1

في منظومةٍ تعتمد على التسجيل الإلكتروني وبيئة اتصال مضطربة..

غزة.. إقصاءٌ “إغاثي” تصنعه “الرقمنة”!

أم محمد: الروابط كانت تفتح لدقائق ثم تغلق والاتصال ضعيف ومكلف ومتقطع

كمال محمد: حاولت التسجيل مرارًا لكنني لم أصل بسبب ضعف الاتصال وضيق مدة التسجيل

“أمان”: ضعف الإنترنت والاتصالات أثرا في القدرة على متابعة الإعلانات وبالتالي على فرص التسجيل

حنان المهموم: سجلت لدى برنامج الأغذية العالمي لكنني لم أعرف لماذا لم تصلني المساعدة

تماضر طنبورة: لم أتمكن من التسجيل بسبب الضغط على الموقع وضيق المدة المحددة

الفارس الشهم3: البرنامج العام لا يعتمد مدة ثابتة للتسجيل والمبادرات المؤقتة تخضع لشروط خاصة

إسراء جبر: قالوا لي إن المساعدة أُرسلت إلى رقم الهاتف المسجل لكنها لم تصل

برنامج الأغذية العالمي: نظام التسجيل الذاتي يتيح تسجيل غير المتزوجين والأطفال والأزواج بصورة مستقلة

التنمية الاجتماعية: لدينا قاعدة بيانات تضم أكثر من 517 ألف أسرة

حقوقي: توزيع المساعدات يجب أن يستند إلى معايير موضوعية وعادلة وشفافة وأن يراعي درجة الاحتياج والهشاشة

أحمد العرجا وأمل بريكة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

“كانت تفتح لدقائق قليلة ثم تغلق”، قالتها أم محمد عبد الكريم بحسرة وضربت كفًا بكف. كانت تقصد روابط تسجيل المساعدات التي لطالما حاولت الوصول إليها، فيما كان ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء يحولان دون متابعتها في الوقت المناسب.

تمتلك “أم محمد” هاتفًا ذكيًا قديمًا، وتعيش وعائلتها المكونة من ثمانية أفراد، في مخيم الشاطئ الشمالي، فيما تعتمد أسرتها على نقاط الشحن المدفوعة بالطاقة الشمسية، لتزويد هواتفها المحمولة بالشحن يوميًا.

تصف السيدة الإنترنت المتاح لديها بأنه ضعيف ومكلف ومتقطع، وهذا جعل الوصول إلى بعض الروابط التي تابعتها، ومنها روابط مرتبطة بـ”حساء غزة” أمرًا غير مضمون.

لم تعد الطريق إلى المساعدات في قطاع غزة تبدأ من باب مؤسسة أو مركز توزيع، ففي منظومة تعتمد على التسجيل الإلكتروني تبدأ المساعدة من هاتف ورابط تسجيل، ثم استكمال البيانات وتلقي رسالة تحدد موعد ومكان الاستلام.

هذه السلسلة -معظم الأحيان- تعمل في بيئة رقمية مضطربة، يتداخل فيها ضعف الإنترنت وانقطاع الاتصالات والكهرباء مع متطلبات التسجيل والمتابعة، ولذلك قد يتحول الرابط من مجرد وسيلة للتسجيل إلى شروط حتمية للوصول إلى المساعدة.

يتتبع هذا التحقيق تجارب مواطنين، واجهوا عوائق في مراحل مختلفة، ويراجع آليات التسجيل والاستهداف، ودور المؤسسات في ظل واقع الاتصال بغزة؛ للكشف عن مدى تأثير هذه الآليات على فرص الوصول إلى المساعدة.

وتكتسب تجربة “أم محمد” أهمية في ظل تراجع امتلاك الهواتف الذكية في غزة من نحو (58%) عشية الحرب، إلى (35%) خلال 2025م، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.. أي أن النظام الذي يفترض أن يكون الرابط الإلكتروني بوابته الأولى يعمل في بيئة تراجع فيها أصلًا انتشار الأداة التي يعتمد عليها.

    
صورة 1: لقطة شاشة لأحد روابط “حساء غزة” تظهر نشر الرابط وإغلاقه خلال 4 دقائق. صورة 2: نماذج من التعليقات على روابط “حساء غزة”.

ولا تثبت حالة “أم محمد” وحدها الحرمان من المساعدة بسبب “الرقمنة”، لكنها توثق عقبة تسبق تقييم الاستحقاق أصلًا. وهو ما يؤكده “كمال محمد”، شابٌ من ذوي الإعاقة الحركية، متزوج ويعيش في خيمة بمواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، إذ أفاد بأنه حاول التسجيل عبر روابط “حساء غزة” مرارًا، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها بسبب ضعف الإنترنت وضيق فترة التسجيل. وقد رصد التحقيق منشورات وتعليقات لمواطنين تتحدث عن صعوبات مماثلة.

ويدعم الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” هذا الجانب من الصورة، إذ يقول مديرها الإقليمي في قطاع غزة وائل بعلوشة، في رده على معدي التحقيق: “المؤسسة رصدت اعتمادًا مفرطًا على روابط قصيرة المدة، إلى جانب ضعف الإعلان المسبق ومعايير الاختيار وآليات الشكاوى، بما يجعل سرعة الإنترنت والقدرة على متابعة الإعلانات عاملين مؤثرين في فرص التسجيل، خصوصًا لدى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر التي تعاني من ضعف الكهرباء والاتصالات”.

وحاول معدا التحقيق التواصل مباشرة مع المسؤول عن “حساء غزة” هاني المدهون عبر قنوات الاتصال المتاحة (فيسبوك، والبريد الإلكتروني)، للاستفسار عن مدة فتح الروابط، ومعايير الاختيار، والبدائل المتاحة، ولم يصل رد حتى موعد نشر هذا التحقيق.

لكن الوصول إلى الرابط لم يكن العقبة الوحيدة. فوفق “حنان المهموم” (34 عامًا)، وهي منفصلة نزحت من رفح إلى مواصي خانيونس، فقد واجهت صعوبات متكررة في متابعة روابط التسجيل بسبب ضعف الإنترنت، وتمكّنت من التسجيل لدى برنامج الأغذية العالمي، لكنها لم تعرف سبب عدم حصولها على المساعدة.

أما “تماضر طمبورة”، المقيمة مع والديها المسنين في بيت لاهيا، شمالي القطاع، فتخبرنا أنها لم تتمكن من التسجيل في مشروع للنظارات الطبية تابع لـ”الفارس الشهم 3” بسبب الضغط على الموقع وانتهاء فترة التسجيل.

وهي مشكلة أفاد الصحفي “محمد الجمل” بأنه واجهها أيضًا، إذ لم يسمح له رابط “الفارس الشهم 3” للنظارات الطبية بالتسجيل بسبب ضيق الوقت والضغط على الموقع.

   
صورة 3: لقطة شاشة لإعلان مشروع النظارات الطبية، يوضح أولوية التسجيل والإغلاق التلقائي. صورة 4: عطل تقني يصيب رابط مشروع النظارات الطبية. 

صورة 5: لقطة شاشة من نظام “عملية الفارس الشهم 3” تظهر إغلاق التسجيل.

