1

إلياس خوري يغيب عن “باب الشمس”.. رحيل روائي وحكّاء وطني وقومي

د. أحمد الطيبي: إلياس خوري كاتب ومثقف متميز عاش تفاصيل حياة الفلسطينيين في الوطن والشتات

د. مصطفى البرغوثي: سنذكر حديثنا عبر الهاتف ونحن معتصمون على تلة المقاومة الشعبية “باب الشمس”

إبراهيم جوهر: أديب عجن مداد قلبه وروحه وخياله بمأساة الإنسان المظلوم في العالم وفي فلسطين

ديمة السمان: إلياس خوري لم يكن صوتاً أدبياً فحسب بل كان أيضاً مدافعاً شرساً عن حقوق الفلسطينيين

جميل السلحوت: إلياس خوري اللبنانيّ المولد الفلسطينيّ الهوى ولد في النّكبة الأولى ورحل في النّكبة الثّانية

حسان البلعاوي: “باب الشمس” أول عمل توثيقي إنساني أدبي للنكبة واستندت لبحث مع الجيل الأول للاجئين

د. جمال الشلبي: واحد من أهم النقاد والكتاب اللبنانيين والعرب الذين أثروا على المشهد الأدبي العربي المعاصر

أسعد الأسعد: إلياس خوري أحد أعمدة الرواية في عالمنا العربي بقي مخلصاً لحبه لفلسطين وسنظل نقرأه

نعت شخصيات سياسية وكتاب وأكاديميون الروائي اللبناني إلياس خوري الذي رحل عن الدنيا الأحد 15 أيلول/ سبتمبر تاركاً خلفه إرثاً كبيراً من الأعمال الروائية والنقدية والكتابات والمقالات أبرزها رواية “باب الشمس” التي تؤرخ لتاريخ اللجوء الفلسطيني بعد نكبة العام 1948.

واعتبروا في أحاديث لـ”ے” أن الساحة الأدبية خسرت علماً بارزاً واستثنائياً من أعلامها، كان مسكوناً بفلسطين التي انضم منذ نعومة أظافره إلى ثورة أبنائها، ليشاركهم شرف الدفاع عن أرضها وشعبها وقضيتها، وقد عاش بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وعاش همهم الوطني والإنساني كما لم يفعل غيره، وهو ما جعله يعتبر نفسه لبنانياً وفلسطينياً في آن واحد.

اللبناني العاشق لفلسطين

ووصف النائب أحمد الطيبي رئيس الحركة العربية للتغيير، إلياس خوري بأنه الروائي والمثقف والكاتب الملتزم بلا مهادنة، وهو اللبناني العاشق لفلسطين، المتابع لادقّ  تفاصيل حياة الفلسطيني.

وقال الطيبي لـ “القدس”:  “إلياس خوري لم يكن مجرد كاتب أو ناقد، لقد كان مثقفاً متميزاً، اللبناني الفلسطيني، والفلسطيني اللبناني الذي عاش تفاصيل حياة الفلسطينيين في الوطن والشتات. الياس الذي التقيته مراراً في القاهرة، عبر عن الألم الفلسطيني والأمل الفلسطيني.

وأضاف الطيبي: “إن صاحب رواية “باب الشمس” غاب وما زال باب الشمس لا يرى شمس الحرية”، منوهاً إلى أن الرواية تحولت إلى فن، وكانت جزءاً من ترسيخ الرواية التي دأب إلياس خوري على نشرها في كل مكان، رواية الفلسطينيين، رواية من تعرضوا للقمع والقهر والإبعاد، رواية من عايشوا النكبة ولم يتركوا الأمل.

ونوه إلى أن زاوية خوري في جريدة القدس، كانت زاوية يتابعها الناس بشغف وينتظروا نشرها. 

وأكد الطيبي أن هناك اناس في غيابهم يتركون فراغا،ً إلا أن الفراغ الذي يتركه إلياس خوري يملأه ما كتب وما نشر.

وقال الطيبي “إالياس خوري ومحمود درويش اللذان كانا أصدقاء عرفا كيفية استعمال  الكلمة بفن ودقة وريشة رسام”. لروحه السلام ولأهله ومحبيه خالص العزاء.

حامي السردية الفلسطينية

ونعى د. مصطفى البرغوثي الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية الكاتب المسرحي والناقد  والروائي العربي الكبير، حامل وحامي السردية الفلسطينية إلياس خوري.

وقال البرغوثي: “إن رحيل الكاتب والمفكر الياس خوري صاحب رواية “باب الشمس “، وروايات عديدة أخرى كرسها لفلسطين، هو خسارة كبيرة للشعبين اللبناني والفلسطيني وللفكر والثقافة العربية بكاملها.

وأضاف “إذ ننعى رحيله لشعبنا الذي يقدر له دعمه وعمله وإخلاصه لقضية فلسطين، وتكريسه إرثه الأدبي الرفيع لتاريخ ونضال شعب فلسطين، فإننا نتقدم لعائلته وأصدقائه ومحبيه ولأنفسنا بأعمق مشاعر العزاء والثقة بأن تراثه الأدبي والفكري سيبقى خالداً في حياة الشعبين اللبناني والفلسطيني”.

وتابع البرغوثي “سنذكر دائماً حديثنا عبر الهاتف مع إلياس خوري ونحن معتصمون على تلة المقاومة الشعبية التي سميناها “باب الشمس”، تيمنا بروايته، في مواجهة الاستيطان الاستعماري الصهيوني للقدس”.

رحيل العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية

وقال الأديب المقدسي إبراهيم جوهر لـ “القدس” إن العلامة الرابعة في الرواية الفلسطينية يرحل قبل اكتمال فتح باب الشمس – إلياس خوري الفتى اللبناني الذي ترك أرز لبنان وجبالها الساحرة وليالي شبابها ليلتحق بالثورة الفلسطينية وهو ابن 19 عاماً، فيعيش في المعسكرات ويقيم في المخيمات، لينزرع حب فلسطين في قلبه أكثر، فيعطي الوطن السليب بغزارة وكأنه يسابق الزمن”.

