1

منى الضميدي.. من فضول الطفولة إلى محافظ للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين

عبير البرغوثي- لم تبدأ حكاية د. منى نبيل الضميدي مع الذكاء الاصطناعي من منصب أو جائزة أو استراتيجية وطنية، بل من فضول مبكر؛ رغبة في فهم الأشياء من حولها: كيف تعمل؟ ولماذا تعمل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن أن تعمل بصورة أفضل؟

ذلك الفضول الذي قادها إلى هندسة الحاسوب، ثم إلى البحث الأكاديمي في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، تحول مع السنوات إلى مسار مهني أوسع، تجاوز حدود المختبر والجامعة إلى السياسات والحوكمة والابتكار، وصولا إلى تعيينها مؤخرا محافظا للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول (GCRAI) ، وهو مجلس دولي مستقل وغير ربحي تأسس في 2024 وأطلق دوليا في مجلس اللوردات في لندن عام 2025، ويعمل اليوم من خلال شبكة تمتد إلى عشرات الدول. فكرته الأساسية هي نقل الذكاء الاصطناعي المسؤول من المبادئ النظرية إلى التطبيق: كيف نبني أنظمة AI  أكثر شفافية وأمانا وعدالة وخضوعا للمساءلة دون أن نعيق الابتكار.

بالنسبة للضميدي، لا يمثل المنصب الجديد مجرد لقب يضاف إلى سيرتها المهنية، بل “مسؤولية ومساحة دولية إضافية” تستطيع من خلالها خدمة فلسطين، وربط الخبرة الفلسطينية بالنقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية تطويره واستخدامه بصورة مسؤولة وأخلاقية.

وعن تعيينها في هذا المنصب، ترى أنه دور شرفي ومهني داخل هذه الشبكة، ومنصة إضافية لربط الخبرة الفلسطينية بالعالم وجلب المعرفة والشراكات إلى فلسطين.

فضول قادها إلى التكنولوجيا

تقول الضميدي لـ “الحياة الجديدة”: إن أكثر ما بقي ثابتا في شخصيتها منذ البدايات هو الفضول. لم تكن هندسة الحاسوب خيارا مرسوما منذ الطفولة، لكنها جذبتها لأنها تجمع بين المنطق والهندسة والبرمجة وحل المشكلات.

ومع الوقت، لم تعد الأسئلة التي تشغلها مرتبطة بكيفية كتابة البرامج فحسب، بل بما يقف خلفها: كيف تتعامل التكنولوجيا مع البيانات؟ كيف تتعلم الآلة؟ وكيف يمكن أن تتكيف مع احتياجات الإنسان وتساعده على اتخاذ قرارات أفضل؟

هكذا تطورت علاقتها بالبرمجيات والبيانات إلى اهتمام أعمق بالذكاء الاصطناعي، في وقت كان فيه هذا المجال لا يزال بعيدا عن الاهتمام الجماهيري الواسع الذي يحظى به اليوم.

وتقول إن دخولها المبكر إلى المجال منحها فرصة مهمة، إذ بدأت علاقتها بالذكاء الاصطناعي من البحث والأسئلة العلمية، قبل أن يتحول إلى موجة تكنولوجية عالمية.

من فلسطين إلى مانشستر وبرمنغهام

كانت تجربتها الأكاديمية في بريطانيا محطة مفصلية في تشكيل رؤيتها العلمية والشخصية. ففي مانشستر تعمقت علاقتها بالبرمجيات والبيانات والبحث، بينما دفعتها تجربتها اللاحقة في برمنغهام بصورة أكبر نحو التعلم والذكاء الاصطناعي وكيفية تطوير تكنولوجيا أكثر قدرة على فهم الإنسان.

لكن التجربة لم تكن علمية فقط. خارج فلسطين، بدأت تنظر إلى بلدها من زاوية مختلفة؛ رأت ما يمتلكه الفلسطينيون من طاقات، لكنها رأت أيضا الفجوات في الفرص والبحث والبنية التحتية والوصول إلى التكنولوجيا.

