
يمثل التراث الفلسطيني أحد أكثر عناصر الهوية الوطنية رسوخًا واستمرارية، إذ لا ينظر إليه بوصفه بقايا زمن مضى، بل باعتباره ممارسة ثقافية حيّة تتجدد عبر تفاصيل الحياة اليومية. ويحتل الزي الشعبي، ولا سيما الملابس الشعبية النسائية، مكانة خاصة ضمن هذا التراث، بوصفه شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي للشعب الفلسطيني، وحاملًا لمعانٍ تتجاوز الوظيفة المادية إلى التعبير عن الانتماء والخصوصية والهوية.
في هذا الإطار، صدر كتاب «الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن» للباحثة والكاتبة الدكتورة سارة محمد الشماس، ليقدّم دراسة أكاديمية متخصصة توثق التراث الملبسي الفلسطيني وتبحث في علاقته بالهوية الوطنية. يقع الكتاب في 171 صفحة، وصدر عن دار الشامل للنشر والتوزيع، وجرى إطلاقه رسميًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في أول عرض له ضمن المعارض العربية، حيث حظي باهتمام الأوساط الثقافية والبحثية المعنية بقضايا التراث والهوية، كما شهد جناح دار الشامل توقيع الكتاب بحضور نخبة من المثقفين والأدباء من مختلف أنحاء الوطن العربي، الذين أشادوا بقيمته العلمية وأهميته الثقافية.
يعتمد الكتاب مقاربة علمية تنظر إلى الملابس الشعبية بوصفها نتاجًا اجتماعيًا وثقافيًا تشكل عبر مسار تاريخي طويل، لا مجرد لباس تقليدي أو عنصر جمالي. فالهوية الوطنية، كما يبين الكتاب، لا تختزل في مفاهيم نظرية أو شعارات عامة، بل تتجسد في الممارسات اليومية، وكان الزي الشعبي أحد أهم هذه الممارسات التي عبرت عن ارتباط الفلسطيني بأرضه ومجتمعه وقيمه.
يتناول الكتاب في فصوله الأولى المفاهيم الأساسية المرتبطة بالملابس الشعبية والهوية والهوية الوطنية، موضحًا العلاقة بين الزي الشعبي والانتماء الوطني. يبرز هذا التحليل كيف أدت الملابس دورًا اجتماعيًا واضحًا، إذ حملت دلالات تتعلق بالعمر، والحالة الاجتماعية، والمناسبة، والمكانة داخل المجتمع، ما جعلها وسيلة تواصل غير مباشرة مفهومة ضمن السياق الثقافي العام.
يتناول الكتاب نشأة الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية وتطورها التاريخي، متوقفًا عند أوجه التشابه بينها وبين ملابس بعض المناطق المجاورة، مع التأكيد على خصوصيتها الفلسطينية. يظهر في هذا السياق التنوع الواضح في طبيعة الملابس الشعبية بين المناطق الفلسطينية المختلفة، وهو تنوع تأثر بعوامل البيئة والمناخ وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، رغم المساحة الجغرافية المحدودة لفلسطين. انعكس هذا التنوع في شكل الثوب، ونوعية القماش، وأساليب الحياكة، وحضور الزخارف التي منحت كل منطقة طابعها المميز ضمن إطار ثقافي عام.
يوضح الكتاب أن الزخارف المصاحبة للملابس الشعبية النسائية شكلت جزءًا من البناء التعبيري للثوب، وأسهمت في إبراز خصوصيته وتمييزه، دون أن تكون عنصرًا شكليًا منفصلًا عن سياقه الاجتماعي والثقافي. ارتبط حضور هذه الزخارف بوظيفة الثوب ودلالته الاجتماعية، وبالمناسبة التي يرتدى فيها، ما يعكس وعيًا ثقافيًا متراكمًا لدى المجتمع الفلسطيني.
