1

الثقافة تُصدر سلسلة “رمال حمراء” بنسختها الإلكترونية

أصدرت وزارة الثقافة سلسلة “رمال حمراء” التي تتناول موضوعات أدبية وفنية مرتبطة بالإبادة الجماعية في غزة.

وقال وزير الثقافة عماد حمدان في بيان صادر عن الوزارة، اليوم الأبعاء: “عام كامل على حرب الإبادة، ولا يزال الألم يتفاقم، مشاهد القتل والدمار تُبثّ بشكل يومي، وكل لحظة تحمل معها معاناة عميقة، بينما تُسمع الصرخات دون انقطاع، هذا الواقع المتأزّم يتجاوز حدود المعقول، ويطرح تساؤلات مُلحّة حول دور الإنسانية في مواجهة مثل هذه الفظائع”.

وأضاف حمدان: “نُطلق سلسلة “رمال حمراء” في خضم هذا المشهد المُعقد، لتقترح عبر صفحاتها رؤى تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تحمل في طياتها عمق المعاناة والأمل، لتستعرض تجارب الأفراد، وتسلط الضوء على اللحظات الإنسانية التي تُحارب ضد القسوة”.

وأضاف، أن السرد في “رمال حمراء” يأخذ مسارات عديدة تنطوي على إدراكات مُغايرة لما نراه ونشعره في أرض محروقة. فكل تجربة تحمل في ثناياها ألم الفقد، وصرخات الذاكرة، ووجع المعاناة. تتداخل مع الأحداث لخلق صورة معقدة تعكس عمق المأساة، في غزة وكذلك الأمر في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني، تتنقل آلة القتل بحريّة، بينما يُقيّد الإنسان، تتحدث آلة الموت، ويُحظر على الضحية التكلّم، ما يجعل الألم والمعاناة يتصاعدان في صمتٍ مؤلم في عالمٍ يُفترض أن تسود فيه القيم الأخلاقية، لنجد أن الحقائق تُعكس، ويُستبعد صوت الحق.




ريشة ولون.. قصة مشروع خزف نسوي صغير يصارع من أجل البقاء

 ميساء بشارات- في قرية عنزة جنوب غربي مدينة جنين، تقع ورشة صغيرة تملأها أدوات الخزف وألوان الصلصال المختلفة، في مشهد يبعث شعورًا بالتحدي والإصرار. هُنا تعمل هَنا براهمة (27 عاما)، خريجة جامعة النجاح الوطنية تخصص فن خزف، في مشروعها الصغير لصناعة الخزف، تصنع تحفًا يدوية بألوان وأشكال متفردة.

حلم هنا بمشروعها الخاص في عالم الخزف جاء بعد تخرجها من الجامعة، حيث كانت تتطلع إلى تحويل شغفها بالفن إلى مصدر رزق يعينها ويمنحها استقلالًا، فبعد أن تخرجت عملت بعدة أماكن ومن المنزل لتجمع مبلغا وتفتتح ورشتها الخاصة بالخزف والتحقت بعدة دورات وحصلت على منح.

وحققت هنا مشروعها وافتتحته قبل أربعة أعوام، وشهدا إقبالًا لافتًا من قبل محبي الفنون اليدوية والهدايا ذات الطابع الخاص، مما شجعها على توسيع نطاق العمل وإضافة منتجات جديدة تلبّي احتياجات الزبائن.

تقول هنا: “كان مشروعي يحمل آمالًا كبيرة، وكنت أنوي تقديم الكثير الكثير من الخزف والأعمال اليدوية، خاصة مع تشجيع الأهل وبعض الزبائن على الاستمرار، وكنت أطمح لأن أوسع مشروعي ليشمل مناطق أخرى في الضفة الغربية.”

لكن حدث ما لم يكن في حسبان هنا وهو تلك التحولات القسرية التي حملت معها تأثيرات اقتحامات الاحتلال لمدينة جنين ومخيمها وما تلاها من الحرب على غزة، ما أثر على الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية بسبب التضييقات والاقتحامات والاغلاقات والحواجز بين مدن الضفة الغربية.

تروي هنا بمرارة: “بعد أن وصلت مبيعاتي الى الحد المرضي عنه، بدأت تتراجع بشكل كبير، وبدأ الزبائن يقلّون تدريجيًا، حتى بات مشروعي مهددًا بالتوقف، فقد اضطررت لتقليص الإنتاج وحتى تقليل حجم المادة المنتجة من أجل خفض سعرها لتناسب وضع الزبائن الاقتصادي.”

وتتابع: “أن ما يميز مشروعها عن غيره أنه المشروع الأول المنفذ في الخزف في مدينة جنين وقراها”.

التحديات الاقتصادية التي فرضها الاحتلال من الاقتحامات والاغلاقات والحواجز في الضفة الغربية، والبطالة التي شهدها عمال إسرائيل البالغ عددهم قبل السابع من أكتوبر 2023، حوالي 177 ألف عامل فلسطيني يعملون في إسرائيل والمستوطنات، واحتجاز أموال المقاصة والتي أثرت على انتظام دفع رواتب الموظفين العموميين، والتي بلغت نحو 7.26 مليار شيكل، أثرت على الوضع الاقتصادي لدى الناس، وجعلت حياة أصحاب المشاريع الصغيرة مثل مشروع هنا أكثر صعوبة.

وبحسب وزارة الاقتصاد الوطني فإن 122 مشروعا نسائيا تضرر من تداعيات العدوان الإسرائيلي استفاد من منحة وزارة الاقتصاد العينية بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة وذلك بتوفير المواد الخام والمستلزمات لتعزيز صمود هذه المشاريع، والمشاريع النسوية تأثرت بشكل كبير بتداعيات العدوان واعتداءات المستوطنين والاغلاقات والاقتحامات التي تنفذها قوات الاحتلال على المدن والبلدات في الضفة الغربية، ما تسبب بإغلاق 29% من المنشآت الاقتصادية بين جزئي وكلي.

