1

تكية “مبرة الخير” في نابلس.. اقتصاد الرحمة في زمن الضيق

ميساء بشارات- في أحد أزقة البلدة القديمة في مدينة نابلس، يبدأ النهار باكرا على غير إيقاع الأسواق.. فعند الساعة الثامنة صباحا تشعل المواقد، لا لتلبية طلب تجاري، بل لتجهيز وجبات ستصل قبل الظهيرة إلى بيوت أنهكها الغلاء.. هنا، لا تقاس الكلفة بعدد الصحون فقط، بل بعدد الأسر التي خف عبء يوم كامل عن ميزانيتها.

في “تكية مبرة الخير”، يتحول الطبخ إلى فعل تضامن يومي، وإلى اقتصاد رحمة يسند الفقراء والمتعففين بصمت.

يتصاعد البخار من أوعية ضخمة، ويقف متطوعون يجهزون مئات الوجبات التي ستجد طريقها إلى بيوت أنهكها الغلاء، وعند الثانية عشرة والنصف يبدأ توزيع الطعام، وفي الخلفية حكاية مستمرة منذ 11 عاما: مطبخ لا يتوقف.

تعود جذور هذا العمل إلى جمعية المركز الاجتماعي الخيرية، المؤسسة عام 1980، والتي تعنى بالفئات المهمشة والأيتام والأسر في مناطق يصنفها الجهاز المركزي للإحصاء ضمن الشرائح الأشد فقرا في البلدة القديمة في مدينة نابلس، وحي رأس العين. ومع تصاعد الحاجة، أنشأت الجمعية عام 2015 مطبخ “مبرة الخير” ليقدم وجبات صحية ساخنة على مدار العام، باستثناء يوم الجمعة والعيدين.

 “مطبخ مبرة الخير” ليس مبادرة موسمية، ولا نشاطا رمضانيا عابرا، بل مشروع إغاثي تنموي يعمل يوميا منذ عام 2015، ويعد اليوم أحد أهم روافع التكافل الغذائي في البلدة القديمة وحي رأس العين.

من 300 وجبة إلى 630 تضاعف الحاجة

عندما انطلق المطبخ في نيسان 2015، كان يقدم ما بين 250 إلى 300 وجبة يوميا، تخدم نحو 50 إلى 60 أسرة.

اليوم، في عام 2025، ارتفع المعدل اليومي إلى 630 وجبة يوميا. وخلال عام 2025 وحده، وزع المطبع تقريبا 190 الف وجبة على مدار 303 أيام عمل، بمعدل يومي يبلغ 630 وجبة، وهذا يعني ان هناك تصاعدا في الحاجة.

يقول عدنان عودة، المسؤول عن التكية: “كل سنة بتزيد نسبة الاحتياج… اليوم نخدم ما يقارب 500 أسرة أسبوعيا”.

ويؤكد عودة وهو يشرف على الوجبات: “أن 400- 500 أسرة تعتمد جزئيا على هذا المطبخ لتأمين البروتين الأساسي من لحوم ودواجن وأسماك”.

ويشير عودة ان تكلفة الوجبة تتراوح ما بين 15 إلى 20 شيكل، شاملة المواد الخام والتجهيزات.، ولو احتسبنا المعدل الوسطي (17 شيكلل تقريبا)، فإن: الكلفة اليومية التقديرية تقارب 10,000 شيكل، ما يعني أن الكلفة السنوية قد تتجاوز 3 ملايين شيكل. فالأرقام تكشف ان الحاجة تتسع.

وفي شهر رمضان، يتبدل المشهد. يرتفع التوزيع إلى 1250–1300 وجبة يوميا، ولا يقتصر الدعم على الوجبات الساخنة، بل توزع مواد تموينية ليوم الجمعة، إضافة إلى التمور والأجبان والحمص والحلويات والعصائر. هكذا يتحول المطبخ إلى شبكة أمان غذائي كاملة خلال الشهر الأكثر حساسية في إنفاق الأسر.

