء النباتي. وسجلت الهيئة صدور 54 أمراً عسكرياً منذ بداية عام 2026، استهدفت إزالة الأشجار من مساحة تزيد عن 2316 دونماً من الأراضي الفلسطينية.

من الزيتون علمت أولادي وبناتي.. بالنسبة إلينا الزيتونة هي الحياة والارتباط المقدس بالأرض.

تتذرع السلطات الإسرائيلية بالاعتبارات الأمنية لتنفيذ عمليات إزالة الأشجار، بينما يؤكد أصحاب الأراضي أنها محاولات لتفريغ الأرض من سكانها. ويشير المزارعون إلى أن بعض الأشجار التي تم اقتلاعها كانت محملة بالثمار وجاهزة للحصاد، مما ضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية.

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق قيام مستوطنين بجمع ثمار الزيتون من حقول تعود ملكيتها للفلسطينيين. كما أشارت تقارير غير مؤكدة إلى إنشاء معصرة زيتون داخل إحدى المستوطنات في محافظة سلفيت لاستغلال المحاصيل المنهوبة من أراضي المواطنين.

لا تقتصر أهمية الزيتون على الجانب المادي، بل يمثل ركيزة أساسية في المطبخ الفلسطيني والهوية الثقافية. ويعد زيت الزيتون المكون الرئيس لأطباق تقليدية مثل ‘المسخن’، الذي يرمز للارتباط الوثيق بين الفلاح وأرضه ومنتجاتها الطبيعية.

في ظل هذه الظروف الاستثنائية، أعلنت وزارة الزراعة عن تشكيل لجان محلية وإطلاق حملة وطنية لدعم المزارعين. وتهدف هذه المبادرات إلى توفير الحماية الشعبية للمزارعين وتسهيل وصولهم إلى أراضيهم في المناطق الساخنة والمعرضة للاعتداءات المستمرة.

يستخدم المزارعون أدوات بسيطة ويدوية لقطف الثمار، حيث يحرصون على جمع كل حبة تسقط على الأغطية البلاستيكية. ويفتخر الفلسطينيون بجودة الزيت المنتج محلياً، والذي يعتبره الكثيرون الأفضل عالمياً نظراً لطبيعة التربة وطرق العناية التقليدية بالأشجار المعمرة.

تغيب هذا العام أجواء البهجة التي كانت ترافق إعداد الطعام على نار الحطب وصنع الشاي في الحقول بسبب التهديدات الأمنية. وأصبح المزارع يترقب بحذر أي تحرك غريب حول حقله، مما حول الموسم من مناسبة اجتماعية إلى معركة صمود يومية.

يختم تيسير الشيخ حديثه بالإشارة إلى أن الخسارة الحقيقية لا تكمن فقط في كمية الزيت المفقودة، بل في تبدل علاقة الجيل الجديد بالأرض. فاليوم، يخشى الكثير من الشباب التوجه إلى الحقول البعيدة، مما يهدد استمرارية هذا الموروث الزراعي والوطني الأصيل.

دلالات




“مجزرة” أشجار جديدة في عنزة ومصادرة 741 مترًا داخل جنين

 عبد الباسط خلف- نفذت جرافات الاحتلال “مجزرة” جديدة بحق أشجار الزيتون في قرية عنزة، شرق جنين، وأصدرت قرارًا بوضع اليد على 741 مترًا من أراضي حي الجابريات في المدينة.

وأكد رئيس مجلس قروي عنزة، هشام صدقة لـ”الحياة الجديدة” أن جرافتي (دي 9) شرعتا صباح أمس باقتلاع قرابة 1000 شجرة زيتون مزروعة في 66 دونمًا.

وأوضح أن التجريف بدأ منذ المفرق الجديد للقرية، على الشارع الرابط بين جنين ونابلس، وبعمق نحو 70 مترًا، في أراضي قليلة العرض، وموزعة على عدد من المواطنين.

وبين أن من بين مالكي الأراضي المستهدفة، والتي سبق أن أخطرها الاحتلال بالتجريف، قبل نحو شهر، كرم لمواطن من قرية عجة المجاورة، بدعوى وقوع الأشجار في منطقة عسكرية.

وذكر صدقة أن التجريف هو الثاني الذي يطال حقول القرية، فقد نفذ الاحتلال عملية اقتلاع شملت 25 زيتونة، بجوار قرية عجة قبل أسابيع.