تقول هنا: “كنت أتابع أخبار إغلاق المشاريع النسوية، وشعرت بالخوف من أن يأتي الدور على مشروعي، خاصة وأن الضغوط تتزايد يوماً بعد يوم.”

وكانت هنا تتخذ محلا صغيرا لعرض بضائعها في مدينة جنين، لكن بسبب الوضع الاقتصادي والتراجع في المبيعات لديها، ووضع الاحتلال عراقيل لحركة المواطنين والتنقل بين المدن وقراها وبين المحافظات، ما جعلها خالية من المتسوقين، اضطرها لإغلاق المحل توفيرا لإيجاره، والاستغناء عنه بالترويج لإنتاجها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فأنشأت صفحة خاصة بها باسم “ريشة ولون”.

وبدأت الشابة في عرض أعمالها، وأصبحت قطعها اليدوية تتزين بها البيوت مثل الرسم على الفناجين والسلاسل والصواني المرسومة بعناية وغيرها.

ومع ذلك، ترى هنا أن الاستسلام ليس خيارا، فالفن الذي تقدمه هو جزء من هويتنا ومن المقاومة الصامتة التي تمارسها من خلال كل قطعة خزفية تصنعها بحب. وتتأمل هنا أن تجد الدعم الكافي من المؤسسات التي تهتم بتمكين المرأة في فلسطين، فهي تطمح لاستمرار مشروعها، وأن يكون منارة للإبداع والصمود أمام التحديات الكبيرة التي يواجها الفلسطينيون.

تواجه هنا حاليا أيضا صعوبات في إيجاد المواد الأولية المستخدمة في عملها مثل الطين والألوان المستوردة من اسبانيا والذي أدى لارتفاع أسعارها خاصة مع التضييقات من قبل الاحتلال للاستيراد من الخارج عبر الجسر.

بالإضافة إلى ذلك، تراجع الطلب على منتجاتها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس، وكانت هذه التحديات بمثابة اختبار للإرادة والعزيمة.

وتؤمن بأن فنون الخزف ليست مجرد صناعة، بل هي وسيلة للتعبير عن الأمل والصمود والتراث.

 تقول: “أؤمن بأن الفنون يمكن أن تعيد الحياة حتى في أحلك الظروف، وسأواصل العمل على تحويل الطين إلى قطع تحمل قصصنا وأحلامنا حتى الى خارج فلسطين، فأطمح بأن أرى قطع فنيّة من تصميمي في المنازل خارج حدود فلسطين، لأن الفن قادر على تجاوز الحدود ويحمل رسالة وطنية”.

وتختتم هنا حديثها مع الحياة الجديدة، قائلة: “رغم كل شيء، سأبقى هنا، سأصنع من الطين والأمل قصة جديدة”.

وتحاول الآن الحفاظ على مشروعها ولو ببطء، وتبحث عن دعم من جهات محلية ودولية تساعد في تمويل المشاريع الصغيرة المتضررة من الوضع الاقتصادي. كما تأمل في أن تجد وسائل لتسويق منتجاتها عبر الإنترنت لتصل إلى جمهور أوسع في الخارج، بعيداً عن القيود المحلية.

تجسد قصة هنا وغيرها من المشاريع النسوية الصغيرة الإصرار الفلسطيني الذي لا يلين أمام أصعب الظروف، وعلى التمسك بالأحلام، حتى وإن كانت الأحلام تحت الحصار.




“المعضلة الاجتماعية”.. عندما يتحكم خمسون مصمِّماً بمليارَي شخص في العالم!

لا تكاد تمر دقائق على بداية فيلم جيف أورلوفسكي الوثائقي “المعضلة الاجتماعية” (The Social Dilemma)، إلا ويتملكك فزعٌ مما يشرَحُهُ “الـمُنْشَقّون ضميريّاً” من فيسبوك وتويتر وإنستغرام وجوجل وما شابهها من منصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، عن التلاعب في السلوك البشري من أجل الربح.

الوجه الآخر

وبشكلٍ غير تقليديّ، وبما يتوافق ورؤية الفيلم وهدفه الأساسي، بدأ المشاركون في “المعضلة الاجتماعية”، بتعريف أنفسهم عبر وظائفهم السابقة لا بأسمائهم.

الأول نائب الرئيس السابق للهندسة في “تويتر”؛ يشرح كيف أن الأدوات التي ساهموا في تطويرها لهذه المنصّات انتهى بها الأمر إلى أن “تصبح وحشاً لا يمكن ترويضه”. أما الثاني فكان رئيس “بينتريست”، وقبلها كان مدير تحقيق الدخل في “فيسبوك” لخمس سنوات، فكشف أن “نموذج العمل لدى هذه الشركات يقوم على إبقاء الناس على مواقعها.. المهم هو كيف نضمن أكبر قدرٍ من أوقات المُستخدِمين، وكم من حيواتهم يمكننا أن نجعلهم يقدمونها لنا”!

الثالث عَمِلَ في منصة X (تويتر) عدة سنوات، وتحديداً في إدارة تطوير مَنَصَّتِهم، ثم أصبح رئيس قسم منتجات المستهلك، وعلَّقَ قائلاً: “من السهل اليوم أن ننسى حقيقة أن هذه الأدوات قد صَنَعَت في الحقيقة أشياء رائعةً في العالم، لقد جَمَعَتْ شَمْلَ أفراد عائلاتِ مفقودين، وأوجَدَتَ متبرّعين بالأعضاء، كانت هناك تغييراتٌ ذات مغزى ونظامية تحدث في جميع أنحاء العالم بسبب تلك المنصّات التي كانت إيجابيةً، أظن أننا كنا نجهل بسذاجة وجهة النظر الأخرى للموضوع”. 

