1

الإحصاء بعد 78 على النكبة: عدد الفلسطينيين 15.5 مليون في العالم

-نزوح ما يقارب مليونَيْ مواطن داخل قطاع غزة و40 ألف في الضفة الغربية منذ 2023

-الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من المياه الجوفية الفلسطينية

-تضرر أكثر من 198 ألف مبنى منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً في قطاع غزة

-أعداد الشهداء هي الأعلى منذ النكبة

– المستعمرات في توسع مستمر

رام الله- الحياة الجديدة- قال الجهاز المركزي للإحصاء في الذكرى الـ 78 للنكبة، إن عدد الفلسطينيين يصل إلى 15.5 مليون في العالم، منهم 7.4 مليون في فلسطين التاريخية، و8.1 مليون في الشتات (منهم 6.8 مليون في الدول العربية).

وأضاف جهاز الإحصاء في بيان له، اليوم الثلاثاء، إن من بين العدد الإجمالي للفلسطينيين، يعيش حوالي 5.6 مليون فلسطيني في دولة فلسطين في نهاية العام 2025، (3.43 مليون في الضفة الغربية، 2.13 مليون في قطاع غزة).

نزوح ما يقارب مليونَيْ فلسطيني داخل قطاع غزة و40 ألف في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023

أُجبر سكان غزة مراراً وتكراراً على الفرار من منازلهم تحت وطأة الإكراه، وفقدوا منازلهم وأصبحوا مشردين في الخيام والمدارس، محاصرين بين جدران الفقر والحرب، حيث نزح نحو مليونَيْ فلسطيني من بيوتهم من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يقيمون في القطاع عشية عدوان الاحتلال الإسرائيلي، إضافة الى نزوح قسري لنحو 40 ألف في مخيمات شمال الضفة الغربية نتيجة لاعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة. 

المستعمرات في توسع مستمر

بلغ عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2025 في الضفة الغربية 645 موقعاً، تتوزع بواقع 151 مستعمرة، و350 بؤرة استعمارية (منها 89 بؤرة رعوية ضمن سياسة التضييق على المزارعين الفلسطينيين للاستيلاء على الأراضي تمهيدا لطردهم وحرمانهم من أراضيهم الزراعية والرعوية)، و144 موقعاً مصنفاً أخرى، وتشمل (مناطق صناعية وسياحية وخدمية ومعسكرات لجيش الاحتلال).

عدد المستعمرين في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية حسب المنطقة، 1990-2024

أما فيما يتعلق بعدد المستعمرين في الضفة الغربية، فقد بلغ 778,567 مستعمراً، في نهاية العام 2024. 

وأشارت البيانات إلى أن معظم المستعمرين يسكنون محافظة القدس بواقع 333,580 مستعمراً (يشكلون ما نسبته 42.8% من مجموع المستعمرين)، منهم 243,716 مستعمراً في منطقة J1 (تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل إليها عنوة بُعيد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967)، وتشكل نسبة المستعمرين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية حوالي 23.2 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني، في حين بلغ أعلاها في محافظة القدس حوالي 65.7 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني.

خلال العام 2025: سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستولي على 5,571 دونماً

ولا يزال الاحتلال الإسرائيلي يفرض سيطرته على المزيد من أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، تحت ذرائع ومسميات مختلفة، حيث استولى خلال العام 2025 أكثر من 5,571 دونماً، وتشير البيانات إلى أنه خلال العام 2025 تم إصدار 94 أمراً بوضع اليد على حوالي 2,609 دونمات، وثلاثة أوامر استملاك لحوالي 1,731 دونماً، و3 أوامر إعلان أراضي دولة لحوالي 1,231 دونماً.

كما تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي باستغلال الأراضي الزراعية الفلسطينية، حيث زادت نسبة المساحات التي يستغلها المستعمرون عن 245% بين عامي 2000 و2025، وذلك ضمن السياسة الممنهجة والمستمرة للسيطرة على أراضي الفلسطينيين وحرمانهم من استغلال مواردهم الطبيعية ضمن سياسة الضم التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.

