1

جنين: عدوان متواصل حتى إشعار آخر

عبد الباسط خلف- يتلقى الإعلامي تامر أبو الهيجاء بألم قرار الاحتلال تمديد العدوان على مخيم جنين، حتى نهاية آذار القادم.

ويعود بقهر للحديث عن اليوم الأخير في بيت عائلته في أطراف المخيم، المحروم منه منذ 21 كانون الثاني 2025.

ويشير لـ”الحياة الجديدة” إلى أنه يصطحب أطفاله الأربعة إلى منطقة مجاورة لمستشفى ابن سينا لتفقد المنزل من بعيد، دون أن يتمكنوا من الوصول إليه بالفعل.

وتشعر عائلات المخيم، بحسب أبو الهيجاء، بانتكاسة كبيرة، فقد كانت تأمل بانتهاء العدوان على المخيم، واستقبال شهر رمضان داخله، بالرغم من عمليات الهدم الكبيرة المنفذة من الاحتلال.

ويرى الناشط في اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين، علاء جبر بأن الأهالي كانوا ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء العدوان الأطول على مخيمهم، الذي كان مقررًا نهاية الشهر الماضي، حسب وزير جيش الاحتلال.

ويتطرق إلى وصول خارطة جديدة من وكالة الغوث، تظهر حجم البيوت المدمرة جراء التجريف، لكن لم تصل اللجنة إلى رقم دقيق.

ووقع ما يسمى قائد جيش الاحتلال في الضفة الفلسطينية، اللواء آفي بلوط، أمراً عسكرياً بتمديد تقييد الحركة وتمديد العمليات العسكرية في مخيم جنين وطولكرم ونور شمس.

وبحسب جبر، فإن الاحتلال يمنع دفن أهالي المخيم الموتى في مقبرتهم القريبة، وتتوزع العائلات على سكنات الجامعة الأمريكية وحي خروبة، وبلدات مجاورة، حيث يقيم قرابة 17 ألف نازح.

ويضيف لـ”الحياة الجديدة” أن مقبرة المخيم ممنوعة غالبًا، وإن سمح بذلك فيتم بعدد مشيعين مقلص، ويجري دفن الموتى في مقابر المدينة والبلدات التي نزح إليها الأهالي.

ويمنع قرار الاحتلال الجديد أي مواطن، من الدخول إلى المنطقة المطوقة أو الخروج منها إلا بتصريح.

ويراقب ناصر صالح، وهو سائق أربعيني، الطريق الفرعي الرابط بين شارع حيفا، وسهل مرج ابن عامر، الذي جرفه الاحتلال صباح أمس الإثنين.

ويقول لـ”الحياة الجديدة”: إن شوارع جنين تحتاج كلها إلى صيانة وتعبيد، بفعل عمليات التجريف المتواصلة، وفيضان مياه الأمطار التي تزيد من الدمار في البنى التحتية.

ووفق مدير العلاقات العامة في بلدية جنين، بشير مطاحن، فإن الاحتلال جرّف قرابة 200 متر من طريق جانبي متصل بشارع حيفا.

ويوضح أن عمليات التدمير، وفق إبلاغ جيش الاحتلال لأهالي الحي، تتم بذريعة البحث عن عبوات ناسفة محلية الصنع.

ويقول أحد سكان الحي لـ”الحياة الجديدة”: إن عمليات التخريب لا تتوقف في جنين، وفي كل مرة يجري التدمير بحجج وبطرق مختلفة، لكن الهدف الوحيد تحويل حياة المواطنين إلى جحيم.

ولا يختلف الحال في ريف المدينة، ففي منطقة “ترسلة” جنوب المدينة عاد المستوطنون إلى المكان الذي أخلاه الاحتلال عام 2005.

ويتابع المواطن عاصم جرار، المقيم في قرية الفندقومية، المشهد، فيقول إن الاحتلال أوصل التيار الكهربائي للمستوطنة، بعد إحضاره لمولدات كبيرة، ونشره لكشافات ومصابيح.

ويضيف بأنه شاهد مقاطع فيديو عبر منصات التواصل، لمستوطنين يغنون ويبتهجون بالعودة إلى الموقع التاريخي التابع في معظمه لأراضي قريته.

ويشير جرار إلى أن حياة المواطنين في المنطقة تغيرت جذريًا، فقد ضاعف الاحتلال حركة مرور دورياته ومعداته عبر الشارع الرئيس، ويواصل المصادرة والتجريف لإقامة طريق التفافي جديد للمستوطنة عبر أراضي الفندقومية وعطارة وسيلة الظهر.