واللافت أن المطبخ لا يعتمد على التطوع وحده؛ فهناك موظفون يتولون الإعداد في بيئة منظمة ونظيفة، بينما يتكفل متطوعون بإيصال الوجبات للأسر المستورة وكبار السن وذوي الإعاقة، وبعض المستفيدين يحضرون لاستلام وجباتهم، فيما تنقل وجبات أخرى إلى البيوت حفاظا على الخصوصية والكرامة.

ويضع عودة سبب زيادة الحاجة الى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتوقف عمال الداخل المحتل عن العمل، ودخول فئات جديدة إلى دائرة الاحتياج، من بينها صغار الموظفين.

ويشير إلى أن البلدة القديمة وحي رأس العين يعانيان من: فقر الدم بين النساء، وزواج مبكر، وولادات في سن صغيرة، ونقص مزمن في البروتين والفيتامينات، وبالتالي، المطبخ لا يعالج الجوع فقط، بل يحاول معالجة أثر اقتصادي صحي متراكم.

التبرعات تزداد رغم الأزمة

في وقت تعاني فيه الأسواق من تباطؤ تجاري، يؤكد عودة أن عدد المتبرعين يزداد ولم يتراجع، ويؤكد ان المجتمع المحلي يدرك حجم الأزمة، والناس تثق بالمطبخ، لذلك التبرعات زادت كما ونوعا”. منوها ان التمويل يعتمد على: تبرعات نقدية، وتبرعات عينية (لحوم، دواجن، أرز، مواد غذائية).

وفي وقت تتقلب فيه الأسعار وترتفع كلفة المواد الأساسية، يؤكد عودة: “ان المطبخ لم يضطر يوما إلى تقليل عدد الوجبات، بل يزيدون الوجبات”.

ويتابع ان الثقة المتراكمة عبر 11 عاما صنعت علاقة متينة مع المجتمع المحلي، فيما يحرص تجار نابلس، وغالبا من البلدة القديمة، على تقديم أسعار تفضيلية باعتبار العمل خيريا. بذلك، لا يخفف المطبخ عبء الأسر فحسب، بل يحرك أيضا عجلة شراء داخل السوق المحلي.

يقول مواطن فضل عدم ذكر اسمه ينتفع من التكية انه في ظل تضخم متصاعد وتراجع في السيولة، تتحول التكايا إلى صمام أمان اجتماعي،  فهي لا تعوض غياب السياسات الاقتصادية، لكنها تقلل من أثرها المباشر على الفئات الأضعف. ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، تصبح كل وجبة مجانية بمثابة تخفيف فعلي على ميزانية الأسرة، قد يصل إلى مئات الشواقل شهريا.

يقول عودة: “في التكية لا يقاس النجاح بعدد الوجبات فحسب، بل بعدد البيوت التي نامت مطمئنة لأن قدرا ما غلى لأجلها”.

ويضيف: “ليست القضية عدد القدور، بل عدد البيوت التي أعفيت من حساب تكلفة اللحوم في يوم صعب، وهنا، لا يصبح العمل الخيري فعل إحسان فقط، بل استجابة اقتصادية شعبية لفجوة آخذة في الاتساع”.

في البلدة القديمة بنابلس، حيث تتلاصق البيوت كما تتلاصق الحكايات، تقف التكية شاهدا على أن الاقتصاد ليس أرقاما فقط، بل شبكة تضامن تحاول أن تسد فجوة آخذة بالاتساع.




32 عاما على مجزرة الحرم الابراهيمي

يصادف اليوم الأربعاء، الذكرى الـ32 لمجزرة الحرم الابراهيمي، التي أسفرت عن استشهاد 29 مصليا، وإصابة 150 آخرين.

ففي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 1994، الخامس عشر من شهر رمضان، نفذ المستعمر الإرهابي باروخ غولدشتاين، المجزرة عندما دخل إلى الحرم الابراهيمي، وأطلق النار على المصلين.

وأغلق جنود الاحتلال الإسرائيلي المتواجدون في الحرم أبواب المسجد لمنع المصلين من الخروج، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وأثناء تشييع جنازات الشهداء، ما رفع مجموعهم إلى 50 شهيدا، 29 منهم استشهدوا داخل المسجد.