أكثر من 61 ألف اعتداء نفذتها سلطات الاحتلال والمستعمرون في الضفة خلال الأعوام 2022-2025

تسببت هذه الاعتداءات باقتلاع وتضرر وتجريف أكثر من 81,500 شجرة (غالبيتها من أشجار الزيتون المعمرة)، وخلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري، تم توثيق أكثر من 6,000 اعتداء من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرين على المواطنين والممتلكات والأماكن الدينية.

نحو 900 حاجز عسكري في الضفة الغربية

تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات تعسفية من نشر الحواجز والبوابات على مداخل معظم التجمعات الفلسطينية التي بلغ عددها نحو 900 حاجز، ما يعيق حركة المواطنين وتنقلاتهم بين التجمعات والمدن الفلسطينية، كما تم حرمان المواطنين من الوصول إلى عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وحرمانهم من مئات آلاف الدونمات من الأراضي الرعوية، ما أثر سلباً على الأمن الغذائي الفلسطيني في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من المياه الجوفية الفلسطينية

أوضحت البيانات الرسمية أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية عبر التحكم بحفر الآبار، ومنع تطوير آبار جديدة، وفرض قيود صارمة على إعادة تأهيل الآبار القائمة، بالتوازي مع استغلال مكثف لهذه الأحواض لصالح المستعمرات الإسرائيلية، أما على صعيد المياه السطحية، فيُحرم الفلسطينيون بشكل شبه كامل من حقهم في مياه نهر الأردن، رغم كونهم دولة مشاطئة، فقد انفردت إسرائيل بالسيطرة على مجرى النهر وخيراته الاقتصادية، إضافة إلى البحر الميت، ومنعت أي وصول فلسطيني فعلي إليهما منذ عام 1967.

تراجع حاد في إتاحة المياه دون الحد الأدنى الإنساني في قطاع غزة

في قطاع غزة، يتخذ الواقع المائي بعداً أكثر حدة وتعقيداً، حيث تشير التقديرات إلى أن متوسط إمدادات المياه في بعض مناطق غزة انخفض إلى ما بين 3–5 لترات للفرد يومياً طوال فترات العدوان، وهو مستوى أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء على الحياة البالغ 15 لتراً للفرد يومياً وفق المعايير الإنسانية الدولية.

تضرر أكثر من 198 ألف مبنى منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً في قطاع غزة

منذ عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قام الاحتلال الإسرائيلي بتدمير أكثر من 102,000 مبنى، وتقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي، بما لا يقل عن 330,000 وحدة سكنية، وتشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، وآلاف المباني من المنشآت الاقتصادية، وتدمير كافة مناحي البنى التحتية من شوارع وخطوط مياه وكهرباء، وخطوط الصرف الصحي، وتدمير الأراضي الزراعية، ليجعل من قطاع غزة مكاناً غير قابل للعيش.

أما في الضفة الغربية، فقد قام الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2025 بهدم وتدمير نحو 1400 مبنى بشكل كلي أو جزئي، منها 258 مبنى ومنشأة في محافظة القدس (104 عمليات هدم ذاتي قسري في القدس والتي يجبر فيها الفلسطيني على هدم بيته بنفسه).

أما فيما يتعلق بإصدار الاحتلال الإسرائيلي أوامر هدم للمنشآت الفلسطينية بحجج مختلفة فقد قام بإصدار 991 أمر هدم خلال العام 2025 ضمن سياسة تهجير الشعب الفلسطيني من خلال إصدار مئات أوامر الهدم سنويا للمنشآت الفلسطينية.