ويؤكد سامر الشيخ إبراهيم، الموظف الذي يتنقل بين عمله في نابلس وبلدته جنوب جنين إن الحركة على الشارع صارت محاطة بالخطر، بسبب الحواجز، وإقفال الاحتلال المتكرر لمقاطع من الطريق لـتأمين مرور المستوطنين.

ويجمل لـ”الحياة الجديدة”: نسمع كل يوم عن تصعيد جديد في العدوان والاستيطان والاستيلاء على أراضٍ زراعية، لكننا سنصمد في المكان الذي ولد ومات فيه أجدادنا.




“الثوب الفلسطيني حكاية هوية نسيج وطن”.. ذاكرة شعب لا تزال حاضرة

يمثل التراث الفلسطيني أحد أكثر عناصر الهوية الوطنية رسوخًا واستمرارية، إذ لا ينظر إليه بوصفه بقايا زمن مضى، بل باعتباره ممارسة ثقافية حيّة تتجدد عبر تفاصيل الحياة اليومية. ويحتل الزي الشعبي، ولا سيما الملابس الشعبية النسائية، مكانة خاصة ضمن هذا التراث، بوصفه شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي للشعب الفلسطيني، وحاملًا لمعانٍ تتجاوز الوظيفة المادية إلى التعبير عن الانتماء والخصوصية والهوية.
في هذا الإطار، صدر كتاب «الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن» للباحثة والكاتبة الدكتورة سارة محمد الشماس، ليقدّم دراسة أكاديمية متخصصة توثق التراث الملبسي الفلسطيني وتبحث في علاقته بالهوية الوطنية. يقع الكتاب في 171 صفحة، وصدر عن دار الشامل للنشر والتوزيع، وجرى إطلاقه رسميًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في أول عرض له ضمن المعارض العربية، حيث حظي باهتمام الأوساط الثقافية والبحثية المعنية بقضايا التراث والهوية، كما شهد جناح دار الشامل توقيع الكتاب بحضور نخبة من المثقفين والأدباء من مختلف أنحاء الوطن العربي، الذين أشادوا بقيمته العلمية وأهميته الثقافية.
يعتمد الكتاب مقاربة علمية تنظر إلى الملابس الشعبية بوصفها نتاجًا اجتماعيًا وثقافيًا تشكل عبر مسار تاريخي طويل، لا مجرد لباس تقليدي أو عنصر جمالي. فالهوية الوطنية، كما يبين الكتاب، لا تختزل في مفاهيم نظرية أو شعارات عامة، بل تتجسد في الممارسات اليومية، وكان الزي الشعبي أحد أهم هذه الممارسات التي عبرت عن ارتباط الفلسطيني بأرضه ومجتمعه وقيمه.
يتناول الكتاب في فصوله الأولى المفاهيم الأساسية المرتبطة بالملابس الشعبية والهوية والهوية الوطنية، موضحًا العلاقة بين الزي الشعبي والانتماء الوطني. يبرز هذا التحليل كيف أدت الملابس دورًا اجتماعيًا واضحًا، إذ حملت دلالات تتعلق بالعمر، والحالة الاجتماعية، والمناسبة، والمكانة داخل المجتمع، ما جعلها وسيلة تواصل غير مباشرة مفهومة ضمن السياق الثقافي العام.
   يتناول الكتاب نشأة الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية وتطورها التاريخي، متوقفًا عند أوجه التشابه بينها وبين ملابس بعض المناطق المجاورة، مع التأكيد على خصوصيتها الفلسطينية. يظهر في هذا السياق التنوع الواضح في طبيعة الملابس الشعبية بين المناطق الفلسطينية المختلفة، وهو تنوع تأثر بعوامل البيئة والمناخ وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، رغم المساحة الجغرافية المحدودة لفلسطين. انعكس هذا التنوع في شكل الثوب، ونوعية القماش، وأساليب الحياكة، وحضور الزخارف التي منحت كل منطقة طابعها المميز ضمن إطار ثقافي عام.
يوضح الكتاب أن الزخارف المصاحبة للملابس الشعبية النسائية شكلت جزءًا من البناء التعبيري للثوب، وأسهمت في إبراز خصوصيته وتمييزه، دون أن تكون عنصرًا شكليًا منفصلًا عن سياقه الاجتماعي والثقافي. ارتبط حضور هذه الزخارف بوظيفة الثوب ودلالته الاجتماعية، وبالمناسبة التي يرتدى فيها، ما يعكس وعيًا ثقافيًا متراكمًا لدى المجتمع الفلسطيني.
