1

جنين تحت سطوة آب..

عبد الباسط خلف- يحتمي الأربعيني بسام نصار من شمس آب الحارقة بقبعة، ويلف رقبته بمنشفة للتخلص من العرق، وينادي على المارة وسط جنين لشراء الماء المثلج في يوم شديد الحرارة.

ويقول وهو يتصبب عرقا إنه يقف قرابة 6 ساعات تحت الشمس، ويبيع الماء بنصف السعر، ويدفع الباقي من أرباحه عن روحي والديه.

ويؤكد إنه شرع قبل سنوات في تقديم 100 عبوة ماء باردة على المتسوقين وعابري السبيل بالمجان، ثم طور مبادرته إلى عمل، فأصبح يبيعها بسعر زهيد، ويقبل بهامش ربح قليل.

ويعيل نصار عائلة ممتدة من 5 أولاد ومثلهم من البنات، بينهم اثنان يعانيان سكر الدم، فيما يتحامل هو على أوجاع تضخم عضلة القلب وسكر الدم.

ويشير إلى أن حركة المتسوقين تتراجع خلال الأجواء شديدة الحرارة، وبالتالي يعجز عن بيع بضاعته.

بيت النار

ويكافح الشاب محمد فؤاد أمام فرن الخبز، ويشير إلى أن المكان يتحول إلى كتلة لهب.

ويبين أنه لا يستمع كثيرا إلى نشرات أحوال الطقس، لأن الفرن بحد ذاته صيف حارق ودائم بدرجات حرارة تتجاوز 40 مئوية.

ويعمل فؤاد 8 ساعات، ويوزع أشغاله بين متابعة أرغفة الخبز والتخلص من العرق الذي يعكر صفوه، ويزداد قسوة خلال تموز وآب.

ولا يبالي محمد بالانخفاض الطفيف على درجات الحرارة، الذي تتوقعه دائرة الأرصاد الجوية مطلع الأسبوع المقبل؛ لأن جنين مدينة قاسية في حرارتها، والمخابز مرتفعة الحرارة.

قبل الشمس

ويسابق المزارع إبراهيم العلي الشمس فيذهب إلى حقله مبكرا جدا، ويحول غالبا قطاف محصوله إلى الليل.

ويفيد بأن الحر يذبح مزرعته ويقصر عمرها، كما يؤدي إلى إنتاج ثمار بنوعية متدنية، ويضاعف من ري المياه.

ويشير العلي إلى أن موجة الحر الحالية تعني زيادة مفرطة في سقاية الحقول، ومضاعفة التكلفة، في ظل مياه شحيحة بفعل موسم مطري ضعيف.

فيما يقف فراس السيلاوي على ناصية الطريق، ويحاول حماية الفواكه التي يروج لها من وطأة الحر.

ويقول إنه موجة القيظ تفسد كل شيء، وتسرع في تلف الفواكه والخضراوات، وتؤثر سلبا على حركة المتسوقين، الذين يتحاشون التجول في السوق خلال الظهيرة.

ويبين السيلاوي أن الحرارة التي يقف تحت رحمتها تجاوزت السبت 40 درجة، وهذا يعني معاناة للعاملين تحت الشمس، والذين يحاولون تأمين حياة كريمة لعائلاتهم.

ويشير إلى أن العرق يبدو واضحا على وجه المارة وملابسهم، خاصة في فترات ارتفاع الرطوبة.

فوق الأربعين

ويؤكد مدير عام الأرصاد الجوية، عصام عيسى لـ”الحياة الجديدة” أن ذروة الحر ستكون الثلاثاء والأربعاء والخميس، وستتجاوز الحرارة الأربعين مئوية في جنين، بينما كانت السبت 38,7.

ويشدد على أن أعلى درجة حراة سجلت في أريحا كانت عام 2015 بـ 48,5 درجة.

ويكرر تنبيهات”الأرصاد الجوية”، التي تحذر من خطر التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترة طويلة خاصة في ساعات الذروة من الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة مساء.

ويحث عيسى المواطنين على تفادي إشعال النار في المناطق التي تكثر فيها الأعشاب الجافة، ومتابعة إرشادات الدفاع المدني ووزارة الزراعة.