وفي اليوم ذاته، تصاعد التوتر في مدينة الخليل وقراها وكافة المدن الفلسطينية، وبلغ عدد الشهداء الذين سقطوا نتيجة المواجهات مع جنود الاحتلال إلى 60 شهيدا ومئات الجرحى.

وإثر المجزرة، أغلقت قوات الاحتلال الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة لمدة ستة أشهر كاملة، بدعوى التحقيق في الجريمة، وشكلت ومن طرف واحد لجنة “شمغار”، للتحقيق في المجزرة وأسبابها، وخرجت في حينه بعدة توصيات، منها: تقسيم الحرم الإبراهيمي إلى قسمين، وفرضت واقعا احتلاليا صعبا على حياة المواطنين في البلدة القديمة، ووضعت الحراسات المشددة على الحرم، وأعطت للاحتلال الحق في السيادة على الجزء الأكبر منه، حوالي 60% بهدف تهويده والاستيلاء عليه، وتكرر منع الاحتلال رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي مرات عديدة.

ويضم القسم المغتصب من الحرم: مقامات وقبور أنبياء، وشخصيات تاريخية، إضافة إلى صحن الحرم، وهي المنطقة المكشوفة فيه.

كما وضعت سلطات الاحتلال بعدها كاميرات وبوابات إلكترونية على كافة المداخل، وأغلقت معظم الطرق المؤدية إليه في وجه المسلمين، باستثناء بوابة واحدة عليها إجراءات عسكرية مشددة، إضافة إلى إغلاق سوق الحسبة، وخاني الخليل وشاهين، وشارعي الشهداء والسهلة، وبهذه الإجراءات فصلت المدينة والبلدة القديمة عن محيطها.

يذكر أن الإرهابي باروخ غولدشتاين الذي كان يبلغ من العمر (42 عاما) عند ارتكابه المجزرة يعد من مؤسسي حركة “كاخ” الدينية، وقد قدِم من الولايات المتحدة الأميركية عام 1980، وسكن في مستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي مدينة الخليل.

“ولد بنيامين غولدشتاين في نيويورك، لعائلة يهودية متشددة، تلقى تعليمه في مدارس “يشيفا” اليهودية في بروكلين، ونال درجة الشرف من كلية ألبرت اينشتاين للطب في جامعة يشيفا، وحقق نجاحات باهرة في مجال الطب، ثم غير اسمه إلى “باروخ” في خطواته الأولى للعنصرية والإرهاب.”

لا عفوية قط في مجزرة الحرم الابراهيمي، ليس جنونا فرديا ذلك الذي قام به “باروخ غولدشتاين”، لأن الجنون الفردي ليس قادرا على حساب التفاصيل بدقة، والتخطيط لها، فاختيار الخليل وبالذات الحرم الابراهيمي، واختيار فجر الجمعة من رمضان، ولحظة سجود المصلين لتكون لحظة الذبح، لا يمكن أن يكون اختيارا من شخص مجنون. من كتاب “الجمعة الدامية.. عقيدة غولدشتاين”.

ويضيف الكتاب، الذي صدر عام 1994، وهو من تأليف: مازن حماد وعامر طهبوب ونادر طهبوب، أن المجزرة جزء من جنون جماعي، فالقاتل لم يوقفه الجنود على بوابات ومداخل الحرم، كما أنه استطاع الوصول بسهولة إلى مصلى المسلمين، وإطلاق عدة صليات من الرصاص لمدة عشر دقائق دون تدخل جنود الاحتلال المرابطين على الحرم.

ترك الجيش غولدشتاين ينفذ مجزرته كاملة.  رغم نقاط المراقبة المكثفة في محيط مسرح الجريمة، واستعدادهم الدائم للتحرك تجاه أي حركة أو نشاط مشبوه، وفوق ذلك كله شاركوا في اطلاق الرصاص على المصلين والمئات الذين هرعوا لنقل الاصابات وانقاذ المتبقين، ما أدى إلى ارتقاء شهداء آخرين وصل عددهم إلى أكثر من سبعة شهداء في باحات الحرم ومحيطه، وهم ينقلون الشهداء والجرحى.

