1

“عميد أسرى فتح” يستعيد في ذاكرته مواسم الزيتون المؤجلة

عزيزة ظاهر- لم يكن موسم الزيتون هذا العام عاديا بالنسبة لعميد أسرى حركة فتح، الأسير المحرر قتيبة مسلم “أبو حمدي” من بلدة تلفيت جنوب نابلس، بعد أن غيب قسرا عن 33 موسما لقطاف الزيتون، فقد شاءت له الأقدار أن يشارك في موسم القطاف لهذا العام.

الرجل الذي تجاوز الستين من عمره، وأمضى ما يقارب ثلاثة عقود في سجون الاحتلال، متنقلا بين الزنازين والمعتقلات ومراكز التحقيق، أفرج عنه في الدفعة الثالثة من عملية التبادل التي جرت مطلع كانون الثاني من هذا العام، وخلال مسيرته النضالية شهد عدة تجارب اعتقال منذ عام 1984 حين اعتقل أول مرة وقضى أربع سنوات ونصف السنة، ثم اعتقال إداري لستة أشهر عام 1990، تلاه مطاردة استمرت لعامين، ثم اعتقال ثالث عام 1992 حكم فيه بثماني سنوات وأمضى منها ثلاثا ونصف السنة، أما الاعتقال الأطول فكان في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2000، حيث حكم عليه بـالسجن 37 عاما، أمضى منها 24 عاما متواصلة قبل أن يعود اليوم إلى الحياة التي طال انتظارها.

موسم الحرية

لم يكن اللقاء عاديا ولا حدثا عابرا، فحين سار أبو حمدي بين أشجار الزيتون التي نشأ بينها طفلا، كان يعود في الواقع إلى نفسه، بعد 33 عاما من الأسر، بدا وكأنه يعيد ترتيب العمر من جديد، يلتقط ملامحه التي ظل يحملها في الذاكرة، ويحاول وصل ما انقطع من تفاصيل الحياة.

وقف أمام شجرة يعرفها أكثر مما يعرف وجوه السجانين، انتظرها في مخيلته ثلاثة عقود، وقف أمامها طويلا، يلمس جذعها بأصابعه التي شاخت دون أن تشيخ روحه، وبيدٍ ارتجفت قليلا، قائلا بصوت خافت: “كنت أشعر أنني أتنفس هذه الشجرة في ذاكرتي، واليوم أتنفسها حقيقة، فموسم الزيتون هذا العام هو موسم حريتي”، ثم عانقها كما يعانق إنسان عمرا ضاع منه قسرا.

تفاصيل صغيرة تعيد الحياة

قررت عائلة مسلم أن يكون موسم الزيتون لهذا العام عيدا، التف الجميع حول أبو حمدي، تحت ظل زيتونة قديمة، وأشعل موقد النار، وضع إبريق الشاي فوق الجمر، أعدّ بيديه قلاية البندورة التي ظل يتخيل طعمها طوال سنوات الأسر تفوح منها رائحة الريحان، تأمل الدخان وهو يتصاعد نحو الفضاء المفتوح، كان المشهد بسيطا، لكنه كان يحمل معنى عميقا بالنسبة له ولعائلته.

الوالدة الثمانينية الحاجة خضرة، جلست إلى جوار ولدها بملامحها المتعبة وعصاها الخشبية، كانت تتأمل ملامحه وقد عاد رجلا بشعر أبيض، لكن بملامح القلب ذاته، وعيناها تلمعان بدموع لا تشبه دموع الحزن، بل دموع استرداد العمر المفقود قدر المستطاع، اقترب منها، أمسك يدها برفق، وقبّلها طويلا.

أما زوجته أم حمدي، التي انتظرت ما يقارب ربع قرن، أعدت ورق العنب والمحاشي بعناية وحب، بيدين تجرّعن الصبر كما يُتجرّع الماء، كانت تضع الطعام أمامه كما لو أنه وليمة حلمت بها طويلا، وتتابع اللحظات بصمت، وبابتسامة تحمل سنوات طويلة من الانتظار، تقول وهي تحرص أن تبقى كلماتها متزنة: الانتظار مدرسة، لكن الحمد لله ما ضاع صبرنا ولا تعبنا، يبادلها أبو حمدي النظرات ويقول برفق، أم حمدي لم تكن زوجة فقط، بل هي العمر البديل عن العمر الذي ضاع.