ري أكثر

ويؤكد رئيس قسم البستنة في مديرية زراعة جنين، أشرف فالح، أن موجة الحر تنعكس سلبا على القطاع الزراعي، وتتطلب زيادة كمية الري للأشجار التي تعطي ثمارها متأخرة كالعنب والرمان والجوافة، وتقليص فترات السقاية لتعويض كميات التخبر والنتح، وللمحافظة على الأشجار والثمار.

ويفيد بأن كميات الرطوبة الأرضية متدنية، وارتفاع الحرارة بمعدلات قياسية يزيد من الطين بلة، ويزيد من الطلب على المياه الشحيحة.

ويشير إلى أن الحر يمكن أن يتسبب بذبول مؤقت أو دائم للنباتات، بفعل التبخر والنتح العاليين.

بدوره، ينصح رئيس قسم المجترات في وزارة الزراعة، زياد نصار، مربي الأغنام والأبقار والدواجن بالمسارعة في زيادة التهوية، وتفادي تكاثف الغازات خشية الاختناق والنفوق.

ويحث على تنظيف المزارع من روث الحيوانات، وتقليل سمك الفرشة أسفلها، وفتح النوافذ، وتغطية النوافذ المواجهة لأشعة الشمس.

ويقول إن تقليل الكثافة العددية داخل المنشأة، وبيع الأوزان الكبيرة منها، وزيادة عدد المشارب، وتغطية خزانات المياه، وتقليل حرارتها بتجهيز قوالب ثلج.

ويشير نصار إلى ضرورة تغطية الأسقف أو رشها بطبقة من الجير (الشيد) الأبيض؛ لمنع الارتفاعات الإضافية في درجة حرارة المنشآت الزراعية.




رحلت مزيونة وظل قلبها أسيرا

 زهير طميزة-  رحلت مزيونة أبو سرور بسكتة دماغية عن 84 عاما قضت منها 34 سنة في انتظار نجلها الأسير ناصر، عميد أسرى محافظة بيت لحم، والمحكوم بالمؤبد منذ مطلع عام 1993.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور ابن عم الأسير ناصر، إن الحاجة مزيونة لم تستسلم عبر مشوارها الماراثوني الطويل بين سجون الاحتلال، لا لمرض أو لكسل وتقاعس، ورغم إصابتها بعدة “جلطات” سابقا، فإنها لم تتوقف عن السعي وراء ناصر من سجن إلى آخر، حاملة مشعل الأمل في أحلك الظروف، موقنة بأنها لن تغادر قبل أن تحتضن ناصر بين ذراعيها تحت سماء المخيم (مخيم عايدة للاجئين).

كاد حلم مزيونة يتحقق عام 2014 عندما أدرج اسم ناصر في الدفعة الأخيرة من الأسرى الذين تم الاتفاق بين القيادة وحكومة إسرائيل على تحريرهم، ولكن حكومة نتنياهو، كدأبها، أخلت بالاتفاق.

أما مزيونة التي لم يدخل اليأس قلبها على مدى عقود ثلاثة، فقد استعدت لاستقبال ناصر بعدما أشيع مؤخرا عن أنه سيخرج ضمن صفقة تبادل للأسرى، يعمل ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي ستيف على إنجازها، فحزمت امتعتها وسافرت إلى العاصمة الأردنية على أمل استقبال نجلها هناك، فقد علمت أن سلطات الاحتلال تمنع ذوي الأسرى المبعدين بعد تحررهم، من السفر للقاء أبنائهم، فقررت أن تستبق إجراءات الاحتلال، لكن خيبتها هذه المرة كانت قاتلة، فأصيبت بالسكتة الدماغية، لترحل عن عالم الانتظار بعد ثلاثة أيام على نقلها من عمان إلى مستشفى بيت جالا الحكومي.

مزيونة الشولي ابنة قرية الخضر غرب بيت لحم، عاشت حياة اللجوء مع زوجها حسن أبو سرور المُهجر من قرية بيت نتيف المدمرة عام 1948، والمعروفة بسنديانة فلسطين وأم الأسرى، كان منزلها المحطة الثانية لكل أسير محرر، كذلك كانت تزور كل من يتحرر من سجون الاحتلال بفرح ولهفة، وكأنها تتلمس في كل من يخرج من السجن رائحة نجلها.