وأشار إلى أن الاحتلال اعتقل الشاب مؤيد عبد الهادي صدقة، الذي كان يقطف ثمار الزيتون في حقله، الذي اقتلع الاحتلال أشجارًا منه.

وتوقع أن تخسر قريته قرابة 500 تنكة زيت، كانت تنتجها الأشجار التي أصبحت أثرًا بعد عين.

وذكر مزارعون من القرية الصغيرة أن توقيت اقتلاع أشجارهم يسبق بأيام موسم الزيتون، الذي كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر.

في سياق متصل، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن إصدار الاحتلال لأمر عسكري أمس، يضع اليد على أراضٍ في حي الجابريات بجنين، داخل المنطقة المصنفة “أ”، ويحمل الرقم 33/26 فوري مستعجل. ويستهدف الأمر 741 مترًا مربعًا، ضمن القطع 41 و42 و50 من الحوض 20071، بذريعة أغراض عسكرية مستعجلة، وتُظهر خريطته شريطًا ضيقًا على مسار طريق في الحي.

وذكرت الهيئة، عبر موقعها الإلكتروني أن مقارنة الخرائط المرفقة بالأمر الجديد مع خرائط الأمر السابق في 7 أيار 2026، الذي استهدف 7.247 دونم في الحوض نفسه، تُظهر تداخلًا جزئيًا محدودًا عند الطرف الغربي للشريط الجديد مع الممر المتعرج المشمول بالأمر السابق، ثم يمتد شرقًا خارج حدوده.

وأضافت أن الاستهداف الجديد متصل مكانيًا بالأراضي التي سبق استهدافها، فيما لا تمثل كامل مساحته زيادةً صافيةً على المساحة السابقة، بسبب هذا التداخل.

وبيّنت الهيئة أن الأمر الجديد ينص على سريانه 60 يومًا من تاريخ التوقيع، ويحدد مهلة الاعتراض بـ 24 ساعة من تنفيذ الجولة مع أصحاب الأراضي، مقابل سبعة أيام في الأمر السابق، الذي حدد نهاية عام 2031 موعدًا لانتهاء سريانه.

وصدر الأمر الاحتلالي الجديد بصيغة مستقلة، من دون نص يشير إلى تعديل الأمر السابق أو إلغائه.

ورأت الهيئة أن خطورة الإجراء تتجاوز محدودية المساحة المستهدفة، لتكمن في ترابط الأراضي والممرات التي تشملها الأوامر العسكرية داخل النسيج العمراني الفلسطيني.

وذكرت أن امتداد شريط جديد من نطاق سبق استهدافه إلى مقطع طريق خارجه يُظهر كيف تتراكم إجراءات وضع اليد لتوسيع التحكم العسكري بالأرض ومسارات الحركة في حي يقع ضمن المنطقة (أ).




موسم محفوف بالدم في جنين..

عبد الباسط خلف- يتابع مدير الإسعاف والطوارئ في “الهلال الأحمر”، محمود السعدي، أحدث اعتداء على قاطفي الزيتون في خربتي أمريحة والمكحل التابعتين لبلدة يعبد، جنوب غرب جنين.

ويؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن المسعفين تعاملوا مع ثلاث إصابات، بينها إصابة لمواطن أربعيني بكسر في الساق، وإصابة لآخر في اليد اليسرى، وثالثة لمسن جراء الاعتداء عليه بالضرب ورش غاز الفلفل.

ويخشى السعدي من اتساع دائرة استهداف المزارعين في أصعب موسم زيتون يتوقع أن تتعامل معه طواقم المسعفين.

ويشبه رئيس بلدية العارضة، أحمد العارضة الموسم الحالي بـ”الأسوأ على الإطلاق في تاريخها، ومغمس بالدم”، خاصة عقب الهجمة الاستيطانية الشرسة على البلدة.

ويشدد على العلاقة التاريخية والروحية والوجدانية بين المزارعين وأشجارهم، إذ ظل الأهالي يعولون على موسم قطف الزيت وعصره وبيعه للوفاء بالتزاماتهم، كما كانت الكثير من المناسبات الاجتماعية تتوقف على نجاح الموسم، وعصر ثماره، وبيع زيته.

ويقول إن الكثير من حالات الزواج والبناء والدراسة متصلة بموسم الزيتون في سنواته الذهبية، لكن هذا الحال تغير في البلدة، التي فقدت “مخزونها الاحتياطي”، وأصبحت مهددة.