رمزية شجرة الزيتون

كانت العائلة تحاول أن تعيد ترتيب السنين بطريقة هادئة، دون ضجيج أو استعجال، بدا المشهد وكأنه استعادة بطيئة لملامح الحياة التي توقفت ذات يوم على بوابة الزنزانة.

لم يكن الحديث يدور حول ما مضى بقدر ما كان الاتجاه نحو ما يمكن استعادته، يتنفس أبو حمدي عميقا، يلامس جذع الزيتونة، كمن يصالح الزمن، يقول لصحيفة “الحياة الجديدة”، كل الأسرى يخرجون بأمنية واحدة، مكان صغير يظللهم وظل شجرة تحميهم، لا نطلب الدنيا، نطلب مساحة حياة فقط.

أما عن رمزية شجرة الزيتون في الموروث الفلسطيني يقول: تُشكّل شجرة الزيتون في الوعي الفلسطيني أكثر من رمز زراعي، هي ذاكرة وانتماء وامتداد جذور لا تنقطع رغم تبدل الفصول، وبالنسبة لي، كانت الشجرة شاهدة على غيابي الطويل، وهي اليوم شاهدة على عودتي لحضنها.




نسرين بيرقدار.. من المخيم إلى ميادين التمكين: تكتب حكاية الأمل بإصرار

 حنين خالد- من بين أزقة مخيم عسكر التي اعتادت أن تُنبت الألم والصمود معًا، خرجت نسرين أحمد بيرقدار لتصنع من المطبخ ورشة حياةٍ ومن أدوات التصنيع الغذائي مفاتيح للتمكين والاعتماد على الذات. ابنة المخيم التي بدأت رحلتها بدورة صغيرة في المركز النسوي، باتت اليوم مدرّبة معتمدة ووجهًا نسويًا بارزًا في تمكين النساء والفتيات داخل المخيم وخارجه، تُعلّمهن كيف يصنعن النجاح كما يصنعن الخبز بأيديهن، وكيف تتحول التجربة القاسية إلى طاقة نهوضٍ وأمل.

لم تولد نسرين في بيئةٍ ميسورة، بل في بيتٍ بسيط يضيق بما فيه، لكن قلبها كان أوسع من حدود المكان. بالإصرار والمثابرة، شقت طريقها من متدربةٍ تبحث عن فرصة، إلى مدرّبةٍ تمنح غيرها فرصة الانطلاق. وها هي اليوم، نموذجٌ فلسطينيّ يُحتذى به في صناعة التغيير، وامرأةٌ حوّلت معاناتها إلى طاقة تمكين، لتصبح رمزًا للإرادة التي تهزم الصعب وتصنع الأمل في يوم المرأة الفلسطينية.

لم تكن حياة نسرين سهلة؛ فالفقر وشُحّ الفرص كانا عنوان طفولتها. لكنّها وسط هذا الواقع القاسي آمنت أن الأمل لا يُمنح بل يُصنع، وأن النور يولد من قلب العتمة، وان تصنع طريقها بيديها، وحين تدخلت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عبر برنامج إدارة الحالة، بدأت ملامح التحول في حياتها من جديد. لتفتح أمامها أبواب الدعم النفسي والاجتماعي، لتبدأ رحلة نهوضٍ جديدة كتبت فصولها بعرق المثابرة وعزيمة لا تلين.