وتقول لجنة إسناد “الفارس الشهم 3″، في ردها على معدي التحقيق: “إن مشروع النظارات كان محددًا بعشرة آلاف مستفيد، وفُتح ليومين ثم مُدّد”، لكن إعلان المشروع -وفق ما راجعه التحقيق- ربط الاستفادة بأولوية التسجيل، فيما أظهرت لقطات نشرها مواطنون، ورصدها معدا التحقيق، أعطالًا تقنية في الرابط.

وفي المقابل، يوضح د. عزام شعث، الناطق باسم لجنة الإسناد، أن البرنامج العام لا يعتمد مدة ثابتة للتسجيل أو عددًا محددًا للأسر، وأن المبادرات المؤقتة، مثل مشروع النظارات، تخضع لشروط خاصة وتتابعها فرق تقنية.

وتكشف هذه المعطيات أن التسجيل الإلكتروني ليس آلية موحدة، إذ تختلف مدة فتح الروابط، وعدد المستفيدين، وشروط الاختيار، وإمكانية التمديد من برنامج إلى آخر.

لكن في المشاريع ذات النوافذ المحدودة، تتحول هذه الاختلافات إلى عائق عملي أمام من لم يتمكن من رؤية الإعلان أو الوصول إلى الرابط أو واجه خللًا تقنيًا في الوقت المتاح.

وتظهر المشكلة أيضًا بعد إتمام التسجيل، إذ تقول “تماضر”: “إن رسالة مساعدة وصلتها في التاسعة صباحًا، بالتزامن تقريبًا مع موعد التسليم، ولم تتمكن من استلام المساعدة”.

كما تشير “إسراء جبر”، المقيمة في مخيم البريج، إلى أن رسالة تخص مستفيدًا آخر وصلت هاتفها، وأن مؤسسة أبلغتها في حالة أخرى بأن المساعدة أرسلت إلى رقم الهاتف المسجل لديها، لكنها لم تصلها في أي مرة.

   
صورة 6: لقطة شاشة لرسالة الاستلام التي وصلت تماضر في نفس موعد التسليم صورة 7: نموذج رسالة وصلت بالخطأ

وتكشف هذه الحالات أن الوصول إلى المساعدة أصبح سلسلة مترابطة، فالبيانات التي تبدأ بها عملية الاستهداف يجب أن تبقى صحيحة حتى نهاية عملية الصرف، وإلا واجه المواطن عائقًا قد يحول دون حصوله على المساعدة.

ولا تعمل هذه السلسلة في بيئة اتصال مستقرة، إذ يعاني (97%) من مستخدمي الإنترنت من انقطاعات مستمرة في الشبكة، فيما يعاني (77%) من توقف خدمات الهاتف النقال أو ضعفها بما يعيق استخدام الإنترنت، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

الأسرة التي لا يشبهها النموذج

وتظهر طبقة أخرى من المشكلة عندما لا تتطابق بنية الأسرة الواقعية مع النموذج الذي صُمم به نظام التسجيل. تروي “إسراء جبر”، وهي من أسرة متعددة الزوجات، أنها واجهت صعوبة في تسجيل أفراد أسرتها ضمن نظام برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب مشكلات في تسجيل بعض أفراد الأسرة ورفع مستندات في روابط أخرى.

في المقابل، توضح رئيسة قسم الاتصالات في “برنامج الأغذية العالمي” في فلسطين كلير نيفل  (Claire Nevill)، في ردها على معدي التحقيق، أن نظام التسجيل الذاتي يتيح تسجيل غير المتزوجين والأطفال والأزواج بصورة مستقلة، ولا يفترض وجود الفرد في أكثر من أسرة، مشيرة إلى تحديثه وإتاحة حذف التسجيل الكامل منذ مارس/آذار 2025م، فضلًا عن بدء تحقق ميداني في فبراير/شباط 2026م، شمل أكثر من (20) موقعًا، وتحقق من أكثر من (102) ألف أسرة حتى موعد ردها.

صورة 8: لقطة شاشة من رسالة “برنامج الغذاء العالمي” للاستدعاء للتحقق

ويمثل هذا الرد دليلًا مهمًا؛ فالبرنامج يقر بأن نظام التسجيل احتاج إلى تحديث معايير التسجيل ومعالجة الازدواجية والتحقق من البيانات، مع الإشارة إلى أن التحقق الميداني يستهدف الأشخاص المسجلين في قاعدة البيانات، ولا يحل مشكلة أولئك الذين لم يتمكنوا من التسجيل.

أما الأسر متعددة الزوجات، فتوضح “نيفيل” أن النظام يتيح تسجيل الزوجة أو الأطفال مع الزوج، أو بصورة منفصلة عند استقلالهم بالسكن؛ بينما تفيد شهادة “إسراء” بأن هذا التمثيل لم يكن ممكنًا بالصورة نفسها عندما حاولت التسجيل، ما يعني أن بعض الأسر متعددة الزوجات قد تواجه صعوبة في تمثيل بنيتها الأسرية ضمن النظام.

ولم يستجب “برنامج الأغذية العالمي” لطلب معدي التحقيق تزويدهم ببيانات تفصيلية حول الحالات التي كشفها نظام التحقق الجديد، تشمل الأسر المسجلة، والتسجيلات المرفوضة أو المعدلة أو المحذوفة، وغير المستوفية للشروط، والشكاوى المتعلقة بالتسجيل وتحديث البيانات، فضلًا عن بيانات الأسر متعددة الزوجات، بما يسمح بمقارنتها ورصد الفجوة بين حجم التسجيل والبنية الفعلية للأسر في البيانات الرسمية.

قاعدة وطنية أم أنظمة متعددة؟

إذا كانت المشكلة تبدأ أحيانًا من الرابط، وتمتد في حالات أخرى إلى البيانات أو الرسائل، فإن تعدد قواعد البيانات يفتح سؤالًا أوسع حول المسار الذي يسلكه المواطن أصلًا للوصول إلى المساعدة.

وتؤكد وزارة التنمية الاجتماعية، على لسان المتحدثة باسمها عزيزة الكحلوت، أن لديها قاعدة بيانات تضم أكثر من (517 ألف) أسرة، و”تحديثها يعتمد على الإنترنت ومراكز خدمات الجمهور والباحثين الاجتماعيين ولجان الأحياء والزيارات الميدانية، مع إتاحة الاستفادة منها للمؤسسات الإغاثية”، مقرةً بأن مؤسسات أخرى تعمل بقواعد بيانات خاصة بها.

وتقدم جمعية البركة الجزائرية نموذجًا مختلفًا، فهي تعتمد رابطًا إلكترونيًا للتسجيل، لكنها تقول في رد دائرتها الإعلامية على معدي التحقيق، “إنها تتيح التسجيل الحضوري لمن لا يستطيع استخدامه”، وتوضح أنها تعاملت مع أكثر من (315 ألف) تسجيل، مع تأكيدها أن تنفيذها بعض المشاريع من خلال “التنمية الاجتماعية” لا يعني اعتماد قاعدة بيانات الوزارة.

أما “الفارس الشهم 3″، فيقول د. شعث إنها وصلت إلى نحو (400 ألف) أسرة في الدورة الرابعة.

