1

العدوان على غزة يحرم الشابة أبو ختلة من حلمها في الأمومة

لميس الأسطل- تجلس الشابة ريم أبو ختلة في زاوية خيمتها؛ لتشاهد صور الأطفال على هاتفها، لتتسلل منها دموع صامتة على وجنتيها، تغطيها بابتسامة مقهورة على شفتيها بعد أن سلبها العدوان الإسرائيلي على قطاغ غزة بذرة أمل كادت أن تزرع داخل رحمها بعد تخصيبه؛ لتنبت منه طفلا يناديها “ماما”، بإغلاق المعابر وحرمانها من السفر للعلاج.

راودت أبو ختلة، البالغة من العمر 33 عاما، من محافظة خان يونس أحلام الأمومة منذ صغرها، متمنية حمل طفل بين أحشائها، ووهبه نبضا وحياة تحاول فيها قدر المستطاع رسم البسمة على وجهه وتلبية احتياجاته ومطالبه، لكن القدر كان له رأي آخر.

تقول: “تزوجت منذ خمسة أعوام، ولكن حرمنا أنا وزوجي من إنجاب الأطفال لمشاكل صحية؛ فبعد ستة أشهر توجهنا إلى الأطباء في قطاع غزة، وجميعهم أفادونا بعدم قدرتنا على الإنجاب إلا عبر زراعة طفل أنابيب”.

وتضيف أبو ختلة: “بعد فترة كبيرة من محاولاتنا بأخذ العلاج والأدوية والإبر الطبية، أجرينا العملية الأولى لزراعة طفل إلا أنها باءت بالفشل؛ فتأثرت نفسيا، وشعرت بالحزن الشديد، وبقي قلبي مكسورا حتى اللحظة؛ فتوجهت لأخذ مهدئات ومسكنات للقلق والتوتر؛ حتى أستطيع النوم”.

وتستكمل بصوت مرتجف: “لم أيأس وزوجي من هذا الأمر؛ فقمنا بادخار المال اللازم مرة أخرى، وبعت قطع الذهب الخاصة بي للسفر إلى مصر؛ للحصول على العلاج اللازم وزراعة طفل الأنابيب، وبعد استكمال كافة الإجراءات اللازمة وإدراج اسمينا على قائمة المسافرين في الثامن من أكتوبر عام 2023 طرقت الحرب أبوابها في اليوم السابق، فأغلقت نافذة الأمل لدينا”.

وتوضح أبو ختلة: “حرمني الاحتلال الإسرائيلي من أسمى حقوقي كامرأة “الأمومة”، فدوما ما أنظر إلى الأطفال من حولي وغيري من النساء الحوامل نظرة حسرة وألم، متحسسة بطني باستمرار، مغلقة عيني لأشعر باحتضان صغاري لي من حولي في مخيلتي”.

وتشير والدموع تنهمر من عينيها: “قلبي متعلق بالأطفال بصورة كبيرة؛ فأحنو عليهم وأحتضنهم بحب كبير، ولكن نظرة المجتمع لنا وصمة عار لعدم قدرتنا على الإنجاب، الأمر الذي يجعلني أتجنب الجلوس مع الناس، مكتفية بالانطواء على نفسي، محدثة ذاتي بكرم الله وإذا ما أعطى أدهشنا بعطائه”.

وتستكمل أبو ختلة حديثها قائلة: “خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حاولنا الذهاب إلى النقاط الطبية، لكن دون جدوى؛ فلم يكن هناك أي نوع من أنواع العلاج المتوافر، حتى أنني لجأت للعلاج العربي وقامت الطبيبة بإعطائي وصفة معينة، لكن مكوناتها لم تكن متوافرة وإن توافرت فبأسعار باهظة”.

وتتابع: “شعرت بغصة كبيرة في إحدى المرات، عندما جاءت مبادرة لتوزيع الخضراوات على العائلات في مخيمنا للنازحين، وعندما أظهرت لهم هويتي، اعتذروا مني قائلين إنه ليس لدينا أطفال، وبالتالي لا نعتبر عائلة، فلم يكن لنا نصيب منها”.