الرابع كان المخترع المشترك لـ “جوجل درايف” و”جي ميل تشات” وصفحات “فيسبوك” وزر “الإعجاب” في فيسبوك، وهو الذي شدّد “أومِنُ بشدّة أنه لم يَقْصِد أحدٌ حدوثَ مثل هذه العواقب”، قبل أن يُضيف “أنا قَلِقٌ للغاية، قَلِقٌ للغاية”، بينما ترك الخامس العمل في “جوجل” في حزيران (يونيو) 2017، بسبب “مخاوف أخلاقية”، وليس في “جوجل” فحسب، بل في المجال بِرمَّتِه.

ماهية المشكلة

وعند الإجابة عن سؤالٍ مفادُهُ “ما هي المشكلة؟!”.. كان الوجوم سيّدَ الموقف لبعض الوقت، قبل أن يقول أحدهم: “هناك عدّة مشاكل وليس مشكلةً واحدةً.. من الصعب إعطاء فكرةٍ مختصرةٍ واحدة”.

ولكونِهِ من الصعب تقديم فكرةٍ مختصرةٍ أحادية الجانب لشرح المشكلة أو المشاكل المتشابكة، كان يتخلل الفيلم مقابلات ومقاطع من أرشيف القنوات الإخبارية وأخرى تمثيلية لعائلةٍ تُعاني من عواقب إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، حيث العشاء الصامت، وكلٌ منشغلٌ بإشعارات هاتفه الذكيّ.. الابنة المراهقة تعاني من مشاكل تتعلق بصورتها الشخصية، وشقيقها الذي يكبُرُها بقليلٍ تتملَّكُهُ حالةٌ ما من التطرف الأيديولوجي جرّاء “توصيات يوتيوب”.

هذه المزاوجة ما بين الوثائقي وبعض المشاهد الروائية، ساهَمَتْ أو سَعَتْ لتوضيح فكرة الفيلم بشكلٍ أكثر سلاسة للمتلقي أمام شاشة تلفازه أو حاسوبه الثابت أو المتنقل أو حتى هاتفه النّقّال الذي لا تنفك الإشعارات تحُولُ بينه وبين متابعةٍ غير مشوّشةٍ للفيلم. هذه المزاوجة الذكية كان مردّها باعتقادي، لذكاء القائمين على الفيلم، والذين يُدْرِكون أن التفاعل عادةً ما يكون أكثر في حال تجسيد المَشاهِد من التعاطي مع مادةٍ بحثيةٍ صِرْفَة، وتنظيرٍ مهما بلغت أهميتُهُ وخطورتُهُ، لا سيّما في التعامل مع موضوعٍ متخصصٍ ومتشعبٍ ومثيرٍ للجدل كهذا، وهو ما ساهم بالفعل في جعل الفيلم أكثر قُرباً من متابعيه.

رأسمالية المراقبة

يشرح “المنشَقّون” آليات التلاعب بسلوكك/سلوكنا، من خلال “الذكاء الاصطناعي التنبُّئي”، وجذب انتباهك بالتمرير اللانهائي وإرسال الإشعارات لإبقائك لأطول فترةٍ ممكنةٍ على هذه المنصّات، وجمع بياناتك وبيعها لمن يدفع أكثر، وهي طرقٌ تجعل من البضائع والمُعلِنين هم العملاء، فالأمر ليس مجرد مصالح تجارية، بل إن الأمر يصل إلى حدّ نَشْر الفوضى وزعزعة استقرار المجتمعات في جميع أنحاء العالم.

وهنا يُشير الفيلم أيضاً إلى الانتشار المتزايد للتضليل، وارتفاع منسوب التطرف في الشرق الأوسط، أو لدى العنصريين البِيض في الولايات المتحدة، علاوةً على دَور هذه المنصات والمواقع والشركات والشبكات في تعزيز الاستقطاب السياسي، وحتى الأنظمة الاستبدادية، كما في ميانمار، والفلبين، أو في حالة “داعش” بالعراق وسوريا، على سبيل المثال لا الحصر، ودون إغفالٍ للانتخابات الأمريكية، والزمن الكُوروني. فحسبَ هؤلاء “المنشقين”، تم تصميم هذه المنصات لخلق التبعية والإدمان في خدمة “رأسمالية المراقبة” (Surveillance Capitalism).

وعن “رأسمالية المراقبة”، قالت البروفيسورة شوشانا زوبوف، الأستاذة الفخرية في جامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب “عصر رأسمالية المراقبة”: حلم كلّ عملٍ أن يحظى بضمان النجاح، وهنا يأتي دور الإعلانات عبر منصّات ومواقع التواصل الإجتماعي والبحث في الترويج الزائف لفكرة اليقين.. أو بمعنى أدق “بَيع اليقين” (certainty)، ومن أجل النجاح في هذه المهمة يجب أن تحظى الشركات المُروِّجَة وصاحبة “المنتج” بتوقعاتٍ كبيرةٍ، والتوقعات الكبيرة تبدأ بحتميةٍ واحدةٍ، وهي “الكثير من البيانات”.

وأضافت زوبوف: “هذا نوعٌ جديدٌ من السوق؛ سوق لم تكن موجودة من قبل، وهي سوقٌ تتاجر بشكلٍ حصريٍّ في العقود الآجلة للبشر. نعم بات لدينا الآن أسواقٌ تتاجر في العقود الآجلة للبشر بصورةٍ كبيرةٍ، جَنَتْ تلك الأسواق “تريليونات” الدولارات، ما جعل من شركات الإنترنت أغنى الشركات في تاريخ البشرية”.