وتكشف هذه الأرقام اختلاف نطاق التغطية بين هذه الجهات، فتسجيلات “البركة” تعادل نحو (61%) من عدد الأسر المسجلة في قاعدة بيانات “التنمية”، بفارق يقارب (202 ألف) أسرة، فيما تبلغ الأسر التي تقول “الفارس الشهم 3” إنها وصلت إليها نحو (77%)، بفارق نحو (117 ألف أسرة).

لكن هذه الفوارق لا تكفي وحدها لإثبات أن الأسر غير المشمولة بهذه الأرقام حُرمت من المساعدة، إذ قد تختلف الفترات الزمنية ونطاق التغطية وتعريف “التسجيل” و”الوصول” بين الجهات. وهي، في المقابل، تكشف أن الجهات الإغاثية لا تعمل بالضرورة ضمن قاعدة تغطية موحدة حتى عندما تستهدف الفئة السكانية نفسها.

وهنا تكمن المشكلة التي يكشفها التحقيق: تعدد مسارات التسجيل والاعتماد على الروابط الإلكترونية يخلقان بيئة يصبح فيها احتمال الوصول إلى المساعدة مرتبطًا بعوامل تتجاوز الحاجة نفسها، فضلًا عن غياب مسار واضح للمواطن لمعرفة أي رابط يحدد وضعه، وكيف يصحح بياناته، وأين يعترض إذا لم يظهر فيها.

ويؤكد ائتلاف “أمان” أن ضعف آليات الشكاوى والاعتراض من أبرز الثغرات التي رصدها في منظومة الاستجابة، إلى جانب مشكلات التسجيل والاستهداف والإعلان.

المحفظة.. الباب الأخير للوصول

ولا تنتهي رحلة المساعدات النقدية عند التسجيل. تقول “حنان المهموم” إنها أنشأت محفظة “بال باي” بناءً على طلب “برنامج الأغذية العالمي”، لكنها واجهت لاحقًا مشكلة فيها ولم تجد المساعدة التي كانت تتوقعها بعد إعادة فتحها.

صورة 9: لقطة شاشة لرسالة من برنامج الأغذية العالمي يطلب إنشاء محفظة “بال باي”.

وهنا تبرز المحفظة باعتبارها حلقة أخيرة في سلسلة الوصول؛ فإذا تعذر على المستفيد إنشاؤها، فلن تصل إليه المساعدة حتى لو اجتاز مراحل التسجيل، لكن تحديد المسؤولية يحتاج إلى فصل واضح بين الجهة التي تضع شروط استخدام المحافظ، والمؤسسة التي تختارها قناةً لصرف المساعدة.

وقد وجه معدا التحقيق إلى “سلطة النقد الفلسطينية” أسئلة حول القيود المرتبطة بوثائق الهوية الصادرة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وما إذا كانت أثرت في قدرة بعض المواطنين على الاستفادة من المساعدات النقدية، إضافة إلى بيانات عن الحالات المتأثرة، لكنها لم تجب حتى موعد النشر.

ولا يعفي غياب الرد المؤسسات الإغاثية من المسؤولية عن تصميم مسار الوصول، فحتى إذا لم تكن صاحبة القرار في شروط فتح المحفظة أو التحقق من الهوية، فإن اختيار قناة الصرف يظل جزءًا من منظومة الوصول إلى المساعدة، ويطرح مسؤولية توفير بديل فعّال عند تعذر استخدام القناة المعتمدة.

ما الذي تكشفه الأدلة؟

من هاتف “أم محمد” القديم، إلى رابط “تماضر” الذي أغلق قبل أن تتمكن من التسجيل، ثم رسالة وصلت إلى هاتف مستفيد آخر، وصولًا إلى الأسرة التي تواجه صعوبة في تمثيل بنيتها داخل نموذج إلكتروني، تتكرر المشكلة في مراحل مختلفة من رحلة المساعدة.

الوصول إلى المساعدة في غزة لم يعد مرتبطًا بالحاجة والاستحقاق وحدهما، إذ أصبح المواطن مجبرًا على المرور عبر سلسلة من الخطوات تبدأ بمعرفة الرابط والوصول إليه، ثم التسجيل وتمثيل الأسرة وتحديث البيانات، ومتابعة الإشعارات والوصول إلى نقطة التوزيع، وفي المساعدات النقدية تجاوز القيود وإنشاء محفظة إلكترونية.

وتعمل هذه السلسلة في بيئة غير متكافئة، فبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تظهر أن (29%) من سكان غزة لم يتمكنوا من الوصول إلى الإنترنت مطلقًا، فيما كان اتصال (60%) ممن تمكنوا من الوصول متقطعًا.

ولا تشير الأدلة إلى أن هذه الآليات صُممت بقصد استبعاد فئة بعينها؛ لكنها تكشف تفاوت القدرة على عبورها، وتوضح أن بعض شروط الوصول تفترض امتلاك هاتف واتصالًا بالإنترنت وقدرة على متابعة الرسائل وتحديث البيانات وتمثيل الأسرة والوصول إلى نقطة التوزيع، وهي قدرات لا تتوفر بالتساوي في ظروف الحرب والنزوح.

ويوضح الحقوقي سعيد عبد الله، استنادًا إلى المادة (9) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003م، أن اختيار المستفيدين وتوزيع المساعدات يجب أن يستندا إلى معايير موضوعية وعادلة وشفافة، تراعي درجة الاحتياج والهشاشة، ولا تمنع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر احتياجًا متى استندت إلى معايير واضحة ومعلنة.

ومن ثمّ، فقد تتحول الإجراءات الرقمية إلى بوابة للإقصاء والانحياز عندما ينتج عن تصميم إجراء محايد ظاهريًا أثر غير متكافئ، نتيجة افتراض امتلاك هاتف واتصالًا بالإنترنت وقدرة على متابعة الرسائل وتحديث البيانات وتمثيل الأسرة والوصول إلى نقطة التوزيع.

التحقيق لم يتمكن من تحديد عدد الأسر التي فقدت مساعدات فعلية بسبب هذه العوائق، إذ امتنعت المؤسسات عن تقديم بيانات تفصيلية، لكن الأدلة التي جمعها معدّاه توثق وجود عوائق في مراحل مختلفة من مسار الوصول، وترصد أثرها في فرص التسجيل والاستفادة، كما ترصد محاولات بعض المؤسسات توفير بدائل أو تصحيح ثغرات كشفتها الممارسة.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.




فلسطين تحضر في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب ثقافة وهوية ورواية وطن

 لم تكن المشاركة الفلسطينية في معرض بيروت الدولي للكتاب مجرد حضور ثقافي عابر بل شكلت مساحة لتأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية واستحضار الذاكرة والرواية الفلسطينية وإبراز دور الثقافة والأدب في حماية الهوية وتعزيز الانتماء الوطني في مواجهة محاولات الطمس والتزييف .. فمن خلال الكتب والإصدارات واللقاءات الثقافية حضرت فلسطين بتاريخها وتراثها وتنوعها الديني والفكري لتؤكد أن الثقافة الفلسطينية جزء أصيل من المشهد الثقافي العربي.  