نهب واقتلاع

ووفق العارضة، فإن عرابة تشهد أكبر نهب لأشجار الزيتون منذ الصيف الماضي، تقدر مساحتها بثلاثة أرباع الأراضي، وهذا يعني أن الكثير من ملاك الزيتون سيجبرون لأول مرة عل شراء الزيت، بعد مصادرة زيتونهم.

ويوضح أن مزارعي البلدة كانوا يمضون أكثر من شهرين في جني محاصيلهم، فيما يشبه العرس الذي يدخل كل بيت، وتفوح رائحة الطرقات بالزيت في أنحاء عرابة.

ويرى بأن عمليات مصادرة الزيتون واقتلاعه تهدف إلى نهب محيط عرابة، التي خسرت أكثر من 1500 دونم من الأشجار المعمرة، صارت محرمة على مالكيها، منذ 3 سنوات بدعوى قربها من مستوطنة (دوتان)، عدا عن 1300 دونم ممنوع على الأهالي الوصول إليها، وعمليات اقتلاع متكررة.

ويؤكد أن الاحتلال اقتلع من أراضي البلدة 223 دونم زيتون معمر جرى اقتلاعها، عدا عن مهاجمة المواطنين والمزارعين في سهل عرابة الممتدة على 33 ألف دونم، الذي أصبح يتعرض لهجمات المستوطنين.

ويفيد مصعب العارضة، وهو مالك معصرة بعرابة، أن بلدته تضم 6 معاصر، وكانت تنتج كميات كبيرة من الزيت، لكنها هذه السنة العصيبة، فقدته.

ويشير إلى أن معصرته بمفردها كانت تتعامل مع 200 طن زيت على الأقل، في المواسم الذهبية، لكنه هذا العام لن يشغل معصرته إلا بضعة أيام، مقابل شهرين في المواسم السابقة.

في وضخ النهار

ويرسم رئيس مجلس قروي فقوعة، بركات العمري لوحة سوداء لحال موسم قطاف الزيتون في قريته شرق جنين، إثر المشاهد التي بثها مستوطنون خلال سرقتهم للمحصول من أراضيها قبل أيام، في وضح النهار.

ويفيد بصوت متعب أن الأرض المستهدفة يطلق عليها الأهالي (جبل أبو قسيس)، ومغروسة بمعظمها منذ قبل النكسة بأشجار الزيتون.

ويشير إلى أن فقوعة خسرت قرابة 2000 دونم، وصار يصعب على الأهالي الوصول إلى حقولهم، بعد إقامة بؤرة استيطانية زراعية منذ بضعة أسابيع، أسفرت عن نهب العديد من الأراضي الوعرة والمنحدرة والسهلية، غالبيتها مزروعة بالزيتون.

ويقدر العمري عدد المتضررين في القرية بنحو 50، أصبح غير مسموح لهم الوصول إلى زيتونهم وحقولهم.

ويؤكد أن فقوعة كانت تمتد على قرابة 38 ألف دونم، لكن النكبة أفقدتها نحو 29 ألف دونم أصبحت داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كانت تصل بيسان ومنطقة السخنة.

ويبين أن جدار الضم والتوسع العنصري حرم القرية من 700 دونم تقريبا، صار يحظر على الأهالي الوصول إلى زيتونهم، ولا يسمح لهم بقطفه، وبقي للقرية نحو 8500 دونم.

ويصف الموسم الحالي بأسوأ موسم يمر على الأهالي، ويقدر نسبة الزيتون الذي لن يتمكن الأهالي من قطفه بـ 60%، فيما حرمت أسر من كل زيتونها.

“انتهى كل شيء”

بدوره يقول المزارع الشاب فايز الخطيب، المقيم في قرية فقوعة، شرق جنين، إن عائلته فقدت معظم زيتونها المغروس في 74 دونما، لاحقها الاحتلال بقرار مصادرة، بدعوى أنه “أراضي دولة”، يضاف إليه جبل أبو قسيس الممتد على أكثر من 325 دونما مهدد بالمصادرة، لصالح إقامة مستوطنة جديدة تحمل اسم (يانعيت).