تريستان هاريس، عالم أخلاقيات التصميم السابق في جوجل والمؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، قال عن “رأسمالية المراقبة”: “تستفيد هذه الرأسمالية من التَّتَبُّع اللانهائي لكل مكانٍ يذهب إليه الجميع من قِبَل شركات التكنولوجيا الكبيرة، التي يتمثل نموذجُ عملها في التأكد من نجاح الدعاية قدر الإمكان”.

وفي الاتجاه ذاته يقول جيف سيبرت، رجل الأعمال التنفيذي السابق في مجال التكنولوجيا، والخبير التقني: “أريد أن يعرف الناس أن كل شيءٍ يفعلونه على الإنترنت، يُراقَب ويتم تعقُّبُهُ ويُقاس.. كل إجراءٍ تتخذونه يُراقب ويُسَجّل بدِقّة. الصورة التي تقفون وتنظرون إليها بالضبط ومدة رؤيتكم إياها، وغير ذلك الكثير”.

نحت التركيبة الاجتماعية

وينقلنا “تشامات بالياباتيا” نائب الرئيس السابق للنمو في “فيسبوك”، إلى فكرةٍ فائقة الأهمية والحساسية، وذات بُعْدٍ سيكولوجيٍّ، بِقَوْلِهِ: “نُنَظِّم حياتنا حول هذا الإحساس بالكمال، حيث نُكَافأ بتلك الرموز التعبيرية على المدى القصير، مثل رمز “القلب” أو “القبول”، ونخلط ذلك بالقيمة وبالحقيقة. وبدلاً من اعتبارها حقّاً -وكما هي- رموزاً زائفةً وشعبيةً هشّةً، فهي قصيرة المدى، لكنها مع الوقت تصبح معياراً للتفوق أو التميز، ودونها يشعر الفرد -اعتَرِفوا بذلك- بالخواء والفراغ.

اهتمامٌ نقديّ

ويكشف الفيلم، ويُعرَض حالياً على منصة “نتفليكس” (Netflix) الرقمية، الجهة المنتجة، وعبر هؤلاء المُنْشَقّين، ضرر إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على تنوّعها وزيف تلك الادّعاءات بأن الإدمان وانتهاك الخصوصية هي ميزاتٌ، وليست أخطاءً كبرى ومأساوية.

ومنذ إطلاق الفيلم قبل أسابيع قليلة، يحظى بمتابعةٍ نقديَّةٍ كبيرةٍ عبر أبرز الصحف والمواقع الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، حيث خرجت العديد من المراجعات عنه بأقلام كبار النُّقّاد والإعلاميين، فحسب “لوس أنجليس تايمز” فإن فيلم “المعضلة الاجتماعية” قد يكون “أهم فيلمٍ وثائقيٍّ تراهُ هذا العام”.

ويقتحم هذا الفيلم الاستثنائي عوالم أقل ما يمكن وصْفُها به أنّها “سرّيَّة” و”مرعبة”، وهذا ما عبَّرَ عنه صراحةً “هاريس”، بِقَوْلِهِ: “لم يحدث من قبل في التاريخ أن اتَّخَذَ خمسون مصمِّماً بِيضَ البشرة، من كاليفورنيا، قراراتٍ من شأنها أن تؤثر على ملياريّ شخص”.

 وفصَّلَ: “سيحظى مليارا شخصٍ بأفكارٍ ما كانوا ليُفَكِّروا فيها لأن مُصَمِّماً لدى “جوجل” قال، هكذا تعمل الإشعارات على الشاشة التي تفتحونها في الصباح، ونتحمل مسؤوليةً أخلاقيةً بصفتنا “جوجل” لحل هذه المشكلة”.

ووفقاً لجارون لانير، الأب المؤسس لعالم كمبيوتر الواقع الافتراضي، لا يمكن أن تكون مخاطر الإصلاح أكبر، بقولِهِ: “إذا تراجعنا عن الوضع الراهن، فلنَقُل عشرين عاماً أخرى، ربما ندمّر حضارتنا من خلال الجهل المتعمد، كأن نفشل في مواجهة التحدي المتمثل في تغيُّر المناخ، أو أن نضرب ديمقراطيات العالم في مقتلٍ حتى تقع في نوعٍ من الخلل الاستبداديّ، أو حتى نُدَمِّر الاقتصاد العالمي.. ربما لا ننجو. أنا أرى الأمر حقّاً باعتباره مسألة وجودية”.

متشائلون!

وعلى الرغم من انتقاداتهم الشديدة، فإن الأشخاص الذين تَمَّتْ مقابلتهم في الفيلم ليسوا كلهم متشائمين، يقترح الكثيرون منهم البحث عما أسْمَوه “تغييرات صحيحة”، يمكننا إنقاذ وسائل التواصل الاجتماعي، لكن حقيبة الحلول الشخصية والسياسية التي يُقَدِّمُونها في الفيلم تخلط بين هدفين مختلفين: التكنولوجيا التي تسبب السلوكيات المدمِّرَة، وثقافة الرأسمالية غير المنضبطة التي تُنْتِجُها.

جديرٌ بالإشارة أن الفيلم يحتوي على بعض الاقتراحات المثيرة للاهتمام، بما في ذلك فرض ضرائب على “أصول البيانات” لشركات التواصل الاجتماعي، والتأكُّد من الاستمرار في الاطّلاع على الاعتمادات لبعض القواعد الواضحة والبسيطة التي يمكن للآباء تَبَنّيها. 

ويبقى الدرس الأكثر أهميةً من “المعضلة الاجتماعية” هو أننا يجب أن نتساءل عن كل ما نقرَأهُ على الإنترنت، خاصةً إذا ما تمَّ تقديمُهُ لنا بطريقةٍ تعْكِسُ فهماً مفصّلاً لميولنا وتفضيلاتنا، وأنه يجب علينا أن نُقاوم “نموذج جذب الانتباه” الذي يجعل وسائل التواصل الاجتماعي تبدو ودّيَّةً، أو أن نحذفها، إن تمكّنا، حسب نصيحة أحد “المنشَقّين الأخلاقيين” من حيواتنا، وقبلها من هواتفنا بطبيعة الحال.