وفي مقابلة أجرتها «الحياة الجديدة» مع رئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين فرع لبنان محمد سرور أكد أن الاتحاد، رغم حداثة تأسيسه وعدم مضي شهرين على انطلاقته استطاع بجهود الزميلات والزملاء وبرعاية الأمانة العامة للاتحاد تحقيق إنجازات مهمة على صعيد العمل الثقافي والتنظيمي وفي إطار المشاركة الفلسطينية في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب.

وأوضح سرور أن المشاركة جاءت في ظل فترة زمنية قصيرة لم تتح إتمام التحضيرات إلا في وقت ضيق إلا أن الاتحاد نجح في إقامة جناح فلسطيني مميز استقطب كثافة ملحوظة من الزوار ولفت الأنظار رغم محدودية المساحة المخصصة له مشيراً إلى أن عدد الإصدارات والموسوعات المعروضة كان مقبولاً مع تطلع الاتحاد إلى توسيع المشاركة مستقبلاً وإغنائها بتشكيلة أكبر وأكثر تنوعاً من الكتب والإصدارات.

وأشار إلى أن الجناح الفلسطيني تميز بتصميمه الذي جمع علم الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين والعلمين اللبناني والفلسطيني إلى جانب مجموعة من الإصدارات التي توزعت على ثلاثة أقسام رئيسية شملت إصدارات الزميلات والزملاء أعضاء الاتحاد والإصدارات التي وصلت من فلسطين عبر الأمين العام للاتحاد الأستاذ مراد السوداني إضافة إلى الإصدارات التي قدمتها سفارة دولة فلسطين في بيروت بما عكس تكامل الجهود الثقافية والوطنية لإنجاح هذه المشاركة.

وشدد سرور على أن ما ميز المشاركة الفلسطينية هو المكانة التي تحتلها فلسطين في وجدان الكتاب والمثقفين مؤكداً أن متابعة حركة الزوار واهتماماتهم عكست بوضوح حضور فلسطين بوصفها عنواناً للهوية والانتماء المشترك لدى شريحة واسعة من المفكرين والمثقفين العرب.

وقال سرور إن فلسطين تشكل قبلة ثقافية ووطنية وهوية جامعة تتجاوز الحدود مضيفاً أن حضورها يمنح المعارض والفعاليات الثقافية بعداً يتصل بالحرية والذاكرة والانتماء وأن نجاح الجناح الفلسطيني وتميزه يعكسان عمق ارتباط المثقفين بالقضية الفلسطينية وحرصهم على إبقائها حاضرة في المشهد الثقافي العربي.

وأعرب عن اعتزاز الاتحاد بهذه المشاركة موجهاً الشكر إلى كل من أسهم في إنجاحها من الأمانة العامة للاتحاد إلى الزميلات والزملاء وسفارة دولة فلسطين في بيروت وسائر الجهات والشخصيات الداعمة لافتا إلى أن الجناح الفلسطيني يشهد يومياً تنظيم حفلات توقيع للكتب على مدار اليوم في خطوة تسهم في تنشيط الحركة الثقافية وزيادة تفاعل الزوار مع الإصدارات والكتاب الفلسطينيين وتعزز حضور الاتحاد بوصفه مساحة للتواصل بين المبدعين والجمهور ومنبراً ثقافياً يحمل القضية الفلسطينية ويؤكد مكانتها في الوعي العربي.

وفي لفتة تعكس أهمية الحضور الفلسطيني في المشهد الثقافي اللبناني زار رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور نواف سلام وعقيلته السفيرة سحر بعاصيري جناح دولة فلسطين خلال افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، حيث كان في استقبالهما سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد الذي رحب بهما وقدم شرحاً حول أبرز الكتب والإصدارات المعروضة مثمناً الدور الثقافي لبيروت ومكانتها التاريخية مركزاً للفكر والإبداع والإشعاع الحضاري والثقافي.

كما شهد الجناح الفلسطيني زيارات لعدد من الشخصيات السياسية والوطنية من بينهم رئيسا الحكومة السابقان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة إلى جانب عدد من الوزراء والنواب والشخصيات الثقافية والفكرية في مشهد عكس الاهتمام بالحضور الفلسطيني ودوره في تعزيز العلاقات الثقافية والأخوية بين الشعبين الفلسطيني واللبناني.  

وفي إطار الفعاليات الثقافية الفلسطينية شهد المعرض توقيع الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى كتابه «اليوم الثالث ـ قراءة في الهوية المسيحية الفلسطينية»، الصادر عن دار سائر المشرق، برعاية سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد ،  وسلط الكتاب الضوء على الهوية المسيحية الفلسطينية ودور أبناء الشعب الفلسطيني من المسيحيين في مسيرة النضال الوطني وإسهاماتهم في الحياة الثقافية والوطنية .

وفي حديث لتلفزيون فلسطين وقناة فلسطيننا، أشاد السفير محمد الأسعد بالدور الثقافي والأدبي للأرشمندريت أبو سعدى في تسليط الضوء على أبناء الشعب الفلسطيني من المسيحيين وعلى دورهم الريادي في مسيرة النضال الوطني وإسهاماتهم في تعزيز الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية الزائفة 

وأكد الأسعد إيمان الرئيس محمود عباس بالتعددية الدينية والفكرية في فلسطين التي ستبقى مهد الديانات السماوية ومهبط الرسالات . 

ويواصل معرض بيروت الدولي للكتاب استقبال زواره واحتضان الفعاليات الثقافية والأدبية التي تشكل مساحة للتلاقي بين الكتاب والمثقفين ودور النشر فيما يواصل الحضور الفلسطيني تأكيد مكانته في المشهد الثقافي العربي وتبقى الكلمة الفلسطينية  شاهدة على تاريخ شعبها وحقه في الحرية والاستقلال.




أرقام صادمة.. مقتل وإصابة 50 ألف امرأة وفتاة فلسطينية في قطاع غزة

أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة حصيلة مفجعة لضحايا الحرب في قطاع غزة، حيث طالت عمليات القتل والإصابة نحو 50 ألف امرأة وفتاة منذ اندلاع العدوان في أكتوبر 2023. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الشهيدات تجاوز 38 ألفاً، بينما تعاني نحو 11700 مصابة من جروح بليغة يُتوقع أن تترك إعاقات دائمة ترافقهن مدى الحياة.

ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن نزيف الدماء لم يتوقف تماماً، إذ وثقت المصادر الأممية استشهاد 277 امرأة وفتاة منذ ذلك الحين. وتواجه الناجيات ظروفاً معيشية وصحية قاسية للغاية، حيث لا تزال تداعيات الحرب والنزوح المستمر تلقي بظلالها الثقيلة على حياة مئات الآلاف من العائلات الفلسطينية.

وتشير التقارير إلى أن سياسة التهجير القسري التي انتهجتها قوات الاحتلال عبر أكثر من 150 أمر إخلاء، أدت إلى نزوح قرابة مليون امرأة وفتاة داخل القطاع. واضطرت الكثيرات منهن إلى التنقل بين مراكز الإيواء والخيام لأكثر من أربع مرات، مما فاقم من معاناتهن الإنسانية في ظل انعدام الخصوصية والأمان.

