1

جنين تشيد بالتضامن العالمي وتساند فرسانها

-عبد الباسط خلف- اختلطت، أمس الأحد، في مدخل سوق جنين العتيق هتافات إسناد أسرى الحرية برسائل شكر المتضامنين في أرجاء العالم مع شعبنا الفلسطيني، والإشادة بحراكهم المتصاعد ضد الاحتلال وعدوانه.

ويقف ممثلو القوى الوطنية وأهالي الأسرى وإعلاميون في يوم ماطر عند بوابة “السيباط” التاريخية، خلال فعالية إسناد نظمتها فصائل منظمة التحرير، وحركة “فتح”، ونادي الأسير، وهيئة شؤون الأسرى والمحررين.

وتصطبغ الوقفة بصور رموز الحركة الأسيرة، في مقدمتهم عضو اللجنة المركزية لـ”فتح” مروان البرغوثي، وأمين سر الحركة في المدينة، عطا أبو رميلة، والصحفي علي سمودي، وعشرات الفرسان الذين ينتظرون تحطم قيودهم.

ويقول منسق الفصائل في جنين، ورئيس نادي الأسير فيها، راغب أبو دياك لـ”الحياة الجديدة” إن الفعالية تتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وأسرى الحرية.

ويشير إلى أن الاحتلال يعذب 9 آلاف من القابعين خلف القضبان بـ 172 وسيلة، فيما ودعت الحركة الأسيرة 94 شهيدا خلال 25 شهرا.

ويبين أبو دياك أن الوقفة أبرقت برسالة شكر لأحرار العالم، الذين ساندوا فلسطين في محنتها، وطالبوا بحريتها.

ويشدد على أن إحياء 29 تشرين الثاني بدأ عام 1977، يتزامن اليوم مع ظروف عصيبة تعيشها جنين ومحافظات الوطن.

ويؤكد الناطق بلسان “فتح”، نصري حمامرة، أن التضامن يجب أن يبدأ أولا من شعبنا مع نفسه، بالوحدة الوطنية والالتفاف حول منظمة التحرير، قبل أن نطالب العالم بنصرتنا.

ويوضح أن الفعالية تناصر الشهداء والأسرى والجرحى، وترفض إجراءات الاحتلال ومخططاته الاستيطانية.

ويقول إن مطالب شعبنا ليست تحسين ظروف أسرانا الاعتقالية، بل تحريرهم من معتقلات الاحتلال، وعدم انتظارهم في توابيت.

ويعرض ممثل هيئة شؤون الأسرى والمحررين، مهند جرادات، أشكال القهر التي يعنيها الأسرى، وبخاصة بعد 7 تشرين الأول 2023.

ويقول إن التضامن الدولي المنشود مع شعبنا، مساعدة في الخلاص من احتلاله الطويل.

وتعبر أمل محمد، وهي شقيقة أسيرين في سجون الاحتلال عن قهرها من مواصلة التنكر لحقوق الأسرى، ومنعها من زيارتهم.

وتشير إلى أن قانون إعدام الأسرى، الذي يسعى الاحتلال إلى إقراراه يعني تصفية كل القابعين في المعتقلات بدم بارد، وبشكل بطيء.

وتفيد عضو مجلس إدارة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، دلال أبو بكر، بأن يوم التضامن يأتي في ظل حرب الإبادة على غزة، وما يرافقها من تهجير، وتوسع غير مسبوق في الاستيطان والتهويد.

وتؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن العالم الذي يحتفل بهذه الذكرى منذ 47 عاما مدعو الآن للضغط بكل السبل لمساندة مطالبنا العادلة بالحرية.

وتقتبس أبو بكر من بيان الاتحاد بأن نساء فلسطين يحملن اليوم أعمق الجراح التي عرفها التاريخ، ودفعن الأثمان الأكثر قسوة، بين فقد ونزوح وتجويع واعتقال وتعذيب وانتهاكات غير مسبوقة، يتحملنها بصمود مذهل في مواجهة آلة القتل.

وطالب الاتحاد في بيانه بإرسال بعثات تحقيق دولية مستقلة في جرائم الحرب، والانتهاكات الجنسية، وجرائم التعذيب بحق الأسرى، وضمان محاسبة مرتكبيها.

