1

إسماعيل جمعة الريماوي

 لم يعد الحديث في إسرائيل عن إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد شعار انتخابي يرفعه اليمين المتطرف في مواسم التحريض، بل أخذ يتقدم سريعاً نحو التحول إلى سياسة رسمية ، فالمشروع الذي ظل لسنوات حبيس النقاشات البرلمانية عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، في ظل مناخ سياسي مشحون بالانتقام، وتحت عنوان تشريع ما يسمى “قانون إعدام الأسرى” ، وفي الوقت ذاته تتحدث تقارير عن استعدادات داخل مصلحة السجون الإسرائيلية وتجهيز ساحات خاصة لتنفيذ أحكام الإعدام، وكأن المشهد يُعاد ترتيبه ليصبح الإعدام أداة جديدة في إدارة الصراع.
هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في خطاب الكراهية والتحريض داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد تحولت فكرة الإعدام من مطلب هامشي لدى التيارات الأكثر تطرفاً إلى مشروع قانون يحظى بدعم سياسي متزايد داخل الحكومة والكنيست، في محاولة لتقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره وسيلة للردع والانتقام معاً.
لكن في الحقيقة، فإن إدخال عقوبة الإعدام إلى ملف الأسرى الفلسطينيين يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد تعديل قانوني،  فهو يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد تكتفي فيها بالسجن المؤبد أو الاعتقال الإداري أو تشديد ظروف الأسر، بل تم تحويل السجون نفسها إلى ساحات موت ، وفي ذلك رسالة واضحة بأن المؤسسة السياسية الإسرائيلية باتت ترى في حياة الأسرى مجرد ورقة أخرى في معادلة القوة.
فقد استشهد العديد من الاسرى في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب والاهمال الطبي في الفترة الأخيرة، لكن ذلك لم يعد كافيا بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف والذي يرى في الإعدام تعبيراً عن “الردع المطلق”، فيما يتجاهل أن هذه الخطوة قد تفتح باباً واسعاً لتصعيد غير مسبوق في الصراع، فالأسرى في الوعي الفلسطيني ليسوا مجرد معتقلين جنائيين كما تحاول إسرائيل تصويرهم، بل يمثلون رمزاً للنضال الوطني وذاكرة جماعية حاضرة في كل بيت فلسطيني تقريباً.
لذلك فإن تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى لن يُقرأ فلسطينياً كإجراء قانوني، بل كإعلان حرب على الحركة الأسيرة بأكملها، وسيعني عملياً إدخال الصراع إلى مرحلة جديدة تتجاوز حدود السجون إلى الشارع الفلسطيني والإقليم كله، لأن المساس بحياة الأسرى يحمل حساسية استثنائية في الوجدان الفلسطيني.
كما أن إقرار هذا القانون سيضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والمنظمات الحقوقية، إذ إن محاكمة الفلسطينيين تتم في الغالب أمام محاكم عسكرية تفتقر إلى أبسط معايير العدالة التي ينص عليها القانون الدولي، ما يجعل إصدار أحكام إعدام في مثل هذه الظروف قضية شديدة الخطورة على المستوى القانوني والإنساني.
في النهاية، قد تظن الحكومة الإسرائيلية أن المشانق قادرة على فرض الردع وكسر إرادة شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود ، لكن تاريخ الصراع في فلسطين يقول شيئاً مختلفاً تماماً، فالسجون لم تُنهِ المقاومة، والاغتيالات لم تُطفئ فكرة الحرية، والمشانق نفسها لم تكن يوماً نهاية الحكاية، بل كثيراً ما تحولت إلى بداية فصل جديد أكثر اشدتعالاً في تاريخ الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها.




سهل رامين تحت التهديد: إخطار باقتلاع مئات أشجار الزيتون لتوسعة طريق استيطاني شرق طولكرم

في خطوة جديدة تستهدف الأرض والإنسان في الريف الفلسطيني، أخطرت سلطات الاحتلال العشرات من مزارعي سهل رامين شرق مدينة طولكرم بضرورة قلع مئات أشجار الزيتون المعمرة، تمهيدًا لتوسعة طريق استيطاني يربط بين عدد من المستوطنات في المنطقة، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة لدى المزارعين من فقدان المزيد من أراضيهم الزراعية ومصدر رزقهم.