ناصر أبو سرور (56 عاما)، الأسير المثقف، والشاعر والكاتب.. صاحب ديوان “عن السجن وأشياء أخرى” والذي رشحت روايته “حكاية جدار” لنيل جائزة البوكر بعد ترجمتها إلى الإنجليزية، لا يعلم حتى اللحظة انه فقد مزيونته إلى الأبد، وأنه لن يراها بعد اليوم، فبعد أن حُرم من وجهها سبع سنين بسبب منعها من زيارته “لأسباب أمنية” حسب ادعاء سلطات الاحتلال، عادت المثابرة لتزوره رغم ضعف بصرها وعدم قدرتها على رؤيته بوضوح، حسب حفيدها عبد الفتاح، مكتفية بسماع صوته، لكن حرب الإبادة التي اندلعت عام 2023 حرمتها من صوته أيضا، لترحل دون أن تفي بوعدها له عندما أجابته مازحة على طلبه بألا تموت وتتركه في السجن: “سأطلب من ملاك الموت أن يمهلني حتى تخرج من السجن”.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور: “لا أعلم كيف سيستقبل ناصر الخبر، فهو لم يتحمل مجرد أن يضعف بصرها، فما بالك عندما يعلم بأنها توفيت!”.

سيعود ناصر أبو سرور إلى مخيم عايدة محطته المؤقتة، وسيحدث أبناءه عن جدتهم المزيونة، التي تشبه فلسطين في قدرتها العجيبة على مواجهة اليأس رغم كل المحن. 




عرابة.. دموع وحسرة لعيون الفتى إبراهيم حمران

عبد الباسط خلف- اصطبغ مساء بلدة عرابة، جنوب جنين، بالدماء والدموع، عقب استشهاد الفتى إبراهيم عماد أحمد محمود حمران (14 ربيعا) في مدخلها الرئيس.

وفتح جيش الاحتلال النار على الفتى حمران بشكل مباشر، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة عند البوابة الغربية للبلدة.

وأكد مدير مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان (جنين الحكومي)، وسام بكر لـ”الحياة الجديدة” أن الفتى حمران وصل المستشفى بعد أن فارق الحياة، إثر إصابة قاتلة في الحوض.

ووفق مصادر محلية، فإن جنود الاحتلال أطلقوا النار على حمران في منطقة النقِب بالبلدة، وأحاطوا به بعد جرحه، ووصلت إليه طواقم الهلال الأحمر على مقربة من الشارع الرئيس وفي كرم زيتون، ثم نقلته إلى مستشفى جنين الحكومي.

والفتى حمران هو الشهيد الثالث في بلدات جنين خلال أقل من أسبوع، إذ التحقت عرابة بجارتها يعبد، التي بكت قبل أيام فتاها عمرو علي قبها (14 ربيعا) عقب إطلاق جنود الاحتلال 5 رصاصات صوبه، وتركه ينزف لنحو نصف ساعة ومنعوا إسعافه.

كما انضمت البلدة إلى قباطية، التي فجعت أمس الأول بارتقاء الفتى إبراهيم ماجد نصر، (16 عاما) الذي قضى برصاصة في الصدر، خلال اقتحام جيش الاحتلال للحي الغربي من البلدة.

وتقاطرت عائلة حمران وأهالي البلدة إلى ثلاجة الموتى، بانتظار وصول شقيقه وعمه اللذين يعملان في رام الله وأراضي الـ48، لتشييعه في ساعات الليل، وسط حزن وحسرة.

وأوضح قريبه فاضل حمران أن إبراهيم هو الأصغر بين إخوته إذ يكبره شقيقه أحمد و3 بنات.

وقال عضو المجلس البلدي خليل العارضة لـ”الحياة الجديدة” إن حمران تعرض لجريمة ضد الطفولة والإنسانية، وقتله جنود الاحتلال بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد، عند البوابة الغربية لعرابة.

وأوضح مدير مدرسة الشهيد أبو علي مصطفى، أحمد صبري، أن الفتى حمران أنهى قبل أسابيع صفه الثامن، وكان ينتظر الالتحاق بصفه التاسع بعد نحو شهر.

وأشار إلى أن فتى من الصف نفسه يحمل اسم إبراهيم أيضا أصيب بالفخذ، وفي المكان نفسه الذي ارتقى فيه إبراهيم حمران.