وفي ظل فقدان الآلاف من الرجال بين شهيد وجريح ومعتقل، وجدت النساء أنفسهن في مواجهة مسؤوليات مضاعفة، حيث أصبحت المرأة هي المعيل الرئيسي لنحو 86,290 أسرة. هذا التحول الديموغرافي والاجتماعي القسري يضع ضغوطاً هائلة على النساء اللواتي يفتقرن إلى أدنى مقومات الدعم الاقتصادي والاجتماعي في ظل الدمار الشامل.

وحذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من كارثة غذائية وشيكة، حيث يُتوقع أن تواجه أكثر من 700 ألف امرأة وفتاة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال النصف الثاني من عام 2026. ويأتي هذا التدهور نتيجة الحصار المستمر ومنع وصول المساعدات الكافية، مما يهدد حياة الأمهات والأطفال على حد سواء.

وعلى صعيد الصحة الإنجابية، سجلت المصادر الطبية نحو 4 آلاف حالة فقدان حمل خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، وهو رقم يعكس حجم المأساة الصحية. وتكافح حالياً نحو 50 ألف امرأة حامل في القطاع للحصول على الحد الأدنى من الرعاية، في وقت تُسجل فيه غزة قرابة 180 ولادة يومياً في ظروف غير آمنة.

من جانبه، أكد مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي أن ما يحدث هو استهداف متعمد للقدرة الإنجابية للمرأة الفلسطينية. وأوضحت مديرة المركز، كفاية خريم أن الاحتلال تعمد قصف أقسام الولادة وتدمير مراكز الإخصاب، بما في ذلك تدمير آلاف الأجنة المجمّدة في مركز البسمة، مما يشكل جريمة مكتملة الأركان.

استهداف النساء والفتيات في قطاع غزة وتدمير قدرتهن على الإنجاب يمثل ركناً أساسياً من أركان جريمة الإبادة الجماعية.

وأضافت خريم أن منع إدخال المستلزمات الطبية الضرورية، مثل الحاضنات وأجهزة رعاية حديثي الولادة، يندرج ضمن سياسة ممنهجة لرفع معدلات الوفيات بين الأطفال والأمهات. واعتبرت أن هذه الممارسات، إلى جانب الحصار التجويعي، تمثل الأدلة المادية على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية التي وثقتها المنظمات الدولية.

وانتقدت الحقوقية الفلسطينية بشدة غياب المساءلة الدولية، مشيرة إلى أن البيانات والإدانات الصادرة عن الأمم المتحدة لم تنجح في وقف الانتهاكات على الأرض. وقالت إن النساء في غزة فقدن الأمل في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، خاصة في ظل الدعم الذي تتلقاه إسرائيل وحمايتها من الملاحقة القضائية.

ولم تقتصر المعاناة على قطاع غزة، بل امتدت لتشمل الضفة الغربية، حيث وثقت المصادر حالات وفاة لنساء حوامل عند الحواجز العسكرية الإسرائيلية. وأشار المركز إلى أن القيود المفروضة على الحركة أدت إلى حالات إجهاض قسري وولادات في ظروف مهينة وغير صحية نتيجة منع المرور للوصول إلى المستشفيات.

وفيما يتعلق بالمنظومة الصحية في غزة، أكدت مصادر طبية أن مريضات السرطان والأمراض المزمنة يواجهن موتاً بطيئاً بسبب نقص العلاج الكيماوي والأدوية الأساسية. وقد أدى انهيار البنية التحتية للمستشفيات إلى تراجع قدرة الأطباء على تقديم الخدمات المنقذة للحياة، مما جعل النساء الفئة الأكثر تضرراً من هذا الانهيار.

وكشفت الإحصائيات عن انخفاض حاد في معدلات الولادة بنسبة وصلت إلى 33% مقارنة بالأعوام السابقة، وهو مؤشر خطير على الأثر الديموغرافي للحرب. وفي المقابل، ارتفعت حالات الإجهاض بنسبة 300%، وهو ما يعزوه الأطباء إلى سوء التغذية الحاد، والتوتر النفسي الشديد، والتلوث البيئي الناتج عن استخدام الأسلحة المحرمة.

وتواجه النساء الحوامل والمرضعات مخاطر إضافية نتيجة تلوث المياه وصعوبة الوصول إلى خدمات الصرف الصحي، مما أدى لانتشار الأمراض الجلدية والمعوية. وتستمر سلطات الاحتلال في تصنيف العديد من المواد الطبية الأساسية كـ ‘مواد مزدوجة الاستخدام’، مما يمنع دخولها ويشل قدرة المراكز الصحية المتبقية عن العمل.

وخلصت لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها النهائي إلى أن إسرائيل شنت حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. وأكد التقرير أن الاستهداف الممنهج للمدنيين، وخاصة النساء والأطفال، كان جزءاً من استراتيجية عسكرية تهدف إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية في القطاع بشكل كلي.




من عين الدلبة إلى سهل رامين.. موسم الزيتون يتحول إلى معركة صمود وحماية للأرض

مراد ياسين- في مشهد يجسّد تمسّك المزارعين الفلسطينيين بأرضهم وإصرارهم على حمايتها، شارك عشرات المزارعين، لا سيما من قرى شمال غرب نابلس، في حملة جماعية لقطف ثمار الزيتون في سهل رامين والمنطقة التاريخية في المسعودية، بدعوة من جمعية وادي الشعير، دعمًا لصمود المزارعين وتعزيزًا لوجودهم في أراضيهم، في مواجهة التهديدات والاعتداءات التي تستهدفهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.

وقال نائب رئيس جمعية وادي الشعير، دياب حجة، لـ«الحياة الجديدة»، إن الجمعية دعت المزارعين إلى المشاركة في العمل الجماعي في مناطق برقة ورامين وسبسطية وبزاريا، حيث انطلقت الحملة منذ ساعات الصباح، بمشاركة واسعة من المواطنين الذين توجهوا إلى الأراضي الزراعية لقطف ثمار الزيتون ومساندة أصحابها.

وأوضح حجة أن مجموعة من المستوطنين توجهوا إلى الأراضي الزراعية القريبة من منطقة المسعودية، وهددوا المزارعين بمهاجمتهم إذا لم يغادروا أراضيهم، إلا أن الحضور الكثيف للمواطنين وتمسكهم بالبقاء في المكان دفع المستوطنين إلى الانسحاب.

وفي المقابل، كشف حجة عن تعرض المزارعين لاعتداء من المستوطنين في منطقة «عين الدلبة»، الواقعة بين قريتي برقة وبيت إمرين، رغم وجود متضامنين دوليين في المنطقة. وأشار إلى أن المستوطنين، بمساندة قوات الاحتلال، ألقوا قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع، ورشوا المزارعين بمادة الفلفل الحارق، ما أسفر عن إصابة متضامن أجنبي وعدد من المزارعين برضوض وإصابات مختلفة، نُقلوا على إثرها إلى مستشفيات مدينة نابلس لتلقي العلاج.

وأضاف أن قنابل الصوت تسببت في اندلاع النيران في أراضي المزارعين، فيما مُنعت طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى المكان لإخمادها، الأمر الذي زاد من حجم المخاطر التي واجهها المزارعون أثناء وجودهم في أراضيهم.