ومن هنا نشأ سؤال رافقها لاحقا: كيف يمكن إعادة توظيف ما تتعلمه وتراه في العالم بطريقة تخدم فلسطين؟

لم تعد العودة بالنسبة إليها مجرد استكمال لمسار أكاديمي شخصي، وإنما محاولة لبناء برامج ومؤسسات وسياسات وفرص تجعل المسافة بين الشاب الفلسطيني والفرصة العالمية أقصر.

حين يصبح العلم مشروعا وطنيا

تدريجيا، انتقلت الضميدي من البحث الأكاديمي إلى مساحة أوسع تجمع التكنولوجيا بالقيادة والابتكار وريادة الأعمال.

ومن خلال تأسيس STEMpire والعمل مع منظومة الابتكار والقطاع الخاص، ثم توليها أدوارا قيادية في الجامعة العربية الأمريكية، بدأت تبحث عن الإجابة لسؤال واحد: ماذا يحدث للفكرة بعد خروجها من الورقة العلمية؟

في الجامعة العربية الأمريكية، تولت قيادة كلية العلوم الرقمية، وتشغل اليوم منصب نائب رئيس الجامعة لشؤون الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة العلاقات الدولية.

وهناك، لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع أكاديمي فقط، بل كأداة لإعادة التفكير في التعليم والخدمات والبحث العلمي ومهارات الطلبة.

من تدريب الكوادر إلى إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وبناء مساعدين رقميين، وتطوير منصة  PromptVerse، وتوسيع الشراكات الدولية، تحاول الضميدي تحويل الأفكار إلى ممارسة مؤسسية.

وتلخص رؤيتها بالقول إن القيادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الفكرة، وإنما في تحويلها إلى منظومة تعمل وتترك أثرا.

الاستراتيجية الوطنية.. من الفكرة إلى السياسة

من أبرز المحطات في مسيرتها مشاركتها في تطوير الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية للذكاء الاصطناعي التي أقرت عام 2023.

منذ البداية، كانت ترى أن فلسطين لا تحتاج إلى استنساخ تجارب الدول الأخرى، لأن احتياجات دولة تمتلك بنية تحتية وموارد حوسبة ضخمة تختلف عن احتياجات فلسطين.

لذلك كان السؤال الأهم: ما الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه فلسطين؟

امتد النقاش إلى الحكومة والتنمية والتعليم وبناء القدرات والبحث والتطوير والتشريعات والأخلاقيات والتعاون الدولي، قبل أن يتوسع عملها إلى ملفات جاهزية فلسطين للذكاء الاصطناعي وأخلاقياته وفق منهجية اليونسكو، والسياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.

وبالنسبة إليها، لم تكن الاستراتيجية مجرد وثيقة أقرت عام 2023، بل بداية لمسار وطني طويل.

وترى أن أهم ما تحقق هو نقل الذكاء الاصطناعي من دائرة المبادرات والنقاشات المتفرقة إلى مستوى السياسة الوطنية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما يحدث بعدها.

“لا أريد أن يسمع العالم عن فلسطين فقط”

من هنا تكتسب مهمتها الجديدة لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول أهمية خاصة بالنسبة إليها، المنصب – كما تقول لــ “الحياة الجدديدة”: يضيف إلى عملها شبكة دولية أوسع ومساحة للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالحوكمة والمساءلة والثقة وإدارة المخاطر، لكنه بالنسبة إليها لا يجب أن يتحول إلى اتجاه واحد.

تريد للباحثين والشباب والجامعات ورواد الأعمال الفلسطينيين أن يستفيدوا من هذه الشبكة عبر فرص التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات، لكنها تريد أيضا أن تكون التجربة الفلسطينية جزءا مما يقدمه العالم ويتعلم منه.