المرأة الفلسطينية الريفية.. تاج الأرض وحارسة البيدر

عبير البرغوثي

في الخامس عشر من تشرين الاول من كل عام، يحتفل العالم بيوم المرأة الريفية، إقرارًا أمميًّا بدورها وتقديرًا لجهودها الخيّرة والنيرة، ولأن الفلسطينيات هن حارسات البيدر، عبر التشبث بالأرض في وجه رياح الاستيطان العاتية، لا ينال من عزيمتهن الظلم والتهديد والتعب، ففي كل صباح ينتصرن على تعب الأمس، ويواجهن تحديات اليوم بيد تقدم العون والبناء لأسرة تبني أجيالاً ممن يعرفون أن سواعد هؤلاء الأمهات ومن قلب هذه الأرض فتحت لهم أبواب الجامعات وأبواب المستقبل، كل التقدير لهذه الرموز من سيدات فلسطين وسنديانات الصمود وصانعات الحياة، معهن تبدأ وبأيديهن تبقى الأرض ويبقى التراث وتبقى فلسطين.

في اليوم العالمي للمرأة الريفية كان لـ “الحياة الجديدة” هذه الإطلالة على فلسطينيات مكافحات صنعن حياةوبنين أمجادًا، لتسلط الضوء على سر كفاحهن وارتباطهن بالأرض والتراث، وكيف شكلن الضامن الأهم للحفاظ عليهما، ومن على منبرنا ننقل رسائلهن الى نساء العالم فماذا يقلن؟

فاطمة وفيق.. ثلاثون عامًا في “صناعة القش”

هن الأقرب الى قلب فلسطين لأنهن جزء منها، ويزددن عطاءً يومًا بعد يوم، لا الظروف الصعبة تحد من أحلامهن، ولا حتى الحروب قادرة عن إيقاف مسيرتهن في حماية الأرض والتراث من سرقة المحتل، يعملن برشاقة رغم صعوبة كل تعب ويتحدين كل صعاب ويتجاوزن كل معيقات، بابتسامة أمل ومحبة وطن ينتجن ويعملن وينظرن الى أن القادم دائما أفضل، حقًّا إنهن سيدات تميزن بعطائهن الذي نعتز ونفخر، دامت هذه السواعد ودامت هذه الثقافة ودامت الحياة العزيزة والكريمة بين أهلها.

فاطمة وفيق من بلدة جماعين/ نابلس، تعمل في الأعمال اليدوية منذ كان عمرها 15 عامًا، وتناقلت حرفة صناعة ” أطباق القش التراثية الكبيرة” من والدتها، وأكملت اليوم 30 عاما من العمل في هذا المجال، فكما تقول: “بيني وبين العمل في صناعة صواني القش حب وعشق، وسأعمل فيها حتى آخر دقيقة في حياتي، كما سأعمل على توسيع عملي في مجال صناعة الزعترالبلدي والزيتون المخلل والخروب، خاصة بعد الحرب وانعكاسها على الوضع الاقتصادي ما أثر على عملية البيع وتسويق المنتجات، وفي اليوم العالمي للمرأة الريفية اقول لكل امرأة فلسطينية ولكل امرأة عربية ومسلمة: إن العمل هو سر الحياة وهو سر الوجود، كما أقدم تحية لكل نساء العالم حاملات راية السلام والمحبة، تحية لهن من القلب، وأمنيتي في هذا اليوم هي  أن يسود الحب جميع أنحاء العالم وأن يحل السلام في كل مكان، وعلى صعيد شخصي أتمنى أن أتوسع في عملي وأن أنقل هذه الحرفة للجيل الجديد، نريد أن نحافظ على تراثنا من السرقة من احتلال يسعى لسرقة تراثنا من أكلات فلسطينية والثوب الفلسطيني المطرز ونسبه له”.

كل يوم..  هو يومهن

حقًّا هي صورة الفارسة الكنعانية الحارسة بكل شموخ لإرث وقطعة مقدسة تتوارثها الأجيال، جيلاً بعد جيل، قد يتركها البعض وحيدةً في مقارعة التحديات، وقد تضعها الظروف مباشرةً في وجه الاحتلال، الا أنها لا تستسلم، صباحها نشاط، ونهارها عمل وغدها أمل.

رانة أبوعياش/ بيت أمر شمال الخليل، تعمل منذ 24 عاما في تصنيع “دبس العنب” والمربى “، وزراعة السفرجل، تعمل أبوعياش بكل جد واجتهاد خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة ومرض زوجها وحاجته للعلاج”.

تقول أبوعياش: “المرأة ليس لها يوم محدد، وأقول دائمًا إن المرأة المكافحة يجب أن تحافظ على عملها واستقلاليتها، يجب أن نثبت وجودنا في هذا الكون، سواء كربات بيوت أو مزارعات أو عاملات في أي مكان، يجب على المرأة أن تكون على قدر المسؤولية والتميز في أي مكان تعمل به، ورسالتي لكل امرأة في العالم أن تعمل على تطوير أية موهبة لديها قدر الامكان ومهما كانت الظروف صعبة والتحديات أمامها كبيرة وأمنيتي في هذا اليوم أن أنجح في توسيع مشروعي وتشغيل النساء والفتيات اللواتي يعشن  ظروفًا صعبة”.

صفاء خراز.. شيف “سفرة زمان”

فلسطينيات يصنعن من منتجات الارض حياة وغذاء وأمنًا ويكتبن صورة “البقاء” في وجه من يديرون ظهورهم للأرض والتراث، يسعين إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي وتطوير مشاريعهن، انتقلن من تسويق منتجاتهن من السوق المحلي إلى السوق الخارجي، ومهما كانت الصعوبات يتخطينها برشاقة، لا تقرأ في قاموس حياتهم مفردة مستحيل ولا مترادفاتها.