كانت محطتها الأولى وبداية رحلتها المركز النسوي في مخيم عسكر، حيث التحقت بدورة تدريبية مكثّفة في التصنيع الغذائي استمرت ثلاثة أشهر. هناك، اكتشفت نسرين شغفها الحقيقي، وتقول؛ لم تكن تلك الدورة مجرد دورة عابرة بل نقطة التحول الحقيقية لمسيرة مهنية في حياتها؛ تعلمت كيف تصنع النجاح كما تصنع بيديها أشهى الأطباق. ومع مرور الأيام، تحولت من فتاة مترددة تخشى الفشل إلى امرأة تعرف تمامًا طريقها، امرأة تصنع قوتها بيديها وتمنح غيرها طاقة النهوض. اصبحت عموداً اساسياً في كل فعالية غذائية تنظم، ووجهاً لن ينسى في ورش العمل والدورات التدريبية.

واليوم، تشغل نسرين موقعًا ثابتًا في المركز النسوي ضمن برنامج التشغيل التابع للأونروا، تتقاضى راتبًا رسميًا، وتواصل رسالتها بإخلاص. لكنها ترى أن وظيفتها ليست مجرد عمل، بل رسالة حياة. فهي تُعلّم النساء كيف يبدأن من جديد، وتزرع في كلٍّ منهن بذور الثقة بالنفس، وتفتح لهن نوافذ نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا.

وفي مسيرتها، وفي كل محطة من محطات رحلتها، كانت نسرين تحيط نفسها بنور الدعم، لم تنس نسرين الأيادي التي ساندتها، فرفعت الامتنان لكل من آمن بها وساعدها على النهوض: السيدة وهيبة صالح وسماح أبو عبدو اللتان كانتا عونًا لها في رفيقتي دربها في التمكين والدعم، والشيف كفاح العسكري التي غرست فيها روح الإبداع والمثابرة. كما تهدي نجاحها وامتنانها إلى عائلتها، سندها الدائم في كل لحظة تعب أو تردد.

تتحدث نسرين لـ “الحياة الجديدة” بثقة واثقة؛ “لم تكن الطريق سهلة أو مفروشة بالورود، لكنني تعلمت أن كل تعب يصنع المعنى، وأن كل فشل هو خطوة نحو القوة. أنا نسرين بيرقدار، ابنة المخيم، وفخورة بأنني امرأة فلسطينية تصنع مستقبلها بيديها.”

لم تكتفِ نسرين بعالم التصنيع الغذائي، بل وجدت في الفن اليدوي مساحة جديدة للتعبير عن ذاتها. التحقت بعدة دورات في المكرمية، الكليم، الصوف، وفن الريزن، لتبدع في صناعة المعلّقات، توزيعات المناسبات، وزينة رمضان التي تحمل لمساتها الخاصة. تحوّلت الهواية إلى شغف، والشغف إلى إنجاز، لتصبح أعمالها الفنية عنوانًا للجمال والإبداع في المخيم.

واليوم، كعضوٍ في الهيئة الإدارية لمركز نسوي عسكر، تقف نسرين شامخة بين نساء يسعين مثلها نحو التغيير. تحمل مسؤولية مجتمعية نابعة من إيمانها بأن نجاحها ليس فرديًا، بل ثمرة تضامنٍ ودعمٍ نسوي يغيّر الواقع ويصنع الأمل.

قصة نسرين بيرقدار ليست مجرد حكاية نجاح شخصي، بل شهادة حية وحكاية وطنية تعكس روح المرأة الفلسطينية على النهوض من تحت الركام لتبني وطنًا بالحلم والعمل والارادة.

وفي اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، نُحيّي نسرين، نحيي كل امرأة كتبت حكايتها بالحبر والعزم، ونُحيّي كل امرأة فلسطينية تمضي نحو التغيير بخطى ثابتة لتصنع من الصبر قوة، ومن الألم أملاً، ومن المحنة انطلاقة نحو الحرية. لأن فلسطين تزهر دائماً بأيدي نسائها.




نهلة عبوشي.. “حرية” جنين الأولى

عبد الباسط خلف- تحمل نهلة رؤوف عبوشي لقب أول أسيرة في جنين بعد النكسة، وتتقاسمه مع الأسيرة المحررة المرحومة سائدة الجزرة.