وقد سبق للارهابي غولدشتاين، الاعتداء على الحرم الابراهيمي، وتم تبليغ رئيس وزراء الاحتلال آنذاك “رابين”، بإجرامه وحقده العلني والواضح، وخطورة تصرفات غولدشتاين ومستعمرين آخرين متطرفين.

وجاء في رسالة بعثتها “الهيئة الاسلامية العليا””، أن عددا من المستعمرين اعتدوا على ستة من حراس المسجد الابراهيمي وأحد المصلين، مساء الجمعة 8 تشرين الأول 1993، وقام المتطرف غولدشتاين بقطع آذان العشاء بعد اعتدائه على المؤذن.

قبلها بعام، في مساء الخميس 14 تشرين الأول 1992، قام غولدشتاين بإلقاء مواد كيميائية حارقة على سجاد المسجد، ولولا يقظة الحراس والمصلين، لوقعت مذبحة.

وما زال الاحتلال الإسرائيلي يحاول، ضمن سياسة ممنهجة، السيطرة على المسجد الإبراهيمي وإلغاء السيادة الفلسطينية، وإلغاء اعتباره وقفا إسلاميا خالصا، ففي عام 2020، أغلق الاحتلال المسجد الإبراهيمي 77 يوما، ومنع رفع الأذان فيه 599 وقتا.

ففي نهاية العام الماضي، قرتت سلطات الاحتلال تجريد صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي، في تصعيد خطير وانتهاك للوضع القانوني والتاريخي القائم.

وفي شهر أيار/ مايو الماضي، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن إصدار سلطات الاحتلال، قرارا بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، من خلال أمر استملاك يقضي بالاستيلاء على ما مساحته 288 متراً من السقف المحدد للحرم.

ولم تتوقف سلطات الاحتلال عن تنفيذ مخططاتها الخبيثة فيه منذ احتلال الخليل عام 67، فعلى سبيل المثال لا الحصر منعت دائرة الأوقاف الإسلامية من فرشه بالسجاد في تشرين الثاني 1967، وبعد أقل من شهر أدخلت إليه خزانة حديدية فيها أدوات عبادة يهودية، ثم أدخلت كراسي خاصة بهم إلى القاعة الإبراهيمية في حزيران 1968، وبتاريخ 25/9/1968 سمحت سلطات الاحتلال لفئة يهودية بالصلاة فيه، في تحدٍّ سافر لمشاعر المسلمين، وبعد أقل من شهر نسفت سلطات الاحتلال درع الحرم الإبراهيمي والبوابة الرئيسية المؤدية إليه وهما أثران تاريخيان.

وبتاريخ 11/10/1971 أدخل المستعمرون طاولة خشبية إلى القاعة الإبراهيمية، وفي 9/9/1972 مُنع المصلون المسلمون من أداء صلاة العصر في الحرم لأن المستعمرين كانوا ينشدون الأناشيد الدينية بأصوات مرتفعة وينفخون في البوق، وفي 17/12/1972 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي أوامره بإغلاق الباب الشرقي للحرم الشريف.

وبتاريخ 1/10/1973 سمح الحاكم العسكري في الخليل بإدخال 50 كرسيًّا خشبيًّا إلى القاعة اليعقوبية من الحرم الشريف، وقامت سلطات الاحتلال بتغطية صحن الحرم 10/11/1973 في محاولة لتغيير معالمه الإسلامية.

وفي حزيران 1974 قامت سلطات الاحتلال بسلسلة من الحفريات في محيط الحرم الإبراهيمي، وأسفل الباب الثلاثي إلى الداخل، وإلى الغرب منه، وأسفل المدرسة الحنفية.

وفي مطلع عام 1976 اقتحم ثلاثة مسلحين يهود الحرم برفقة سبعة مستعمرين وعبثوا بمحتوياته، وبتاريخ 16/3/1976 منع المستعمرون المسلمين من أداء الصلاة في القاعتين اليعقوبية والإبراهيمية.