صفاء خراز/ محافظة طوباس، تعمل في الأساس سكرتيرة في مدرسة حكومية، لكن ظروف مرض زوجها وسوء الاوضاع الاقتصادية جعلاها تلجأ إلى تحسين دخل العائلة بتصنيع منتجات فلسطينية مثل: الزعتر البلدي، المخللات، رب البندورة،الفريكة البلدية، الملوخية الناشفة، واللبنة الطازجة”.

وفي يوم المرأة الريفية تقول خراز: “كل يوم هو عيد للمرأة، ونحن نعمل ونجتهد وننجز طوال العام، عملت على مشروعي وأصبح له اسم وماركة بعنوان “سفرة زمان”، بدأت برأسمال بسيط في عام 2008، واليوم وسعت مشروعي وأنشأت مكانًّا خاصًّا به ووظفت فتيات لديهن ظروفا اقتصادية صعبة، منتجي اليوم موجود في السوق الفلسطينية في كل المحافظات وحسب احتياج كل منطقة، مشروعي شكل لي ولعائلتي اكتفاء ذاتيًّا، تمكنت من خلاله من تأمين مصاريف علاج زوجي وتعليم أبنائي، كما أتلقى اليوم عروضًا لارسال منتجاتي الى بريطانيا وأميركا وألمانيا والسعودية والإمارات، كما أشارك في المعارض وأسواق “الحرجة” التي يتم تنظيمها في فلسطين، واذا أردت توجيه رسالة من خلالكم فإنني أقول: نساء فلسطين مناضلات، مكافحات، ولا ننتظر من احد أن يقول لنا إننا مبادرات، وبالنسبة لي العمل ليس فقط من باب الحاجة المادية، لكن الانتماء للوطن ولتراثنا شيء ثمين يجب ايضًا أن نربي أولادنا عليه وننمي حبهم لأرضهم ووطنهم، خاصة في عالم التكنولوجيا الذي يغرق فيه أولادنا اليوم”.

“أنتِ ما في مثلك”

“لئن شكرتم لأزيدنكم” آية قرآنية، تشكل دستورًا وقانون ارتباط الفلسطينيات بالأرض والوطن، ولكن قصة عطاء هذه الفئة من نساء فلسطين تبقى مميزة رغم حجم التضحيات والتحديات والمضايقات التي تعاني منها هؤلاء النسوة في تأمين متطلبات عملهن في الأعمال اليدوية في ظل الظروف الحالية، فهي ليست متاحة بالطرق الميسرة أو في متناول الأيدي، استمرار دورهن في بقاء هذه المنتجات ووصولها لكل مائدة فلسطينية هدفٌ لاستمرارهن، لأن نجاحهن في ذلك طريق مهم لدورهن في تأمين احتياجات أسرهن.

نجلاء عبد الحليم محمد أبوعياش/ من بيت أمر شمال الخليل، وتعمل في مجال تحويل الخضار والفواكه التي تقوم بزراعتها في أرضها إلى منتج وطني وأهمها تحويل العنب إلى دبس العنب، نجلاء تقوم بالتسويق على مستوى السوق المحلي وبدأت مشروعها منذ 24 عاما، رسالة نجلاء للمرأةالفلسطينية: “أنتِما في مثلك،بقدرتك على التحمل والصبر وقدرتك على التصنيع والإنتاج من أية مادة تملكينها، جهاد المرأة الفلسطينية الحقيقي هو صبرها، فنحن أمهات ومربيات ومنتجات، ولنا دور فعال في المجتمع، نحن ملكات الأرض، نعمل بحب وشغف ودون كلل أو ملل، إلى جانب دورنا في تربية اطفالنا وتعليمهم ودعم عائلاتنا اقتصاديًّا، وأمنيتي في هذا اليوم أن استمر في العمل في مهنتي التي أحبها حتى آخر يوم في عمري” .

شادية إبراهيم رائدة صناعة الأكلات الشعبية

في أصعب الظروف وأحلكها أظهرت نساء فلسطين قيمة اجتماعية واقتصادية عالية بعملهن وصمودهن في كافة المجالات، وفخرهن بما يقدمن لهم وللمجتمع، هن ملكات الأرض ولسن عابرات سبيل يعملن طوال العام ولا موسم محدد لانتاجهن.

شادية ابراهيم محمود حشيش / الناقورة – نابلس، وهي خريجة جامعة النجاح الوطنية اختصاص تربية وعلم نفس، عملت في المدارس الخاصة لمدة 20 عاما، الا أن سوء الاحول الاقتصادية دفعها للتفكير في تأسيس مشروع خاص بها في تصنيع الخل والسمسم واللبنة البلدية والمكدوس واتخذت من منزلها مقرا لتنفيذ مشروعها، وهنا تقول حشيش: ” بدأت بتأسيس مشروعي برأسمال قدره 1000 شيقل، كما تمكنت بمساعدة مؤسسة خاصة دعمت مشروعي من تسويق منتجاتي في السوق الفلسطينية”، وتضيف حشيش: “المرأة الفلسطينية قادرة أن تعمل في كل مجالات الحياة بشرف وكرامة ولا أخجل من عملي الذي ساعدني على تعليم أبنائي وحصولهم على شهادة الماجستير كما مكنني من بناء منزلي الذي نقطن فيه اليوم، أمنيتي أن يعطيني الله الصحة لأستمر في عملي ويحقق حلمي في تأسيس مصنع لصناعة خل التفاح وتشغيل نساء بلدي فيه”.