ويشير إلى أن والده راضي وأعمامه الثلاثة: رضوان، وعبد الحليم، وأسعد خسروا معظم زيتونهم في الجبل وفي مناطق أخرى غرست عام 1954، وسيواجهون موسما عسيرا، ولم يبق لهم غير بضعة أشجار في محيط بيوتهم.

وتبعا لخطيب، فإن موسم العائلة كان يفوق 70 تنكة، لكنه سيتعين عليهم هذا العام شراء الزيت، فكل شيء انتهى.

ولا يختلف حال رئيس مجلس قروي عربونة، هاشم أبو حسن، عن أهالي قريته الصغيرة، شرق جنين، التي كانت مسرحا لعمليات نهب وثقها مستوطنون قبل أيام.

ويفيد بأن الحقول المستهدفة بالسرقة، التي وثقها المستوطنون، تعود لمواطنين من قريته ومن فقوعة المجاورة، بينهم عثمان سباعنة، وأحمد زيدات، وأيمن النادي.

ويقول أبو حسن إن الاحتلال يمنعهم من جني ثمارهم، فقد سرق المستوطنون معظم المحصول، وحرقوا الكثير من الأشجار، التي عجزوا عن قطافها، ويتواصل منع أصحاب الأراضي من الاقتراب منها.

ويقدم مفارقة صعبة، إذ سيجبر كثيرون كانوا ينتجون الزيت بكميات كبيرة على شراء احتياجهم منه، وهو أمر لم يحدث سابقا. ويختتم: كنت أنتج 35 تنكة زيت من 23 دونما، وسأجبر هذا العام على شراء “مونة البيت”.

خارطة استهداف

ويلخص مدير دائرة الخدمات في مديرية زراعة جنين، سامر فرح، المناطق الأكثر استهدافا بزيتونها في محافظة جنين، ويقول إن بلدة عرابة في مقدمتها، تليها مناطق شرق المدينة: عابا الشرقية، ودير أبو ضعيف، وعرانة، والجملة، ونطاق أصغر في عربونة، وفقوعة، وجلبون، ثم زبوبا وسيلة الحارثية واليامون والعرقة، ثم بلدة يعبد، إضافة إلى مناطق متفرقة في المحافظة.

ووفق تقرير لوزارة الزراعة، فإن حجم الخسائر في محافظة جنين، جراء عدوان الاحتلال على الأراضي الزراعية بلغ 1050250 دولارا، وما زالت عمليات قلع الأشجار متواصلة.

وأكدت “الزراعة” أن أشجار الزيتون تصدرت قائمة الأضرار المسجلة خلال أيلول الماضي، وبلغ عدد المتضررة منها بالقلع والقطع والتكسير والحرق 1582 شجرة، بينما بلغت القيمة التقديرية للخسائر المباشرة 1545310 دولارات.




تحت حماية الجيش.. المستوطنون يصعدون سرقة الزيتون واعتداءات واسعة في الضفة

شهدت بلدات الضفة الغربية المحتلة، مع انطلاق موسم قطاف الزيتون، سلسلة من الهجمات المنسقة التي نفذتها مجموعات من المستوطنين تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي. وتركزت الاعتداءات في بلدتي بيتا وعصيرة القبلية شمال الضفة، حيث تعرض المزارعون والنشطاء المتضامنون لعمليات طرد قسري واعتداءات جسدية استدعت نقل عدد من المصابين إلى المستشفيات.

وأفادت مصادر ميدانية بأن جنود الاحتلال ساندوا المستوطنين في الاستيلاء على بساتين زيتون فلسطينية، مما أدى إلى اندلاع مواجهات أسفرت عن إصابة 12 فلسطينياً بجروح متفاوتة. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس من العام، حيث يمثل شهر أكتوبر الموعد التقليدي لقطاف الزيتون، الذي تحول هذا العام إلى ساحة مواجهة مفتوحة بفعل تصاعد العنف الاستيطاني.

وفي بلدة بيتا جنوب نابلس، باشر المزارعون عملهم في الصباح الباكر قبل أن تهاجمهم عصابات المستوطنين، ليتدخل جيش الاحتلال لاحقاً ويجبر الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم. وقد وثقت شهادات عيان اعتقال عدد من المواطنين واحتجاز ستة صحافيين لفترة من الوقت لمنع تغطية عمليات السرقة الممنهجة للمحاصيل التي تجري تحت أنظار الجنود.