يسلط الكتاب الضوء على الوظائف الاجتماعية للملابس الشعبية النسائية، مبرزًا دورها في تنظيم العلاقات الاجتماعية وضبط السلوكيات ضمن منظومة ثقافية غير مكتوبة. شكل اختلاف اللباس بين المناسبات الاجتماعية المختلفة، أو بين الحياة اليومية والمناسبات الخاصة، عنصرًا مفهومًا ضمنيًا داخل المجتمع الفلسطيني، بما يدل على عمق الوعي الجمعي الذي حكم ملامح الحياة الاجتماعية التقليدية.
يخصص الكتاب مساحة لدراسة أنواع الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية بحسب المناسبات الاجتماعية والدينية واليومية، مبينًا أن لكل مناسبة لباسها الخاص ودلالتها الاجتماعية. يعكس هذا التصنيف نظامًا ثقافيًا متماسكًا كانت المرأة الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في بنائه واستمراره عبر الأجيال.
يناقش الكتاب التحديات التي تواجه الحفاظ على التراث الملبسي الفلسطيني في العصر الحديث، ويتصدر هذه التحديات ما يتعرض له التراث من سرقة وتزييف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولات نسبه إلى روايات مصطنعة ضمن سياسة ممنهجة تستهدف طمس الهوية الفلسطينية. يتناول الكتاب كذلك آثار تشتت الهوية لدى فلسطينيي الداخل، وتأثيرات العولمة التي أسهمت في إضعاف الارتباط بالتراث وتحويل بعض عناصره إلى منتجات استهلاكية منفصلة عن سياقها الثقافي. يؤكد هذا الطرح أن التوثيق العلمي بات ضرورة وطنية لحماية الذاكرة الجمعية من التزييف والاندثار.
يحمل غلاف الكتاب دلالة خاصة، إذ جاءت لوحة الغلاف لتجسد المؤلفة وهي ترتدي الثوب الفلسطيني، في تعبير بصري منسجم مع موضوع الكتاب دون بعد ذاتي، بل بوصفه تمثيلًا رمزيًا لعلاقة الباحثة بموضوع دراستها. نفذت اللوحة بريشة الدكتور جمال بدوان، سفير الفن الفلسطيني في العالم، لتشكل مدخلًا بصريًا هادئًا يعكس حضور الثوب الفلسطيني بوصفه عنصرًا حيًّا من الهوية الوطنية.
ترافق صدور الكتاب مع عدد من الفعاليات الثقافية، كان من أبرزها المشاركة في اليوم الثقافي الذي نظمته سفارة دولة فلسطين في جمهورية مصر، حيث جرى توقيع الكتاب في مكتبة السفارة وإدراج نسخة منه ضمن مقتنياتها الثقافية، بحضور سعادة المستشار الثقافي ناجي الناجي، إلى جانب نخبة من المثقفين والأدباء المبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي. كما جاءت مشاركة الدكتورة سارة محمد الشماس ضمن المشاركين في فعالية ثقافية نظمها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية – فرع مصر، خُصصت للاحتفاء بالكتاب وتسليط الضوء على أهميته في توثيق التراث النسائي الفلسطيني ودوره في صون الذاكرة الثقافية، وذلك بحضور مديرة اللجنة الثقافية سونيا عباس، ومديرة اللجنة التراثية نادية الآغا، وبمشاركة نخبة من المثقفين المبدعين والأدباء، وحضور ثقافي نوعي عكس التقدير لقيمة الجهد البحثي ومكانة الإصدار في المشهد الثقافي الفلسطيني.
يشكل كتاب “الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن” إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية، لما يقدمه من دراسة توثيقية أكاديمية تسهم في سد فجوة بحثية واضحة في مجال دراسة التراث الملبسي الفلسطيني.
يؤكد الكتاب في مجمله أن الزي الشعبي الفلسطيني ليس مجرد موروث من الماضي، بل جزء أصيل من الهوية الوطنية وذاكرة شعب ما زالت حاضرة، وتستحق الحفظ والتوثيق بوصفها شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين.