وفي 21/10/1976، حول جنود الاحتلال قسما من الحرم إلى ثكنة عسكرية، ووضعوا فيه أسرَّة وأمتعة للنوم، وفي 2/11/1976 اعتدى مستعمرون على الحرم وداسوا نسخا من القرآن بأقدامهم، واعتدوا على المصلين بالضرب، وفي 18/11/1976 أعلن الحاخام المتطرف مائير كهانا أنه سيحوِّل الحرم الإبراهيمي إلى قلعة للمتطرفين اليهود بهدف ترحيل المواطنين الفلسطينيين من مدينة الخليل.

وفي 8/3/1977 أعلنت الهيئة الإسلامية عن اختفاء مفقودات ذات قيمة بعد فترة من منع المسلمين دخول الحرم الشريف، وبتاريخ 16/5/1977 اقتحم عدد من المستعمرين الحرم برفقة الحاخام ليفنجر وقاموا بالرقص داخل القاعة الإبراهيمية، وأشهر أحد المستعمرين مسدسه تجاه عدد من المصلين أثناء صلاة الظهر بتاريخ 4/7/1977.

وفي 27/2/1978 اقتحم أحد المستعمرين الحرم وعبث بمحتوياته، وفي 24/4/1978 أدخل مستعمران إليه نسخة جديدة من التوراة وأقاما احتفالاً كبيراً بحماية جنود الاحتلال.

وفي 31 /5/1979 اقتحم جنود الاحتلال القاعة الإبراهيمية، ووضعوا فيها الكراسي، ومنعوا المسلمين من الوصول إلى الحرم، وفي 27/2/1979 اقتحم 20 مستعمرا الحرم وهم يرفعون الأعلام الإسرائيلية، وفي 24/6/1984 أجرى المستعمرون ختان طفل في القاعة الإبراهيمية، وفي 11/9/1984 قام الجنود بتركيب عدسات تلفزيونية داخل الحرم لمراقبة المصلين.

انتهاكات وممارسات سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة في مدينة الخليل لم تتوقف، فقد زرعت فيها عددا من البؤر الاستعمارية وأغلقت شوارعها، وارتكبت فيها أفظع الانتهاكات لحقوق الإنسان، من قتل وتدمير، وحظر للتجول، وحصار اقتصادي متواصل أدى إلى شلّ الحركة التجارية في أسواقها القديمة، كما تستمر الاعتداءات على ممتلكات أهلها بهدم المباني الأثرية والتاريخية في أبشع مذبحة تستهدف طمس معالمها الحضارية وتغيير هويتها العربية الإسلامية، وبشق طريق استعماري يربط بين مستعمرة “كريات أربع” والحرم الإبراهيمي الشريف وجميع البؤر الاستعمارية، بهدف تهويد المدينة.




حملة “شباب من أجل دير الغصون” ترسم البسمة على وجوه 350 أسرة في شهر الخير

مراد ياسين- في مشهد إنساني يتجدد منذ نحو عشرة أعوام، تواصل حملة “شباب من أجل دير الغصون” مسيرتها الخيرية، مؤكدة أن العمل التطوعي الصادق قادر على إحداث أثر عميق ومستدام في حياة الأسر المحتاجة.

فقد شرعت الحملة بتوزيع الطرود الغذائية على العائلات المعوزة في بلدة دير الغصون والقرى المجاورة، وسط تقدير واسع من المواطنين الذين لمسوا حجم الجهد المبذول وروح المسؤولية المجتمعية العالية.

وقال منسق الحملة الدكتور عبد الرحمن خضر في حديث لـ”الحياة الجديدة”: إن الهدف الأساسي يتمثل في دعم الأسر المحتاجة خلال الشهر الفضيل، والتخفيف من أعبائها المعيشية، وتمكينها من استقبال رمضان بطمأنينة وكرامة.

وأوضح أن الحملة تسعى إلى إدخال البهجة على قلوب الأطفال، وتخفيف القلق الذي يلازم الكثير من العائلات بشأن توفير احتياجاتها الغذائية خلال أيام الصيام.