عين الدلبة.. نبع تاريخي في دائرة الاستهداف

وأشار حجة إلى أن منطقة «عين الدلبة» تستمد تسميتها من نبع مياه تاريخي شهير يُعرف باسم «عين الدلبة» أو «نبع برقة الرئيسي»، وهو نبع عذب شكّل على مدى سنوات مصدرًا لري الحقول والبساتين المحيطة، قبل أن يتعرض، وفقًا لحجة، لسيطرة المستوطنين ومحاولات الاستيلاء عليه.

ولفت إلى أن المنطقة تواجه، خلال السنوات الأخيرة، استهدافًا متواصلًا من المستوطنين وقوات الاحتلال، يتخلله، بحسب قوله، محاولات للسيطرة على نبع المياه وتغيير معالمه، إلى جانب التضييق على المزارعين الفلسطينيين وعرقلة وصولهم إلى أراضيهم، ولا سيما خلال موسم قطف الزيتون، الذي يشكّل محطة أساسية في حياة المزارعين ومصدر دخل رئيسيًا للعديد من العائلات الفلسطينية.

وثمّن حجة مشاركة الصحفيين المحليين والأجانب في تغطية الحملة، إلى جانب جهود طواقم الهلال الأحمر والإسعاف والإغاثة الطبية الفلسطينية، والمتابعة المباشرة من بلدية سبسطية ومجلس قروي برقة ومجلس قروي رامين وجمعية وادي الشعير، مؤكدًا أن الحملة ستتواصل حتى يوم غد، مع العمل على تجديدها واستمرارها دعمًا للمزارعين وتعزيزًا لصمودهم.

ودعا إلى تكثيف التغطية الإعلامية وحملات المناصرة الدولية، مطالبًا وزارة الزراعة والجهات الرسمية والأهلية بتعزيز دعم المزارعين، وتوفير ما يلزم لمساندتهم وحماية حقهم في الوصول إلى أراضيهم والعمل فيها.

وفي موسم تتعلق فيه قلوب المزارعين بأشجار الزيتون التي ورثوها جيلًا بعد جيل، لا يقتصر التمسك بالأرض على جمع ثمارها، بل يتجاوز ذلك إلى حماية الذاكرة والهوية وحق الأجيال المقبلة في البقاء. وبين تهديدات المستوطنين وإصرار أصحاب الأرض على العودة إلى حقولهم، يبقى الزيتون شاهدًا على حكاية صمود لا تنتهي، وعلى إرادة فلسطينية ترى في كل شجرة جذرًا متأصلًا في الأرض، وفي كل موسم حصاد تأكيدًا جديدًا على أن الأرض لأصحابها، وأن حماية ثمارها تبدأ بحماية الإنسان الذي يرعاها.




رحلةٌ بلا ضمانات.. في عربات “الجار والمجرور” بغزة!

أحمد عجور- مواطن: “انحشرت قدمي بين مركبتين وأجريت لي عملية لإنقاذها من البتر”

وائل عبد الله- سائق: “بنمشي وإحنا خايفين.. كل قطع غيارها قديمة ومكلفة”

أحمد عطالله- سائق: “أنفقت نحو 15 ألف شيكل على تقوية نقاط الربط واللحام”

حمادة محمد- سائق: “شاهدت عربة ذات عجلتين تنفصل أثناء سيرها وتصطدم بالسيارة التي خلفها”

محمد حمد- حداد: “العربة تُصنع حسب الحديد المتاح وطلب الزبون.. بعضهم لا يولي أولوية للسلامة”

ممدوح الحايك- مهندس ميكانيكي: “أي حملة تفتيش حقيقية ستُسقط جميع المركبات الموجودة في السوق”

أم محمد حلس تحتاج لاستبدالٍ كامل لمفصل الركبة.. لكن العملية غير متاحة بغزة

طبيب بمستشفى “الأقصى”: “نستقبل إصابات عربات الجار والمجرور بشكل شبه يومي.. ونسجل وفيات أيضًا”

المتحدث باسم الشرطة بغزة: “هذه العربات تفتقر إلى عناصر السلامة والمتانة الإنشائية اللازمة”

“النقل والمواصلات”: “قطاع النقل يعمل في ظروف استثنائية وصعبة”

********

جمل إبرازية للنشر في سياق النص بأسلوب تلخيصي:

  • (70%) من مركبات غزة تحولت إلى هياكل معدنية محترقة و(80%) من الطرق متضررة.
  • –     (586) حادث سير.. (36) وفاة و(344) إصابة خلال النصف الأول من 2026م.
  • عربات الجار والمجرور صُممت أصلًا لنقل مواد البناء والبضائع.
  • معظم العربات التي فحصها التحقيق لم تكن مزودة بأحزمة أمان.
  • عربات الجار المجرور لا تملك في الغالب نظام فرامل مستقل وتعتمد على فرامل السيارة التي تجرها.

  • القانون لا يذكر “الجار والمجرور” بالاسم لكنه ينظم المركبات المستخدمة في نقل الركاب ومواصفاتها وترخيصها.
  • لا تتوفر بيانات رسمية منفصلة عن حوادث عربات الجار والمجرور بغزة.

لميس الهمص

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة والنصف مساءً، وفي ذروة الازدحام المروري، كان أحمد عجور متشبثًا بالحافة الخلفية لـ”عربة جار ومجرور” تسحبها سيارة، فيما يتكدس داخلها ما لا يقل عن 15 شخصًا.

لم يكن أحمد يعلم أن الرحلة التي بدأها بحثًا عن وسيلة نقل ستنتهي في المستشفى، حيث اصطدمت سيارة أخرى بالعربة من الخلف، في النقطة التي كان يقف عندها عجور.

انحشرت قدمه بين الهيكلين المعدنيين، والتوت عظام مفصل ساقه السفلي وتحطمت، بينما فرّ سائق السيارة التي صدمته من المكان.

أصبح أمام عجور خيار واحد لإنقاذ قدمه من البتر، وهو الخضوع لعملية تثبيت العظام بواسطة الصفائح المعدنية، وانتظار نجاحها في إعادة القدم إلى وضعها الطبيعي.

لم تكن إصابة عجور حادثًا معزولًا عن وسيلة نقل فرضت نفسها في شوارع غزة، بعد تدمير أعداد كبيرة من المركبات والطرق خلال الإبادة، فـ”عربات الجار والمجرور”، وهي مقطورات بدائية تُربط بمؤخرة السيارات لنقل الأشخاص والبضائع، أصبحت مشهدًا متكررًا في شوارع القطاع، رغم أن تصميم معظمها لم يكن مخصصًا لنقل البشر أصلًا.

وتشير بيانات حديثة لوزارة النقل والمواصلات إلى أن نحو (70%) من مركبات غزة تحولت إلى هياكل معدنية محترقة، فيما تعرض نحو (80%) من الطرق للحفر والركام.

وفي رصد ميداني أُجري على مدار ثلاثة أيام عند مفترق المجلس التشريعي غربي مدينة غزة، أحصت معدّة التحقيق 10 مركبات تُجر “عربات الجار والمجرور”، مقابل مركبة أجرة تقليدية واحدة. ولا يمثل هذا الرصد نسبة انتشار لهذه الوسيلة في القطاع، لكنه يعكس حضورها اللافت في أحد شوارع المدينة الحيوية.