وتلفت أبو ختلة إلى أنها كانت دوما تبتاع الكثير من ملابس الأطفال وترتبها داخل خزانتها، متخيلة ابنها أنس؛ نسبة إلى خادم رسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم-، وابنتها ماريا؛ نسبة إلى زوجته، يرتديانها وهما بين أحضانها.

وتصف إحساسها قائلة: “أشعر بسعادة لا مثيل لها تغمرني عندما أتخيل نفسي وأنا أشتم رائحة أطفالي، لكن سرعان ما تتحول هذه الرائحة إلى رائحة دخان إثر حرق مشاعري”.

وتروي أبو ختلة أنها رغم معاناتها وألمها الكبير إلا أنها تدعم النساء ممن حولها صاحبات القضية نفسها، مؤكدة دور الكلمة الطيبة في الدعم النفسي لهن، وعلى دعم زوجها لها ومساندتها في كافة الأوقات وتمسكها به رغم كل ما يقال.

وتختتم حديثها قائلة: “أرجو من جميع المنظمات الطبية والإنسانية مساعدتي في جعل حلم الأمومة لا يندثر، بعد أن  تحولت أوراقنا الطبية إلى أرشيف من الأحلام المؤجلة”.




طواحين وادي الفارعة “تبكي” حارسها الأخير

عبد الباسط خلف- استفاقت طواحين وادي الفارعة صباح الجمعة الماضي على رحيل حارسها الأخير علي مثقال الحمود، الذي ظل يسكنه الشوق طوال حياته لطواحين قريته الوادعة، فقد عاصرها قبل أفول نجمها، وكان أحد عناوين فلاحة أرضها.

وبكت وادي الفارعة بطواحينها وشيبها وشبابها في أول نهارات عيد الأضحى المبارك الحاج أبو مازن، الذي قضى جراء مضاعفات حادث سيرقبل نحو شهر.

وتستذكر “الحياة الجديدة” رواية الحمود التي باح بها قبل سنوات من توقف قلبه عن عشق قريته، واستعاد فيها شباب ينابيع الفارعة التي كانت تتدفق في الوادي بقوة، وأقيمت على حوافها 12 مطحنة قمح تعمل بالماء، وبقيت 3 منها تدور حتى عام 1972، وهي: الدبورية، والزكية، والمشاقية.

وظل الحمود، 79 عاما، يتذكر جيدا جمعه ورفاقه للأسماك من محيط عيون الفارعة، ولم تسقط من ذاكرته حكاية أمه عن أخه الأكبر أحمد الذي توفي بعدما غرق في إحدى الطواحين لشدة تدفق الماء.

ماء و”مندلينا”

ومما باح به المرحوم: كنا نمشي في “طريق تركيا” كل يوم من وادي الربيعية، ونصل بقايا جسر عثماني قديم، ثم نشاهد القادمين على الخيول والدواب، الذين يحملون القمح لطحنه.

وحسب شهادة الحمود، فقد اختفت طواحين الوادي: الميثلونية، والدبورية، والربيعية، والمشاقية، والطوباسية، والطمونية، والزكية، وأخواتها، وبقيت أطلال بعضها، وذكريات شفوية للذين شاهدوها، وهي تعمل بكل طاقتها أيام الحكم العثماني، ثم عاصرها الجيل التالي، فكان أصحاب الطواحين يجمعون الماء في خرطوم خشبي، ويدفعون به إلى حوض في أسفل البناء، وحين يصب الماء على الحجر المربوط بالأنبوب العلوي، يدور دولاب الطاحونة بقوة كبيرة.

ومما قاله الحاج أبو مازن إنه كان أساس الطواحين العمود الخشبي الذي يشبه محرك الجرار الزراعي الذي يشغل الأدوات الزراعية، فهو مربوط بحجر كبير في الأعلى، وحين يتحرك يبدأ طحن الحبوب، وإن أراد إيقاف الدولاب، يقترب من طاقة علوية مربوط فيها ألواح خشبية عريضة كان يسميها الأطفال “مندلينا”، حين تسحب يتوقف تدفق الماء عن فراشات المحرك، وإن أراد إعادة تشغيلها يسحب نحوه في جهة معاكسة. فيما كانت أسفل قناطير الطاحونة تسمى “النذر”، وهي منطقة مرتفعة تجري في داخلها المياه، وتحتها حوض الطاحونة في الأسفل.