وأضاف جوهر: “خوري أديب عجن مداد قلبه وروحه وخياله بمأساة الإنسان المظلوم في العالم وفلسطين في قلب هذا العالم. كتب لفلسطين وللعودة وكتب عن الناس ولهم حتى صار فلسطينياً أكثر من كثيرين من الفلسطينيين. رحل وهو في قمة عطائه. رحل قبل أن يرى فرح العائدين إلى باب الشمس…”

وتابع: “وكأنّه عاش ليكتب لفلسطين، هذا ما يخرج به المتابع لمسيرته الأدبية.”

وقال جوهر ” لقد تمثّل ألم الناس وأنين الجغرافيا فعاهد قلبه وقلمه أن يظل وفيّا لعدالة قضية هي أكثر القضايا الإنسانية التي تآمر عليها الغرب الاستعماري، فرمى أبناءها إلى الموت والغياب وشوّه تاريخها وسرق جغرافيتها.”

وأكد جوهر أنه بوفاة المبدع الكبير إلياس خوري تخسر فلسطين فارساً حقيقياً لم يعرف النكوص يوماً.

انخرط بعمق في دعم القضية الفلسطينية

وقالت الروائية المقدسية ديمة السمان لـ “القدس” إن إلياس خوري كان من أبرز المثقفين العرب الذين انخرطوا بعمق في دعم القضية الفلسطينية، حيث شكلت هذه القضية محورًا رئيسيًا في مسيرته الأدبية والفكرية. 

وأكدت أنه من خلال رواياته، وخاصة “باب الشمس”، نقل خوري معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، مسلطًا الضوء على النكبة، الشتات، وحلم العودة. وقالت: “لم يكن مجرد كاتب متضامن، بل اعتبر القضية الفلسطينية قضية إنسانية عالمية، تجسد الصراع بين الحق والظلم”.

وأشارت إلى أن خوري لم يكن صوتًا أدبيًا فحسب، بل كان أيضًا مدافعًا شرسًا عن حقوق الفلسطينيين في المحافل الثقافية والإعلامية، حيث استخدم قلمه وفكره لفضح الاحتلال وإبراز الظلم الواقع على هذا الشعب. 

وأوضحت السمان أنه بفضل أعماله المترجمة إلى لغات عدة، استطاع خوري إيصال معاناة الفلسطينيين إلى جمهور عالمي، مساهمًا في نشر الوعي بالقضية والدفاع عن حقوق المظلومين في كل مكان. لترقد روحه بسلام.

“باب الشّمس” سيبقى مفتوحا

وقال الأديب المقدسي جميل السلحوت لـ “القدس”: “ان إلياس خوري رحل عن دنيانا إلى دار الخلود، لكنّ اسمه وذكراه  سيبقيان خالدان في ذاكرة أمّته وذاكرة الإنسانيّة، فالرّجل الّذي عرفناه صحفيّا وروائيّا وناقداً يشار إليه بالبنان، خلّدته أعماله الأدبيّة، ومواقفه النّبيلة”.

وأضاف: “إن إلياس خوري اللبنانيّ المولد الفلسطينيّ الهوى العروبيّ الانتماء. ولد في النّكبة الأولى ورحل في النّكبة الثّانية، وكأن القدر يجاريه في انتمائه الذي اختاره طواعية، وكأنّي به بهذا الرّحيل يؤكّد أنّ” النّكبة مستمرّة”، لكنّه لم ينس يوماً أنّ “باب الشّمس” سيبقى مفتوحا إلى آن تسطع شمس إرادة شعب وآمّة أخرجها “طويلو العمر” من التّاريخ.

وأشار إلى أن إلياس خوري صاحب “رجل يشبهني” لم يتشبّه بأحد، ولن يستطيع آحد أن يغلق “باب الشّمس” الّذي اختاره طواعية؛ لتبقى “الوجوه البيضاء” رافضة لـ ” للنّكبة مستمرّة”، وإن بدت الأمّة “كآنّها نائمة”.

وقال السلحوت “إن الياس خوري برحيله في هذه المرحلة الحرجة يؤكّد بأنّه ليس فقيد لبنان أو فلسطين، بل هو فقيد أمّة وفقيد الإنسانيّة، لذا لا نقول له وداعاً لأن ذكراه ستبقى خالدة”.

كادر في الثورة وفي مركز الأبحاث الفلسطيني

والتي استندت إلى بحث طويل مع الجيل الأول للاجئين الفلسطينين في لبنان، هي عملياً وقال الكاتب والدبلوماسي الفلسطيني حسان البلعاوي لـ “القدس”: ” شكل رحيل إلياس خوري خسارة ليس فقط الأدب العربي وتحديداً الرواية، ولكن للقضية الفلسطينية والتي كانت محوراً رئيسياً في حياته والتزامه السياسي”. 

وأشار إلى أن إلياس خوري انخرط بشكل مباشر في الهم الفلسطيني فكان كادراً سياسياً في الثورة الفلسطينية في مواقع متعددة في لبنان، وكان فعالاً في مركز الأبحاث الفلسطيني. 

وأكد البلعاوي أن روايته “باب الشمس ” والتي استندت إلى بحث طويل مع الجيل الأول للاجئين الفلسطينين في لبنان، هي عملياً أول عمل توثيقي إنساني أدبي للنكبة الفلسطينية. 

وقال: “”لقد تحولت فيما بعد  لفيلم روائي من إخراج يسري نصر الله، وتم عرضه على كثير من شاشات التلفزة والسينما الأوروبية والتي قدمت المأساة الإنسانية بشكل إنساني”. 

وأوضح البلعاوي أنه “في الموتمرات الدولية التي كان يشارك فيها إلياس خوري كانت القضية الفلسطينية إحدى مواضيعه الأساسية، فكان صوتاً فلسطينيناً بامتياز، وشكلت مقالاته في الصحف وازعاً وطنياً واخلاقيا”.