وذكر أن إبراهيم سبق سنه، وتحمل المسؤولية في سن مبكر لمساعدة والده الذي كان يعمل في اراضي الـ48 في مجال البناء، وصار يعاني مؤخرا المرض.

ووصف صبري حال عرابة المتشحة بالسواد، إذ دخلت البلدة منذ مساء أمس في حالة ذهول وصدمة كبيرة، عقب انتشار نبأ استشهاد فتى في عمر الزهور، وشعرت بغصة عليه، وتناقلت صورة ابتسامته الأخيرة.

وقال محمد لحلوح، ابن البلدة الثلاثيني إن عرابة بشبانها وشيبها وأطفالها ونسوتها كلها أصيبت بالألم على إبراهيم.

ويحمل حمران الترتيب (44) في شهداء جنين وريفها ومخيمها، خلال العدوان المتواصل عليها منذ نصف عام.




طريق الصبر..

عبد الباسط خلف- يعتاد أحمد يوسف أبو الرب على بيع ثمار الصبر منذ عام 1962، ويقف اليوم في شارع مجاور لمسجد جنين الكبير في ظهيرة حارة لترويج بضاعته.

ويقول وهو يحمل كوزين، إنه يتعلم الدروس من الثمار المسلحة بالشوك الصبر، ويذهب في كل موسم إلى أرضه بقرية جلبون، شرق جنين، لقطف الثمار وتنظيفها من الأشواك، ثم ينطلق إلى جنين لتسويقها.

ويستذكر أبو جلال، كما يذاع صيته، بعض تفاصيل بيع الصبر أو التين الشوكي قبل احتلال قريته ومدينته عام 1967، إذ كان يحضر الثمار في طفولته بصفائح السمنة، وينطلق قبل الشمس على دابته، فيفرغ حمولته ويعود إلى بيت عائلته بعد نهار شاق.

ويؤكد أن أراضي جلبون كانت دون مستوطنات وجدار ضم وتوسع، مثلما كانت تنتج هي وجاراتها فقوعة معظم صبر المنطقة.

وتتنافس على كتف الشارع المتفرع عن طريق الناصرة أوعية وكراتين عديدة للصبر، ويحضر الزبائن لمعاينة البضاعة وشراء الثمار، لكنهم يفاوضون الباعة كثيرًا لتخفيض الثمن، وبعضهم يكتفي بالسؤال.

ويشرح مراحل عمله، التي تبدأ صباحا بالتوجه إلى حقله، فيقطف ما تيسر من أكواز، ثم يعود إلى البيت للاستحمام والتخلص من الشوك، وينطلق إلى المدينة لبيع بضاعته.

ويقف على زاوية مدرسة فاطمة خاتون، ولا ينادي على الزبائن في المكان التاريخي الذي تأسس عام 1882، وكان مَعلما للحكم العثماني في فلسطين، ثم تحول في العهد الأردني مقرًا للمؤسسات الحكومية، وصار دارا لبلدية جنين إلى أن تحول لمدرسة.

تعلم أبو الرب، المولد عام 1954 حتى الأول الثانوي، واشتغل 21 عاما في مؤسسة رسمية، وكان يوزع صحيفة “الانتفاضة” عام 2000 على مؤسسات المدينة، وقبلها كان من رواد مكتبة بلدية جنين الحريصين على قراءة روايات وفلسفة وعلم نفس بالعربية والإنجليزية.

 ويشير إلى أن موسم الصبر رغم قصره صعب كثيرا، ويحتاج قطفه ونقله وبيعه وقتا طويلا، لكن يساعد الأسرة الفلسطينية التي تعيش أوضاعا قاسية على توفير احتياجات أساسية.

يطلق أبو الرب العنان لمن يحضر إلى مزرعته للقطاف بالمجان، ولا يضع ناطورا (حارسا)، ويؤكد أن الحشرة القرمزية حديثة العهد، التي ضربت مساحات واسعة من الصبر يمكن علاجها بغير طريقة، لكنها أتلفت الكثير من الثمار، ويصف الموسم الحالي بالضعيف، فيما ينتظره صبره الخضاري، الذي يبدأ قطافه في الخريف.

ويصمد في زاوية ثانية من الشارع محمود شكري أبو الرب، منذ قرابة 15 عاما، فيبحث عن الظل لبيع بضاعته.