واستنادا إلى إفادة الراوي الراحل، فإن طواحين الفارعة كلها كانت تسير بالتتابع، فحين يصل الماء لأول الطواحين وتدور رحاها، تنتقل المياه بسرعة إلى الطاحونة التالية، وهكذا وصولا إلى الطاحونة الأخيرة، عند جسر الملاقي (الذي يجمع وادي الفارعة بوادي الباذان)، وكلها في خط سير الوادي ذاته.

أجور وطحين

وحسب الحمود، فقد كان بعض أصحاب الطواحين يتقاضون ربع الدقيق بدل طحن الحبوب، وبعضهم يأخذ ثلث الطحين، ولم تكن النقود دارجة حتى توقفها عام 1972، ولم تجف ينابيع الوادي طوال عمل الطواحين، فقد كانت الأمطار غزيرة دائما.

وأضاف: كنت أزرع البطيخ والبندورة والخيار والفستق والشمام في الأراضي الوعرة فوق الوادي، وكنا نسحب الماء من آبار عديدة قبل جفافها، وفي مواسم المطر الجيدة كان الوادي يجمع كميات كبيرة من المطر ثم تشربها الأرض، أو تظل تجري حتى جسر الملاقي وتصل نهر الأردن. أما هذه الأيام فمياه الأمطار تتوقف فترة قصيرة، ثم تشربها الأرض، وقد بدأنا نعاني جفاف الآبار منذ بداية الثمانينيات.

اسـتأجر الحمود 30 دونما في المنطقة قبل عام 1967 بـ 60 دينارا لعشر سنوات، وكان يسحب المياه من المنطقة إلى سهل سميط، وحتى في الأراضي الوعرية كان وزن البطيخة الواحدة يفوق 20 كيلوغراما.

وحسب الراوي، فقد جفت بساتين الحمضيات في الوادي وينابيعه، ولم يتبق من طواحين الهواء إلا بعض الآثار المتداعية، وصارت بعض أماكن الطواحين مكرهة تجمع الخنازير، وتجمع ماء المجاري، وتلفظ مطاحن الحبوب آخر أنفاسها، بسبب انتشار المخابز الآلية، وتوقف معظم الناس عن صناعة خبزهم بأنفسهم.

وشيع أهالي وادي الفارعة الحاج الحمود، وفتح رحيله وجع ذكرياتهم على مصراعيها، فقد كان بكوفيته الحمراء وعكازه الأصفر، أحد رجالات القرية وأقدم مزارعيها، ومن أواخر حراس ذكريات طواحينها، التي اندثرت قبل نحو 50 عاما.

سيرة ومطاردة

ويقول ابنه البكر إن والده أبصر النور عام 1946، وتعلم حتى السادس الأساسي في قرية طلوزة، والتصق بالأرض وفلاحتها في سن مبكر، وتعرض لملاحقة جيش الاحتلال بعد وقت قصير من النكسة، ومنع من الحصول على رخصة قيادة.

ورزق الحمود بـ 5 أولاد و4 بنات، وله 70 حفيدا، وتعرض لحادث سير صعب خلال تحضير لزفاف حفيده الذي يحمل اسمه، وفصل لهذا الفرح المؤجل 3 بذلات رسمية، لكنهه رحل دون أن يرتديها.




معرض مريم لرانيا العامودي.. جدائل الذاكرة الفلسطينية في وجه الحرب

عبير البرغوثي- في غاليري “باب الدير” بمدينة رام الله، تعرض الفنانة الفلسطينية رانيا العامودي معرضها الفني الجديد بعنوان “مريم”، الذي يجسد حكاية بصرية تنطلق من الوجع الشخصي لتلامس ذاكرة الفلسطينيين الجمعية.