مواقف خلافية فيما يخص “الربيع العربي”

وقال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية الهاشمية د. جمال الشلبي لـ “القدس” “إن إلياس خوري واحد من أهم النقاد والكتاب اللبنانين والعرب الذين أثروا على المشهد الأدبي والفكري العربي المعاصر. فارق الحياة عن عمر يناهز 76 عاماً، بعد أن ترك أثرا كبيراً أهمه رواية “باب الشمس” المشهورة جداً والتي تحكي معاناة الشعب الفلسطيني.”

وأضاف: “شخصيا، التقيت به لأول مرة في باريس أثناء احتفائية “جائزة اليونسكو الشارقة للثقافة العربية عام 2012” التي فاز بها في العام ذاته، إذ دعت إدارة الجائزة الفائزين بهذه الجائزة بمناسبة مرور 10 سنوات على انطلاقها. وقد تشرفت بأن أكون من بين هؤلاء الفائزين المدعوين لها بعد أن فزت بها عام 2006.

وأضاف: لقد اختلفت مع الراحل الكبير عندما قال في كلمته كفائز بالجائزة إن الربيع العربي “نتيجة كتابات المثقفين العرب”!

وأنهى   الشلبي بالقول: “رحم الله إلياس الذي كان لديه مواقف نتفق معها، أو نختلف، لكن هذا لا يمنع من القول أنه واحد من أعمدة النقد والأدب والإعلام العربي المعاصر الذي سيذكره المستقبل بكثير من الاهتمام والإجلال” .

إلياس خوري ترك نوافذه مشرعة

وقال الكاتب الروائي أسعد الأسعد لـ “القدس”: “إلياس خوري أحد أعمدة الرواية في عالمنا العربي. ها هو يستعجل الرحيل في زمن نحن بأمس الحاجة إليه”، مؤكداً “أننا سوف نظل نقرأه، لأننا اكتشفناه اليوم، نبوح بفرحنا حين نكتشف ذاتنا عند نوافذ إلياس خوري التي تركها مشرعة لنستزيد حباً لكاتب كرس حياته غارقاً في ملكوت الأدب.

وأضاف الأسعد “إن خوري ظل مخلصاً لحبه لفلسطين، هذا اللبناني، هذا الفلسطيني الهوى، سنظل نذكره نحن ومن سيأتي بعدنا”.

وتابع: “نحن الآن ننتظر من تتلمذ على يده، ونتطلع على نوافذه التي تطل علينا، مشيراً إلى أن إلياس خوري الذي أحببناه وعشقنا رواياته كأننا عشنا معه في صياغة كل جملة وردت في نصوصه”. وختم بالقول: إلياس خوري نحبك وسنبقى نفتقدك أبد الدهر”.




في الذكرى العاشرة لوفاته سميح القاسم.. حديث لم يُنشر

إنه الشاعر سميح القاسم، الكبير في قصيدته، والكبير في حياته، التي بدأها صعبة، وما زالت. بدأ معلمًا وعاملًا وصحفيًّا، حتى استوى شاعرًا، له إسهامات كبيرة وواضحة في خريطة الشعر العربي، واستطاع كسر الحصار وفك العزلة والتواصل مع محيطه العربي والإسلامي، ولم تُقعِده القيود المختلفة عن الاختيار الصحيح والخيار الأمثل. قد تختلف معه في أمورٍ عدة، ولكنك بالتأكيد ستتوقف طويلًا أمام قصيدته التي أضافت للروح الفلسطينية والعربية الشيء الكبير.

مع هذا الشاعر الكبير الذي دفع ثمن مواقفه في أشد الظروف قسوة وإظلامًا؛ نرى قوة الإرادة وأثر الوعي وعمق الموقف، هذا الموقف الذي ورَّثه لابنه محمد الذي دخل سجن الاحتلال على درب أبيه. فسميح القاسم شاعر ذو صليل وأصالة، اتكأ على تاريخ قومه، فمتح منه الدلالة والأصالة.

الأستاذ سميح مساء الخير!

مساء النور.. وأنا سعيدٌ بهذا الخروج عن النص والخروج على النص، الذي قُدِّر لشعبنا؛ نص الغياب من اللا تاريخ، وها نحن في فضائية فلسطينية، شكرًا لله تعالى، ولدماء شهدائنا.

لو فتحنا بداية بطاقتك الشخصية، ماذا نقرأ؟

في الحقيقة، هناك أكثر من قراءة، تاريخ الميلاد مثلًا هو الحادي عشر من أيار (مايو) من العام 1939، التاريخ الرسمي للميلاد، لكني أعلنت أكثر من مرة أن تاريخ ميلادي هو تاريخ موتي في أيار (مايو) 1948، الموت التاريخي الذي نزل كالصاعقة على طفولتي، وهو أيضًا تاريخ ميلادي الإنساني والشعري والفكري، البطاقة لا تعني شيئًا خارج سياقها التاريخي.

مكان الولادة في مدينة الزرقاء، التي تسمى مدينة أُردنيّة، ولكنها مدينة في بلاد الشام التي لا تتعامل مع خرائط سايكس بيكو. إذن، فأسرتي من شبه جزيرة العرب، جدي البعيد كان من فرسان صلاح الدين الأيوبي. توفي جد والدي ودُفن في سوريا، ومسقط رأسي في الأردن، وحياتي في فلسطين، إذن أنا لحسن حظي محكومٌ بالعروبة وبالوحدة العربية، هذه هي بطاقتي الأساسية.

 كم عدد أولادك؟

 تذكرني بجلسات التحقيق. هم: محمد البكر، ووضَّاح، وكلاهما خاض تجربة السجن الإسرائيلي، ثم عمر وياسر، للأسف الشديد لم أرزق بهاجر؛ كنت أتمنى أن تولد لي طفلة أسميها هاجر.