المزارع محمد حمايل، أحد المتضررين في بيتا، أكد أن قوات الاحتلال تسعى بشكل واضح لتفريغ الأرض من أصحابها الأصليين لصالح المستوطنين. وأوضح حمايل أن المزارعين متمسكون بأرض آبائهم وأجدادهم رغم التهديدات المستمرة، مشيراً إلى أن ما يحدث هو محاولة لفرض واقع جديد بقوة السلاح قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة.

وفي قرية عصيرة القبلية، تسببت قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقها جنود الاحتلال في اشتعال حرائق واسعة في حقول الزيتون الجافة، مما ضاعف من خسائر المزارعين. وسارع الأهالي وفرق الإطفاء لمحاصرة النيران وسط استمرار التضييقات العسكرية التي تعيق وصول المزارعين إلى أراضيهم الواقعة قرب المستوطنات غير القانونية.

وتشير التقارير الحقوقية إلى أن هذه الاعتداءات ليست حوادث معزولة، بل هي جزء من حملة أوسع يقودها قادة المستوطنين مثل إليشع يارد، المرتبط بوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ويقوم هؤلاء المستوطنون بنصب كمائن للمزارعين وإطلاق النار باتجاههم، ثم نقل الزيتون المسروق إلى معاصر خاصة داخل المستوطنات في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية.

هدف الجيش كان إخلاء المنطقة للمستوطنين ليتمكنوا من قطف الزيتون.. هذه أرضنا وسنظل صامدين.

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان سجلت أرقاماً مفزعة خلال شهر سبتمبر الماضي، حيث بلغت الاعتداءات أكثر من 2051 انتهاكاً شملت تخريب نحو 14,600 شجرة زيتون. وتعكس هذه الأرقام حجم الاستهداف الممنهج للقطاع الزراعي الفلسطيني، الذي يعد العمود الفقري لاقتصاد آلاف العائلات في القرى والبلدات المتضررة.

وعلى الصعيد الدولي، أثارت هذه الانتهاكات قلقاً متزايداً، حيث بدأت بعض الدول مثل بريطانيا بفرض عقوبات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية رداً على العنف المتصاعد. ورغم هذه الضغوط، تواصل حكومة بنيامين نتنياهو توفير الغطاء السياسي والعسكري للمستوطنين، واصفة المعتدين بـ ‘الجانحين’ في محاولة للتنصل من المسؤولية الرسمية عن هذه الجرائم.

وفي مناطق أخرى من الضفة، أصيبت شابة فلسطينية بغاز الفلفل خلال هجوم للمستوطنين في قرية يبرود شرق رام الله، فيما تعرضت أشجار الزيتون في قرية المغير للتخريب المتعمد. وتتزامن هذه الهجمات مع اقتحامات عسكرية واسعة شملت جنين والخليل وبيت لحم وطوباس، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الميدانية المتفجرة أصلاً.

الإحصائيات الرسمية تشير إلى استشهاد 30 فلسطينياً برصاص المستوطنين منذ بداية العام الجاري، وهو ما يوضح التحول الخطير في دور المليشيات المسلحة بالضفة. ويجد المزارع الفلسطيني نفسه اليوم في مواجهة مزدوجة؛ فمن جهة يواجه رصاص المستوطنين وكمائنهم، ومن جهة أخرى يواجه آلة القمع العسكرية التي تحمي السارق وتلاحق صاحب الأرض.

ويبقى موسم الزيتون في فلسطين شاهداً على الصمود الأسطوري، حيث يصر الأهالي على التوجه إلى حقولهم رغم المخاطر المحدقة. ومع وجود أشجار معمرة يتجاوز عمرها آلاف السنين، كما في قرية الولجة، تظل معركة الزيتون رمزاً للصراع على الهوية والبقاء في وجه محاولات الاقتلاع والتهجير القسري التي تقودها حكومة الاحتلال.




“يكشيلي عليك يا زيتونة”

الحاجة محفوظة اشتية تستحضر وجع الموسم

 بتساؤل موجع، وصوت تختلط فيه الدهشة بالحسرة، تابعت الحاجة محفوظة اشتية، من بلدة سالم شرق نابلس، مقطعاً مصورا متداولا عبر منصات التواصل الاجتماعي، يظهر مستوطنين يسرقون ثمار أشجار الزيتون، ويقطفونها بضرب الأغصان بالعصي.