وأوضح الناشط المجتمعي منال زيدان أن الاحتلال، وبمساندة المستوطنين، يواصل سياسة مصادرة الأراضي الزراعية في سهل رامين بهدف شق وتوسعة الطرق الاستيطانية، ومنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. وقدّر زيدان المساحة المستهدفة بنحو 1500 دونم تمتد من أراضي قرى برقة وسبسطية ورامين وصولًا إلى حدود بلدة عنبتا، مؤكدًا أن المزارعين لم يتمكنوا منذ نحو ثلاث سنوات من الوصول إلى أراضيهم وفلاحتها.

وقال المزارع والناشط ضد الاستيطان محمد سلمان إنه تفاجأ بقرار جديد يقضي بمصادرة المزيد من الأراضي الزراعية لتوسعة شارع مخصص للمستوطنين على حساب أراضي القرية، واصفًا القرار بأنه ضربة قاسية للمزارعين الذين يعتمدون على هذه الأراضي كمصدر رئيسي للرزق.

وأوضح المزارع عادل سلمان أن الأراضي المستهدفة تمتد من مفرق مستوطنة عناب وصولًا إلى مفرق قرية رامين، وتضم مئات أشجار الزيتون المعمرة. وأضاف أن سلطات الاحتلال طلبت من المزارعين اقتلاع الأشجار وإعادة زراعتها في مناطق أخرى، وهو ما رفضه المزارعون باعتباره إجراءً غير قانوني يمس بحقوقهم في أرضهم.

وأشار سلمان إلى أن الطريق الاستيطاني المزمع توسعته يمتد على مساحة تقارب نصف كيلومتر مربع، لافتًا إلى أن قرار الاحتلال صدر في تمام الساعة التاسعة مساء، ومنح المواطنين مهلة لا تتجاوز 24 ساعة فقط لتقديم الاعتراضات.

وفي سياق متصل، أكد سلمان أن اعتداءات المستوطنين على أراضي وممتلكات المواطنين تصاعدت منذ السابع من أكتوبر، حيث مُنع سكان قرية رامين من الوصول إلى أكثر من 2000 دونم من أراضيهم الزراعية في سهل رامين.

وأضاف أن المستوطنين أقدموا على إحراق 28 دونمًا من أراضيه الزراعية، كانت تضم نحو 500 شجرة زيتون و350 شجرة لوز، ضمن مساحة تُقدّر بنحو 1000 دونم تعرضت للحرق في السهل، وجميعها تعود لمزارعين من سكان القرية.

كما لفت إلى أن المستوطنين أقاموا بؤرة رعوية في منطقة وادي الشعير في سهل رامين، قدموا إليها من مستوطنة شافي شمرون، واستقروا بدعم من جيش الاحتلال الذي يقف – وفق قوله – صامتًا أمام الاعتداءات المتكررة وحرق الأراضي الزراعية.

ويبقى سهل رامين شاهدًا على معركة يومية يخوضها المزارع الفلسطيني دفاعًا عن أرضه ووجوده. فبين قرارات المصادرة واعتداءات المستوطنين، يصرّ الأهالي على التمسك بأرضهم وزيتونهم، مؤكدين أن هذه الأرض التي رُويت بعرق الأجداد ستبقى عنوان الصمود والبقاء رغم كل التحديات .




في يوم المرأة العالمي.. 72 أسيرة يواجهن التعذيب والانتهاكات في سجون الاحتلال

 يحلّ يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، مناسبةً للاحتفاء بإنجازات النساء ونضالاتهن من أجل العدالة والمساواة، غير أنّ هذه المناسبة في فلسطين تأتي مثقلة بواقع مختلف؛ إذ تعيش المرأة الفلسطينية تحت منظومة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تختلط رمزية هذا اليوم بقصص الفقدان والقمع والحرمان والمعاناة.

وفي هذا السياق، تبرز قضية الأسيرات الفلسطينيات بوصفها إحدى القضايا المركزية التاريخية المرتبطة بمحاولات الاحتلال المتواصلة لاستهداف الوجود الفلسطيني وتقويض دور المرأة الفلسطينية.

إحصائيات الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال

تواصل سلطات الاحتلال اعتقال 72 أسيرة فلسطينية، معظمهن في سجن الدامون، بينهن ثلاث قاصرات و32 أمًا لديهن 130 طفلًا.

17أسيرة معتقلة إداريًا دون محاكمة.

5 أسيرات محكومات بأحكام متفاوتة، أعلى حكم للأسيرة شاتيلا عياد بالسجن 16 عامًا.

50 موقوفة لم تصدر بحقهن أحكام بعد، 16 منهن على خلفية ما يُسمّى “التحريض”.