وتستذكر تفاصيل فجر 9 أيار 1975، حينما اقتحم جيش الاحتلال بيت عائلتها في البلدة القديمة من جنين، وحكم عليها بعام ونصف خلف ستائر العتمة.

وتقول إن والدتها حينما أخبرتها بما حدث مع قريبيها وشبان آخرين، تيقنت بأن الاحتلال سيسلب حريتها، فتخلصت بما تملكه من رسائل وكتب ومنشورات، وكانت تقيم في بيت جدتها أم محمد عزوقة المجاور لمنزل عائلتها، رفقة اختها الصغيرة مها (توفيت لاحقًا)، بالتزامن مع سفر الجدة خارج الوطن.

وتفيد بأن جارتها أم العبد الفحماوي أمضت ليلة اعتقالها معهن، لكن الخوف تملك الأخت الأكبر على شقيقتها ابنة الصف الأول الثانوي، وعند قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، طرق جنود الاحتلال باب منزل والدها المجاور بقوة، واصطحبوا معهم مختار المدينة، وأخبرهم الأب بمكان مبيتها، فسارع شقيقها إلى منع الجنود من فتح الباب قبل التأكد من أنهن قد أتممن تجهيز أنفسهن وغيرن ثياب النوم.

وتعود 50 عامًا إلى الوراء، وتتذكر ما أخبرها شقيقها به، من أن المقتحمين يطوقون المنزل والحي بمجنزرات ودوريات، وأن هدفهم اعتقالها، لكن الجنود لم يكتفوا بأسرها، بل اعتدوا على والدها بالضرب المبرح، وراحت أمها تشد أزرها وترفع من معنوياتها.

ووفق عبوشي، التي كانت مدرسة للأحياء في مدرسة الزهراء، فإن جنود الاحتلال نقلوها إلى سجن جنين القريب، وأمضت فيه قليلًا، وأخضعت للتحقيق والتعذيب، والتلويح باعتقال أفراد عائلتها ونسف المنزل.

وتوضح بأنها تنقلت بين معتقلات جنين ليومين، ونابلس في عزل انفرادي لشهرين، وانتهى بها المطاف في سجن الرملة، الذي تعرفت داخله على رفيقات القيد: مريم الشخشير، وعائشة عودة، وسونيا النمر، وسائد الجزرة، التي حكمها الاحتلال بـ”الإداري” وأبعدها بعد تحررها.

كانت عبوشي في الرابعة والعشرين من عمرها، عندما نالت منها قيود المحتل، وسلمها الاحتلال وثيقة طردها من التدريس، بعد مرور 6 أشهر من اعتقالها، وهي الورقة التي قدمتها إلى متحف جامعة بيرزيت.

ويستقر في ذاكرتها سؤال والدها، بعد 3 أشهر من زيارته لها في السجن عن اعترافها على أخريات أو آخرين، فسر حينما كانت إجابتها بالنفي، وأتبع ذلك بالدعوة لها.

وتضيف بأنها عانقت الحرية في تشرين الثاني 1977، وحظيت باستقبال شعبي حافل، ولا تنسى وصول وفود لتهنئتها من القرى، وقدمت لها الهدايا كالخراف والأرز والسكر، وكان تحررها كيوم عرس.

انتقلت عبوشي بعد عناقها للشمس إلى لبنان، ومنها إلى الكويت، وتستقر اليوم في الأردن، ولا تنسى أقسى لحظات اعتقالها، عندما هددها جنود الاحتلال بقرار إبعادها، ونقلوها مقيدة اليدين ومعصوبة العينين إلى منطقة مجهولة، وتنفست الصعداء، عندما سمعت الأذان، وتيقنت أنها ما زالت في الوطن، بعد مرور لحظات عصيبة.

وتروي بعض تفاصيل محاولة الأسيرتين عائشة عودة من دير جرير، ورسمية عودة من لفتا استعادة حريتهن، حينما حفرن بملعقة وشوكة نفقًا أسفل جدار سجن الرملة، وأنكشف أمرهن وهن في نصف النفق، بعد زلة من إحدى الأسيرات.