المعرض الذي يستمر حتى العشرين من حزيران الجاري، يضم خمسة عشر عملا فنيا تتنوع بين لوحات زيتية وأخرى بألوان الأكريليك على القماش، توثق فيها عبر اللون والشكل قصة التقطتها من لقاء سابق مع الطفلة “مريم”، التي تقاطعت حكايتها مع مشاهد الدمار والمعاناة اليومية في غزة ومخيمات شمال الضفة الغربية.

توثيق الذاكرة في مواجهة الغياب

في جميع لوحات المعرض، يتكرر حضور المرأة، والأطفال، والعائلة، والعرس، في محاولة واعية لتوثيق مفردات مهددة بالغياب بفعل الحروب والنكبات. تحرص العامودي على دمج المشاهد الداخلية بالمناظر الخارجية، في سرد فني يستكشف العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان في السياق الفلسطيني.

“مريم”: تجربة فنية تروي الوجع الفلسطيني

في معرضها الأخير، تتناول العامودي شخصية “مريم” التي ولدت من لقائها بامرأة فلسطينية أثناء عملها معلمة للتربية الفنية في شمال الضفة الفلسطينية المحتلة خلال انتفاضة الأقصى. تجسد اللوحات معاناة المرأة الفلسطينية، خاصة في غزة، وتظهر قوتها وصلابتها، لكنها في الوقت ذات تبرز هشاشتها الداخلية وآلامها. تظهر اللوحات مشاهد من الحياة اليومية، مثل ليلة الحناء الفلسطينية، حيث تجتمع النساء حول العروس، ويحيطها الخوف من الحرب في الخلفية. كما تصور أما تحتضن طفلها، بينما يقف آخر بعكاز بجوارها، في خلفية طبيعية تظهر شجرة زيتون، جبال بعيدة، وأرض قروية، تعكس الصراع القائم في الواقع.

“مريم”، بالنسبة لرانية العامودي، ليست مجرد طفلة، بل مرآة لذاكرة أكبر، لذاكرة أم وأرض وطفولة لم تعد كما كانت. هي شاهدٌ بصري على حكاية مستمرة، ترويها الفنانة بلغة اللون والخط، بعيدا عن الشعارات، وأقرب إلى الجوهر الإنساني للألم والمقاومة.

بين الفرح والخوف.. العرس الفلسطيني مشهدا

في إحدى أبرز لوحات المعرض، تصور العامودي مشهدا لليلة حناء فلسطينية، حيث تجتمع النساء حول العروس، يحطنها برداء أبيض. مشهد يبدو احتفاليا للوهلة الأولى، لكنه محمل بالخوف، إذ تحضر الحرب في الخلفية كظل لا يفارق المكان. تفاصيل صغيرة كصحن الحناء على الأرض، أو البساط المزخرف الذي يمتد خلف الأجساد، تحيل إلى رمزيات أكبر تتعلق بالمكان والزمان الفلسطينيين.

في لوحة أخرى، تتجلى مشاعر الفقد والمعاناة من خلال أم تحتضن طفلها بينما يقف آخر بعكاز بجوارها. الطبيعة في الخلفية – شجرة زيتون، جبال بعيدة، وأرض قروية- تبدو كديكور ثابت لأحداث متحركة، بينما يتقاطع الأسلوب العفوي في رسم الشخصيات مع الحدة الهندسية للخطوط والظلال، ما يخلق حالة من التوتر البصري تعكس الصراع القائم في الواقع.

من هي رانيا العامودي؟

بعيدا عن الألقاب والتصنيفات، تعرف الفنانة رانيا العامودي نفسها في حديث خصت بـ “الحياة الجديدة”، بأنها ما زالت في مرحلة التعرف إلى ذاتها، متأثرة بتجاربها وصدماتها التي تشكل هويتها الفنية. تعتبر الفن وسيلة للتعبير عن الذات، لا ترسم لأحد، بل ترسم لكي تعبر عن نفسها. بدأت رحلتها الفنية منذ الصغر، حيث كانت لوحتها الأولى في عمر ست سنوات. تخرجت من كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وتعمل حاليا كرئيس قسم الرسم في وزارة التربية والتعليم.