من حيث الوضع الصحي: أسيرة جريحة، و18 أسيرة مريضة، منها ثلاث مصابات بالسرطان، و12 طالبة جامعية، وثلاث طالبات مدارس.

جغرافيًا، تتركز الغالبية في الضفة الغربية بما فيها القدس (69 أسيرة)، وثلاث أسيرات من الداخل الفلسطيني المحتل.

حملات اعتقال ممنهجة وغير مسبوقة

منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، صعّدت قوات الاحتلال حملات الاعتقال بحق النساء الفلسطينيات في جميع المناطق.

استهدفت الاعتقالات نساء من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية، بما في ذلك القاصرات، طالبات جامعيات، ناشطات، وربّات بيوت، لتعكس سياسة توسع دائرة الاستهداف لتشمل الحاضنة المجتمعية.

في غزة، ترافقت الاعتقالات مع الانتهاكات الجسيمة، من بينها الإخفاء القسري.

التنكيل والإذلال أثناء الاعتقال

تعرضت غالبية المعتقلات لانتهاكات جسدية ونفسية منذ لحظة القبض عليهن، سواء من منازلهن بعد اقتحامها أو عند مرورهن عبر الحواجز العسكرية:

اقتحام المنازل: كسر الأبواب، تخريب المحتويات، التهديد بالسلاح، الصراخ.

الحواجز العسكرية: احتجاز لساعات، ضرب ودفع، تقييد الأيدي، عصب العيون.

النقل في الآليات العسكرية: أوضاع مؤلمة، منع استخدام دورات المياه.

توضح شهادات الأسيرات أن هذه الممارسات لم تعد تقتصر على فترة قصيرة، بل امتدت عبر مراحل التحقيق والاحتجاز، ما جعل السجون ساحات للتنكيل والتدمير الممنهج.

الاعتقال كأداة ضغط وانتقام جماعي

استُخدمت النساء كرهائن للضغط على أفراد عائلاتهن المعتقلين.

شملت هذه السياسة زوجات أسرى، أمهات، شقيقات، وحتى مسنّات تجاوزن السبعين عامًا.

تعرضت المعتقلات للتهديد بالقتل، مصادرة الأموال والمصاغ، وترويع الأطفال، ضمن سياسات الانتقام الجماعي.

شهادة إحدى الأسيرات (م.م): تعرضت للتنكيل أثناء اعتقالها بهدف الضغط على والدها المعتقل، حيث نقلت من التحقيق إلى سجن الدامون بعد 27 يومًا من التحقيق المكثف، شملت الضرب، العزل، الحرمان من النوم، والتفتيش العاري.

تصاعد الاستهداف بتهمة “التحريض”

توسع الاحتلال تفسير “التحريض” ليشمل المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى إعادة النشر والتفاعل مع المحتوى.

شمل الاعتقال الصحفيات، الناشطات، طالبات الجامعات، زوجات وأمهات أسرى وشهداء.

الاعتقال الإداري

شهد تصاعدًا غير مسبوق منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية.

17أسيرة إداريًا على الأقل، بينها طفلة.

يُحتجزن دون لائحة اتهام، بملف سري، مع تجديد متكرر، ما يتركهن وعائلاتهن في حالة انتظار مفتوحة وحرمان من محاكمة عادلة.

واقع الأسيرات في سجن الدامون

سياسات تعذيب وتجويع وإذلال، منذ التحقيق مرورًا بسجن “هشارون” كمحطة مؤقتة، وصولًا إلى الدامون.

حرمان من العلاج الطبي، الملابس والأغطية الكافية، استخدام الطعام كأداة إذلال.

وجود ثلاث أسيرات مصابات بالسرطان، واحدة معتقلة إداريًا وأخرى على خلفية التحريض.

العزلة المضاعفة، حرمان من زيارات العائلة، ولجنة الصليب الأحمر.

سجن “هشارون”: محطة للإذلال قبل النقل إلى “الدامون”

زنزانة قذرة، طعام قليل، تفتيش عاري.

شهادات الأسيرات تشير إلى التعرض للضرب أثناء النقل والاحتجاز، ومعاملة مهينة نفسياً وجسدياً.

عمليات القمع المستمرة

اقتحامات بمرافقة الكلاب البوليسية، تفتيش عاري، مصادرة الملابس، العزل، إجبار على الجلوس في أوضاع مهينة.

تعرضت بعض الأسيرات للضرب والشلوط، وكسور في الجسم، وتوثيق مقاطع فيديو كأداة إذلال.