وتبعًا للعبوشي، فإن الاحتلال تعمد اعتقالهن مع سجينات جنائيات إسرائيليات، كن مدججات بالأسلحة البيضاء، وينفذن اعتداءات بحق الأسيرات، ما يتطلب الحذر الدائم منهن.

وتستعرض فترة الإقامة الجبرية التي فرضها الاحتلال عليها، وكان ينبغي عليها طوال عام الوصول يوميًا على مرتين إلى مكتب ما يسمى الحاكم العسكري، عدا عن المنع من السفر.

عادت عبوشي إلى جنين 3 مرات خلال 50 عامًا، في زيارات قصيرة، ومع وفود سياحية للصلاة في المسجد الأقصى، أولاها عام 1994، لكنها كانت في كل مرة تستجوب من مخابرات الاحتلال.




مهرجان “بنعمرها” في طولكرم.. رسالة صمود اقتصادي في وجه الحصار

الأكبر في فلسطين

مراد ياسين- في وقتٍ تتصاعد فيه التحديات السياسية والاقتصادية، وتُحكم قبضة الاحتلال على مدن الضفة الفلسطينية المحتلة، أبت مدينة طولكرم إلا أن تبعث برسالة أمل وصمود، بإطلاق فعاليات المهرجان الثالث للصناعات الوطنية “بنعمرها”، الذي يُعد الأكبر في فلسطين، ويجسّد تظاهرة اقتصادية ومجتمعية هدفها دعم المنتج الوطني وتحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني رغم الظروف القاسية.

نُظم المهرجان على أرض جامعة فلسطين التقنية– خضوري، بتنظيم من تلفزيون الفجر الجديد، وبالشراكة مع غرفة تجارة وصناعة وزراعة طولكرم وشركة جست برو إيفنت، وبمشاركة واسعة من شركات القطاع الخاص، والمؤسسات الرسمية والأهلية، وممثلي القوى الوطنية.

حضور رسمي واسع ودعم للمنتج الوطني

وشهد الافتتاح حضورًا رسميًا رفيعًا تقدمّه وزير الاقتصاد الوطني المهندس محمد العامور، ومحافظ طولكرم د. عبد الله كميل، ومحافظ نابلس غسان دغلس، ورئيس اتحاد الغرف التجارية عبد إدريس، ورئيس الغرفة التجارية قيس عوض، ورئيس جامعة خضوري د. حسين شنك، ورئيس بلدية طولكرم د. رياض عوض، إلى جانب ممثلي المؤسسات الأمنية والمدنية والشركات المشاركة.

“خضوري”: صمود أكاديمي وشراكة تنموية

وأكد رئيس جامعة خضوري د. حسين شنك أن انطلاق المهرجان مع بداية العام الأكاديمي الجديد يحمل بُعدًا رمزيًا للصمود والإصرار على البناء رغم الأزمات المتلاحقة.

وقال شنك إن شعار “بنعمرها” يجسّد إيمانًا حقيقيًا بأهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإعادة بناء الاقتصاد المحلي، مشددًا على أن الجامعة أدّت دورها الوطني والأكاديمي في أحلك الظروف، ليس فقط بالتعليم، بل بتحفيز التنمية والمشاركة المجتمعية الفاعلة.

كميل: الاقتصاد ركيزة الصمود الوطني

وأكد محافظ طولكرم د. عبد الله أن الاقتصاد الفلسطيني يمثل أحد أعمدة الصمود الوطني في وجه الاحتلال.

وأشار إلى أن تنظيم المهرجان رغم التصعيد الإسرائيلي المتواصل يثبت تمسك شعبنا بأرضه وهويته، ويعبّر عن تحدٍ مباشر لسياسات التهجير والتدمير، خصوصًا بعد الاستهداف المكثف لطولكرم منذ السابع من أكتوبر.

وأكد كميل أهمية تعزيز الوحدة الوطنية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ودعم الطاقات الشبابية والإبداعية لبناء بنية اقتصادية قوية قادرة على مواجهة الاحتلال.