أعداد الشهداء هي الأعلى منذ النكبة

تعكس البيانات منذ 7 أكتوبر 2023 حجما مرتفعا جدا من الشهداء ويشكلون أكثر من 50% ممن استشهدوا منذ النكبة، وبلغ إجمالي الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 حتى نهاية أبريل 2026 أكثر من 73,761، وبلغ عددهم في قطاع غزة 72,601 ، (منهم أكثر من 20,413 طفل و12,524 من النساء و3,110 من الطواقم الطبية والدفاع المدني والصحافة والتعليم)، فيما بلغ في الضفة الغربية 1,160 خلال نفس الفترة (منهم أكثر من 100 شهيد في محافظة القدس).

مصادرة الهوية المقدسية أداة احتلالية جديدة للتهجير منذ النكبة

 بلغ إجمالي عدد بطاقات الهوية المقدسية المصادرة خلال الفترة الممتدة من 1967 إلى 2024 نحو 14,869 هوية مقدسية، وتشير التقديرات إلى أن عدد الأسر المقدسية المتضررة من عملية مصادرة بطاقات الهوية خلال الفترة 1967–2024 قد بلغ نحو 13 ألف أسرة، وتقدر بحوالي 65 ألف فلسطيني مقدسي منعوا من دخول القدس بسبب سحب الهوية المقدسية لرب الأسرة.




أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا

في مخيمات بلاطة والعين وعسكر بشقيه القديم والجديد، لا تكبر البيوت كما تكبر مدينة نابلس، بل تتكاثر كما تتكاثر الأحزان.

هي مخيمات لا يولد فيها الأطفال وفي ذاكرتهم مشهد البحر، ولا يعرفون كيف تبدو البيارات التي بكى أجدادهم عليها طويلا، ولا يملكون من فلسطين التاريخية سوى أسماء تتكرر في أحاديث الجدات كصلوات قديمة.

لاجئون يكبرون مثقلين بشيء لم يروه قط، يجدون أنفسهم في غرفة فوق غرفة، وسقف يعلو سقفا، حتى صار المخيم يشبه قلبا فلسطينيا قديما، ضاق بكل ما فيه من الفقد ولم يمت.

هنا، لا أحد يرى السماء كاملة، إنما أجزاء غير منتظمة منها.

في مخيم بلاطة شرق نابلس الأسلاك تعبر السماء كندوب سوداء، والجدران المتقابلة تتنفس في وجوه بعضها من شدة القرب، حتى بدت البيوت وكأنها جاءت لتعتذر لبعضها عن ضيق المكان.

أما الأطفال، أولئك الذين ولدوا بعد النكبة بعقود، فيركضون داخل أزقة لم تعرف يوما معنى الاتساع، ويحفظون أسماء قرى لم يروها، كما يحفظ الأيتام ملامح آبائهم من الصور.

ثمانية وسبعون عاما مرت، والمخيم لا يزال يحاول أن يمد قدميه في مساحة لا تكفي لحزن واحد.

الأجداد الذين خرجوا حاملين مفاتيح البيوت، مات كثير منهم وهم يظنون أن الغياب مؤقت، أما الأحفاد، فقد وُلدوا داخل هذا الغياب نفسه، حتى صار الوطن بالنسبة إليهم حكاية تُروى أكثر مما يُرى، وذاكرة أثقل من أعمارهم الصغيرة.

في زقاق ضيق داخل مخيم بلاطة حيث تكاد الجدران تتكئ على بعضها من شدة التعب، كان الطفل محمد حشاش يركض مع أطفال آخرين خلف كرة مهترئة، كما لو أنه يركض خلف طفولة تحاول النجاة من ضيق المكان.

لم يكن محمد يعرف من فلسطين سوى ما تخبئه جدته في صوتها حين تذكر اسم القرية.

كان يسمع أسماء المدن البعيدة كما يسمع الأطفال أسماء الكواكب، أماكن موجودة لكنها أبعد من أن تُرى.

ولد محمد بعد عقود طويلة من النكبة، لكنه ورثها كما يرث الأطفال لون أعين آبائهم.