وبيّن د. خضر أن الحملة هذا العام تستهدف نحو 350 أسرة في كل من دير الغصون والجاروشية والمسقوفة، حيث لا تقل قيمة الطرد الواحد عن 180 شيقلاً، ويحتوي بعضها على اللحوم والخبز بما يكفي احتياجات الأسرة طوال الشهر الفضيل. كما تشمل المبادرة تقديم خدمات شحن الكهرباء مجاناً لبعض العائلات، إضافة إلى تقديم مساعدات نقدية في حالات معينة وفقاً للحاجة.

وأكد منسق الحملة أن المبادرة ذات طابع إنساني خالص، وتستهدف الأسر المعوزة، مشيراً إلى أن الحملة حققت نجاحاً ملموساً على أرض الواقع، حيث تم توزيع المئات من الطرود حتى الآن.

وأضاف أنه يتم التنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجمعيات الخيرية الأخرى لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، وتجنب الازدواجية في تقديم الدعم.

وكشف د. خضر عن نية الحملة تنظيم إفطار جماعي في منتصف الشهر الفضيل لنزلاء بيت المسنين في دير الغصون، يتخلله فقرات غنائية وترفيهية، في خطوة تهدف إلى إدخال السرور على قلوبهم وتقديم أفضل أشكال الرعاية المعنوية والاجتماعية لهم.

وأشار إلى أن أغلبية التبرعات، سواء العينية أو المالية، تأتي من أهل الخير في دير الغصون، مؤكداً أن الحملة تلتزم بأعلى درجات الشفافية، حيث يتم إعداد تقرير مفصل في ختامها حول الأموال التي جُمعت وأوجه إنفاقها، ويُسلَّم إلى المحافظ عبد الله كميل.

ويعمل في الحملة الى جانب منسق الحملة المهندس بهاء خضر ما بين 10 إلى 15 متطوعاً، يعتمدون في توزيع الطرود على قاعدة بيانات محدثة سنوياً، تستند إلى مسح ميداني لتحديد الأسر الأكثر حاجة، مع التركيز على الوصول إلى العائلات المتعففة التي تأنف طلب المساعدة.

ودعا منسقو الحملة جماهير شعبنا الى التكاتف والتعاضد في عمل الخير التكاتف والتعاضد في عمل الخير هو تآزر القلوب والأيدي على البر، وتجسيد لروح المجتمع المتين، حيث تتضافر الجهود لتعزيز التكافل وتعميق الثقة والمحبة، امتثالاً للأمر الإلهي “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى” . يُحقق هذا التلاحم أثراً إيجابياً بنشر الفضيلة، تخفيف المعاناة، وتعظيم النتائج، مصداقاً لقوله ﷺ: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”.

وعلى مدار عقدٍ كامل، تثبت حملة “شباب من أجل دير الغصون” أن التكافل الاجتماعي ليس شعاراً عابراً، بل ممارسة يومية تُجسد قيم التضامن والانتماء. وفي شهر الرحمة، تتجدد رسالة الخير بأن المجتمع القوي هو الذي يحتضن أضعف أفراده، ويمنحهم الأمل… لا سيما حين يتحول العطاء إلى ثقافة راسخة ومسؤولية مشتركة.




تهديدات بيئية خطيرة تلاحق وادي نهر المُقطع

عبد الباسط خلف- أطلق الخبير البيئي ومدير مركز الباشا العلمي، وأستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة في جامعة النجاح الوطنية، وليد الباشا تحذيرات لحماية مجرى وادي المقطع ومرج ابن عامر في جنين.

وقال الباشا لـ “الحياة الجديدة”: إن الدراسات الميدانية للتنوع الحيوي في المنطقة، كشفت عن تداعيات خطيرة للممارسات السائدة في المنطقة الغنية بالتنوع الحيوي.

وحث الجهات المسؤولة، بما فيها البلديات والوزارات المعنية بالزراعة والصحة والبيئة، والمؤسسة الأمنية، للتحرك الفوري، وتعزيز الرقابة والمتابعة الميدانية على مجرى واد المقطع وضبط المخالفين.