الاعتداءات الجنسية والتفتيش العاري

وثقت شهادات عديدة حالات تحرش واعتداءات جنسية، من بينها تفتيش عاري وإذلال مستمر.

الأمم المتحدة أكدت وجود تقارير موثوقة عن اعتداءات جنسية وصلت إلى حد الاغتصاب.

شهادات الأسيرات (ر.ر) و(ل.ي) تؤكد تعرضهن للتفتيش العاري، وتجريدهن من الملابس، والحرمان من الخصوصية الأساسية.

التوصيات والنداء الدولي

الحاجة الملحة لتحرك دولي جاد، وتطبيق الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال غير شرعي.

الإفراج الفوري عن جميع الأسيرات دون قيد أو شرط، وإنهاء الانتهاكات داخل السجون.

ضمان حقوق النساء الفلسطينيات وفق القوانين والمواثيق الدولية، وتحويل السجون إلى بيئة تحترم كرامة الإنسان بدل أن تصبح ساحات جريمة إبادة مستمرة.




عائلة مرشود.. هريسة بالوراثة

عبد الباسط خلف- يرسم محمد ماهر ذيب مرشود شجرة عائلته، التي ورثت صناعة حلوى الهريسة في جنين، منذ عقود.

ويقص لـ “الحياة الجديدة” سيرة الحلوى التقليدية التي لازمت أسرته، فقد ورث الشاب محمد المهنة عن أبيه الستيني ماهر، فيما تعلم والده أصول الهريسة عن الجد ذيب، الذي لازم الصنعة عدة عقود، قبل أن يرحل خلال 2019 عن أكثر من 100 عام.

ويضيف أن أعمامه يوسف (85 عامًا)، وسامر، ومازن، إضافة إلى والده يتوزعون على عدة نقاط في المدينة للترويج لطبق الحلوى الشعبي منخفض التكاليف.

ويؤكد مرشود أن عائلته تنحدر من بلدة كفر راعي، جنوب جنين، لكنها عاشت في المدينة منذ عقود، وبدأ الجد بصنع الحلوى عام 1950، ووقتها كان يخبزها على الحطب، قبل أن تتغير الظروف.

ويشير مرشود إلى أن فرن العائلة الموجود على تخوم البلدة القديمة تعرض للهدم مرتين من جرافات الاحتلال ودباباته خلال انتفاضة الحجارة عام 1988، وأثناء الاجتياح الكبير للمدينة ومخيمها عام 2002، وأعيد إقامته دون حطب.

وتتقاسم العائلة أسرار الهريسة وصيتها مع عائلة دلبح، وتصنع الحلوى على مدار العام، لكنها تضيف للهريسة عدة أطباق أخرى في شهر رمضان، كتقليد سنوي تلبية لرغبة الصائمين.

ووفق العائلة، فإن الهريسة ملتصقة بسيرة جنين، وتشبهها بـ”كنافة الفقراء”، وتبدل حال صناعتها من الحطب إلى الغاز، وتعاقبت عليها أجيال عديدة.

وتعلم محمد المهنة في طفولته المبكرة، وصار اليوم معلمًا فيها، وينوي توريثها لأبنائه في المستقبل.

وتطوّع عائلة مرشود سميد القمح، والسكر، والسمن، والطحينية، واللبن معًا، وتضيف إليها الفستق أو الكاشو أو اللوز في طبق دائري كبير.

ويلخص مازن مرشود، الستيني الذي أمضى غالبية عمره في صناعة الهريسة وبيعها، التغيرات التي عصفت بمهنته، فقد اختلفت طريقة الخبز، وتصاعدت أسعار مستلزمات الإنتاج بأرقام قياسية، واختلفت طريقة التغليف، وارتفع الثمن كثيرًا.

ويفيد بأنه كان يبيع الحلوى بكراتين الأحذية الفارغة، وأوراق الصحف، والدفاتر، قبل أن تجري طريقة البيع بأطباق صحية ونظيفة، مع تغليف السدور الكبيرة، التي تتسع لقرابة 14 كيلو غرامًا، وتشديد إجراءات السلامة والرقابة.

وتحافظ العائلة على سعر معتدل لما تصنعه، بالرغم من الارتفاعات المتتالية لمستلزمات الإنتاج، إذ كان كيس السميد بنحو 60 شيقلًا وبوزن أكبر، لكنه اليوم بـ 250 شيقلًا.

ويؤكد مازن أن الهريسة تتطلب وقتًا لتحضيرها، بينما تتراجع طلبات الزبائن عليها لصالح أصناف أخرى، تقدمها العائلة لهم.