العامور: الاحتلال يدمّر ونحن نبني

وعبّر وزير الاقتصاد الوطني م. محمد العامور عن اعتزاز الحكومة بانطلاق المهرجان في ظل هذه الظروف الصعبة، مؤكدًا أن الاحتلال يسعى لتدمير البنية الاقتصادية الفلسطينية، كما حدث في مخيمي طولكرم ونور شمس، حيث دُمّرت مئات المنازل وشُرّد آلاف المواطنين.

وأضاف أن سياسات الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة والمجازر المتواصلة في غزة تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، إلا أن الفلسطينيين يواصلون البناء والتعمير بإرادة لا تعرف الانكسار.

دعم واسع من الغرف التجارية وتلفزيون الفجر الجديد

وأكد عبد إدريس وقيس عوض أن المهرجان يعكس الإيمان العميق بقوة المنتج الوطني كأداة للتنمية والصمود، مشيرين إلى أن عشرات الشركات من مختلف المحافظات شاركت في المهرجان، في مشهدٍ يجسد الوحدة الاقتصادية والمجتمعية في مواجهة التحديات.

وأعربا عن تقديرهما لجميع الجهات الداعمة من المحافظة والغرفة التجارية وجامعة خضوري وفرق العمل، مؤكدين أن نجاح المهرجان هو ثمرة شراكة وطنية جماعية.

مشاركة غير مسبوقة وحراك اقتصادي وسياحي

وقال المدير العام لتلفزيون الفجر الجديد يسري السرغلي إن مهرجان طولكرم يُعد الأضخم من نوعه في فلسطين، إذ أُقيم على مساحة تقارب 7000 متر مربع، بمشاركة أكثر من 3012 عاملًا في أعمال التجهيز، ما وفّر فرص عمل وساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية في المدينة.

وأشار إلى مشاركة نحو 80 شركة من مختلف محافظات الضفة الغربية، ما يعكس وحدة السوق الوطني، موضحًا أن إدارة المهرجان وفّرت أماكن مبيت للزوار القادمين من المحافظات والداخل المحتل، لتسهيل مشاركتهم في الفعاليات.

كما خُصصت مساحة تُقدّر بدونمين لإقامة مدينة ألعاب وملاهٍ للأطفال، إضافة إلى حفلات ترفيهية مسائية يومية، بما يجعل المهرجان حدثًا اقتصاديًا وسياحيًا وترفيهيًا متكاملًا يخاطب جميع الفئات العمرية.

“بنعمرها”… أكثر من شعار

في مشهدٍ تتقاطع فيه المعاناة بالتحدي، يبرهن مهرجان طولكرم للصناعات الوطنية أن الفلسطيني لا يكتفي بالصمود، بل يبني ويُعمر، ويصنع الأمل رغم الركام.

“بنعمرها” ليست مجرد شعار لمهرجان، بل رؤية وطنية واقتصادية تُغرس في تربة الوطن لتؤكد أن فلسطين، رغم كل شيء، ستبقى حيّة، نابضة، ومصمّمة على الحياة.




ابزيق.. مدرسة فوق برميل بارود

عبد الباسط خلف- يضع مدير مدرسة ابزيق الأساسية المختلطة، شمال شرق طوباس، أنيس دراغمة، ومعلماتها الخمس وطلبتها أيديهم على قلوبهم في رحلة الذهاب لمدرستهم والإياب منها والمكوث فيها.

ويشعر دراغمة وأسرة المدرسة، التي تتخذ من 3 غرف قديمة مقرا لها، بحجم التحدي والعوائق التي يضعها جيش الاحتلال ومجموعات المستوطنين في دواليب مؤسستهم التربوية، ويكررون استهدافها، واقتحام محيطها كما حصل أمس الإثنين.

ويشبه لـ”الحياة الجديدة” حال المدرسة وكأنها “فوق برميل بارود”، قابل للانفجار في أية لحظة.