وأكد ضرورة توفير حلول سليمة بيئياً للتخلص من النفايات والحيوانات النافقة في المنطقة، التي من المحتمل تتسبب في مكاره صحية وانتشار الأمراض والكلاب الضالة، مشيرًا إلى ضرورة إطلاق حراك وحملات توعية مستدامة للمزارعين والمجتمع المحلي، توضح المخاطر الصحية والبيئية الجسيمة للممارسات غير السليمة.

ونادى الباشا بتطوير خطة مشتركة وطويلة الأمد تجمع المؤسسات المعنية لمراقبة هذا المورد الطبيعي الحيوي وحمايته الدائمة، موضحًا أن حماية مجرى واد المقطع مسؤولية مشتركة وواجب وطني، فيما يعني ضمان سلامته الحفاظ على صحة المواطن واستدامة مرج ابن عامر، ليبقى رمزاً حيوياً للأمن الغذائي والبيئي وقلب “سلة فلسطين الخضراء” النابض.

ووفق الباشا، تتعرض منطقة مجرى وادي المقطع العابر لمرج ابن عامر، الشريان الحيوي و”سلة فلسطين الخضراء”، لانتهاكات بيئية جسيمة تتمثل في التعدي على حدود المجرى، وإلقاء النفايات الصلبة، ورمي جثث الحيوانات النافقة من الأبقار والأغنام بشكل عشوائي.

وأوضح أن وجود هذه الجثث يتسبب في خلق بيئة مثالية لتكاثر الكلاب الضالة والخنازير البرية، حيث توفر لها مصدرًا غذائيًا مستدامًا، علماً أن الحد من هذه الظاهرة يساهم بشكل مباشر في مكافحة الكلاب الضالة.

ويتطرق إلى أن الحيوانات النافقة الملقاة في مجرى الوادي تتسبب في انتشار العديد من الأمراض في المناطق الزراعية المحيطة، ما يشكل خطراً مباشراً على القطعان الأخرى التي ترعى في المنطقة، وقد تدخل إلى المجرى.

ولخص أستاذ التاريخ، مفيد جلغوم لـ”الحياة الجديدة” سيرة نهر وادي المُقطع، الذي ينبع من منطقة المرج شرق قريته فقوعة، شرق جنين.

وأفاد أن النهر يصل طوله إلى نحو 70 كيلو مترًا، عبر مرج ابن عامر، حتى مصبه للبحر الأبيض المتوسط في خليج حيفا، وهو ثالث أنهار فلسطين، وموسمي الجريان باستثناء مناطق صغيره منه في نهايته تتكاثر فيها الأسماك.

وأشار المزارع أحمد علي إلى أن التحديات في مرج ابن عامر لا تنحصر في الواقع البيئي الصعب على جانبي مجرى وادي المقطع، والروائح الكريهة طوال العام، لكنها تشمل الزحف العمراني العشوائي والتهام الأراضي الزراعية.

وأوضح أن الحقول تتقلص سريعًا في المرج الخصيب، ما يتسبب في تناقص مساحة الأراضي الزراعية بشكل كبير، عدا عن شق طرق عريضة، وبناء متاجر ومزارع أبقار دون مراعاة الاعتبارات الزراعية.




جنين: عدوان متواصل حتى إشعار آخر

عبد الباسط خلف- يتلقى الإعلامي تامر أبو الهيجاء بألم قرار الاحتلال تمديد العدوان على مخيم جنين، حتى نهاية آذار القادم.

ويعود بقهر للحديث عن اليوم الأخير في بيت عائلته في أطراف المخيم، المحروم منه منذ 21 كانون الثاني 2025.

ويشير لـ”الحياة الجديدة” إلى أنه يصطحب أطفاله الأربعة إلى منطقة مجاورة لمستشفى ابن سينا لتفقد المنزل من بعيد، دون أن يتمكنوا من الوصول إليه بالفعل.

وتشعر عائلات المخيم، بحسب أبو الهيجاء، بانتكاسة كبيرة، فقد كانت تأمل بانتهاء العدوان على المخيم، واستقبال شهر رمضان داخله، بالرغم من عمليات الهدم الكبيرة المنفذة من الاحتلال.