محمد الذي يسكن في بيت صغير فوق بيت آخر، في بناية، تشبه المخيم كله، ترتفع إلى الأعلى كلما ضاقت الأرض قال وهو يمسح العرق عن جبينه الصغير.

“نفسي ألعب بملعب كبير، ملعب ما يكون فيه حيطان قريبة”.

وفي الطابق الرابع من بناية إسمنتية متعبة داخل مخيم عسكر القديم، كان الطفل آدم يقف قرب نافذة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.

أزاح الستارة قليلا، ثم مد رأسه نحو الخارج محاولا أن يرى السماء كاملة، لكنه لم يستطع، 

فالبيوت هنا متقابلة أكثر مما ينبغي، حتى إن الجيران يستطيعون سماع سعالك قبل أن تشرح لهم أنك مريض.

قال آدم وهو يحدق بين الأسطح المكتظة “نفسي أشوف الغروب مرة بدون بنايات”.

كان في العاشرة من عمره، لكنه يتحدث أحيانا كمن كبر أسرع مما يجب.

جدته، لا تتعب من الحديث عن القرية، تقول إن بيتهم القديم في يافا كان له فناء واسع، وإن الريح كانت تدخل من النوافذ دون استئذان، وإن الأطفال كانوا يركضون حتى يتعب النهار منهم.

أما آدم، فلم يعرف من الاتساع سوى الحكايات.

حين ينتهي من واجباته المدرسية، يصعد إلى السطح.

هناك فقط يشعر أن الهواء أقل اختناقا قليلا.

وفي مخيم عسكر الجديد، لا يحتاج الطفل كريم عامر إلى ساعة ليعرف أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

هناك علامة واحدة تكفي، صوت آليات الاحتلال وهي تدخل المخيم ببطء ثقيل، كأن الليل نفسه صار يرتدي خوذة عسكرية.

يقول كريم، اقتحامات يومية، أغلب الأحيان تحدث ليلا، لكن حتى النهار لم يعد آمنا فالاقتحامات في كل هذا الضيق لا تتوقف.

كان كريم يجلس على درج إسمنتي قديم أمام المنزل، يراقب أطفال الحارة وهم يركضون بين الأزقة الضيقة، لم يكن يتحدث كثيرا في البداية، لكنه حين سألنها عن أكثر شيء يكرهه، رفع عينيه سريعا وقال “الاقتحامات”.

ثم صمت قليلا، كأنه يحاول أن يشرح شيئا صار أكبر من الكلمات.

قال “إحنا هون بنعرف الجيش من الصوت… حتى قبل ما يوصل”

يضيف “إحنا حفظنا كل الأصوات”.

يعرف صوت الرصاص، وصوت قنابل الغاز، وحتى صوت الجيب العسكري حين يصعد من الشارع القريب.

أشياء لا يفترض بطفل أن يحفظها، لكنها أصبحت جزءا من حياته اليومية.وهكذا، بينما يواصل الكبار عد السنوات منذ النكبة، يبدو أن أطفال المخيمات لا يعدون سوى أشياء أصغر بكثير، عدد الاقتحامات هذا الأسبوع، عدد المرات التي استيقظوا فيها ليلا على أصوات الرصاص.

ثمانية وسبعون عاما مرّت، لكن المخيمات لم تكبر نحو الحياة، بل نحو المزيد من الضيق.




مؤسسات الأسرى في اليوم العالمي لحرية الصحافة: جريمة إبادة جماعية تطال الصحفيين قتلا واعتقالا وإخفاءً قسريا