وعندما سألناها ماذا يعني لك يوم المرأة العالمي للمرأة الريفية، أجابت: “وهل للمرأة يوم؟ كل يوم هو للمرأة ولا داعي لأن يخصصوا لها يومًا، المرأة لا تحتاج الى عيد فكل يوم هو عيد لها، أقول لكل امرأة أن تحافظ على عزة نفسها وأن تعمل من أجل ان تكون مستقلة ماديا ولا تحتاج الى أحد، وأن تأكل لقمتها من عرق جبينها”.

المرأة الفلسطينية المنتجة..تحتاج دعمًا دائمًا

وتستمر حكاية الصمود والعطاء تنقلها الكنعانيات جيلاً بعد جيل، وتتراكم التجارب والخبرات ويتعاظم الدور وتزداد الخيرات، فكما تقول الفلسطينيات، “نحن نهتم بكل التفاصيل، ونستذكر كل صغيرة وكبيرة، ونتعلم من الأخطاء، ونحتاط لكل الظروف، لا شيء يمنعنا من تحقيق أحلامنا ولا الاستمرار في الحفاظ على أرضنا وتراثنا.

آمنة فايز سالم وصفي/ رئيسة جمعية الإبداع التعاونية للتصنيع الزراعي دير بلوط، والهدف منها تمكين النساء من أعضاء الجمعية اقتصاديا واجتماعيا، حيث تضم 23 عضوًا من النساء و7 أعضاء من الرجال،تتخصص الجمعية في مجال صناعة مخلل الفقوس، ورب البندورة، والشطة، وغيرها من المنتجات التي مصدرها الأرض.

تقول آمنة : “اعتبر أن يوم المرأة في أي مجال هو يوم متميز يخص أي امرأة مكافحة وماذا انجزت وحققت، المرأة الفلسطينية تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل وهي بحاجة الى دعمها بشكل مستمر، كما يجب دعم المشاريع التي تضم أكثر من امرأة، كما نعمل اليوم على تصنيع مادة ” المفتول الفلسطيني “ونسعى إلى تسويقه داخل فلسطين وخارجها كمادة بديلة الرز في العالم”.

سنية أبو عيد.. مشروع زراعة عضوية

سنية أبو عيد/ الزاوية – سلفيت، تعمل في الارض منذ 3 سنوات، مشروعها يحمل اسم “زرعاتي” ويقوم على زراعة نصف دونم أرض بالخضار الصحية العضوية وسقايتها بطريقة التنقيط، منتجها الصيفي من الأرض” ملوخية، بامية، خيار، كوسا، فقوس”ـ أما في الشتاء فمنتجها يكون “فول، بازيلاء، بروكلي، زهرة، ملفوف، .. الخ”، تقول سنية: “بدأت مشروعي بدعم من مركز التعليم في جامعة بيرزيت، حيث تم تدريبي لمدة 7 شهور في مجال الزراعة وساعدوني بعمل خطة المشروع ودعمه ماديا بثلاثة آلاف دولار ضمن المشاريع الصغيرة، في مشروعي استخدم البذور البلدية التي تقاوم الآفات الزراعية، حيث يكون هناك تناغم بين البذورة والتربة ومقاومة عوامل الطقس، وماديا هي أوفر من باقي البذوروفي مشروعي لا أستخدم المواد الكيماوية. الحمدلله اليوم أصبح لدي زبائن ينتظرون المحصول ويقومون بشراء المنتج من المزرعة مباشرة”.

وتضيف أبوعيد: “في يوم المرأة الريفية رسالتي للنساء أنتن نصف المجتمع إذا لم تكوني المجتمع كله، كوني سندا لنفسك، ولا تعتمدي على أحد وحافظي على “أرضك، أنت قادرة أن تنتجي وتستقلي ماديا، وأن ترفعي مكانتك الاجتماعية،ونحن لسنا ضلعا قاصرا، في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم، الأرض هي السند”.

وعن أمنيتها في هذا اليوم تقول أبو عيدة” إلى جانب حلمي بتوسيع مشروعي، أمنيتي أن تقوم المؤسسات الداعمة  للمزارعين بتوفير آبار مياه في الاراضي الزراعية نظرا لانقطاع المياه معظم أيام السنة إلى جانب ارتفاع فواتير المياه”.

الأرض.. كنزنا

الزراعة في ظروف كل بلد تعتبر من الأعمال الصعبة، فيهرب منها الكثيرون لمهام قد تبدو أقل جهدًا وأحيانًا اقل عائدًاً، ولكن في نظر نساء فلسطين الريفيات هذا عيب، ترك الأرض وهجرها علامة فشل وضعف، لأن القوة تتعزز بالصلة بالأرض لا بالابتعاد عنها، “الوظيفة تزول والارض تبقى” حكمة من جعلن من زراعة الارض التي هجرها أو استصعبها الكثيرون نموذجًا متميزًا للحياة الايجابية، فنساء فلسطين الريفيات لسن  مجرد عاملات في الارض، هن مقاومات، منتجات، قوة مثال حقيقية لنساء ينتصرن ولا يستسلمن أمام تحديات او مغريات تبسيط الامور، هن متعلمات ومثقفات وخريجات جامعات، وقع اقدامهن في طريقهن للحقول تعلن كل صباح، القوة ليست جسدية فقط، القوة هي الارادة والرغبة، يتردد صدى ذلك بأغنيات للأرض ومواويل للفرح وأهازيج لكل موسم تذكر الجميع بان البقاء لمن يعشق الارض ويعمل بها.




أم عماد.. أمينة سرّ ابنها الشهيد وراعية التراث

عبد الباسط خلف- تحفظ السبعينية هيام عبد العفو أبو زهرة، وصية ابنها الشهيد الصحفي عماد صبحي أبو زهرة، الذي أقنعها بتأسيس جمعية نسوية مختصة بالتراث الشعبي، وفتش لها عن بيت عتيق في قلب جنين القديمة لترميمه وتدشين جمعية تراثية فيه.