ويحمل أبو الرب، الذي أبصر النور عام 1970، دبلوم لغة عربية، لكنه لم يعمل بشهادته؛ لضيق سوق العمل.

ويقول إنه يشتري الصبر من 8 عمال يتخصصون في قطافه من قريتي جلبون وفقوعة، فيخرجون باكرا ويعودون لالتقاط أنفاسهم حوالي العاشرة صباحا، في موسم شحيح هذا العام، ويمتد عادة طوال تموز وآب.

يعمل محمود، قرابة 12 ساعة ويبين أنه لا يستخدم الكفوف، ولا النداء على المتسوقين، ويساعده صغيره الفتى كريم في مهمته، وكذلك ابنه البكر.

ووفق أبو الرب، فإن الطريق التي يقف فيها، مركزية وسط سوق الخضراوات، وملاصقة للمسجد الكبير، وفيها حركة نشطة، وهذا سبب اختيارها.

ويشتغل محمود فترة شهرين في الصبر، ويعود في غير موسمه إلى الأرض ورعايتها، كما انقطعت به وبغيره السبل أمام الوصول إلى الداخل للعمل.

ويؤكد أن الشمس حارقة، وكل المشترين يفاوضون مرارا؛ للحصول على سعر أدنى، لكنه يتعلم مما يبيعه التحمل والصبر.

ويدفع أبو الرب أجورا للعمال القاطفين وللمركبات التي تنقل البضاعة من الحقول إلى الشارع، لكنه يؤمن بأن الصبر طيب، وبيعه ببعض الأرباح أفضل من الجلوس في البيت.

ويشير إلى أن بعض الباعة يقفون في شارع البريد تحت ظل أشجاره، لكن المنطقة المجاورة للمسجد الكبير أكثر شهرة.

ويذكر الشاب أحمد الفقوعي، كما يصف نفسه، بأنه يبيع الصبر منذ 5 سنوات، لكن هذا الموسم يأتي في ظرف اقتصادي عصيب.

ويفيد بأن الوقوف الطويل أمام بضاعته صار يسبب له الأوجاع في قدميه، كما يتسلل الشوك إلى يديه، رغم الاحتياطات التي يتخذها.

وتعد فقوعة القرية الأشهر في جنين بثمار الصبر، وقد خسرت هي الأخرى معظم أراضيها خلال النكبة والنكسة وإقامة جدار الضم والتوسع العنصري.

وتقول سلمى الشيخ إبراهيم، وهي سيدة خمسينية، إنها تعتاد شراء الصبر من شارع المسجد منذ سنوات، لكنها حين تسافر من المدينة إلى الأردن، تبحث عن سوق مشابه، فقد أصبح الأمر جزءا من الصيف




هكذا يسرق الاحتلال ثروتنا الحيوانية ويقلص مساحات الرعي

*المستوطنون يلاحقون رؤوس الأغنام ويصادرون آلاف الدونمات من الأراضي الرعوية

*سعر رأس الغنم تجاوز 500 دولار في السوق الفلسطيني و كيلو اللحم  زاد عن  الـ100 شيقل

وزارة الزراعة: الاحتلال يدمر الأمن الغذائي ويهجر “المربين “قسراً

* مئات المزارعين يُساقون إلى هوامش الفقر والتشريد في معركة فرضها الاحتلال بأدوات اقتصادية وعسكرية

نابلس- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات – حين دق المساء أبواب خربة الطويل شرق بلدة عقربا بمحافظة نابلس، لم يكن بكر بني جابر  (26 عاماً) وعائلته يعلمون أن الكارثة تنتظرهم خلف أشجار الزيتون، قبل أسبوع فقط، وبينما الشمس تميل نحو المغيب، اجتاح الخربة نحو 200 مستوطن مسلح، يرافقهم جنود الاحتلال الذين أغلقوا مداخل البلدة بالسلاح.

” 450  رأس غنم… تعب سنينا… خطفوه من بين إيدينا في ساعات” يقول بكر، ابن صاحب الأغنام المسروقة، وهو يحبس غضبه بين الكلمات، يتحدث عن خسارة لا تعوض، اقتصادية ونفسية، فالأغنام ليست مجرد مال، بل حياة وعمر وجذور”. يقول بكر.

ويتابع: “أنا عمري 26 سنة، لأول مرة في حياتي أشتري جبنة ولبنة من الدكان… كنا نعيش على خيراتنا… واليوم صرنا بلا شيء”.