يسلط الكتاب الضوء على الوظائف الاجتماعية للملابس الشعبية النسائية، مبرزًا دورها في تنظيم العلاقات الاجتماعية وضبط السلوكيات ضمن منظومة ثقافية غير مكتوبة. شكل اختلاف اللباس بين المناسبات الاجتماعية المختلفة، أو بين الحياة اليومية والمناسبات الخاصة، عنصرًا مفهومًا ضمنيًا داخل المجتمع الفلسطيني، بما يدل على عمق الوعي الجمعي الذي حكم ملامح الحياة الاجتماعية التقليدية.
يخصص الكتاب مساحة لدراسة أنواع الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية بحسب المناسبات الاجتماعية والدينية واليومية، مبينًا أن لكل مناسبة لباسها الخاص ودلالتها الاجتماعية. يعكس هذا التصنيف نظامًا ثقافيًا متماسكًا كانت المرأة الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في بنائه واستمراره عبر الأجيال.
يناقش الكتاب التحديات التي تواجه الحفاظ على التراث الملبسي الفلسطيني في العصر الحديث، ويتصدر هذه التحديات ما يتعرض له التراث من سرقة وتزييف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولات نسبه إلى روايات مصطنعة ضمن سياسة ممنهجة تستهدف طمس الهوية الفلسطينية. يتناول الكتاب كذلك آثار تشتت الهوية لدى فلسطينيي الداخل، وتأثيرات العولمة التي أسهمت في إضعاف الارتباط بالتراث وتحويل بعض عناصره إلى منتجات استهلاكية منفصلة عن سياقها الثقافي. يؤكد هذا الطرح أن التوثيق العلمي بات ضرورة وطنية لحماية الذاكرة الجمعية من التزييف والاندثار.
يحمل غلاف الكتاب دلالة خاصة، إذ جاءت لوحة الغلاف لتجسد المؤلفة وهي ترتدي الثوب الفلسطيني، في تعبير بصري منسجم مع موضوع الكتاب دون بعد ذاتي، بل بوصفه تمثيلًا رمزيًا لعلاقة الباحثة بموضوع دراستها. نفذت اللوحة بريشة الدكتور جمال بدوان، سفير الفن الفلسطيني في العالم، لتشكل مدخلًا بصريًا هادئًا يعكس حضور الثوب الفلسطيني بوصفه عنصرًا حيًّا من الهوية الوطنية.
ترافق صدور الكتاب مع عدد من الفعاليات الثقافية، كان من أبرزها المشاركة في اليوم الثقافي الذي نظمته سفارة دولة فلسطين في جمهورية مصر، حيث جرى توقيع الكتاب في مكتبة السفارة وإدراج نسخة منه ضمن مقتنياتها الثقافية، بحضور سعادة المستشار الثقافي ناجي الناجي، إلى جانب نخبة من المثقفين والأدباء المبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي. كما جاءت مشاركة الدكتورة سارة محمد الشماس ضمن المشاركين في فعالية ثقافية نظمها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية – فرع مصر، خُصصت للاحتفاء بالكتاب وتسليط الضوء على أهميته في توثيق التراث النسائي الفلسطيني ودوره في صون الذاكرة الثقافية، وذلك بحضور مديرة اللجنة الثقافية سونيا عباس، ومديرة اللجنة التراثية نادية الآغا، وبمشاركة نخبة من المثقفين المبدعين والأدباء، وحضور ثقافي نوعي عكس التقدير لقيمة الجهد البحثي ومكانة الإصدار في المشهد الثقافي الفلسطيني.
يشكل كتاب “الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن” إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية، لما يقدمه من دراسة توثيقية أكاديمية تسهم في سد فجوة بحثية واضحة في مجال دراسة التراث الملبسي الفلسطيني.
يؤكد الكتاب في مجمله أن الزي الشعبي الفلسطيني ليس مجرد موروث من الماضي، بل جزء أصيل من الهوية الوطنية وذاكرة شعب ما زالت حاضرة، وتستحق الحفظ والتوثيق بوصفها شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين.