رغم ما بلغت من العمر، فإن وجهك ينطق بالنضارة وبشبابٍ دائم، ما السر؟

لن ألجأ إلى علم الوراثة، لكن أعتقد أن شيئًا من المناكفة لا بد منه، مناكفة أولئك الذين يريدون شيخوختي ورحيلي عن هذا العالم، رحيلي الجسدي والروحي والشعري والفكري والسياسي، مناكفتي مع هؤلاء هي ما يجعلني أحاول أن أظل شابًا قدر المستطاع.

إن حياتك حين تعرضها تبدو حياةً غير عادية؛ فوالدك كان ضابطًا في الجيش الأردني، وأعمامك شاركوا في القتال ضد العصابات الصهيونية، إلى أي مدى أثرت هذه البيئة على توجهاتك الوطنية والقومية؟

في الحقيقة لا نستطيع تجاهل البيئة والخلفية الاجتماعية لأي إنسان، ومعروفٌ أني نشأت في بيئة تميل إلى التمرد والقتال، إلى الذود عن الحياض، وقد كررت أكثر من مرة أن أناشيد طفولتي لم تكن من طراز «تيجي نقسم القمر»، و«هزي يا نواعم»، وإنما كانت الأناشيد الثورية، الحروبيات، أغاني العنفوان الوطني، مثل: «موطني»، «نحن الشباب»، «يا ظلام السجن خيِّم»، «بلاد العُرْب أوطاني»… كانت هذه أناشيد طفولتي بحكم المرحلة التاريخية، وكوني حينها عضوًا في فرقة الإنشاد المدرسية.

ومن دون شك، فإن تاريخ الأسرة، ودور الأجداد والأب والأعمام والأخوال، وأبناء العمومة في الحياة العامة، كانت له اليد الطولى على الصعيدين: الفكري والشعري، ففي أسرتي كثيرون ممن سبقوني إلى كتابة الشعر والغوص في أعماق الثقافة العربية والإسلامية؛ لذلك فتحت عيني على كتب التراث في مكتبة البيت القديم.

متى تفتَّحت موهبة الشعر لديك؟

في الحقيقة، لا أذكر الهاجس الأول، لكني أذكر أن معلم اللغة العربية دخل إلى فصلنا ذات يومٍ –كنت في المرحلة الابتدائية- وأعلن: «وُلِد في صفِّكم شاعر!»، ونظر أحدنا إلى الآخر بحثًا عن هذا الشاعر، إلى أن كتب معلم اللغة العربية فقراتٍ من موضوع تعبير كنت كتبته بعنوان «الربيع» أو شيءٍ من هذا القبيل، وإذا بهذه العبارات موزونة ومقفاة! لكنني في الليلة نفسها، سهرت الليل بطوله، محوت وكتبت وأتلفت أطنانًا من الأوراق، وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة كاسف البال، شاحبًا، لأقول لأستاذي إنني لستُ شاعرًا؛ فطيلة الليل لم أنجح في كتابة قصيدة، وبذلك أعطاني أحد الدروس الأساسية: «لا تذهب إلى الشعر، دعه يأتي إليك». هذه في الحقيقة كانت الموعظة الأولى والدرس الأول في مجال الكتابة.

جاءت مرحلة الثانوية حاملةً معها همومها: غزل في زميلة، هجاء في معلم… حتى ينتقل الإنسان عن هموم هذه المرحلة إلى التورط في همومٍ أكبر: هَمُّ وطن، هَمُّ شعب، هَمُّ أمة… ويجد في القصيدة وسيلة لحفظ التوازن بينه وبين همومه، وبينه وبين العالم الخارجي.

 وهل تعتقد أنك نجحت في حمل هذا الهم وتوصيله؟

لو لم يكن لدي إحساس بأني حققت هذا التوازن بيني وبين ذاتي، وبيني وبين العالم من خلال القصيدة، لكنت قد ذهبت إلى منحى آخر. سُئِلتُ مرةً: «لو لم تكن شاعرًا، ماذا يمكن أن تكون؟».

 قلت: «ربما سأكون ممثلًا أو موسيقيًّا أو رسَّامًا، أو قاتلًا محترفًا»؛ كان لا بد لي من أداة للدفاع عن ذاتي وعن كياني وعن وجودي، ولذا فأنا راضٍ عن الإجابة الراهنة: وهي أني وجدت اكتفائي الذاتي في القصيدة.

 هل تتذكر أول قصيدة؟

في الحقيقة لا أذكر، لكن مجموعتي الشعرية الأولى «مواكب الشمس» التي صدرت في العام 1958 فيها قصائد كتبتها وأنا في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر، تلك كانت البداية.




ترند” وأخواتها تثير قلق المجامع اللغوية العربية

 أثار اعتماد مجمع اللغة العربية بالقاهرة كلمة “ترند”، وإدراجها في المعجم العربي، حالة من الغرابة والجدل في أوساط خبراء اللغويات ومجامع عربية أخرى، عن حدود ومعايير تلاقح اللغة العربية مع اللغات الأجنبية استجابة للتطورات العصرية، وهل ثمة “استسهال” أو “كسل معجمي” باعتماد ألفاظ أعجمية مستوردة، أم أن معايير الدلالة والوظيفية تفرض حاجاتها اللغوية؟

صحيفة “الشرق الأوسط” طرحت هذه التساؤلات على عدد من المختصين وخبراء في اللغة:

د. خالد فهمي (أستاذ اللغويات والخبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة): الدلالة الحضارية

قبل توضيح ما ذهب إليه خبراء مجمع اللغة العربية فيما يخص مفردة “ترند”، تجدر الإشارة لثلاثة أبعاد جوهرية تحكم السياق العام لعملية تلقي أي مستجدات في المعجم العربي؛ البعد الأول هو البعد النفسي، فنحن أمة مأزومة، نعاني من إحباطات حقيقية ووجودية، بعد أن عشنا لحظة تاريخية ممتدة لنحو 8 قرون كانت فيها الأمة العربية هي منتجة العلوم وإبداع المعرفة، حيث اللغة العربية تتلقفها لغات الأرض، وكان هناك وجه آخر للعملة الحضارية وهو “التعجيم”، المقابل للتعريب، فمعاجم العالم مليئة بالكلمات ذات الأصول العربية، وهذا يأخذنا إلى البعد الثاني، وهو البعد الحضاري، فنحن أمة لا تنتج آلة ولا نظرية، وبالتالي غير منتجين للغة، وهذا ما يمكن وصفه بعافية الأمة الحضارية. أما البعد الثالث فهو فوضى الشارع العربي، فلا توجد ضوابط على أي مستوى، على رأسها الضوابط الأخلاقية والمهنية، وتلك التي تحكم التخصص والعلم.