الحادثة لم تكن الأولى، ففي الشهر الذي سبق، هاجمهم ثلاثون مستوطنا في جنح الليل، وسرقوا 27 رأس غنم، ثم عادوا الأسبوع الماضي بأعداد مضاعفة، وبالرصاص والضرب المبرح، والتكسير، وأسر الأغنام ونقلها بشاحنات نحو المستوطنات القريبة.

ويكمل حديثه لـ”الحياة الاقتصادية” “جيش الاحتلال لم يكن بعيداً.. لكنه وقف متفرجا، والمستوطنون يسرقون الأغنام ويقتادونها لمنطقة قريبة بالمستوطنة المجاورة، وحاصر الجيش الخربة ومنع الإسعاف من إنقاذ المصابين الفلسطينيين حتى انسحب المستوطنون بأمان.

يقول بكر بغصة: “الغنم مش بس مصدر رزق… هي حياتنا، ذكرياتنا، هي أبوي وأمي، هي تعب السنين… اليوم بنخسرها وبنخسر وجودنا”.

ويقدر بكر خسارتهم بـ  600-700 ألف شيقل، فيما لا يجدون سوى وعود فارغة من تعويضات أو حماية.

ورغم المبادرات الأهلية البسيطة، مثل تشكيل لجان حراسة، تبقى المحاولات محدودة في مواجهة الهجمة الممنهجة، فكل مربي في الخربة بات يدرك أن الخطر ليس فقط على الماشية، بل على مستقبل الوجود الفلسطيني في الأغوار الشمالية.

ويؤكد بكر على ان الاحتلال “مش بس بدهم الأرض، بدهم نتركها بإرادتنا، وها هو وبقية أسرته يحاولون اليوم إعادة ترتيب حياتهم من الصفر، مع بصيص أمل بجمعيات قد تعيد لهم بعض ما سرق قسرا تحت عين العالم وصمته”.

من جانبه، لا يخفي رئيس بلدية عقربا صلاح جابر غضبه المشوب بالخذلان وهو يتحدث عن خربة الطويل، تلك الخربة التي يصفها بأنها “جزء من الروح الجغرافية لعقربا، وساحة مفتوحة لاعتداءات مدبرة من جيش الاحتلال والمستوطنين”.

في حديثه لـ”الحياة الاقتصادية”، يقول جابر بصراحة: “العدوان الأخير على خربة الطويل لم يكن مجرد هجوم مستوطنين… بل عملية عسكرية متكاملة الأركان بتنسيق كامل بين المستوطنين وجيش الاحتلال، الذي أغلق كافة مداخل الخربة ومنع أي مساعدة أو إسعاف من الوصول بينما كان المستوطنون ينهبون الأغنام ويعتدون على الأهالي”.

يشرح جابر تفاصيل الاعتداء الأخير الذي نتج عنه سرقة أكثر من 500 رأس غنم، و16 إصابة بين الأهالي، بينهم اثنان بالرصاص الحي، مع مشهد متكرر بات مألوفا في خربة الطويل منذ بداية عام 2024.

يقول: منذ بداية العام سجلنا خمسة حوادث سرقة ممنهجة للأغنام، بأكثر من 1000 رأس، ناهيك عن إطلاق النار الذي استهدف الأغنام في المراعي لقتلها حين تعذر سرقتها”.

لا يرى رئيس البلدية في هذه الاعتداءات مجرد جرائم فردية، بل يعتبرها “جزءاً من سياسة تطهير اقتصادي وجغرافي، لتفريغ المناطق الرعوية من الفلسطينيين لصالح المستوطنات”.

ويضيف: “بلدة عقربا تاريخيا تعتمد على الثروة الحيوانية، إذ تمتد مساحتها إلى 144 ألف دونم، منها 120 ألف دونم مناطق رعوية تصل حتى الحدود الأردنية، اليوم هذه الهوية مهددة بالطمس بفعل القواعد العسكرية والاستيطان الذي يحاصر المراعي ويحرم المزارعين من أرزاقهم”.