وتشير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، عبر موقعها الإلكتروني، إلى ارتفاع حوادث السير بصورة مقلقة منذ اندلاع الإبادة، ما أدى إلى مئات الوفيات والإصابات.

“وسيلة رزق”

بالنسبة إلى وائل عبد الله (40 عامًا)، لم تكن عربة الجار والمجرور خيارًا مهنيًا بقدر ما كانت وسيلة للبقاء، فقد تحولت سيارته القديمة إلى مصدر دخله الوحيد بعد تدميرها، ولم يجد أمامه سوى تعديلها لعربة جر لنقل الركاب.

يقول: “هذه الوسيلة تشكل خطرًا كبيرًا”، موضحًا أن العربات المستخدمة تفتقر في الغالب إلى إطارات جديدة، فيما أصبحت قطع غيارها القديمة مكلفة ونادرة.

ورغم ذلك، يواصل عمله، الذي يصفه بالمرهق، مضيفًا: “بنمشي وإحنا خايفين”. ويزيد: “السائقون يحاولون اتخاذ إجراءات احترازية لحماية الركاب، من بينها تخفيف السرعة والسير بحذر”.

أما أحمد عطا الله (28 عامًا)، فيرى أن العربة التي يستخدمها أكثر أمانًا من غيرها، بعدما أدخل عليها تعديلات وعمليات تدعيم، ويقول: “أنفقتُ نحو 15 ألف شيكل على تقوية نقاط الربط واللحام فيها”.

لكن حمادة محمد (32 عامًا)، الذي يقود عربةً أخرى، يرى أن مستوى الأمان يختلف من عربة إلى أخرى، بحسب طريقة تصنيعها وعدد عجلاتها. ويتذكر حادثة انفصلت فيها عربة ذات عجلتين عن السيارة أثناء سيرها، واصطدمت بمركبة السحب.

ويؤكد أنه أجرى بدوره تعديلات على عربته، لكن عندما سألته معدة التحقيق عما إذا كانت هناك جهة حكومية أو شرطة مرور تراقب هذه العربات، أجاب بوضوح: “ما في أي رقابة حاليًا”.

وخلال الاستماع الميداني إلى أكثر من 100 راكب من مستخدمي هذه الوسيلة في رحلات ذهاب وإياب، عبّر نحو (90%) منهم عن غضبهم من غياب الرقابة ومخاوفهم المتعلقة بالسلامة، بينما قال نحو (10%) إنهم يستخدمونها اضطرارًا لعدم وجود بدائل متاحة.

تُصنع بحسب المتاح!

في إحدى ورش الحدادة، يعمل محمد حمد على تصنيع عربات الجار والمجرور التي تستخدم لنقل الأشخاص والبضائع.

ويخبرنا أن العربة تتكون في الأساس من صندوق حديدي تُثبت به العجلات، ثم تُربط بالمركبة التي تجرها، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعر الحديد منذ بداية الإبادة وصل إلى نحو (80%) للمتر الواحد.

ولا تتشابه العربات في تصميمها، فبعضها لا يحتوي على نظام تعليق، بينما تستخدم أخرى النوابض -وفق حمد- الذي يؤكد أن الثانية أكثر أمانًا وراحة أثناء الحركة، لكنها أقل طلبًا من الزبائن.

ويقول: “بعض الزبائن لا يضعون السلامة على رأس أولوياتهم، كما أن شكل العربة ومواصفاتها يتحددان إلى حد كبير وفق مقاسات الحديد المتوفرة وطلب الزبون”.

ويتراوح سعر تصنيع العربة -بحسبه- حول (17) ألف شيكل، فيما تبدأ تكاليف صيانتها المتكررة من نحو 300 شيكل.

وخلال زيارة ميدانية إلى عدد من العربات برفقة حمد، فحصت معدة التحقيق مدى ملاءمتها لنقل الركاب، ولاحظت غياب أحزمة الأمان عن العربات التي جرى تفقدها، حتى تلك التي استقلّتها خلال الرصد الميداني، ما يعني أن الراكب قد يجد نفسه عرضة للقذف خارجها عند التوقف المفاجئ أو وقوع اصطدام.

لم تُصمّم لنقل البشر!

تتجاوز المشكلة غياب حزام الأمان، بحسب المهندس الميكانيكي ممدوح الحايك، المحاضر في هندسة السيارات والرئيس السابق لورشة “يوكاس” في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.

ويقول: “معظم عربات الجار والمجرور تفتقر إلى أنظمة أساسية للفرامل والتعليق والحماية”، فالعربة في الغالب لا تمتلك فرامل مستقلة، وتعتمد في إيقافها على فرامل السيارة التي تجرها.

ويتابع: “عند التوقف المفاجئ أو الاصطدام، تندفع كتلة الركاب إلى الأمام بفعل القصور الذاتي، بينما لا توفر المقاعد غير المجهزة أو غياب الأحزمة ما يكفي لحمايتهم”.

ويحذر الحايك من أن انفصال العربة عن المركبة أثناء الحركة قد يؤدي إلى إصابات بالغة، بينها كسور في الأطراف السفلية وقد تصل إلى البتر.

وتزداد المشكلة مع الحمولة، فإذا حملت العربة (20) شخصًا بمتوسط وزن (70) كيلوغرامًا للفرد، فإن الحمولة الإضافية تتجاوز (500) كيلوغرام، فيما تكون السيارة التي تجرها في الأساس سيارة ركوب عادية صُممت لنقل عدد محدود من الأشخاص، وليس لتحمل قوة السحب والوزن الإضافي.

ويشرح أن العربات المستخدمة اليوم صُممت أصلًا لنقل مواد البناء والأخشاب والبضائع، لا البشر، ولذلك فإن المقاعد الموجودة فيها “غير مهيأة إطلاقًا” لنقل الركاب، وهو ما يزيد المخاطر على الأشخاص الذين يعانون أصلًا من إصابات في العمود الفقري أو الرقبة أو الأطراف.

وبحسب الحايك، لا يمكن ترك تصنيع هذه العربات لطلبات الزبائن وقدرات ورش الحدادة وحدها، بل يجب أن تستند إلى مخطط هندسي معتمد يحدد الأبعاد ونوع الحديد ونقاط الربط والحمولة ونظام التعليق والفرامل، على غرار المقطورات الحديثة التي تعمل فراملها بصورة متزامنة مع المركبة الساحبة.

ويضع الحايك الخطر في صورة أكثر وضوحًا بقوله: “أي حملة تفتيش حقيقية من وزارة النقل والمواصلات تُسقط جميع المركبات الموجودة في السوق المحلي دون استثناء”.

إصابات تتكرر..

ولا يتوقف الخطر عند احتمالات الاصطدام أو انقلاب العربة، حيث أصيبت الخمسينية أم محمد حلس، أثناء نزولها من إحدى هذه العربات.

وبحسب رواية ابنتها، “لم يمنحها السائق وقتًا كافيًا للنزول، فسقطت قبل أن تمر عجلات العربة فوق قدمها”.