 قالت مؤسسات الأسرى إنه على مدار نحو ثلاثة أعوام من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحقّ الشعب الفلسطيني، صعَّد الاحتلال الإسرائيلي استهدافه الممنهج للصحفيين والصحفيات، في إطار سياسة متكاملة تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني وطمس الرواية. وأوضحت مؤسسات الأسرى (هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان)، في تقرير صدر اليوم الأحد، لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن هذا الاستهداف شمل عمليات اغتيالٍ مباشرة، واعتقالاتٍ تعسفية، وملاحقاتٍ وتهديداتٍ ممنهجة، لتُرسِّخ واحدةً من أكثر المراحل دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. وأشارت إلى أنه منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 260 صحفيا وصحفية، في جريمة قتل جماعي ممنهجة تستهدف الشهود على الجريمة، فيما اعتقل واحتجز أكثر من 240 صحفيًا وصحفية، لا يزال أكثر من 40 منهم رهن الاعتقال، من ضمنهم 20 صحفيًا/ة رهن الاعتقال الإداري تحت ذريعة “الملف السري”، ومن بين الصحفيين المعتقلين أربع صحفيات. وكان آخرهم الصحفية إسلام عمارنة التي اعتُقلت صباح اليوم من مخيم الدهيشة في بيت لحم، في استمرار واضح لسياسة استهداف الصحفيين، علما أنها شقيقة الصحفي المعتقل إدارياً أُسيد عمارنة. فيما لا يقل عن 14 صحفياً من غزة ما زالوا رهن الاعتقال، كما ولا يزال صحفيان من قطاع غزة رهن الإخفاء القسري، هما (نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد)، في جريمة مستمرة تمثّل انتهاكا جسيمًا للقانون الدولي و للقانون الدولي الإنساني، وتكشف عن نهج في إخفاء مصيرهما. وفي جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الجرائم المرتكبة داخل السجون، استُشهد الصحفي مروان حرز الله في آذار/ مارس 2026 داخل سجن “مجدو”، جراء سياسة القتل البطيء عبر الحرمان المتعمّد من العلاج، ويأتي ذلك رغم حالته الصحية المعروفة، إذ سبق أن تعرّض لإصابة أفضت إلى بتر إحدى قدميه. وأشارت المؤسسات إلى سياسة الحبس المنزلي القسري التي تعرض لها مجموعة من الصحفيين والصحفيات، والتي تكرست بشكل كبير في أعقاب جريمة الإبادة. نذكر من بينهم الصحفية سمية جوابرة من نابلس، والصحفية بيان الجعبة من القدس، إلى جانب عمليات الإبعاد الممنهجة  التي طالت العشرات من الصحفيين والصحفيات في القدس، تحديدا بإبعادهم عن المسجد الأقصى، ومنعهم من التغطية، وفرض قيود مضاعفة عليهم، وتهديدهم، وإرهابهم. وأكدت أن ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون لا يمكن فصله عن سياسة تاريخية ممنهجة تستهدف الرواية الفلسطينية، غير أنّها بلغت ذروتها في سياق الإبادة الجارية، إذ يسعى الاحتلال إلى تصفية الشهود على جرائمه، بعد أن أدّى الصحفي الفلسطيني دورا محوريا في فضحها وتوثيقها ونقلها إلى العالم، في تكريس لسياسة الإفلات من المساءلة والعقاب عن جرائمهم. وقد وثّقت مؤسسات الأسرى عشرات الشهادات لصحفيين وصحفيات تعرّضوا للاعتقال، تكشف عن منظومة تعذيب بنيوية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعسكراته، تقوم على التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع الممنهج، والاعتداءات الجسدية والجنسية بما فيها الاغتصاب، فضلاً عن سياسات الإذلال والتنكيل والحرمان من أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها الحرمان من العلاج. كما يُحتجز المعتقلون في ظروف قاسية وعزلٍ مضاعف، مع استمرار حرمانهم من الزيارات، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إليهم. وكشفت أوضاع الصحفيين المُفرَج عنهم حجمَ الجرائم المرتكبة بحقّهم، إذ خرج كثيرٌ منهم بأوضاع صحية ونفسية كارثية نتيجة التعذيب والتجويع. ومنهم الصحفي مجاهد بني مفلح من نابلس، الذي أُصيب بنزيف دماغي بعد أيام من الإفراج عنه.  وكذلك الصحفي علي السمودي من جنين، الذي خرج في حالة صحية متردية، بعد أن فقد نحو (60) كيلوغرامًا من وزنه خلال عام واحد من الاعتقال الإداري، في دليلٍ صارخ على استخدام التجويع أداةً للقتل البطيء بحق الأسرى والمعتقلين. واعتبرت التصاعد غير المسبوق في اعتقال الصحفيين إداريا بذريعة “الملف السري”، إلى جانب الاعتقال على خلفية حرية الرأي والتعبير بذريعة “التحريض”، امتدادًا لسياسة قمع ممنهجة تستهدف الحريات الأساسية، وتُحوِّل الفضاء الرقمي إلى أداة رقابة و”عقاب”. وفي هذا الإطار، تؤكد مؤسسات الأسرى أنّ استهداف الصحفيين على خلفية عملهم الإعلامي وآرائهم يشكّل انتهاكًا صارخًا للحق في حرية الرأي والتعبير، المكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا سيما المادة (19) منه، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يضمن حرية التعبير بما يشمل حرية البحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها. كما أنّ اللجوء إلى تهم فضفاضة كـ”التحريض”، أو الاحتجاز الإداري القائم على “ملفات سرية”، يقوّض ضمانات المحاكمة العادلة، ويُستخدم أداةً لقمع العمل الصحفي وتقييد الفضاء العام. وشددت على أنّ استهداف الصحفيين سواء عبر القتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري، يُعدّ انتهاكًا لأحكام اتفاقيات جنيف التي توفّر الحماية للمدنيين بمن فيهم الصحفيون، وتؤكد المؤسسات أنّ هذه الانتهاكات، بما تشمله من قتل متعمد واستهداف مباشر للصحفيين، قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما حين تُرتكب في سياق هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجَّه ضد السكان المدنيين. وأمام هذه الجرائم، تؤكد مؤسسات الأسرى أنّ ما يجري بحقّ الصحفيين يشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة الدولية الفورية، وتُجدِّد مطالبتها بالإفراج العاجل عن جميع الصحفيين المعتقلين، والكشف الفوري عن مصير صحفيي غزة الخاضعين للإخفاء القسري. كما دعت المؤسساتُ هيئةَ الأمم المتحدة وسائر منظومة العمل الدولي إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية، والخروج من حالة العجز والتواطؤ، عبر اتخاذ إجراءات فعلية وعاجلة لوقف جريمة الإبادة، ومحاسبة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحقّ الصحفيين وسائر الشعب الفلسطيني.