وينقل دراغمة حالة الترقب والأعصاب المشدودة التي تحيط ببيئة المدرسة، إذ توزع المعلمات أنظارهن على الطلبة والكتب والسبورة ومحيط الغرف القديمة، التي أقيمت قبل النكسة، وقدمتها عائلة مجلي.

ويشير إلى أن الاحتلال جلب عدة حافلات للمستوطنين إلى التجمع الصغير، في سابقة هي الأولى بالمنطقة التي تستلقي تحت أقدام جبال مرتفعة، فيما تعلو أرضها وديان توصلها بالأغوار الشمالية.

ويختزل مدير المدرسة الأوضاع الخطيرة التي تحدق بها، ويقول: نحمل دمنا على أكفنا كل يوم، ولا نعرف ما الذي يمكن أن يحدث لنا في المدرسة التي تأسست صيف عام 2018، وحملت اسم الراحل مروان مجلي، وسمتها وزارة التربية والتعليم العالي بـ(التحدي 10).

ويؤكد أن عدد طلبة المدرسة انحسر من 35 طالبا العام الماضي، وأصبح 23 فقط، عقب اقتلاع الاحتلال لعائلاتهم من المنطقة، التي كانت تعتاش من تربية الأغنام والزراعة، لكن الاحتلال غير كل شيء بقوة السلاح.

ووفق دراغمة، فإن طلبته يتقاسمون 3 غرف لثلاثة صفوف، إذ يشترك الأول الأساسي مع الثاني، والثالث مع الرابع، ويندمج الخامس مع السادس؛ لتعويض النقص الحاد في المساحة، فيما لا يملك المدير والمعلمات غرفة خاصة بهم.

ويشير إلى أن أهالي ابزيق أجبروا على الرحيل تحت التهديد، وبعد محاصرة بيوتهم، ومصادرة مراعيهم، وسلب مواشيهم، وأحضر تلاميذ آخرون من تجمعات مجاورة لشغل الفراغ.

ويؤكد أن المعلمين يتنقلون بمركبة خاصة، ويعانون الطريق الوعرة، ويجبرون خلال الشتاء على السير نحو كيلو متر، ويفتقدون إلى الأمان الشخصي، وتعرضوا للتهديد من جنود الاحتلال مرارا بعدم العودة إلى مدرستهم، وهم اليوم وحدهم في التجمع، بعد ترحيل غالبية أهله.

وتعاني المدرسة بفعل ضعف الخلايا الشمسية، التي تعجز عن تشغيل أجهزة الحواسيب أو المدافئ، وتوفر الحد الأدنى من الإنارة، وتجد حافلة الطلبة صعوبة في الوصول إلى المدرسة.

بدوره، يشدد مدير عام التربية والتعليم في طوباس والأغوار الشمالية، عزمي بلاونة، على أن مدرسة ابزيق ستبقى مفتوحة، حتى تراجع عدد طلبتها إلى تلميذ واحد.

ويشير لـ”الحياة الجديدة” إلى أن جيش الاحتلال والمستوطنين وصلوا محيط المدرسة، التي يتغير عدد طلبتها تبعا لحملات تهجير المواطنين في المنطقة، التي أصبحت مستهدفة بشكل كبير، خلال العامين الأخيرين.

وحسب بلاونة، توفر الوزارة حافلة للطلبة، وتعتبرها مهمة أساسية للصمود في المكان المحفوف بالخطر.

من موقعه، يبين رئيس المجلس المحلي، عبد المجيد صوافطة، أن صعوبات عديدة تحدق بالمدرسة، التي طال آخر حصار لها بنحو ساعة، وتواجه بشكل متكرر اعتداءات واقتحامات لمحيطها.

ويشير إلى سرقة الاحتلال ومجموعات من المستوطنين لثلاثة صهاريج مياه للمواطن نبيل أحمد صوافطة، وهو أحدث اعتداء بعد ترحيل غالبية أهل الخربة الصغيرة بالحديد والنار، التي كان تقيم فيها 38 عائلة، وتراجع عددها إلى 8 فقط.