لليوم الثاني: الاحتلال يواصل إغلاق مدخل ترمسعيا شمال رام الله




جنين “تداوي” مشفاها

عبد الباسط خلف- يسير أحمد أبو الرب، على ناصية الطريق المؤدي إلى مشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان، أو جنين الحكومي كما تتناقله الألسن، بعد ساعات من إعلان مبادرة لترميم المستشفى.

ويتابع عبر هاتفه الذكي إطلاق غرفة تجارة وصناعة جنين، بالتعاون مع الهيئات المحلية مبادرة مجتمعية لترميم المستشفى الحكومي، الذي تأسس مطلع الستينيات.

ويقول لـ”الحياة الجديدة” إن المؤسسة الصحية الحكومية الوحيدة في قلب المدينة تحتاج إلى إسناد مجتمعي وأهلي، في ظل الأزمة المالية الحادة التي تعصف بالحكومة، بسبب قرصنة الاحتلال لأموال “المقاصة”.

ويؤكد أبو الرب، العائد من زيارة صديقه المريض أن “جنين الحكومي” يعاني الأمرين؛ بسبب الظروف القاسية التي مر بها، وبحكم استهداف الاحتلال لمبانيه الملاصقة لمخيم جنين.

ويشير إلى أن المكان بعد مضي أكثر من عام على الاجتياح، يتطلب جهودا جبارة لإنعاشه، وإصلاح أضراره، وترميم أقسامه.

ويرى مدير المشفى د. وسام بكر أن المبادرة تأتي في توقيت مهم، إذ تتطلب المباني المختلفة ورشات صيانة عديدة.

ويستعرض لـ”الحياة الجديدة” الاحتياجات الملحة للمشفى، ويقول إنها تتصل بالإنارة، وتأهيل الأرضيات، والطلاء، وتحسين البيئة الداخلية، وغيرها.

ويضم المشفى 5 أقسام رئيسة بينها الولادة والأمراض الباطنية والعظام والأورام والحضانة، عدا عن وحدات أخرى مساندة، و217 سريرا، ودفع ثمنا كبيرا خلال اقتحامات الاحتلال السابقة، وأثناء العدوان المتواصل منذ 21 كانون الثاني من العام الماضي.

ويجمل رئيس غرفة تجارة وصناعة جنين، عمار أبو بكر لـ”الحياة الجديدة” المبادرة، ويقول إنها أطلقت بالتعاون مع الهيئات المحلية، بغية ترميم المشفى الحكومي، في إطار دعم القطاع الصحي، وتعزيز صمود المؤسسات الطبية في المحافظة.

ويضيف أن المبادرة تنطلق من المسؤولية المجتمعية للغرفة والشركاء، وحرصهم على المساهمة في تحسين الواقع الصحي، عبر تطوير مرافق المشفى، وتهيئة بيئة أفضل لتقديم الخدمات الطبية للمرضى والطواقم الصحية.

ويشير إلى إعلان الغرفة التجارية والهيئات المحلية عن فتح باب التبرع للمبادرة، ودعوة رجال الأعمال والتجار والمؤسسات والمجتمع المحلي للمشاركة في إنجاح العمل الإنساني، لأثره المباشر في خدمة أبناء المحافظة.

ويشدد أبو بكر على أهمية الشراكة المجتمعية في دعم القطاع الصحي، ويثني على دور المساهمين المتوقع في سبيل إنجاح المبادرة الوطنية.

وتوضح المديرة العامة للحكم المحلي في جنين، ميرفت غزال، أن المبادرة تأتي في ظل ظرف اقتصادي صعب تعانيه الحكومة، وقبل شهر رمضان المبارك، الذي يعد فرصة مثالية للتكافل.

وتبين لـ”الحياة الجديدة” أن “جنين الحكومي” يقدم خدمات فوق طاقته، لا تقتصر على المحافظة فحسب، بل تتخطاها إلى طولكرم وطوباس ومحافظات أخرى.

وتذكر أن جنين، التي تضم 72 هيئة محلية، وقرابة 360 ألف مواطن، ستلبي دون شك نداء الواجب لإسناد المشفى، الذي يقدم خدمات عديدة للمرضى.

وتلفت غزال إلى أن المبادرة ستنفذ بشفافية عالية، عبر صندوق خاص ستتولاه الغرفة التجارية، وتحدد أوجه الصرف.

ويفيد أمين سر جمعية جنين للمخلصين، فراس أبو الوفا، بأن نواة المبادرة انطلقت من جمعيته خلال أنشطتها المتلاحقة في المشفى.

ويوضح أن كلفة ترميم غرف المشفى، وتجهيز الستائر، وصيانة الأرضيات، وتعديل الإنارة، وتحسين التكييف تتطلب قرابة 570 ألف شيقل، وهو مبلغ ليس بالكبير لو وزع على 72 هيئة في المحافظة، بينها 16 بلدية.

ويحث في رسالة عبر “الحياة الجديدة” على الالتفاف المجتمعي نحو المؤسسة الصحية الوحيدة، في محافظة جنين، في ظل عدم القدرة على تدشين مستشفيات جديدة؛ جراء الضائقة الاقتصادية القاهرة.