أما عن التعويضات، فيؤكد جابر أن البلدية بالتعاون مع المؤسسات الوطنية والدولية تعمل على توفير الدعم والتعويضات للمتضررين، قائلا: “لدينا قناعة أن هذه الفاتورة يجب ألا يتحملها المزارع وحده (..) سبق وعوضنا متضرري حرق السيارات والمنشآت المدمرة، وسنعمل على تعويض أصحاب الأغنام المسروقة، والإجراءات جارية الآن”.

ويكشف جابر عن نتائج هذه السياسة الاحتلالية، حيث بات كثير من المزارعين ينزحون من الأغوار إلى بلدة عقربا خوفاً من الخسائر، ما يقلص من مساحات الرعي المفتوحة ويقيد الإنتاج الحيواني.

وعن القيمة الاقتصادية للخسارة، يضيف: “اليوم سعر رأس الغنم تجاوز 500 دولار في السوق الفلسطيني، وقد تجاوزت أسعار اللحوم مئة شيكل للكيلو، نتيجة تناقص المعروض بفعل عربدة المستوطنين، وتراجع المراعي وتكاليف التربية الباهظة”.

وينهي جابر حديثه بالتأكيد على أن هذه الحرب على الثروة الحيوانية في خربة الطويل ليست مجرد سرقة، بل معركة وجود، وأن الاحتلال لا يريد منا فقط أن نخسر ماشيتنا بل أن نترك أرضنا بيدنا، مؤكدا أن معركة الصمود مستمرة رغم كل الأثمان.

الاحتلال يدمر الأمن الغذائي  

في مقابلة خاصة مع “الحياة الاقتصادية”، حذر الناطق باسم وزارة الزراعة د. محمود الفطافطة من التداعيات الخطيرة والمركبة لاعتداءات الاحتلال والمستوطنين على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية في المناطق الفلسطينية، خاصة تلك الواقعة في المناطق المصنفة “ج”.

يقول فطافطة: “ما يحدث ليس مجرد سرقة أغنام أو تسميم مراعي، بل سياسة منهجية تهدف إلى اقتلاع الفلسطيني من أرضه وتحويلها إلى مجال حيوي للمستوطنات”.

ويشير إلى أن اعتداءات الاحتلال تطال المزارعين من شقين: الأول وجودي يهدد بقاءهم، والثاني اقتصادي يرفع تكاليف الإنتاج ويقوض فرص الاستمرارية.

“ويتابع فطافطة انه لدينا اليوم ما لا يقل عن 60 تجمعا بدويا ورعويا تم ترحيله قسرا، وتشريد نحو 3000 مربي مواشي مع عائلاتهم، بما في ذلك الأطفال الذين حرموا من مدارسهم وأبسط مقومات الحياة”.

الأمن الغذائي في مهب الريح

لا يتوقف الأثر عند حدود التشريد، بل يمتد إلى الأمن الغذائي الفلسطيني، فقد كشف الفطافطة أن القيود على الرعي وحرمان المزارعين من المراعي الطبيعية دفع إلى الاعتماد الكامل على الأعلاف المستوردة، وهو ما ضاعف كلفة إنتاج اللحوم والألبان.

ويوضح أن “كلفة إنتاج كيلو اللحم الحي ارتفعت من 5.5 دنانير إلى ما بين 8.5 و9 دنانير، ما انعكس بارتفاع أسعار اللحوم على المواطن الفلسطيني بشكل جنوني”.

ورغم غياب دراسات إحصائية دقيقة عن نسب التراجع في أعداد المربين، إلا أن الفطافطة يؤكد أن التراجع واضح للعيان في الأسواق والحقول، وهو ما اضطر الحكومة مؤخرا لاستيراد الأغنام بكميات متزايدة لأول مرة منذ سنوات طويلة.

مبادرات حكومية ودعم محدود

وفي رده عن جهود الوزارة، قال الفطافطة إن وزارة الزراعة أطلقت منذ أكثر من عام “مبادرة التدخل العاجل” لدعم صمود المزارعين، عبر توفير الأعلاف والشعير، وتقديم معونات إنتاجية لتعويض جزء من الخسائر، لكن هذه المساعدات لا تكفي، فالمشكلة سياسية بالأساس، ولا حل إلا بإيقاف اعتداءات الاحتلال.

أما على المستوى الدولي، فأكد أن الحكومة الفلسطينية، عبر وزارة الخارجية وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، رفعت تقارير للمنظمات الدولية وحقوق الإنسان توثق سرقة المواشي وتسميم المراعي وأثر ذلك على حل الدولتين واستمرارية الوجود الفلسطيني.