وتقول إن فلسطين لديها ما يمكن أن تضيفه في مجالات بناء القدرات والعدالة الرقمية والتعليم وحوكمة التكنولوجيا في البيئات محدودة الموارد.

وتختصر رؤيتها بعبارة تحمل كثيرا من طموحها: “لا أريد فقط أن يسمع العالم عن فلسطين. أريد أن يسمع من الفلسطينيين عندما يتم تصميم مستقبل التكنولوجيا نفسها”.

امرأة فلسطينية في عالم التكنولوجيا

لم يكن الطريق خاليا من التحديات. فقد شعرت في مراحل من مسيرتها بأنها مطالبة بإثبات نفسها بصورة مضاعفة؛ كامرأة تدخل مجالا تقنيا كان يهيمن عليه الرجال، وكفلسطينية تدخل مساحات أكاديمية ومهنية دولية. لكنها لا تفضل أن تبني قصتها على العوائق.

مع الوقت، تعلمت أن أفضل طريقة لإثبات الذات هي العمل والنتيجة؛ أن تتحدث السياسة التي ساهمت في تطويرها، والبحث الذي نشرته، والبرنامج الذي أتاح فرصة لآخرين. وربما لهذا السبب أصبح تمكين النساء والشباب جزءا أساسيا من رؤيتها.

وترى أن المشكلة لا تكمن في قدرات النساء الفلسطينيات، وإنما في الفرص والشبكات والثقة والوصول إلى التمويل ومواقع صنع القرار.

وبالنسبة إليها، فإن زيادة حضور النساء في الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قضية مساواة، بل ضرورة لبناء تكنولوجيا أكثر عدالة؛ إذ إن الفرق التي تصمم التكنولوجيا يجب أن تعكس تنوع المجتمعات التي ستستخدمها.

إلى الفتاة التي تحلم بالتكنولوجيا

وللفتاة الفلسطينية التي تحب التكنولوجيا ولا ترى أمامها نماذج نسائية كثيرة في مواقع القيادة، توجه الضميدي رسالة -عبر “الحياة الجديدة”- تبدو أقرب إلى خلاصة تجربتها الشخصية: “لا تنتظري أن تري نموذجا مطابقا لك حتى تبدئي. ربما أنت النموذج الذي ستراه فتاة أخرى بعد خمس سنوات”.

تدعوها إلى التعلم وبناء المشاريع والمشاركة في المسابقات واقتناص الفرص، حتى عندما لا تشعر بأنها تستوفي كل الشروط، وإلى ألا تضع سقفا جغرافيا لطموحها. مكان الانطلاق، كما ترى، يمكن أن يكون جزءا من القصة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حدود للمستقبل.

النجاح ليس نهاية الطريق

رغم التكريمات التي حصلت عليها، ومن بينها لقب المرأة الأكثر تأثيرا في فلسطين، لا تنظر الضميدي إلى الجوائز باعتبارها نقطة وصول، بالنسبة إليها، هناك فرق بين النجاح والتأثير. النجاح قد يكون شهادة أو منصبا أو جائزة، أما التأثير فهو أن يصل ما تقوم به إلى الآخرين وأن يغير شيئا خارج حدود مسارك الشخصي. ولهذا فإن كل تكريم، في نظرها، يطرح سؤالا جديدا: ماذا ستفعل بهذه المساحة بعد ذلك؟

حتى الإخفاقات لم تكن خارج هذه المعادلة. تقول إنها لا تؤمن بالسيرة الذاتية المثالية، لأن خلف كل فرصة ظهرت فيها فرص أخرى لم تحدث، ومشاريع لم تكتمل، وأبوابا أغلقت. لكنها تعلمت ألا تربط قيمتها بقرار شخص أو مؤسسة، وأن بعض التجارب الصعبة تمنح الإنسان وضوحا لا يمنحه النجاح. وتقول إن المرونة والقدرة على البدء من جديد ربما كانتا من أهم المهارات التي صنعت مسيرتها، وربما أهم من الذكاء نفسه.