تهشمت ركبتها وتفتت العظم، وأصبحت بحاجة إلى استبدالٍ كاملٍ للمفصل، وهي عملية لم تكن متاحة في غزة.

تقدمت الأسرة بطلب لتحويلها للعلاج في مصر قبل نحو عام، لكن التحويل لم يُفعّل حتى وقت إجراء هذه المقابلة.

وفي السادس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، انقلبت إحدى عربات الجار والمجرور قرب مقر مجلس الوزراء، مقابل ملعب الوحدة بمدينة غزة.

وانتشر تسجيلٌ مصورٌ للحادثة عبر وسائل الإعلام، فيما نُقل ثلاثة مصابين إلى مستشفى القدس، من بينهم مصاب تعرض لبتر كامل في إحدى يديه.

وفي مستشفى شهداء الأقصى، الذي استقبل عددًا من هذه الإصابات، يقول طبيبٌ طلب عدم ذكر اسمه: “إصابات حوادث عربات الجار والمجرور تصل إلى المستشفى بصورة شبه يومية”، مشيرًا إلى تسجيل وفيات أيضًا.

ماذا يقول القانون؟

رغم أن “عربات الجار والمجرور” لم تكن حاضرةً بالاسم في قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000م، فإن استخدامها لنقل الركاب مقابل أجر لا يخرج تلقائيًا عن الإطار القانوني المنظم للنقل.

فالقانون يشترط ترخيص المركبات المستخدمة في نقل الركاب، كما تتطلب خطوط النقل العام ترخيصًا، وتنص اللائحة التنفيذية على ارتباط عدد المقاعد والركاب ومواصفات المركبة بما هو محدد في الترخيص، وتحظر نقل الركاب مقابل أجر في مركبات غير مخصصة لهذا الغرض.

كما تحظر المادة (24) تغيير قياسات المركبة أو وزنها أو حمولتها، أو إضافة تجهيزات إلى الهيكل أو “الشاسيه”، إلا بعد الحصول على موافقة جهة الترخيص المختصة.

وبذلك، فإن الضرورة التي فرضتها الحرب لا تعني تلقائيًا أن أي تعديل على المركبات أو استخدامها لنقل الركاب يصبح مستوفيًا لشروط الترخيص والسلامة، إذ تبقى المواصفات الفنية وإجراءات الترخيص والحمولة جزءًا من الإطار القانوني.

وتكشف أرقام شرطة المرور عن تسجيل (586) حادث سير خلال النصف الأول من عام 2026م، أسفرت عن وفاة (36) شخصًا وإصابة (344) آخرين.

وسجلت محافظة خان يونس، جنوبي القطاع (279) حادثًا، مقابل (162) في مدينة غزة، و(129) في المنطقة الوسطى، بينما سجلت مدينة غزة العدد الأعلى من الوفيات.

لكن هذه الأرقام لا تقدم رقمًا مستقلًا لحوادث عربات الجار والمجرور، إذ أبلغ مركز المعلومات بوزارة الصحة معدّة التحقيق بعدم توفر بيانات منفصلة لهذه الحوادث، وتُدرج الإصابات الناتجة عنها ضمن إجمالي حوادث المرور.

كما أن الأرقام الرسمية لا تعكس بالضرورة جميع الحوادث، إذ لا تُسجَّل كل الوقائع رسميًا، ولا يصل جميع المصابين إلى المستشفيات.

من المسؤول عن الرقابة؟

ومع اتساع استخدام عربات الجار والمجرور، تتقاطع مسؤولية مراقبتها بين شرطة المرور ووزارة النقل والمواصلات. ويقول العقيد محمد الزرقة، المتحدث باسم الشرطة بغزة: “إن استمرار النزوح وتكدس السكان في مساحات محدودة من أبرز أسباب زيادة الحوادث، إلى جانب السرعة وعدم الحذر والحفر والركام في الطرق”.

ويضع الزرقة عربات الجار والمجرور ضمن الأسباب الرئيسة للحوادث، ويقر بأنها تفتقر إلى عناصر السلامة والمتانة الإنشائية اللازمة، مشيرًا إلى أن الخطر لا يقتصر على انقلابها أو انفصالها عن المركبة، وإنما يشمل أيضًا سقوط الركاب منها أثناء الحركة.

ويؤكد أن الشرطة نفذت جولات ميدانية مشتركة مع وزارة النقل والمواصلات للتوعية بالسلامة، وعملت على تحديث إشارات المرور وفتح بعض الطرق، إلى جانب تنفيذ خطط هندسية في المناطق الجنوبية.

كما رفعت الشرطة توصيات باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين والعمل على تنظيم أوضاع السائقين والمركبات، في ظل استمرار الحاجة إلى معالجة الوضع القانوني والفني لهذه الوسيلة.

وتأخر الحصول على إفادة رسمية من الشرطة لنحو شهرين، في ظل ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي لأفراد الشرطة واستهدافهم، الأمر الذي جعل التنسيق والحركة الميدانية أكثر حذرًا وتأخرًا.

من جهته، يقول أنيس عرافات المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات: “قطاع النقل يعمل في ظروف استثنائية وصعبة، نتيجة الحصار وشح قطع الغيار وارتفاع أسعار الوقود، ما أدى إلى ظهور وسائل نقل اضطرارية مثل التوك توك وعربات الجار والمجرور”.

ويقر عرافات بأن معظم هذه العربات لا تستوفي الحد الأدنى من معايير السلامة والأمان، لكنه يربط ظهورها بالدمار الذي أصاب المركبات والطرق وإشارات المرور، وبصعوبة إدخال المركبات الجديدة وقطع الغيار إلى القطاع.

وتعمل الوزارة -وفقًا له- على خطة مؤقتة للتعامل مع هذه الوسيلة، تتضمن فحصًا فنيًا أساسيًا للفرامل والإطارات، والتحقق من المواصفات والأوزان، ووضع دليل فني مؤقت يفرض وجود إضاءة ليلية وعواكس ضوئية وفرامل مزدوجة ومقاعد ثابتة.

لكن تنفيذ الخطة يواجه صعوبات مرتبطة بمنع إدخال قطع الغيار، وتدهور الوضع الاقتصادي والطرقات، إضافة إلى حساسية اتخاذ إجراءات عقابية بحق سائقين يعتمدون على هذه الوسيلة مصدرًا لدخلهم.

ويرى عرافات أن الحل الجذري لأزمة النقل يكمن في إعادة تشغيل نظام الحافلات العامة، وهو أمر يرتبط بفتح المعابر، ولا يقع بمجمله ضمن القرار المحلي.

تقف عربات الجار والمجرور بغزة في منطقة رمادية.. وسيلة نقل فرضتها الحاجة، لكنها تحمل ركابًا في هياكل لم تُصمم أصلًا لحمايتهم.

وبينما تقر الجهات الرسمية وجود مخاطر، وتعلن عن خطة مؤقتة لتنظيمها، تبقى الأسئلة الأهم معلقة: كم عربة خضعت فعلًا للفحص؟ وما الذي جرى بحق العربات غير المستوفية للشروط؟ ومتى تتحول المواصفات المعلنة إلى إجراءات على الشارع؟

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.