ويتابع: ورثت أنا وثلاثة من إخوتي المهنة، بينما توزع الثلاثة الآخرون على بيع اللحوم والحلاقة.

وحسب العائلة، فإن هريسة جنين توزع اليوم في عدة بلدات حول المدينة، وتتنقل بين عدة محافظات، ووصلت إلى الأردن والإمارات، وتعد الحلوى المفضلة لزائري المدينة خاصة من أبناء الجولان السوري المحتل، والقرى الأبعد عن قلب جنين.

ويجمل مرشود الابن: تعلمت أنا وأخي ذيب الصنعة، وأتقنها أيضًا أخي الأسير أحمد، ونعفي أمي من صناعة الحلوى في المنزل، فنحن ووالدي نتكفل بالمهمة.

عبد الباسط خلف- يرسم محمد ماهر ذيب مرشود شجرة عائلته، التي ورثت صناعة حلوى الهريسة في جنين، منذ عقود.

ويقص لـ “الحياة الجديدة” سيرة الحلوى التقليدية التي لازمت أسرته، فقد ورث الشاب محمد المهنة عن أبيه الستيني ماهر، فيما تعلم والده أصول الهريسة عن الجد ذيب، الذي لازم الصنعة عدة عقود، قبل أن يرحل خلال 2019 عن أكثر من 100 عام.

ويضيف أن أعمامه يوسف (85 عامًا)، وسامر، ومازن، إضافة إلى والده يتوزعون على عدة نقاط في المدينة للترويج لطبق الحلوى الشعبي منخفض التكاليف.

ويؤكد مرشود أن عائلته تنحدر من بلدة كفر راعي، جنوب جنين، لكنها عاشت في المدينة منذ عقود، وبدأ الجد بصنع الحلوى عام 1950، ووقتها كان يخبزها على الحطب، قبل أن تتغير الظروف.

ويشير مرشود إلى أن فرن العائلة الموجود على تخوم البلدة القديمة تعرض للهدم مرتين من جرافات الاحتلال ودباباته خلال انتفاضة الحجارة عام 1988، وأثناء الاجتياح الكبير للمدينة ومخيمها عام 2002، وأعيد إقامته دون حطب.

وتتقاسم العائلة أسرار الهريسة وصيتها مع عائلة دلبح، وتصنع الحلوى على مدار العام، لكنها تضيف للهريسة عدة أطباق أخرى في شهر رمضان، كتقليد سنوي تلبية لرغبة الصائمين.

ووفق العائلة، فإن الهريسة ملتصقة بسيرة جنين، وتشبهها بـ”كنافة الفقراء”، وتبدل حال صناعتها من الحطب إلى الغاز، وتعاقبت عليها أجيال عديدة.

وتعلم محمد المهنة في طفولته المبكرة، وصار اليوم معلمًا فيها، وينوي توريثها لأبنائه في المستقبل.

وتطوّع عائلة مرشود سميد القمح، والسكر، والسمن، والطحينية، واللبن معًا، وتضيف إليها الفستق أو الكاشو أو اللوز في طبق دائري كبير.

ويلخص مازن مرشود، الستيني الذي أمضى غالبية عمره في صناعة الهريسة وبيعها، التغيرات التي عصفت بمهنته، فقد اختلفت طريقة الخبز، وتصاعدت أسعار مستلزمات الإنتاج بأرقام قياسية، واختلفت طريقة التغليف، وارتفع الثمن كثيرًا.

ويفيد بأنه كان يبيع الحلوى بكراتين الأحذية الفارغة، وأوراق الصحف، والدفاتر، قبل أن تجري طريقة البيع بأطباق صحية ونظيفة، مع تغليف السدور الكبيرة، التي تتسع لقرابة 14 كيلو غرامًا، وتشديد إجراءات السلامة والرقابة.

وتحافظ العائلة على سعر معتدل لما تصنعه، بالرغم من الارتفاعات المتتالية لمستلزمات الإنتاج، إذ كان كيس السميد بنحو 60 شيقلًا وبوزن أكبر، لكنه اليوم بـ 250 شيقلًا.

ويؤكد مازن أن الهريسة تتطلب وقتًا لتحضيرها، بينما تتراجع طلبات الزبائن عليها لصالح أصناف أخرى، تقدمها العائلة لهم.

ويتابع: ورثت أنا وثلاثة من إخوتي المهنة، بينما توزع الثلاثة الآخرون على بيع اللحوم والحلاقة.