مستعمرون يطلقون الرصاص الحي على مواطنين في بيت ساحور




الملوخية بدلاً من التبغ.. حيلة الغزيين لمواجهة الحصار وشح السجائر

لم تعد الملوخية في قطاع غزة مجرد صنف غذائي يتصدر الموائد الفلسطينية، بل تحولت في ظل الحرب المستمرة والحصار الخانق إلى وسيلة مبتكرة لمواجهة شح التبغ. حيث بدأ المدخنون في القطاع بالاعتماد على أوراقها المجففة والمطحونة كبديل للسجائر التقليدية التي اختفت من الأسواق أو ارتفعت أسعارها بشكل خيالي.

وتشير المصادر الميدانية إلى أن سعر السيجارة الواحدة قفز من شيكل واحد قبل الحرب ليصل إلى نحو أربعين ضعفاً، مما جعل الحصول على التبغ المستورد ضرباً من المستحيل لغالبية السكان. هذا الواقع دفع الباعة والنازحين للبحث عن بدائل عشبية لسد حاجة المدخنين الذين يعانون من ضغوط نفسية هائلة جراء القصف المستمر.

في أزقة مدينة غزة وبين خيام النازحين، ينتشر باعة متجولون يقومون بخلط أوراق الملوخية المفتتة بسائل يُفترض أنه نيكوتين مركز. يتم رج الخليط جيداً داخل أكياس بلاستيكية صغيرة حتى يتشبع باللون الأخضر، ثم يُلف يدوياً في أوراق رقيقة ليباع كمنتج محلي الصنع للزبائن الباحثين عن أي بديل للتبغ.