ويوضح دكتور خالد، أن تلك الأبعاد هي أرضية خصبة لإثارة الأزمات، فطالما ارتبطت عملية التعريب تاريخيا بخطوات إجرائية محددة، بداية من محو أثر الكلمة الأجنبية، حيث يقوم المتخصصون بطرح مفردات خالصة العروبة، كما حدث مع لفظ “سيارة”، وهناك معيار آخر يتم به الاحتكام لوزن عربي للكلمة الأجنبية مثل وزن مفعال فعالة، كما وضع المعرب القديم لفظ “تلفاز” في تعريبه لكلمة “تلفزيون”، حيث قام بالحفاظ على الأصوات المركزية بها، وتحويلها على وزن “مفعال” فصارت “تلفاز”.

أما ما حدث مع كلمة “ترند” وما يدور من جدل حولها، كان بإمكاننا نظريا تفعيل بدائل عربية مثل “الصدارة” أو “رائج” أو “الأكثر انتشارا”، لكن المعرب المجمعي رأى أن الاحتفاظ بكلمة “ترند” بأصواتها وهيئتها الأجنبية أكثر دلالة على المعنى الحضاري الذي تعبر عنه في إطار الثقافة الإعلامية ووسائل التواصل. وفي عصور النهضة الإسلامية كانت كتب العلوم لابن سينا وابن رشد تحتوي على كلمات أعجمية “البويوتيكا” مرادفا للشعر، والعلوم مثل “الميكانيكا” و”الديناميكا”، ووجدوا أن تلك الكلمات أكثر دلالية، ولكن الفرق أن في ذلك الوقت لم تكن هناك أزمة حضارية، وكانوا يعلمون أن استعارة تلك الكلمات الأجنبية لن تضرهم.

هناك قانون راسخ في المجمع اللغوي يعرف باسم قانون “إجراءات التعريب”، والمجمع رأى أن استعمال “ترند” بصورتها اللفظية الأجنبية دالة دلالة علمية كاملة على السياق العلمي والحضاري الذي تستعمل به وهو سياق التواصل الاجتماعي.

اللغة تموت عند الاقتراب من النحو والجملة، وليس بالاقتراب من حدود المعجم، فجميع معاجم العالم تتسع وتتلاقح مع لغات أخرى، والمعاجم الأجنبية مليئة بالكلمات العربية الأصل، والمأزق الحضاري، أن العكس هو ما صار يحدث.

د. داليا سعودي (أكاديمية متخصصة في علم دراسات الترجمة واللغويات): الضرورة والترف

علماء اللغة يفرقون بين نوعين من الاقتراض: اقتراض الضرورة واقتراض الترف. اقتراض الضرورة هو ما يصعب التعبير عن الحقيقة التي يصفها بعينها في اللغة المستقبلة. أما اقتراض الترف فهو ما يمكن إيجاد بدائل له في اللغة المستقبلة. ويدل الإقدام عليه والإفراط فيه على كسل معجمي وركود في الخيال وعجز في استغلال القدرة الاشتقاقية للغة الأم. وهو ككل اقتراض زائد عن الحد لا يؤدي إلى ثراء بل إلى استلاب. وهو بعد غير مرحب به اليوم في ظل ما تعاني منه اللغة العربية من معضلات بين أبنائها قبل أن تعاني منها على صعيد عالمي. لذلك، فإنني أرى أن “ترند” وأخواتها خطر على اللغة العربية في زمن العولمة، التي يدافع فيها كل قوم عن لغتهم. لقد كانت اللغة العبرية على سبيل المثال لغة ميتة. لكن ديفيد بن جوريون أصر على إحيائها.

المسألة أعمق من مجرد تعريب كلمة.. كان المفكر أنطونيو غرامشي يقول: “في كل مرة تستدعى المسألة اللغوية إلى مقدمة المشهد، فذلك يعني، بصورة ما، أن سلسلة من المشكلات الأخرى ستطفو حتما على السطح”.

مسألة “ترند” تستدعي مسألة الهوية. البعض علق بالإنجليزية! أن هذه ظاهرة لغوية طبيعية. والبعض هزأ من حالة القلق التي سادت عند سماع قرار المجمع وامتدت لمجامع عربية أخرى. المسألة هي ببساطة: هل نحن في مصر ما زلنا نعد أنفسنا عربا؟ ما هي مكانة العروبة اليوم في مكونات هويتنا المركبة؟

ثم هل اللغات الأخرى، بالتحديد الإنجليزية، باتت تهدد العربية في بيوتنا ومدارسنا؟ وكذلك اعتماد اللهجات العامية المحلية؟ هل ستموت الفصحى على يد العامية؟ هل الترجمات العامية تختلف أثرا عن “ترند” وأخواتها في مضمار زعزعة الهوية وتشويش لغة الكتابة؟

لا أنفي فكرة التفاعل بين اللغات، فقنوات التلاقح اللغوي عديدة عبر التاريخ؛ التلاقح اللغوي في مصر كان جليا في بدايات القرن العشرين في وجود الجاليات الأجنبية. هل أثر ذلك على اللغة العربية الفصحى آنذاك؟ كلا لأن الحدود كانت واضحة بين اللغة المكتوبة ولغة التخاطب. ولأن الحرب بين اللغات لم تكن بهذه الضراوة. أما أن يأتي مجمع اللغة العربية في القاهرة اليوم ليضيف إلى المعجم – أي إلى اللغة المكتوبة بالفصحى – كلمات أعجمية يتم تعريبها في عجالة من قبيل “ترند” و”ترندات”، بدعوى التيسير، ففي ذلك خلخلة لأسس اللغة وهدم لثقة أبنائها في قدراتها واعتناق مؤسسي للذهنية التي لم تفلت من إسار الاستلاب الثقافي.