وتؤكد مصادر نادي الأسير أن جنين تنتظر حرية نحو 1100 أسير من أبنائها، الذي يعانون الأمرين، في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال حملات المداهمة والتحقيق الميداني والاعتقالات في المدينة وريفها، المستباح منذ الشتاء الماضي.




“أنياب” شائكة تحاصر الأغوار الشمالية

عبد الباسط خلف- يتابع رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية، مهدي دراغمة، بقلق تسارع وتيرة تسييج مجموعات المستوطنين لمساحات شاسعة من أراضي الأغوار الشمالية.

ويشير لـ “الحياة الجديدة” إلى أن المستوطنين شرعوا قبل 7 تشرين الأول 2023 بتسييج الأراضي المحاذية للسفوح الشرقية المقابلة لنهر الأردن، وبموازاة شارع 60.

ويؤكد أن وتيرة تطويق أراضي المواطنين تصاعدت بعد الحرب على غزة، لكنها اليوم تسير بتسارع أكبر، وتنتقل لمناطق أوسع.

ووفق دراغمة، فإن المنطقة الملاصقة لحاجز تياسير، وفي محيط خربة يرزا، والبرج، ومناطق خلايل أبو كمال، وبيارة سعود، نحو حمامات المالح طالتها هي الأخرى موجة المصادرة ووضع الأسيجة، التي يقف خلفها متطوعون من المستوطنين.

وتقدر المساحات المنهوبة بنحو 4 آلاف دونم، منقسمة بين أراضي طابو للمواطنين، وأخرى لبطركية اللاتين في القدس المحتلة.

ويضع المستوطنون الأسيجة بمحاذاة الشارع الحيوي والوحيد الرابط بين طوباس وتجمعاتها الغورية.

ويخشى دراغمة من أن يحاط أهالي يرزا، وعددهم قرابة 15 عائلة، بالسياج المعدني من كل الجهات، ويصبحون في سجن.

ويؤكد الناشط محمد ضبابات لـ”الحياة تدالجديدة” أن الأسيجة بدأت تفرض واقعا صعبا في الأغوار الشمالية، وتمنع المواطنين والمزارعين والرعاة من التجول والعمل والرعي بحرية في الأراضي التي ورثوها عن أجدادهم وفي الجبال التي عاشوا فيها طفولتهم.

ويراقب تمدد الأسيجة من أم القبا وحتى حاجز تياسير، والتي تتكون من قسمين بينهما مسافة قصيرة، ويرتفع الواحد قرابة المترين.

ويبين أن المستوطنين يستخدمون في نصب الأسيجة أدوات حفر، ومعدات متقدمة، وخلاطات إسمنت.

ويوضح ضبابات أن السياج يضيق الخناق على الأهالي، ويجبرهم على الرحيل القسري، ويقلب كل شيء في المنطقة رأسا على عقب.

ويتطرق إلى التسعيني عبد عوض دراغمة، المولود في خربة سمرا، والمقيم رفقة أولاده وأحفاده، الذي يتعرض لاعتداءات وإهانات من فتية مستوطنين تقل أعمارهم عن 15 عاما.

ويرسم ضبابات صورة قاتمة للأغوار الشمالية، التي لا يتوقف وجعها على سياج شائك، بل تتعرض لمحاولات يومية للاقتلاع والترحيل.

وتعيش تجمعات الأغوار الشمالية من 25 شهرا على وقع هجمات محمومة ويومية ينظمها مستوطنون يحرقون الأخضر واليابس، كما يصف ضبابات.




تحت راية فلسطين.. إحياء الذكرى الـ21 لاستشهاد أبو عمار في لبنان

 هلا سلامة- في مشهد يفيض بالانتماء والوفاء، أحيت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” – منطقة بيروت، الذكرى السنوية الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس القائد الرمز ياسر عرفات “أبو عمار”، في احتفالات وطنية متزامنة في مخيمات شاتيلا، وبرج البراجنة، ومار الياس.

توحد الحضور تحت راية فلسطين، بحضور أمين سر حركة “فتح” وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت خالد عبادي، وقيادات الحركة وقوات الأمن الوطني الفلسطيني وممثلي الفصائل واللجان الشعبية ومؤسسات المجتمع المحلي وحشود من أبناء المخيمات.