أسلوب “الحكواتي” في الرسم

تميل العامودي إلى تبسيط العناصر والتكوينات، متبنية أسلوبا أقرب إلى “الحكواتي”، حيث تسرد القصص من خلال لوحات توحي بالبساطة الشكلية، لكنها تحمل في طياتها طبقات من المشاعر والتأملات. تلتقط لحظات صامتة أشبه بصور فوتوغرافية، لكنها تحوي حركة داخلية تنبض بالحياة. يتجلى الطابع الهندسي في أجساد الشخصيات والمنظور المسطح للوحة، في استدعاء غير مباشر لأساليب رواد الفن الفلسطيني مثل إسماعيل شموط وسليمان منصور، مع تقديم بصمة خاصة تنتمي للعامودي وحدها، ممزوجة بعاطفة أنثوية وحس بصري حاد.

تجارب سابقة ومشاركات فنية

قبل معرض “مريم”، شاركت العامودي في معارض جماعية داخل فلسطين وخارجها، مثل معرض “على ناصية المجد” الذي نظمته جمعية إنعاش الأسرة في رام الله، حيث شاركت بلوحتين تهتمان بالفضاء الخاص بالمرأة الفلسطينية وتعكسان معاناتها وأحلامها وآمالها. كما شاركت في معرض “حضور” الذي تناول العلاقة بين الرجل والمرأة، مظهرة التوازن بين الطاقات الإنسانية. أيضا، تعاونت مع الكاتب زياد خداش في معرض “خمسة في واحد” الذي جمع بين النص القصصي والفن التشكيلي، مستعيدا تاريخ فلسطين.

رسالة إلى المرأة الفلسطينية

توجه العامودي رسالة إلى المرأة الفلسطينية، خاصة في غزة، قائلة: “لا أعلم ماذا أقول لها وأنا لا أعيش جزءا بسيطا من معاناتها في ذلك الواقع المجنون الذي فرض عليها. لا أعلم حقيقة ما تحتاج إلى سماعه، وهل فعلا هي تحتاج إلى سماع شيء ما؟ أم أنها تحتاج أولا إلى وقف فوري لهذا الجحيم الذي تعيشه؟” وتضيف: “على المرأة بشكل عام أن ترجع إلى داخل نفسها وتحرر نفسها من جميع الأفكار والمشاعر والتصرفات التي تحول دون إنسانيتها وكرامتها، ليتجلى لها واقع أفضل من ذلك الذي تختبره حاليا”.

نصيحة للشباب والشابات في عالم الفن التشكيلي

تنصح العامودي الشباب والشابات الذين دخلوا أو سيدخلون عالم الفن التشكيلي بأن يعتبروا الفن وسيلة للتحرر، وترى أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل. وتشدد على أهمية تنمية المهارات الأكاديمية في الفن، كونها نقطة انطلاق ناجحة وقوية في أي مسار فني يحدده الفنان لاحقا.

من خلال معرض “مريم”، تقدم رانيا العامودي شهادة بصرية عن الوجع الفلسطيني، مظهرة قوة المرأة الفلسطينية وصلابتها، وفي ذات الوقت، هشاشتها وآلامها. إنها دعوة للتأمل في واقعنا، ولإعادة النظر في مفاهيم القوة والضعف، الصمود والانكسار.




الزحف الاستيطاني يخنق قرى غرب رام الله ويهدد الوجود الفلسطيني

حنين خالد- تشهد قرى غرب رام الله سعاراً استيطانياً قد يكون غير مسبوق في مشهد يبدو وكأنه لإعادة لرسم الجغرافيا الفلسطينية، أو ضم صامت يقضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً، ويحول الضفة إلى جزر معزولة، ضمن مشروع يهدد بإفشال أي أفق لحل سياسي عادل، كما وصفه مدير عام مديرية الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا.