من “المستخدم” إلى “الشريك”

تطمح الضميدي إلى أن تنتقل فلسطين في علاقتها بالتكنولوجيا من موقع المستفيد إلى موقع الشريك، وترى أن امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، والعمل على أخلاقياته وحوكمته، وتطوير البرامج التعليمية والبحثية، ووجود خبرات فلسطينية في الداخل والخارج، كلها خطوات يمكن البناء عليها.

لكن المعركة الحقيقية، في نظرها، هي تحويل رأس المال البشري الفلسطيني إلى شركات ومنتجات وبحوث وملكية فكرية وفرص عمل.

وترى في الذكاء الاصطناعي مجالا يمكن أن يفتح لفلسطين نوعا جديدا من الحضور الدولي، عبر ما تسميه طالدبلوماسية العلمية والمعرفية”، باحث فلسطيني يشارك في بحث عالمي، أو جامعة تقود مبادرة نوعية، أو شاب يبني منتجا قادرا على المنافسة، يمكن أن يكون جزءا من الحضور الفلسطيني في العالم، إلى جانب الدبلوماسية الرسمية.

الحلم الأكبر.. فلسطين التي تنتج التكنولوجيا

وراء كل هذه الأدوار، يبقى حلم الضميدي أبعد من منصب أو جائزة. تريد أن ترى فلسطين منتجة ومصدرة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستهلكة لهما، وتتطلع إلى بناء منظومة فلسطينية متكاملة تربط الجامعات والحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال والباحثين في الداخل والشتات، وتوفر بنية تحتية للبيانات والحوسبة، ومختبرات للبحث والتطوير، وبرامج للمواهب، ودعما للشركات الناشئة، وتطبيقات للذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الحكومية، إلى جانب إطار قوي للحوكمة والأخلاقيات.

وتريد أن يكون الشباب والنساء واللغة العربية والسياق الفلسطيني جزءا أساسيا من هذه المنظومة. وتقول: إن اللبنات الأولى موجودة بالفعل: استراتيجية وطنية، جامعات تتحرك، قطاع خاص يزداد اهتماما، وتجارب مؤسسية وشبكة من العلماء والمهندسين والخبراء الفلسطينيين حول العالم. ما ينقص، برأيها، هو ربط هذه النقاط ببعضها.

وعندها، لن يكون السؤال كيف تلحق فلسطين بثورة الذكاء الاصطناعي، وإنما: ما الذي تستطيع فلسطين أن تضيفه إلى هذه الثورة؟

ذلك هو الحلم الذي تختصر فيه الضميدي مسيرتها؛ أن تتحول المعرفة التي بدأت يوما بفضول شابة فلسطينية تجاه التكنولوجيا إلى فرصة أوسع لبلد كامل، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة تثبت فيها فلسطين أن محدودية الموارد لا تعني محدودية القدرة على الابتكار.




العودة المؤجلة مجددا إلى مخيم جنين

عبد الباسط خلف- يحصي الخمسيني محمد إبراهيم الأيام التي باتت تفصله عن مخيم جنين، ويقول بصوت منهك لـ”الحياة الجديدة” إنه أخرج من بيته وسط المخيم، قبل سنة واحدة، وسبعة أشهر، و5 أيام، وهي ما تعادل 582 يومًا، و83 أسبوعًا، و19 شهرًا.

ويتابع شأنه كنحو 20 ألف نازح ما نشرته أمس صحف إسرائيلية عن إبلاغ دولة الاحتلال، لما تسمى “المحكمة العليا” هذا الأسبوع، بأن الجيش متمسك برفضه السماح لسكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بالعودة إلى منازلهم، فيما للحفاظ على ما أسماها “السيطرة العملياتية في المنطقة على المدى الطويل.”

ويؤكد محمد أنه كان يأمل بالعودة إلى المخيم، بالرغم من الدمار الذي حل بعدد كبير من المباني والطرقات والبنية التحتية.