باختصار، هذا النوع من التعريب الذي لا يتبع قواعد التعريب لا يوسع معين اللغة، ولا يهبها انفتاحا على اللغات الأخرى بقدر ما يطمس معالمها التي تصنع خصوصيتها، ويقض أوزانها المتعارف عليها.

د. سيد إسماعيل ضيف الله (أستاذ مساعد النقد الأدبي بأكاديمية الفنون في مصر): تعريب أم تسليم بالواقع؟

عادة ما نثمن جهود مجامع اللغة العربية حين يظهر خبراؤها وعلماؤها قدرتهم في إيجاد مقابل عربي لكلمات أو مصطلحات صارت على الألسنة ليل نهار ولا يجد الناس بديلا عن استخدامها، لا سيما إذا قابل الناس المقابل العربي باستحسان وحل محل الأجنبي تدريجيا. ومن هذه الأمثلة التي يجب أن نتذكرها لاجتهادات المجامع الناجحة: السيارة- الهاتف- البريد الإلكتروني- شبكات التواصل الاجتماعي- المنصات الرقمية.. إلخ. وفي الوقت نفسه نثمن عادة قبول المجمعيين الألفاظ الأجنبية والإقرار بأنها صارت من اللغة العربية ولم تعد ألفاظا دخيلة مطرودة من ساحة الفصحى، ومن ذلك قبول كلمات مثل الكمبيوتر، التليفون.. إلخ. مقصدي من الكلام أن إيجاد بديل عربي جهد مشكور لأنه تعريب عن طريق الترجمة، وإقرار استخدام اللفظ الأجنبي تعريب أيضا لأنه إدخال للغة العربية بشروطها لا إقرارا بعجزها ولا استسلاما لهيمنة اللغة الإنجليزية على كل لغات العالم. الإقرار فعل المجمعيين وهم غير مضطرين له مثلما أن الناس غير مضطرين للتخلي عن اللفظ الأجنبي ما دام يؤدي وظيفة حياتية لهم لا يمكنهم أن يجدوا في لفظ آخر القدرة على تأديتها.

مهم أن نتذكر أن اللغويين في التراث العربي منذ الخليل بن أحمد وسيبويه كانوا يحاصرون الألفاظ الأجنبية ويعزلونها عن الألفاظ العربية ويسمونها الدخيل، وأن هذا العزل لم يكن يعني عدم استخدامها، وإنما يعني الإقرار بوجودها مع التذكير بأصلها غير العربي، والتذكير باشتراط أن تكتسب زيا عربيا كي تصبح معربة لا يتهم باللحن من ينطق بها، ومن أهم الشروط تكيفها مع الأوزان العربية وإجراء تغييرات في البنية الصوتية للألفاظ الدخيلة لكي تتواءم مع شروط اللغة العربية لقبول ألفاظ معربة بها. ومن هنا كان وما زال التعريب دليل قوة ووسيلة تقوية في الوقت نفسه، أي دليل على قوة اللغة العربية حين تسيطر على اللفظ الأجنبي وتلبسه لباسها، ووسيلة تقوية للغة العربية في الوقت نفسه لأن إدخال ألفاظ حياتية وعلمية حديثة عبر بوابة التعريب بمثابة ضخ دماء جديدة في شرايين اللغة، فيشعر الناس بأن لغتهم حية تستجيب لحاجاتهم اللغوية وليست لغة ميتة كغيرها من اللغات التي تحنطت في النصوص ولم تنزل إلى الشارع وتصارع اللغات الأخرى على ألسنة أبنائها.

وأعتقد أن إقرار كلمة “ترند” مجمعيا هو نوع من الاقتراض الكاشف عن ضعف وتكاسل واستسلام للأمر الواقع. وفي ظني أن التصويت بالأغلبية لقبول اللفظ ببنيته الصوتية ودلالته الشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي هو تصويت مغلوط، لأن الزعم بعدم وجود بديل عربي للكلمة مستند لعدم وجود لفظ فصيح يصلح بديلا لكلمة “Trends”، بينما المستخدمون للكلمة لا يزعمون أنهم فصحاء ولا أنهم يتكلمون الفصحى، وهم إلى عامية المتنورين أقرب منهم إلى فصحى التراث. وبالتالي تصبح الترجمة المناسبة للكلمة في سياق فصحى التراث هي “اتجاهات” مثلا، بينما في سياق عامية المتنورين، التي يعاديها المجمعيون ولا يلجأون لها لمواجهة فيضان الألفاظ الأجنبية، نجد الناس يتحدثون إذا أرادوا الدلالة الإيجابية أو المحايدة عن حديث الساعة أو قضايا الساعة، أما إذا أرادوا الدلالة السلبية فيعرفون “الترندات” بأنها “هري”، فنسمع من يقول “الهري على إيه النهاردا؟”، وهو يعني “الترند”. أعرف طبعا أن اقتراض “الترند” أحب إلى قلوب الكثير من المجمعيين من “هري” الكثير من الناس!




الشارقة الثقافية” 83: عن مشروع إعادة كتابة التاريخ العربي

صدر حديثًا العدد 83 من مجلة “الشارقة الثقافية” (أيلول 2023)، التي تصدر عن دائرة الثقافة في الشارقة، حيث تطرقت الافتتاحية إلى اهتمام الشارقة باللغة العربية والأدب والثقافة، والتي تعد من أساسيات مشروعها الثقافي والحضاري.