ويؤكد الخواجا في حديث لـ “الحياة الجديدة”، أن التوسع الاستيطاني في هذه المناطق هو الأخطر منذ عام 1967، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي قرب الخط الأخضر، الذي يجعلها نقطة وصل رئيسية بين شمال الضفة وجنوبها. وأوضح أن مستوطنة “كريات سيفر” التي تضم أكثر من 100 ألف مستوطن، تُستخدم كنقطة انطلاق لربطها بمستوطنة “جفعات زئيف” ومعسكر عوفر، من خلال شبكة من الطرق الالتفافية، أبرزها شارع 443، ما يكرّس عزل قرى مثل بلعين وكفر نعمة وصفا وبيت عور.

وأشار الخواجا إلى وجود “إصبع استيطاني” جديد يعمل على ربط بؤر غير شرعية في عين كينيا والجانية وحلميش، بهدف خلق تواصل استيطاني مستمر وفرض واقع ديموغرافي يصعب تغييره لاحقاً.

واعتبر أن الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بأربع بؤر استيطانية جديدة في المنطقة، يمثل تهديداً مباشراً لمشروع الدولة الفلسطينية. مضيفاً: “ما يجري ليس توسعاً عشوائياً، بل خطة مدروسة لفرض نظام أبارتهايد فعلي على الأرض”.

وأوضح الخواجا أن قرى مثل نعلين وبلعين وبدرس كانت في طليعة المواجهة مع الجدار العنصري، واستطاعت عبر النضال الشعبي استرجاع آلاف الدونمات، خاصة بعد فتوى محكمة لاهاي عام 2004 التي أدانت الجدار واعتبرته غير قانوني. لكن الاحتلال يواصل استخدام أدوات قانونية زائفة مثل تصنيف الأراضي كمناطق أمنية أو أراضٍ متروكة، لتبرير المصادرة والضم.

بيتللو.. محاصرة بالاستيطان

وأكد نصر رضوان، رئيس مجلس بلدي بيتللو، أن البلدة تعاني من تصاعد غير مسبوق في الاستيطان، حيث تقع نحو 90% من أراضيها ضمن المناطق المصنفة (ج). وأوضح أن نحو 6000 دونم من أراضي بيتللو تتعرض لاعتداءات شبه يومية من المستوطنين، خاصة بعد إقامة بؤر استيطانية لا تبعد أكثر من 300 متر عن المستوطنات القائمة.

ومن بين الانتهاكات التي سردها رضوان في سياق حديثه لـ “الحياة الجديدة”: الاعتداء على المواطنين والاستيلاء على الموارد الطبيعية كمحاولة السيطرة على أكثر من 100 نبعة ماء غنية في بيتلاو، وعرقلة إقامة منشآت زراعية وتجارية، ومنع شق الطرق واستصلاح الأراضي.

وأشار إلى جهود المجلس المحلي في تعزيز صمود الأهالي من خلال تنفيذ مشاريع في المناطق المصنفة (ج)، مثل إنشاء حدائق عامة وملاعب، والتعاون مع المؤسسات القانونية لتقديم شكاوى ضد المستوطنين، وتفعيل لجنة طوارئ لمساندة المتضررين.

بيت لقيا.. الأرض والكرامة في مرمى الاستيطان

وحذّرت أريج عاصي، رئيسة بلدية بيت لقيا، من التهديدات المتزايدة التي تطال البلدة وسائر قرى غرب رام الله. وأكدت أن ما يجري هو جزء من خطة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى السيطرة على المناطق المصنفة (ج)، وتمزيق الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

ولخصت عاصي أبرز الانتهاكات في مصادرة الأراضي الخاصة وشق طرق استيطانية، وتدمير الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إليها، وفرض قيود على الحركة عبر الحواجز العسكرية، وتصاعد العنف من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.

وأكدت أن البلدية تواصل جهودها لتوثيق الانتهاكات، وتقديم اعتراضات قانونية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة، بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار ومؤسسات حقوقية.

وأوضحت عاصي أن الوضع الاقتصادي في بيت لقيا يتدهور بشكل متسارع نتيجة الاعتداءات، مع ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الزراعي، وأشارت إلى مشاريع تنموية جارية لتحسين البنية التحتية وتعزيز الصمود، رغم التحديات الهائلة.