لم تكن تسأل عن هوية المعتدين بقدر ما كانت تستنكر ما تراه عيناها، كيف يمكن لإنسان أن يتعامل مع شجرة الزيتون بهذه القسوة، فيضرب أغصانها ويسلب ثمارها، دون أن يرى فيها حياة أو تعبا أو ذاكرة.

“يكشيلي عليك يا زيتونة”، عبارة خرجت من قلب يعرف جيدا معنى أن تُجرح شجرة زيتون، وأن يُنتزع من الأرض شيء لا يمكن تعويضه بسهولة.

فالحاجة محفوظة صاحبة صورة شهيرة تختصر حكاية شعب بأكمله، صورة احتضنت فيها زيتونة في أرضها، بعدما قطعها المستوطنون قبل نحو عقدين ونصف، وكأنها تحتضن إنسانا عزيزا فقدته.

في تلك الصورة، لم تكن الحاجة محفوظة تحتضن جذع شجرة مقطوعة فحسب، بل كانت تعانق ما تبقى من عمرها وذاكرتها، في مشهد تحول إلى رمز للعلاقة الوجدانية العميقة بين الفلسطيني وأرضه.

يومها، كانت الزيتونة المقطوعة شاهدة على اعتداء طال شجرة ارتبطت بحياة صاحبتها، فيما جسّد احتضان محفوظة لها وجعا يتجاوز خسارة شجرة أو موسم من الثمار.

وبعد نحو خمسة وعشرين عاما، لا تزال المشاهد تتكرر، وإن اختلفت تفاصيلها، أشجار تُقطع، وأخرى تُقتلع من جذورها، وثالثة تُحرق أو تُخرب، فيما تتعرض ثمار الزيتون للسرقة والنهب، في اعتداءات تطال المزارعين الفلسطينيين ومصدر رزقهم وارتباطهم بأرضهم.

الزيتونة مثل الأم

ترتبط الحاجة محفوظة اشتية بشجرة الزيتون بعلاقة تتجاوز حدود الأرض والمحصول، فهي بالنسبة إليها رمز للحياة والصمود، ورفيقة درب لا تنفصل عن ذاكرة الفلسطينيين ووجدانهم.

وفي سياق حديثها لـ “الحياة الجديدة” شبهت محفوظة شجرة الزيتون بالأم الفلسطينية التي تمنح بلا مقابل، وتصبر على قسوة الظروف، وتتشبث بالحياة لأجل أبنائها.

ولذلك، فإن مشهد ضرب الأشجار بالعصي وسرقة ثمارها في الفيديو الذي شاهدته لم يكن بالنسبة إليها مشهدا عابرا، بل وجعا أصاب شيئاً عزيزا على قلبها، وكأن الاعتداء طال جزءا من روحها.

كانت كلماتها أقرب إلى مناجاة شجرة تعرفها وتحبها، لا إلى تعليق على مقطع عابر في فضاء التواصل الاجتماعي.

فالزيتونة بالنسبة إليها ليست خشبا وأوراقا وثمارا، بل رفيقة عمر، وذاكرة مواسم، وشاهدة على حكايات العائلة والأرض.

ومن هنا، بدا تساؤلها “مستوطنين إلي بجدو ولا عرب” تعبيراً عفوياً عن استغرابها من قسوة المشهد.

وجع محفوظة، وجع نساء فلسطين

تحمل الحاجة محفوظة اشتية في حكايتها ملامح نساء فلسطين اللواتي ارتبطن بالأرض جيلا بعد جيل، وعرفن أن الزيتونة ليست محصولا موسميا فحسب، بل جزء من الهوية والذاكرة والكرامة.

نساء رافقن مواسم القطاف، وحملن الثمار إلى المعاصر، وانتظرن بركة الزيت في البيوت، وورّثن أبناءهن حب الشجرة والتمسك بالأرض.

ولذلك، فإن مشهد زيتونة تُقطع أو تُحرق أو تُنهب ثمارها لا يمر على قلوبهن كخبر عابر، إنه وجع شخصي، يشبه رؤية فرد من العائلة يتعرض للأذى.

وبين صورة محفوظة وهي تحتضن زيتونتها المقطوعة قبل نحو ربع قرن، وصوتها اليوم وهي تشاهد المستوطنين يضربون الأشجار بالعصي، تمتد حكاية امرأة لم يتغير حبها للأرض، وستظل جذورها ممتدة وحاضرة في الذاكرة والوجدان.