ويرسم الناشط في اللجنة الشعبية للخدمات، علاء جبر لـ”الحياة الجديدة” خارطة النزوح، إذ أجبر الاحتلال 2964 عائلة على النزوح، بينها 640 لجأت إلى منطقة السكنات المجاورة للجامعة العربية الأمريكية، وبحثت 1400 عائلة عن مأوى داخل احياء المدينة: البلدة القديمة، وخروبة، والحارة الشرقية، وجبل أبو ضهير، والبساتين، والزهراء، وحرش السعادة، والمراح، وشارع نابلس.

ويشير إلى أن نحو 800 عائلة تقيم في البلدات والقرى المجاورة: برقين، وقباطية والزبابدة، وكفر دان، واليامون، وعرانة، وفقوعة، ودير أبو ضعيف، وغيرها.

ولم يسمح الاحتلال لأهالي المخيم من العودة إلى بيوتهم، إلا على فترتين ولمجموعات صغيرة من النساء، ووسط قيود مشددة، ولوقت قصير.

وواكبت “الحياة الجديدة” في الثالث عشر من نيسان 2026 إعلان الاحتلال السماح لـ 120 مواطنة بالدخول إلى منازلهن لوقت قصير، وإحضار ما تيسر لهن من مقتنيات.

ووقتها تحول مدخل جانبي ضيق إلى “بوابة للأمل”، كما قال لسان حال أم موسى، التي بينت أن الحنين إلى البيوت لا ينطفئ.

ويومها انعكست صور الحاضرين على مرآة دائرية، وضعت سابقا لتنظيم المرور، لكنها اليوم تجمع في إطارها النازحين، وأمتعتهم، ودوريات الاحتلال، والهلال الأحمر، وعدة مجندات تقابلهن عشرات النساء، وحشد من الإعلاميين.

وكان من بين الذين حاولوا العودة السبعيني أسعد عويس، الذي تلازمه الإعاقة، وأقام بيته فوق دونمين عام 2017، وأسس متجرا بثلاثة أبواب قبل وقت قصير من العدوان الواسع، وعندما أجبر على النزوح، لم يأخذ غير بطاقته الشخصية، وترك كل شيء خلفه: منزله، وتجارته.

ويشعر أهالي المخيم بمرارة فقدان منزلهم ومتاجرهم، وانتقالهم إلى بيوت مؤقتة.

وأقيم مخيم جنين خلال شتاء 1950 القاسي، الذي غير موقعه من (مخيم جنزور)، الذي يبعد 6 كيلومترات جنوب شرق جنين، إلى مكانه الملاصق للمدينة.

ويضم المخيم مهجرين من 59 مدينة وقرية مدمرة في مناطق جنين والناصرة وحيفا، ويمتد على 374 دونما، قدمت جزءًا كبيرًا منها عائلة الأسير، التي أقام جدها أول مستشفى في المدينة قبل نكبة 1948.

وقالت النازحة عبلة الرخ، في مناسبة سابقة، إن الوصول إلى بيتها في حارة الحواشين، أشعل في قلبها النار، بعد تحول منازل عائلتها وجيرانها إلى كومة ركام.

وأفادت “الحياة الجديدة” بأنها كانت تقيم في بناية كبيرة رفقة أولادها: علي، ورياض، ومهند، إضافة إلى 14 حفيدا، لكنها اليوم تتوزع على 3 مواقع في إسكانات الجامعة.

وروت بألم، مشاهد الدمار الكبير في المخيم، الذي تغيرت معالمه، وبالكاد تمكنت من إحضار بعض المقتنيات من محيط منزلها الذي أصبح كومة ركام.

ووصفت خسارة البيت بـ”القاسية جدا”، فقد كان بالنسبة لها كل شيء، لكنها شاهدت أيضا عشرات البيوت، التي ما زالت صامدة.