كما دعت إلى توثيق دولي للانتهاكات وتوسيع علاقات التوأمة مع بلديات عالمية، بهدف نقل صوت الفلسطينيين إلى الخارج وتجسيد التضامن العالمي بمشاريع حقيقية.

المشهد في غرب رام الله ينذر بكارثة ديموغرافية وجغرافية حقيقية، إذ يحكم الاحتلال قبضته على الأرض عبر بؤر استيطانية متسارعة وجدار عنصري خانق، إلى جانب الاعتداءات اليومية على المواطنين والموارد.

صفا.. التوسع الاستيطاني قنبلة موقوتة تهدد الجغرافيا الفلسطينية

ويقول جمال فلنة، رئيس مجلس قروي صفا خلال حديثه لـ “الحياة الجديدة”: “أُميط اللثام عن تفاصيل مقلقة تتعلق بموجة استيطانية إسرائيلية غير مسبوقة تضرب قرى غرب رام الله.

ما يجري على الأرض وفق فلنة، ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل هجمة ممنهجة ومتصاعدة؛ وتفكيك كامل للامتداد الجغرافي الفلسطيني، هدفها النهائي إجهاض الحلم الفلسطيني وإفشال أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى جزر محاصرة.

ويؤكد فلنة أن ما يحدث غرب رام الله هو ترجمة فعلية للاتفاقات الداخلية في حكومة الاحتلال التي يهيمن عليها اليمين المتطرف. ويضيف: “الهدف الاستراتيجي لحكومة الاحتلال إحباط أي فرصة مستقبلية لقيام دولة فلسطينية. فالتوسع الاستيطاني هو أداة تنفيذية لمخطط الضم التدريجي”.

لم يعد المواطن في هذه المناطق يعيش حياة طبيعية. يقول فلتة: “نحن نعيش تحت حصار داخلي. المواطن اليوم أصبح أسيراً في منزله محاصرا داخل قريته، ممنوع من الوصول إلى أرضه، وحتى لو وصل، فإنه يبقى مهدداً بالطرد والهدم؛ جيش الاحتلال والمستوطنون يتصرفون وكأنهم أصحاب الأرض، بينما نحن غرباء فيها”.

ويرى فلنة أن الاعتداءات الاستيطانية لا تقتصر على مصادرة الأراضي فحسب؛ بل تشمل سياسة هدم المنازل والمنشآت الزراعية والصناعية بحجج واهية، وبذريعة البناء دون تراخيص، أو التواجد في مناطق مصنفة “ج”، أو وجود المنطقة في نطاق عسكري.

ويؤكد فلنة؛ أنّ كل عملية هدم ليست فقط جريمة، بل ضربة قاضية لاقتصاد الأسر الفلسطينية. عائلة بأكملها تصبح بلا مأوى، ومزارع يخسر مصدر رزقه الوحيد. إنها نكبة متكررة بحجج باطلة.

وحول ردود الفعل الفلسطينية، أوضح فلنة أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تتابع القضايا من الناحية القانونية عبر محامين متخصصين، وتسعى لوقف أوامر الهدم والمصادرة من خلال الطعن في المحاكم الاسرائيلية، لكن النتائج غير مضمونة في ظل سيطرة القضاء الإسرائيلي المنحاز. كما يسعى مجلس قروي صفّا، رغم محدودية موارده، يعمل على تحفيز أصحاب الأراضي على عدم الاستسلام، وتقديم الدعم الفني واللوجستي لزراعة الأرض وحمايتها قدر الإمكان.

من أخطر المشاريع الحالية؛ التي كشف عنها فلنة هو المشروع الاستيطاني في منطقة “جريوت”، الذي يشمل شق طريق جديد يخترق أراضي عدة قرى وبلدات فلسطينية جنوب غرب رام الله، أبرزها: صفّا، دير إبزيع، بيتونيا، كفر نعمة، بيت عور، بلعين، عين عريك، وغيرها.