وحسب العائلة، فإن هريسة جنين توزع اليوم في عدة بلدات حول المدينة، وتتنقل بين عدة محافظات، ووصلت إلى الأردن والإمارات، وتعد الحلوى المفضلة لزائري المدينة خاصة من أبناء الجولان السوري المحتل، والقرى الأبعد عن قلب جنين.

ويجمل مرشود الابن: تعلمت أنا وأخي ذيب الصنعة، وأتقنها أيضًا أخي الأسير أحمد، ونعفي أمي من صناعة الحلوى في المنزل، فنحن ووالدي نتكفل بالمهمة.




وثائق إسرائيلية رسمية تعزز الرواية الفلسطينية حول مجازر النكبة والتهجير القسري

أفادت مصادر صحفية بأن وثائق إسرائيلية كُشف عنها مؤخراً تضمنت تفاصيل إضافية حول أحداث النكبة عام 1948، حيث أكدت هذه الوثائق صحة الرواية الفلسطينية المتعلقة بالتهجير القسري والمجازر المرتكبة. واعتبرت قراءات تحليلية أن هذه الوثائق لا تقدم حقائق مجهولة بقدر ما توثق رسمياً ما نقله الفلسطينيون عبر أجيالهم المتعاقبة من شهادات حية وواقعية.

وانتقدت الكاتبة الإسرائيلية عميرة هاس محاولات تصوير هذه الوثائق كـ ‘اكتشاف مفاجئ’ للحقيقة، مشيرة إلى أن الفلسطينيين لم ينتظروا فتح الأرشيفات الإسرائيلية ليروا مأساتهم. وأوضحت هاس في مقال لها أن شهادات الناجين والمهجرين كانت كافية لصياغة رواية متماسكة عن التطهير العرقي الذي مورس ضدهم منذ اللحظات الأولى للصراع.

وأشارت المصادر إلى أن المؤرخين الذين استعرضوا هذه الوثائق، ومن بينهم آدم راز، اعتمدوا في أبحاثهم على أعمال مؤرخين فلسطينيين بارزين مثل صالح عبد الجواد وعادل منّاع. هؤلاء الباحثون استندوا بدورهم إلى الذاكرة الشفوية الدقيقة لأهالي القرى والمدن المهجرة، مما يثبت أن المعرفة الفلسطينية بالحدث كانت سابقة للتوثيق الأكاديمي العبري.

وتطرقت التقارير إلى قضية حجب المعلومات، حيث كشفت أن الأرشيفات الإسرائيلية تضم نحو 17 مليون ملف، لا يزال أكثر من 16 مليون ملف منها مغلقاً أمام الجمهور والباحثين. ويرى مراقبون أن استمرار إخفاء هذه الوثائق يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الجرائم الموثقة فيها، والتي لو كانت تنفي الرواية الفلسطينية لسارعت السلطات بنشرها.

الوثائق الإسرائيلية لا تنشئ حقيقة من العدم، بل تضيف تفاصيل دقيقة لرواية فلسطينية ظلت قائمة وموثقة بشهادات الناجين منذ اللحظة الأولى للنكبة.

كما لفتت التحليلات إلى وجود ‘هرمية للحقيقة’ في الأوساط الإسرائيلية، حيث يتم منح المصداقية للوثيقة الرسمية المسربة بينما يتم تهميش شهادات الضحايا الفلسطينيين. ومع ذلك، أثبتت التجارب التاريخية أن الوثائق الرسمية غالباً ما تأتي لاحقاً لتؤكد صحة ما قاله الفلسطينيون عن ممارسات الاحتلال في الميدان.

وضربت الكاتبة أمثلة على ذلك من التاريخ القريب، مثل استخدام الفوسفور الأبيض ضد المدنيين في قطاع غزة واستهداف العائلات بشكل مباشر خلال الحروب المتلاحقة. هذه الوقائع التي أنكرتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في البداية، عادت الوثائق والتحقيقات الرسمية لتثبت حدوثها تماماً كما رواها شهود العيان الفلسطينيون.

وفي الختام، شددت القراءة التحليلية على أن جوهر القضية الفلسطينية والتهجير لم يكن يوماً غامضاً أو بحاجة لشهادة من الجاني ليكون حقيقة. فالرواية الفلسطينية بقيت حية في ذاكرة ‘الحاضرين الغائبين’ وفي سرديات المقاومة، والوثائق الجديدة ليست سوى تفاصيل تقنية تضاف إلى حقيقة تاريخية راسخة ومعمدة بالدم واللجوء.