“صحافيات صغيرات” يعدن إلى جنين

 تأخذ 19 زهرة مواقعهن في قاعة مستطيلة في قلب جنين، خلال يوم تدريبي طويل من مخيمهن الصيفي الإعلامي البيئي الحادي عشر “صحافيات صغيرات”.

وتتنافس اليافعات على تدوين ملاحظات حول أساسيات الذكاء الاصطناعي، وأصول التصوير الصحافي، وقواعد المساءلة المجتمعية، وقواعد التحرير الصحفي، وأصول التصميم، واشتراطات اللغة.

وتشرع خريجة تكنولوجيا الإعلام، جنان قطمش، التي سبق أن كانت قبل عامين متدربة في مخيمي «صحافيات صغيرات» السابع والثامن، في تدريب الفتيات على أصول الصورة، وقواعد صحافة الموبايل، وأساسيات اللقطات.

وتسرد للزهرات أهمية المخيم في صقل شخصية اليافعات، خاصة أنه تفاعلي، ويشكل إضافة نوعية، ويقدم للمشاركات فرصة ممارسة تطبيقات عملية في الصحافة وفنونها.

وتتناوب اليافعات على الاستماع إلى إرشادات جنان، الحاصلة على المركز الأول في كلية الآداب بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، فترسم لهن خارطة طريق لالتقاط صورة مهنية ببراعة وسهولة.

وتواظب على التدريبات الإعلامية المكثفة كندة هيجاوي، وسديل طوالبة، ومرح صوالحة، وبيسان تركمان، ورغد ورفيف خلوف، وسونيا أبو الرب، وريماس كيلاني، وزين قرعاوي، وريماس بزور، وإيلين وميار ضبايا، ومنال صلاح، ونوال منصور، ولميس وزينة ومنة عبيدي، وألما عياش، ولور أبو السباع، ولونا قدورة، اللواتي يمثلن المدينة ومخيمها وأجزاء من ريفها الغربي.

ويوفر المخيم تدريبات مكثفة، وتقف على رأسه الهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات، ومركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، بالشراكة مع الجامعة العربية الأمريكية، وشركة التكافل للتأمين.

وتفتتح رئيسة مجلس إدارة «الهيئة الاستشارية»، الإعلامية فرحة أبو الهيجاء، المخيم، رفقة مدير الهيئة أحمد أبو الهيجاء، ومؤسس مبادرة «صحافيات صغيرات» الزميل عبد الباسط خلف، وأستاذ الإعلام الرقمي في الجامعة العربية الأمريكية محمود خلوف.

وتقول إن المخيم يشكل استثناءً عن المخيمات الأخرى، من حيث مضمونه، ونوعية المشاركات فيه، وأهدافه التي ستتوج بمخرجات عملية تتلمس هم جنين ووجع مخيمها ومحنة ريفها.

وتشير أبو الهيجاء إلى أهمية تأهيل اليافعات على المفاهيم الإعلامية، وصناعة التأثير في محافظة تتعطش لمن ينقل قهرها وقصص حياتها، ويواكب عدوانها.

ويسترد الزميل خلف بدايات مبادرة «صحافيات صغيرات»، التي انطلقت من طوباس والأغوار الشمالية عام 2013، وعادت إلى جنين، فيما سبقتها مبادرة «الإذاعيون الصغار» عام 2000، التي أطلقتها وزارة الإعلام سابقًا.

ويختزل مخرجات المخيمات، التي عبرت عنها نحو 170 يافعة، في قصص إخبارية، وومضات إعلامية، وفيديوهات، وحوارات مع مسؤولين، وجولات على مؤسسات إعلامية، ومسارات بيئية.

ويؤكد خلف أن المبادرات خرّجت 4 صحافيات ومؤثرات، شققن طريقهن في الإعلام المحلي والعربي، بينهن ربى عياش، وعزة زعرور، وجنان قطمش، وبيلسان ضبابات.