كتب مدير التحرير نواف يونس عن “الحضارة ومشكلات العصر”. وسلّط يقظان مصطفى الضوء على إسهامات “جابر بن أفلح”، الذي أنشأ أوَّل مرصد فلكي في الأندلس. وكتب الكتاني حميد عن مشروع إعادة كتابة التاريخ العربي الذي يؤسس له سلطان القاسمي. وتناول وليد رمضان المستشرق فرانسيسكو كوديرا، الذي اهتم بالتراث الأندلسي كحلقة وصل مع الثقافة العربية. فيما توقف أحمد سليم عوض عند تاريخ مدينة الزقازيق، التي تعد مفترق طرق زاهرًا في إقليم دلتا مصر.

وضم العدد أيضًا بانوراما عن مدينة المنستير التونسية، وهي شبه جزيرة تطل على البحر المتوسط، وقد اتخذها يوليوس قيصرًا مقرًا له.

في باب “أدب وأدباء” إضاءة على منجز وسيرة إلياس أبو شبكة بقلم ذكاء ماردلي، وإطلالة على تراثنا العربي والوعي الثقافي في عصر المعلوماتية بقلم أيمن أحمد شعبان، إضافة إلى وقفة مع سيرة البشير خريّف… الأب الروحي للرواية التونسية، والذي لقبوه بـ”ماركيز العرب” بقلم: أمل محمد علي، ومداخلة حول الشاعر خالد أبو خالد… فارس الحلم النبيل بقلم: رفاه هلال حبيب، بينما كتب د. يحيى عمارة عن رواد التيار الشعري الرومانسي في المغرب الذين قدموا تصورًا تأسيسيًا جديدًا، واحتفى خليل الجيزاوي بجريدة “أخبار الأدب” في عيدها الثلاثين، ووقف أنور الدشناوي عند إرث الكاتب والأديب عبد المعين الملوحي، وهو من رواد النهضة الثقافية، أما محمد محمد مستجاب فكتب عن محمد البساطي، الذي اهتم بالإنسان أولًا في جل أعماله، وقدم أمل ناصر مداخلة حول الأدب العربي الحديث بين التقليدي والرومانسي الرمزي، وتناول عزت عمر رواية دوستويفسكي “الأبله” كنص تجريبي رائد، ورصد أحمد أبو زيد أشهر الصحف في الزمن الجميل، والتي أسهمت في ظهور كوكبة من الأدباء والظرفاء، وتناول قمر صبري الجاسم الشاعر مصطفى خضر، فارس الرؤية وعراف الريح الذي اشتغل على الذات وإعادة اكتشافها، وحاور وفيق صفوت مختار الأديبة منال رضوان التي أكدت أن التخصص يقيد ويحد من الإبداع، وكتب أحمد أبو دياب عن الشاعر عبيد عباس، الذي يصور سحر الشعر وجمال الكلمة، وتطرق يسري الغول إلى الكتابة والواقعية السحرية عند بارغاس يوسا، الذي ينتمي إلى حركة الازدهار الأدبية اللاتينية، بينما توقف السيد حسن عند القرية المصرية التي تعد أحد أهم مصادر الإلهام الحقيقي لكثير من الروائيين المصريين، واستعرض د. محمد الخياري مسيرة الأديب سعيد سالم، الذي قدم إنتاجًا غزيرًا في الرواية والقصة، وكتبت عبير محمد عن الدكتور يوسف نوفل صاحب مشروع ريادي في النقد الأدبي الحديث، وحاور أشرف قاسم الشاعرة فوزية شاهين التي رأت أن الشعر مرآة تعكس حياتنا العربية، وقدمت هدى الهرمي قراءة في ديوان “الـ 45 بتوقيت أبي” للشاعرة سنيا الفرجاني، وفيه شاعرية التفاصيل وتجاوز المعنى، وقرأت رويدا محمد تجربة الشاعر إسكندر الخوري، صاحب أول ديوان شعري فلسطيني.

وتضمَّن العدد مجموعة من المقالات هي: الشارقة والمعجم التاريخي ـ د. محمد صابر عرب، الرحلات المغربية… معبرًا للقاء الآخر ـ حسن الوزاني، عبد الرحمن بدوي… استقبلوه بكثير من التهيب العلمي ـ أحمد فرحات، النقد الأدبي… ووعي الذات والعالم ـ مالك صقور، بين الشعر والغناء… والذكاء الاصطناعي ـ اعتدال عثمان، الأدب الساخر… بكاء من فرط الضحك ـ وجيه حسن، عبده جبير في كتابه “أهم أسباب الليل” ـ د. هويدا صالح، الحوار… وثيقة حياة ـ د. حاتم الصكر، تجليات المثقف… بين الإبداع والإنجاز ـ نبيل أحمد صافية، الشعر العربي… ومنجزه الإبداعي ـ منال محمد يوسف، حدود الكتابة… ومسؤولية الكاتب ـ منير الإدريسي، فراج الطيب… وتوارث الشعر ـ عبد السلام كامل عبد السلام، ابن خفاجة… وشمس الأندلس الذهبية ـ غنوة عباس، الرؤية الثقافية… والكتابة الحديثة ـ شمس الدين بوكلوة، الفن ووسائل التواصل ـ د. حاتم الفطناسي، الريف… في فضاء الرواية العربية ـ سلوى عباس، الإبداع الأدبي… والأفكار الجديدة ـ عبد العليم حريص، إشكالية التعميم… في الدراسات الأدبية ـ غسان كامل ونوس، صقر عليشي يرسم الملامح ويقتفي الخطا ـ مفيد خنسة، عنترة… فارس رقق الحب لغته ـ رعد أمان، الشعر أسلوب حياة ـ الأمير كمال فرج، تعبيرية التشكيل البصري ـ نجوى المغربي.