في الشعبة الرئيسية في شاتيلا امتلأت الساحة بأعلام فلسطين وصور القائد الرمز، وتقدم الأهالي صفوف المشاركين بدموع وابتسامات امتزجت بالحنين.

وألقى عضو قيادة منطقة بيروت أحمد عامر كلمة باسم الحركة، أكد فيها أن هذه الذكرى “ليست محطة حزن، بل تجديد للعهد على مواصلة الدرب الذي خطه أبو عمار بالدم والإصرار”، مشيدا بصمود المخيمات ووحدتها في وجه التحديات.

وفي مخيم برج البراجنة، رفرفت الكوفيات فوق الرؤوس، وارتفعت الهتافات التي تمجد مسيرة القائد الراحل.

وفي الكلمة الرسمية، أكد عضو قيادة الإقليم في لبنان أبو إياد الشعلان أن “الشهيد عرفات كان رمزا للوحدة الوطنية، وأن حركة فتح ستبقى ماضية على نهجه بقيادة السيد الرئيس محمود عباس، حاملا الأمانة ومدافعا عن القرار الوطني المستقل”.

أما في مخيم مار الياس، فقد حملت المناسبة طابعا وجدانيا خاصا، حيث وضع المشاركون أكاليل الزهور على النصب التذكاري للقائد الراحل، وترددت كلمات الوفاء في أرجاء المخيم.

وفي كلمة حركة فتح، أكد عضو قيادة المنطقة أيمن حسين أن “أبو عمار لم يكن رجلا عابرا في التاريخ، بل فكرة خالدة في ضمير كل فلسطيني”، مجددا البيعة للرئيس محمود عباس على السير على خطاه في حماية الشرعية الفلسطينية.

إلى ذلك أصدرت قيادة فصائل منظمة التحرير في لبنان بيانا أكدت فيه تمسكها بالثوابت الوطنية وحق شعبنا الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال، مشددة على أن وحدة الصف تحت راية منظمة التحرير هي السبيل لمواجهة العدوان والإبادة الإسرائيلية، ومجددة دعمها للرئيس محمود عباس وجهوده السياسية والوطنية.




داود الزير يستعيد سيرة أبو عمار.. مدرسة الوحدة والقيادة

زهير طميزة- عشية الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد القائد المؤسس ياسر عرفات والتي تصادف اليوم الثلاثاء، التقت “الحياة الجديدة” رجل الإصلاح الشيخ الدكتور داود الزير (أبو سامي)، رئيس مجلس أمناء جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم، عضو المجلسين المركزي والوطني، وأحد المقربين من الرئيس الشهيد أبو عمار، فكان حديثا من القلب عن رفيق الدرب.

يقول أبو سامي: عرفت ياسر عرفات رحمه الله لعشرات السنين ثائرا في المنفى والشتات، منذ إبعادي عن الوطن عام 1969، ثم رئيسا للسلطة الوطنية، بعد عودتنا إلى الوطن، كان رمزا للوحدة الوطنية والوحدة المجتمعية، كان كخيط المسبحة الذي تنتظم حوله كل مكونات الحركة الوطنية، كان جامعا لكل ألوان الطيف الاجتماعي والديني والسياسي، كان الجميع يحب ياسر عرفات بمن فيهم خصومه السياسيون، لأنه بصراحة لم يكن يعتبر نفسه قائد فصيل، بل زعيما ثوريا باسم كل الفلسطينيين وأحرار العالم.

“كان رحمه الله -كما قال عنه الحكيم جورج حبش: قد نختلف معه،  لكننا أبدا لا نختلف عليه”.

يضيف الزير: كان أبو عمار يتميز بتواضع العظماء، ومرونة القائد، وحزم الأب الحاني، لم يفتخر بذاته بل يكبر بشعبه ورفاق دربه، لم يخجل يوما من الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وكأنه كان يعلم من حوله كيف تكون القيادة خادمة للشعب.

يذكر الشيخ داود موقفا حدث أثناء أحد الاجتماعات في العاصمة العراقية بغداد، حين احتد النقاش بين أبو عمار وأحد الرفاق من قيادة الجبهة الشعبية، فجأة توقف الرئيس وتوجه نحو محدثه وقبل رأسه قائلا: أنا من بدأت الصراخ عليك وها أنا أعتذر منك، فصفق له جميع الحضور، لينهض الرفيق بدوره مقبلا رأس أبو عمار ويتعانقان.