ويقول فلنة: “اذا تم تنفيذ هذا الطريق؛ ستحوّل قرانا إلى كنتونات مغلقة أشبه بالسجون، ويعزل السكان عن مدينة رام الله، ما يعمّق أزمة الحركة والاقتصاد والتعليم والصحة”، وهذا المشروع يهدد مستقبل المنطقة بالكامل”.

في مواجهة التحديات، كشف فلنة أن المجالس القروية في المنطقة بدأت بالتنسيق وتنظيم اجتماعات طارئة لتوحيد الجهود، لاسيما مع ازدياد التهديدات التي تطال أراضي قرى بيت لقيا، الطيرة، خربثا المصباح، بيت سيرا وغيرها، التي قد تُعزل بالكامل في حال استمرار المشروع الاستيطاني.




قتلة ولصوص في وضح النهار

بشار دراغمة- في لحظة، حول الاحتلال صباح نابلس الذي بدا عاديا في مطلعه إلى جنازة، مبددا نهار المدينة التي طوت ليلتها متأهبة كعادتها، واستعدت ليوم جديد من حياة تقبع على حافة الترقب.

في طرفة رعب، انقلب صباح نابلس من رائحة الخبز التي بدأت تشق طريقها في أزقة البلدة القديمة إلى رائحة الدم التي فاحت مع اقتحام جديد لقوات الاحتلال تركز في منطقة السوق التجاري.

في مدخل بناية تجارية، احتمى محمود الخراز مع مجموعة من المواطنين، يهرع العشرات عند مدخل تلك البناية بعد أن اقتربت منهم آلية احتلالية، ينجو البعض ويسقط محمود مصابا برصاصة في رقبته وفق روايات متطابقة لشهود عيان.

يصل مسعفون إلى المكان، يحملون محمود المصاب بينما نزيف الدم يتناثر من رقبته، لحظات ويعلن الأطباء في مستشفى رفيديا استشهاده بفعل تلك الرصاصة التي انفلتت من أصابع اعتادت على القتل واستسهلت الضغط على الزناد.

في مستشفى رفيديا، حيث يسجى الجثمان على السرير، كانت الدموع لا تذرف فقط، بل تنزف، والأهل لا يبكونه وحسب، بل يودعون قطعة من أعمارهم سرقت في وضح الدم.

الأصدقاء هناك واقفون كجبال من وجع، كل نظرة منهم تقول ما لم تعد اللغة قادرة على حمله، في عيون الحاضرين كان السؤال المعلق: إلى متى كل هذا القتل؟

لم يكن الاحتلال يكتفي بالقتل، فالسرقة في عرفه جزء من ممارسة معتادة.. تقدمت قواته نحو قلب السوق، هناك حيث الذهب يباع ويشترى، يتم اقتحام عدة محال ومصادرة ما فيها، ليتكرر الأمر ذاته في منطقة أخرى غرب المدينة مع محل للصرافة.

شهود رصدوا جنود الاحتلال وهم يحملون المحتويات النفيسة في صناديق، ويضعونها في آلياتهم العسكرية.

لم يكن الهواء في نابلس عاديا، كان سحبا كثيفة من الكراهية معلبة في عبوات غاز.. انسحب الأوكسجين من الأزقة، وامتلأت الرئات بما يكفي من الغصة لخنق الحناجر.

اختنق المسنون في عتبات بيوتهم، وسقط الأطفال على الأرصفة كأنهم أوراق خريف باغتها السم.

في وجه الرصاص المدرب، وقف الشبان بسلاح الأرض الحجارة.. لم تكن أيديهم تحملها فقط، بل كانت أرواحهم هي التي تقذف بها.. كل حجر يطير كان يشبه القلب، نابضا وغاضبا.

يقول أحد الشبان الذي امتشق لتوه حجرا: “لا نواجه الاحتلال لنكسب المعركة، بل لنعلن أننا أحياء رغم كل ما يراد لنا من موت”.

كان الغضب أكبر من الخوف، وكانت حجارة نابلس أثقل من رصاصهم، لأنها تحمل في صمتها تاريخا من وجع لا يهزم، هي قناعة شبان المدينة الذين هبوا مرددين عبارات رفض المحتل، ورسائل يبعثونها على شكل حجارة.