وأكدت أن ابنها حينما كان يشاهدنها وهي تمارس هواياتها ببراعة في صناعة الأشغال اليدوية والوجبات التراثية، ألح عليها تطوير عملها، وتمنى عليها نقل مواهبها إلى نساء جنين، خشية اندثار هذه التفاصيل.

وقالت أبو زهرة، التي أبصرت النور في جنين منتصف آذار 1947، إن بكرها واصل الإلحاح لتسجيل الجمعية النسائية الثقافية للتراث الشعبي، وترميم بيت مهجور لآل عبد الهادي يعيد الحياة لتقاليد وعادات ومفاهيم توشك على الاندثار.

وأفادت بأن عماد رسم لها خطة لإنجاح الفكرة، وساعدها في التواصل مع جهات مهتمة بالمعمار القديم ومنع البيوت القديمة من السقوط، لكنه استشهد خلال عمله الإعلامي وسط جنين، في 12 تموز 2002، وواصلت هي تحقيق أحلامه.

وأوضحت بأنها بدأت بالتحرك، وبحثت عن مجموعة سيدات لتشكيل هيئة إدارية للجمعية، ولطرق باب مؤسسات وجمعيات لصون سر الابن.

واستردت أم عماد، التي كانت سعيدة بنجاحها في ترميم البيت التاريخي مرة أخرى، هذا العام، تفاصيل عديدة لدورات تعليم خياطة، وإنتاج غذائي تراثي، وتطريز، وتثقيف، وتوعية، وبيئة، وتطوع.

وأشارت إلى أن أحدث قائمة من المستفيدات تضم 32 سيدة، حصلن على الكثير من المهارات العملية والنظرية، الخاصة بالتراث وحمايته، إضافة إلى منتدى مرج ابن عامر النسوي البيئي، المشترك مع مركز التعليم البيئي.

60 أمًلا

وبحسب أبو زهرة، التي نالت الثانوية العامة عام 1966 وعملت معلمة، فإن الجمعية نجحت مؤخرًا بالرغم من العقبات الكثيرة في تنفيذ 60 نشاطًا، مثلما شاركت الجمعية في معارض وأيام ثقافية وملتقيات محلية وعربية، كان عنوانها المشترك الترويج للتراث.

ومما تفاخرت به أم عماد، أن الجمعية استطاعت الترويج للتراث بكل السبل، وتمكنت في تعليم فتيات وجامعيات الكثير من المهارات، وأقنعتهن بالعودة إلى الأطباق التراثية، التي بالكاد يسمع عنها الناس.

وقالت إن التراث لا يقتصر على الماديات والأطباق والمهارات والعادات والتقاليد، لكنه أرث طويل وأمثال ومواسم وتفاصيل صغيرة تدخل في كل مفاصل حياتنا.

وأفادت والحزن يسكنها على ابنها الذي يذكرها به كل شيء في الجمعية، بأنها بدأت فعليًا عام 1995 ومجموعة من نساء جنين بتأسيس هيئة تعنى بإعادة الحياة إلى التراث الفلسطيني وتعريف الأجيال الشابة به، وبتشجيع من عماد الذي أطلق على المكان اسم “من زمان”.

“نملية” وصحيفة

نالت أم عماد في 22 نيسان 2003 ترخيص الجمعية، وخلال 21 عامًا استطاعت نشر رسالة تراثية عبر ندوات ومحاضرات وأيام تسويقية ومشاركات في نعارض، كما أسست متجرًا لبيع المأكولات التراثية والمشغولات اليدوية يحمل اسم (نملية)، التي تعني خزانة حفظ الطعام بالتسمية القديمة.

واستعادت تفاصيل ابنها الشهيد واستذكرت حبه لمدينته، فهو الذي كان يطلق على نفسه “أبو جنين”، وراح منذ طفولته المبكرة يلتقط صور حاراتها ونخيلها ومسجدها القديم وأسواقها وأدواتها العتيقة، ويجمع كل شيء يمت للمدينة بصلة، وأسس جريدة “جنين”، وكان كل أسبوع يحاول البحث عن الماضي ويقدمه للجيل الجديد ويذكر الكبار به.

تهتم أم عماد ورفيقاها الثماني: وفاء أبو لبدة، وفداء وسهير أبو الرب، وهيام الشرفي، وسميرة ستيتي، ودلال قدسية، وأمل عزوقة، وكفاح حساسنة بالتراث الشعبي، ونجحن في نقل المعرفة في صناعة المطرزات والقشيات والأعمال التراثية والفنون اليدوية والمشغولات للشابات وات اللائي تنقصهن الخبرة فيه، ونفذن فعاليات لفنون التطريز والرسم على الزجاج استخدام الخيش كستائر.

واحتفظ مقر الجمعية قبل ترميمه، بأدوات قديمة كالغربال وأواني وجرار لحفظ الماء واللبن، و”ببور” الكاز، ولوحات ومطرزات، وقشيات.

200 عام

وبيّن المهندس محمود يحيى، الذي أشرف على ترميم المكان إنه استغرق مع فريقه 3 أشهر لإتمام العمل، وحرصوا على رعاية الطابع المعماري القديم، الذي يعود على الأقل إلى 200 عام.

وقال إن مساحة المقر 400 متر، وكان بمثابة حوش لعائلة عبد الهادي، وشارك فيه 30 عامًلا بتمويل 89 ألف دولار من الصندوق العربي الكويتي، لكنه الأكثر تعقيدًا معالجة تسوس الحجارة، وعدم المس بالطابع التراثي للمكان.

وأكد يحيى أن نظام المباني القديمة مصمم للتغلب على العوامل الجوية المحيطة، بفعل سماكة الجدران، ووجود القباب التي تشتت الشمس، والنوافذ المرتفعة لتصاعد الهواء الساخن.