ويضيف: “كانت أكبر الخلافات داخل البيت الفلسطيني يحلها أبو عمار بحنكته وفراسته وذكائه الفطري. أود من أبنائنا أن يقتدوا بخصاله العظيمة. وخاصة نحن أحوج ما نكون اليوم إلى الوحدة والثبات وتعزيز صمود الناس على الأرض”.

أحب بيت لحم فقابلته حبا بحب

يقول أبو سامي: كان لبيت لحم مكانة خاصة عند أبو عمار، فقد كان الجناح الجنوبي من كنيسة المهد مقرا دائما له بعد أريحا، وكان الرهبان يسهرون على راحته بأنفسهم، وبعد استقراره في رام الله دأب على حضور المناسبات والأعياد الدينية التي تميز بيت لحم خاصة أعياد الميلاد وقداس رأس السنة، ولم يكن يميز بين طائفة وأخرى، فكان يشارك كل طائفة أعيادها. كان دائما يوصينا بالناس، ويقول: نحن شعب واحد، لن نستفيد شيئا إن كسبنا العالم وخسرنا شعبنا، كان يصطحبنا لزيارة أمهات الشهداء والجرحى.. يقبل رؤوسهن وأيديهن، كان محبا للأطفال تحديدا، يقبلون عليه كأنه جدهم المحبوب، يقبلهم ويحضنهم، ولم يكن يتوانى عن تقديم المساعدة لمحتاجيها، يلبي كل مناشدة أو طلب لأبناء شعبه خاصة أسر الشهداء والأسرى والجرحى. كان وفيا لشعاراته، بأن الشعب أكبر من كل القادة، كان بابه مفتوحا لكل الناس. لم يكن أبو الوطنية الفلسطينية فحسب، بل والابن النجيب لشعبه في المخيم والقرية والمدينة، في الداخل والشتات والمنفى”.

عرفات.. الزعيم الديمقراطي

لم يكن أبو عمار ذلك القائد الكارزماتي الصلب صاحب الرؤية الثاقبة فحسب، بل كان أيضا مثالا على ديمقراطية القائد، كان يوسع دائرة صنع القرار ما استطاع ويستمزج جميع الآراء، كان لديه من طول النفس أن يستمع لساعات قبل أن يتخذ القرار.

كان أبو عمار يقدر عاليا دور رجال الإصلاح خاصة قبل قيام السلطة الوطنية، فلم نكن نحبذ اللجوء لقوانين الاحتلال وقضائه لحل خلافاتنا المجتمعية، فأوجد من خلال رجال الإصلاح لجانا لحل خلافات الناس بالتعاون مع القوى والأحزاب والأطر الوطنية، انضوت تحت اسم هيئة شؤون العشائر التابعة لمنظمة التحرير، للحفاظ على وحدة المجتمع والسلم الأهلي، لإدراكه وإدراكنا بأن الاحتلال وقوانينه لا تهتم بسلامة مجتمعنا وتعزيز انتمائه.




“عميد أسرى فتح” يستعيد في ذاكرته مواسم الزيتون المؤجلة

عزيزة ظاهر- لم يكن موسم الزيتون هذا العام عاديا بالنسبة لعميد أسرى حركة فتح، الأسير المحرر قتيبة مسلم “أبو حمدي” من بلدة تلفيت جنوب نابلس، بعد أن غيب قسرا عن 33 موسما لقطاف الزيتون، فقد شاءت له الأقدار أن يشارك في موسم القطاف لهذا العام.

الرجل الذي تجاوز الستين من عمره، وأمضى ما يقارب ثلاثة عقود في سجون الاحتلال، متنقلا بين الزنازين والمعتقلات ومراكز التحقيق، أفرج عنه في الدفعة الثالثة من عملية التبادل التي جرت مطلع كانون الثاني من هذا العام، وخلال مسيرته النضالية شهد عدة تجارب اعتقال منذ عام 1984 حين اعتقل أول مرة وقضى أربع سنوات ونصف السنة، ثم اعتقال إداري لستة أشهر عام 1990، تلاه مطاردة استمرت لعامين، ثم اعتقال ثالث عام 1992 حكم فيه بثماني سنوات وأمضى منها ثلاثا ونصف السنة، أما الاعتقال الأطول فكان في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2000، حيث حكم عليه بـالسجن 37 عاما، أمضى منها 24 عاما متواصلة قبل أن يعود اليوم إلى الحياة التي طال انتظارها.