وفي باب “تحت دائرة الضوء” نشرت المجلة قراءات في إصدارات جديدة.

واحتوى العدد على مجموعة من القصص القصيرة والترجمات لكوكبة من الأدباء والمبدعين العرب




طلال سلمان.. أمير الكلام الصحفي الأنيق والملتزم بقضايا الوطن العربي وفلسطين

 رحل طلال سلمان، أمير الكلام الصحفي الأنيق والملتزم بقضايا الوطن العربي وفلسطين التي أخذت حيزا من مسيرته الفكرية والأدبية والاعلامية، ومواقفه الوطنية الثابتة، رحل أبرز الصحفيين العرب ومؤسس جريدة السفير اللبنانية جسدا وبقي نورا نستقيه من كل حرف من حروف كلماته العابقة بالعزة  والعنفوان.        

وقد شيع جثمان سلمان في وداع مهيب ضم حشودا اعلامية وثقافية وسياسية وشعبية، الى مثواه الأخير يوم أمس في بلدته شمسطار، وقد أقيم له تأبين شارك فيه وزراء ونواب ونقيب الصحافة اللبنانية عوني الكعكي، والصحفي غسان ريفي ممثلا عن نقابة المحررين، والمدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، ورؤساء تحرير وممثلو صحف لبنانية وعربية، وفعاليات.

وبعد ان ألقى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب كلمة عدد فيها مناقب الراحل ومواقفه الحرة ووفاءه للقضايا الوطنية والقومية. وتحدث نجل الفقيد أحمد طلال سلمان في كلمة العائلة عن مسيرة والده النضالية في سبيل الحق، قائلا: “بالصبر والدراية والإيمان بالغد، واجه أشواك الطريق كلها، وعلى الطريق لم يعرف الفتى النحيل الأسمر الغربة في القرى والمدن والعواصم التي زارها كلها، وبالحب، حب الناس بألوانهم ومللهم كلها عاش بقاعيا، جبليا، شماليا، جنوبيا، وبيوتيا، ومصريا وسوريا وعراقيا ويمنيا، وقبل كل ذلك وبعده فلسطينيا”.

ولافتا الى أن والده “لم يتوان عن مواجهة الظلم الذي حاول إسكاته باستباحة دمه مرارا”، ختم سلمان: “اليوم حان أوان الرحيل في عز الغربة والظلم، مع أنك ستبقى حيا في كل ما يشبهك ويشبه ناسك، والطريق ما زالت طويلة وشاقة على الرغم من فداحة الفقدان تبقى لنا الكلمات التي زرعتها في وجداننا على امتداد عقود”.

سلمان الذي وافته المنية يوم أمس الأول الجمعة في احد مشافي بيروت بعد تدهور صحته خلال الاشهر الأخيرة، وفق ما ذكرت وسائل إعلامية وأصدقاء للصحفي الكبير، عن عمر  ناهز الـ 85 عاما من النضال والعطاء، نعته الصحف اللبنانية والعالمية وشخصيات ومؤسسات من كل الأطياف في لبنان والوطن العربي، وكتبت “الوكالة الوطنية للإعلام”: “توفي ناشر صحيفة السفير طلال سلمان، بعد مسيرة إعلامية حافلة بالنجاحات”، ونعته صحيفة “الحياة الجديدة” في افتتاحية لها حملت اسم “الراحل الكبير” .

ودوّن وزير الاعلام اللبناني زياد المكاري على منصة إكس: “الكبير طلال سلمان العابر بقلمه للمناطق ستبقى ذكراه خالدة وتاريخه العريق صفحة لن تطوى في تاريخ الصحافة اللبنانية”.

ونعى مجلس نقابة الصحافة اللبنانية، صاحب وناشر صحيفة “السفير” اللبنانية وعضو مجلس نقابة الصحافة السابق طلال سلمان.

ولفت إلى أنّه “خانه العمر ولم يخنه القلم والسير نحو الحق والحقيقة. ستون عاما ونيف، حر مدافع عن الحرية والتحرير. هو باختصار حتى آخر نبض من نبض حبره وقلبه نقول وداعا طلال سلمان”.

نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزف القصيفي نعى ناشر صحيفة “السفير” باسم مجلس النقابة وباسمه الشخصي.

ولفت إلى أنّه “غاب صوت الذي لا صوت لهم، صاحب القلم الماضي والحضور الطاغي في دنيا الصحافة والإعلام الذي شق طريقه إلى التألق بالحبر الذي اختلط بالحبر والدم، وبعصامية تتجاوز المغامرة التي خاض غمارها بامكانات متواضعة، ولكن بإيمان كبير وتصميم عنيد على أن يفرد لنفسه مكانة متقدمة، لا في الصحافة اللبنانية، بل في صحافة العرب، فكانت سفيره جواز مرور النخبة المتقدمة إلى الرأي العام، ونبض الرأي العام الذي يقتحم القصور والسرايات ويقض مضاجع الحكام”.

كما نعت الراحل نقابة العاملين في الاعلام المرئي والمسموع، وقالت في بيان: “عميد الصحفيين ناشر جريدة السفير الصحافي الكبير الاستاذ طلال سلمان الذي نجح طيلة عقود خلت ان يكون صوتا للذين لا صوت لهم، لا سيما الذين اصابتهم تداعيات نكبة فلسطين وما ترتب عنها من فتن وحروب ومآس، وصوتا للمقاومة وقضايا الناس، فكان بحق نموذجا في الكتابة الحرة الهادفة ومدرسة تخرج منها جمع كبير من رجال السياسة والاعلام‏….”

بدوره، نعى اتحاد الكتاب اللبنانيين، الصحفي طلال سلمان، وقال في بيان النعي: “على امتداد عقود امتشق القلم ليكتب بجرأة وبشجاعة وبالتزام، دافع بثبات عن مبادئه، وشرع صفحات جريدة السفير للأقلام المتطلعة الى الحرية والتحرر”.