نابلس تصون الذاكرة بشعبونيتها

بشار دراغمة- في مدينة تجيد الصبر أكثر مما تجيد الشكوى، وترهقها الأيام دون أن تكسرها، متقنة فن الوقوف على جراحها كما تقف الأم عند خيط الفجر قرب باب بيت مهدد بالهدم، هناك حكاية لا تكتب بالحبر وحده، بل تروى بالذكريات، وبأرغفة ساخنة خرجت لتوّها من تنور الذاكرة.

في نابلس التي اعتبرها أهلها مقطعا طويلا في النشيد الفلسطيني وليست مدينة عابرة في جغرافيا العالم، تكرر المعاناة “حصارٌ احتلالي يضيّق الخناق، وظروف اقتصادية متعثرة، ومع ذلك لا تسقط المدينة وتتمسك بعاداتها وتقاليدها مهما كبرت الآلام.

حين يغلق الاحتلال الحواجز، تُفتح البيوت، وحين تُغلق الجيوب تُفتح القلوب.

هكذا تتصرّف نابلس، لا تتخلى عن عاداتها، لا ترفع الرايات البيضاء، بل ترفع موائدها في طقس سنوي يتكرر مثل صلاة جماعية يحضرها الكل، لتحافظ المدينة على “شعبونيتها”، ولتظل عادة الشعبونية حاضرة مهما بلغت التحديات.

الشعبونية في عيون أهل نابلس ليست مجرد طبق، ولا مناسبة عابرة في تقويم اجتماعي، هي فلسفة عيش وترابط، مكتوب بالتاريخ والنية الطيبة.

يقول أبو محمد الخاروف، وهو رجل تجاوز الستين، إن الشعبونية ليست عادة بل تذكير، الكثيرون في نابلس، كما يقول لا يعيشون بحال ميسورة هذه الأيام، متابعا “الرزق ضيق، والأسعار عالية، والقلق صار ضيفا دائما على المائدة، لكن في شعبان، يحدث شيء يشبه الاتفاق غير المكتوب بين الناس، مهما ضاق الحال، لا نترك الشعبونية تسقط والكل يلتزم بها”.

يضيف “لو بدنا نتركها، كنا تركناها من زمان، الحصار والضيف مش جديد علينا، لكن عاداتنا لا تسقط مهما بلغت التحديات”.

في نابلس، لا تأتي الشعبونية كموعد عابر في رزنامة العادات، ولا كزيارة مفاجئة للذاكرة، بل يتم الإعداد لها جيدا كما تقول آمنة نصري واصفة تلك العادة بأنها “أن يسبق الناس رمضان بخطوة في القلب”، فيجتمعون في شعبان لا ليأكلوا فقط، بل ليعيدوا ترتيب العائلة على الطاولة، فتجتمع البنات المتزوجات والعمات والخالات في مكان واحد بدعوة من رب الأسرة.

تقول آمنة “الشعبونية” هي تلك اللحظة التي يقرر فيها البيت أن يكون أكبر من جدرانه، فيفتح أبوابه للنساء والأطفال، للأخوات والبنات، للحكايات المؤجلة”.

 طعام يطهى ببطء في شعبان لا لأن الوصفة معقدة، بل لأن العادة تحب التمهّل، تحب أن تنضج المشاعر قبل أن تنضج القدور.

تقول آمنة كانت الشعبونية في أصلها، إقامة كاملة لاختبار القرب وتستمر لأيام من المبيت والضحك والسهر، ثم جاءت السنوات القاسية فاختصرتها إلى يوم واحد، لكنها عجزت عن اختصار معناها.

تقول أم رائد، وهي سيدة متزوجة منذ خمسة عشر عاما، إن الشعبونية لا تبدأ عندها في المطبخ، بل في الانتظار، انتظار طويل، يشبه رسالة من بيتٍ لم تخرج منه يوما.

تضيف “رغم أن زياراتي إلى بيت أهلي كثيرة، لكن زيارة شعبان لها طعم خاص، نكهة لا يمكن وصفها، فاجتماع الكل في مكان واحد لا يحدث إلا نادرا”.

تضحك، ثم تصمت قليلا، كأنها تستعيد صوت الباب حين يُطرق، تقول إن الدعوة مهما كانت بسيطة، تُعيدها سنوات للوراء ولو لليلة واحدة، تعود لتجلس في زاوية البيت القديم، حيث لا أحد يسألها عن تعبها، ولا عن أولادها، ولا عن مسؤولياتها الثقيلة وتضيف “هناك، بصير أخت مش زوجة، وبنت مش أم”.

يقول الناس في نابلس إن الشعبونية ليست طعاما، بل إذن بالحنين، لهذا لا يتخيل أهالي نابلس أن يتخلوا عن حنينهم.