موسم الحرية

لم يكن اللقاء عاديا ولا حدثا عابرا، فحين سار أبو حمدي بين أشجار الزيتون التي نشأ بينها طفلا، كان يعود في الواقع إلى نفسه، بعد 33 عاما من الأسر، بدا وكأنه يعيد ترتيب العمر من جديد، يلتقط ملامحه التي ظل يحملها في الذاكرة، ويحاول وصل ما انقطع من تفاصيل الحياة.

وقف أمام شجرة يعرفها أكثر مما يعرف وجوه السجانين، انتظرها في مخيلته ثلاثة عقود، وقف أمامها طويلا، يلمس جذعها بأصابعه التي شاخت دون أن تشيخ روحه، وبيدٍ ارتجفت قليلا، قائلا بصوت خافت: “كنت أشعر أنني أتنفس هذه الشجرة في ذاكرتي، واليوم أتنفسها حقيقة، فموسم الزيتون هذا العام هو موسم حريتي”، ثم عانقها كما يعانق إنسان عمرا ضاع منه قسرا.

تفاصيل صغيرة تعيد الحياة

قررت عائلة مسلم أن يكون موسم الزيتون لهذا العام عيدا، التف الجميع حول أبو حمدي، تحت ظل زيتونة قديمة، وأشعل موقد النار، وضع إبريق الشاي فوق الجمر، أعدّ بيديه قلاية البندورة التي ظل يتخيل طعمها طوال سنوات الأسر تفوح منها رائحة الريحان، تأمل الدخان وهو يتصاعد نحو الفضاء المفتوح، كان المشهد بسيطا، لكنه كان يحمل معنى عميقا بالنسبة له ولعائلته.

الوالدة الثمانينية الحاجة خضرة، جلست إلى جوار ولدها بملامحها المتعبة وعصاها الخشبية، كانت تتأمل ملامحه وقد عاد رجلا بشعر أبيض، لكن بملامح القلب ذاته، وعيناها تلمعان بدموع لا تشبه دموع الحزن، بل دموع استرداد العمر المفقود قدر المستطاع، اقترب منها، أمسك يدها برفق، وقبّلها طويلا.

أما زوجته أم حمدي، التي انتظرت ما يقارب ربع قرن، أعدت ورق العنب والمحاشي بعناية وحب، بيدين تجرّعن الصبر كما يُتجرّع الماء، كانت تضع الطعام أمامه كما لو أنه وليمة حلمت بها طويلا، وتتابع اللحظات بصمت، وبابتسامة تحمل سنوات طويلة من الانتظار، تقول وهي تحرص أن تبقى كلماتها متزنة: الانتظار مدرسة، لكن الحمد لله ما ضاع صبرنا ولا تعبنا، يبادلها أبو حمدي النظرات ويقول برفق، أم حمدي لم تكن زوجة فقط، بل هي العمر البديل عن العمر الذي ضاع.

رمزية شجرة الزيتون

كانت العائلة تحاول أن تعيد ترتيب السنين بطريقة هادئة، دون ضجيج أو استعجال، بدا المشهد وكأنه استعادة بطيئة لملامح الحياة التي توقفت ذات يوم على بوابة الزنزانة.

لم يكن الحديث يدور حول ما مضى بقدر ما كان الاتجاه نحو ما يمكن استعادته، يتنفس أبو حمدي عميقا، يلامس جذع الزيتونة، كمن يصالح الزمن، يقول لصحيفة “الحياة الجديدة”، كل الأسرى يخرجون بأمنية واحدة، مكان صغير يظللهم وظل شجرة تحميهم، لا نطلب الدنيا، نطلب مساحة حياة فقط.

أما عن رمزية شجرة الزيتون في الموروث الفلسطيني يقول: تُشكّل شجرة الزيتون في الوعي الفلسطيني أكثر من رمز زراعي، هي ذاكرة وانتماء وامتداد جذور لا تنقطع رغم تبدل الفصول، وبالنسبة لي، كانت الشجرة شاهدة على غيابي الطويل، وهي اليوم شاهدة على عودتي لحضنها.