ويرى الناشط في اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين، علاء جبر بأن الأهالي كانوا ينتظرون بفارغ الصبر انتهاء العدوان الأطول على مخيمهم، الذي كان مقررًا نهاية الشهر الماضي، حسب وزير جيش الاحتلال.

ويتطرق إلى وصول خارطة جديدة من وكالة الغوث، تظهر حجم البيوت المدمرة جراء التجريف، لكن لم تصل اللجنة إلى رقم دقيق.

ووقع ما يسمى قائد جيش الاحتلال في الضفة الفلسطينية، اللواء آفي بلوط، أمراً عسكرياً بتمديد تقييد الحركة وتمديد العمليات العسكرية في مخيم جنين وطولكرم ونور شمس.

وبحسب جبر، فإن الاحتلال يمنع دفن أهالي المخيم الموتى في مقبرتهم القريبة، وتتوزع العائلات على سكنات الجامعة الأمريكية وحي خروبة، وبلدات مجاورة، حيث يقيم قرابة 17 ألف نازح.

ويضيف لـ”الحياة الجديدة” أن مقبرة المخيم ممنوعة غالبًا، وإن سمح بذلك فيتم بعدد مشيعين مقلص، ويجري دفن الموتى في مقابر المدينة والبلدات التي نزح إليها الأهالي.

ويمنع قرار الاحتلال الجديد أي مواطن، من الدخول إلى المنطقة المطوقة أو الخروج منها إلا بتصريح.

ويراقب ناصر صالح، وهو سائق أربعيني، الطريق الفرعي الرابط بين شارع حيفا، وسهل مرج ابن عامر، الذي جرفه الاحتلال صباح أمس الإثنين.

ويقول لـ”الحياة الجديدة”: إن شوارع جنين تحتاج كلها إلى صيانة وتعبيد، بفعل عمليات التجريف المتواصلة، وفيضان مياه الأمطار التي تزيد من الدمار في البنى التحتية.

ووفق مدير العلاقات العامة في بلدية جنين، بشير مطاحن، فإن الاحتلال جرّف قرابة 200 متر من طريق جانبي متصل بشارع حيفا.

ويوضح أن عمليات التدمير، وفق إبلاغ جيش الاحتلال لأهالي الحي، تتم بذريعة البحث عن عبوات ناسفة محلية الصنع.

ويقول أحد سكان الحي لـ”الحياة الجديدة”: إن عمليات التخريب لا تتوقف في جنين، وفي كل مرة يجري التدمير بحجج وبطرق مختلفة، لكن الهدف الوحيد تحويل حياة المواطنين إلى جحيم.

ولا يختلف الحال في ريف المدينة، ففي منطقة “ترسلة” جنوب المدينة عاد المستوطنون إلى المكان الذي أخلاه الاحتلال عام 2005.

ويتابع المواطن عاصم جرار، المقيم في قرية الفندقومية، المشهد، فيقول إن الاحتلال أوصل التيار الكهربائي للمستوطنة، بعد إحضاره لمولدات كبيرة، ونشره لكشافات ومصابيح.

ويضيف بأنه شاهد مقاطع فيديو عبر منصات التواصل، لمستوطنين يغنون ويبتهجون بالعودة إلى الموقع التاريخي التابع في معظمه لأراضي قريته.

ويشير جرار إلى أن حياة المواطنين في المنطقة تغيرت جذريًا، فقد ضاعف الاحتلال حركة مرور دورياته ومعداته عبر الشارع الرئيس، ويواصل المصادرة والتجريف لإقامة طريق التفافي جديد للمستوطنة عبر أراضي الفندقومية وعطارة وسيلة الظهر.

ويؤكد سامر الشيخ إبراهيم، الموظف الذي يتنقل بين عمله في نابلس وبلدته جنوب جنين إن الحركة على الشارع صارت محاطة بالخطر، بسبب الحواجز، وإقفال الاحتلال المتكرر لمقاطع من الطريق لـتأمين مرور المستوطنين.

ويجمل لـ”الحياة الجديدة”: نسمع كل يوم عن تصعيد جديد في العدوان والاستيطان والاستيلاء على أراضٍ زراعية، لكننا سنصمد في المكان الذي ولد ومات فيه أجدادنا.