رسالة للمزارعين: الصمود مسؤولية جماعية

واختتم د. الفطافطة حديثه برسالة واضحة للمزارعين يقول فيها: “الأرض هي كرامتنا وبقاؤنا، ولا يمكن لمزارع أن يصمد وحده… وعلينا جميعا، شعب ومؤسسات أن نتكاتف لحماية ما تبقى من وجود الفلسطيني في هذه الأرض”.

خطة ممنهجة لضرب الاقتصاد الفلسطيني

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس إن الثروة الحيوانية والزراعية في فلسطين ليست مجرد موارد إنتاجية بل هي جزء من الهوية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تمتاز فلسطين بمراعيها الطبيعية ووفرة المياه في فصل الشتاء، ما يخلق بيئة مثالية لتربية الأغنام والمواشي.

غير أن د. أبو الروس يؤكد أن المستوطنين ينفذون اعتداءاتهم على المزارعين والمراعي كجزء من خطة مدروسة تهدف إلى تحطيم الاقتصاد الفلسطيني وضرب الأمن الغذائي، فالمسألة، كما يقول، ليست مجرد تصرفات فردية بل هي “عملية ممنهجة ومدفوعة بتوجه سياسي يسعى إلى تفريغ الأرض من أصحابها، عبر سلسلة من الإجراءات مثل: اقتلاع الأشجار والمحاصيل الزراعية، وسلب الثروة الحيوانية، وإغراق السوق الفلسطيني بمنتجات زراعية إسرائيلية.

يضيف د. أبو الروس أن هذا المشهد الاقتصادي الكارثي يتقاطع مع ضعف الوضع المالي للسلطة الوطنية  وتراجع فرص العمل في الداخل المحتل، ما يجعل المواطنين يلجأون للأرض كمصدر رزق، لكنهم يصطدمون باعتداءات المستوطنين، بما في ذلك القتل كما حدث في المزرعة الشرقية بمحافظة رام الله والبيرة.

ويشير أبو الروس إلى أن لهذه الاعتداءات ثلاث نتائج مباشرة وهي: ضرب الأمن الغذائي الفلسطيني، فكل رأس غنم مسروق أو مزرعة مدمرة تعني تقليصا في العرض المحلي، وارتفاع أسعار اللحوم بشكل ملموس، كما شهدت الأسواق الفلسطينية في عيد الأضحى الماضي، وخسارة مصدر رزق لآلاف العائلات الفلسطينية، خصوصا في محافظات الشمال مثل نابلس وطوباس، التي تعرف بكونها “سلة غذاء فلسطين”.

وأشار د. أبو الروس إلى حادثة حديثة في خربة الطويل شرق عقربا، حيث تم سرقة 450 رأس غنم في أسبوع واحد، فيما تم نهب مئات أخرى في الأغوار قرب أريحا، وكل ذلك منذ أكتوبر الماضي، ما جعل النقص في الثروة الحيوانية ينعكس مباشرة على السوق وأسعار اللحوم.

وشدد على أن الأغنام ورؤوس الماشية تمثل “رأس مال حقيقي” في الاقتصاد المحلي لا سيما في الريف والبادية، وقال ان إسرائيل تعرف تماما أن المزارع الفلسطيني مرتبط بأرضه وحيواناته، ولهذا يستهدفونه هناك تحديدا، لكسر إرادته واقتلاعه من جذوره الاقتصادية والاجتماعية”.

في خربة الطويل، كما في غيرها من مناطق الأغوار والريف الفلسطيني، لا تسرق الأغنام فحسب، بل يسرق معها عمر الفلاح وذاكرة الأرض، ويخنق مستقبل الأمن الغذائي لشعب بأكمله، وهذه السرقات جزء من حرب ممنهجة تستهدف الاقتصاد الوطني من بوابة الريف والمراعي، حيث تكمن عروق الصمود الفلسطيني.

ففي كل رأس غنم ينهب، تقلع شجرة أخرى من جذور البقاء، ومع كل قطيع يساق إلى المستوطنات، يدفع مئات المزارعين إلى هوامش الفقر والتشريد، في معركة تخوضها إسرائيل بأدوات السلاح والاقتصاد معا، لإفراغ الأرض من أصحابها.