يقول أحد الباعة، ويدعى أبو يحيى إن هذه السجائر ليست بديلاً حقيقياً من حيث التأثير أو المذاق، لكنها خيار اضطراري فرضته الظروف القاسية. وأوضح أن غياب السجائر المستوردة تماماً هو ما دفع الناس للإقبال على هذه الأعشاب المطعمة بالنيكوتين، رغم إدراكهم لفرق الجودة الكبير.

من جانبه، يرى البائع محمد حلس أن انتشار هذه الظاهرة ليس ترفاً بل ضرورة ملحة فرضها انقطاع الإمدادات الأساسية عن القطاع. وأكد أنه في حال توفرت السجائر العادية بأسعار معقولة، فإن أحداً لن يفكر في اللجوء إلى تدخين الملوخية أو غيرها من الأعشاب التي تفتقر للمعايير الصحية.

وتواجه الزراعة في غزة تحديات جسيمة، حيث تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن 4% فقط من الأراضي لا تزال صالحة للزراعة. هذا النقص الحاد في المساحات الخضراء جعل حتى البدائل العشبية مثل الملوخية والخروع صعبة المنال في كثير من الأحيان، مما يزيد من تعقيد المشهد المعيشي.

لو وضعوا سماً سندخنه، فلا حياة ولا مستقبل نخشى على صحتنا في ظل هذه الظروف.

وتتصاعد المخاوف الصحية بين الأطباء والمواطنين على حد سواء بشأن طبيعة المواد المضافة لهذه السجائر اليدوية. ويشير مواطنون إلى أن السوائل المستخدمة قد لا تكون نيكوتيناً نقياً، بل ربما تكون خليطاً من مواد كيميائية مجهولة أو حتى مبيدات حشرية تُستخدم لتعزيز التأثير المخدر للسيجارة.

ويعبر وليد النعيزي عن قلقه من أن هذه الأعشاب، ومنها أوراق الخروع، قد تحتوي على مواد سامة تضر بالجهاز التنفسي بشكل يفوق أضرار التبغ العادي. ومع ذلك، يجد الكثيرون أنفسهم مضطرين للمخاطرة بصحتهم في سبيل الحصول على لحظة من الهدوء النفسي وسط ركام المنازل المدمرة.

أبو محمد صقر، الذي يدخن منذ عقود، يصف حالته باليأس المطلق، مؤكداً أنه لا يكترث بالمخاطر الصحية في ظل انعدام الأمان والمستقبل. وبالنسبة له، فإن تدخين الملوخية هو مجرد محاولة لنفث الدخان والتنفيس عن الغضب المكبوت، حتى لو كان المذاق سيئاً ولا يشبه التبغ في شيء.

وفي مخيمات خان يونس، تروي نيفين سمير تجربتها مع هذا البديل المر، حيث اضطرت لتقليص استهلاكها من علبة كاملة يومياً إلى بضع سجائر يدوية الصنع. وتصف نيفين الرائحة والمذاق بالسيئين جداً، لكنها تعتبرها وسيلة لمرافقة فنجان القهوة الصباحي الذي فقد هو الآخر جودته المعهودة.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تستمر فيه الانتهاكات الإسرائيلية رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد المئات وإصابة الآلاف منذ أكتوبر الماضي. هذه الظروف الأمنية المتردية تجعل من الصعب على السكان التفكير في الإقلاع عن التدخين أو البحث عن حياة صحية.

ويبقى مشهد بائعي ‘سجائر الملوخية’ فوق أنقاض المباني دليلاً صارخاً على قدرة الغزيين على ابتكار وسائل للبقاء، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر. إنها قصة شعب يحاول التأقلم مع أقسى أنواع الحصار، حيث تتحول أبسط النباتات إلى أدوات لمواجهة واقع الحرب المرير.