ويلخص أبو الهيجاء أهمية المساءلة في العمل الصحافي، باعتبارها صوت الناس ومرآة همومهم، وبصفتها مهمة تمنح المؤسسات فرصة للسير في نهج الشفافية، وتنقل للمواطنين حقهم في الحصول على المعلومات.

ويواكب مع الصغيرات الخطوات الواجبة في صحافة تدافع عن المواطنين، وتمارس عملها بمسؤولية، وتتفادى السير خلف الشائعات، وتضع النقاط على الحروف.

ويقسم أبو الهيجاء الصغيرات إلى 4 مجموعات، تتقمص كل ممثلة فريق منهن جهة رسمية، وتعكف الأخريات على صياغة أسئلة تتصل بالعمل العام، وتتوقع الإجابات التي يمكنهن سماعها.

وينقل خلوف لليافعات محاذير الذكاء الاصطناعي، ويشرح لهن أخلاقياته، ويواكب لهن فنياته الأحدث، وطرق تطويعه في العمل الإعلامي، وينبههن إلى أخطاره بصفته «سلاحًا بحدين».

ويسبر للصغيرات غور البرامج الهائلة التي يمكن توظيفها في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع الحرص على أخلاقيات الاقتباس وأمانة التوثيق.

ويتناوب المصور في تلفزيون فلسطين، صخر زواتية، ومديرة تلفزيون الضفة التفاعلي، ميرا أبو عودة، على تلخيص قواعد التصوير ولقطاته وزواياه وكادره، وتتقمص اليافعات دور المراسل والمصور والضيف، ويجرين مقابلات افتراضية، ويدوّنّ ملاحظات حول نقاط ضعف المشاهد وقوتها.

ويستعد المخيم لاستضافة رئيس بلدية جنين محمد جرار، ورئيس مجلس فقوعة بركات العمري، ومدير مستشفى جنين الحكومي وسام بكر، ومدير عام التربية والتعليم طارق علاونة، والمديرة العامة لوزارة الأشغال العامة ميسون أبو بكر.

ويقول المشرفون إن «صحافيات صغيرات» استضاف طوال 10 أعوام سابقة وزير الصحة جواد عواد، ومحافظ جنين أكرم الرجوب، ومحافظَي طوباس والأغوار الشمالية، المرحوم ربيح الخندقي ويونس العاصي، ورئيس بلدية طوباس حسان مجلي، ومدير شرطة طوباس المرحوم سائد عساف، ورئيس تحرير شبكة معًا ناصر اللحام، وقد عُرضت مخرجات المخيمات السابقة في جامعة الدول العربية، والهيئة العربية للبث الفضائي، من خلال وزارة الإعلام سابقًا.

ويشيرون إلى أنه سيشمل إحاطات حول مفاهيم بيئية أساسية، وإطلالة على مهارات الكتابة الإبداعية، وفنون التقرير التلفزيوني، وإضاءات على مهارات التصوير الصحافي والتلفزيوني، وأصول الكتابة الخبرية.

كما سيمنح اليافعات إضاءات حول التحديات البيئية في فلسطين، وصحافة الموبايل، وسيستضيف بيلسان ضبابات، وهي خريجة إعلام رقمي شاركت في «صحافيات صغيرات» سابقًا.

ويؤكد المنظمون أن المخيم سيتوج بتسجيل «بودكاست» وومضات مرئية ومسموعة حول قضايا الإعلام، والبيئة، والمساءلة المجتمعية، والذكاء الاصطناعي، بالشراكة مع الجامعة العربية الأمريكية وإذاعتها.

ويوضحون بأنه سيقدم نتاجات الصحافيات الصغيرات المكتوبة والمسموعة والأعمال البصرية والصور، خلال حفل تخريج مُصغّر.

ويشير مركز التعليم البيئي إلى أن الدمج بين الإعلام والبيئة ضرورة ملحة، باعتبار الإعلام حجر الزاوية للتوعية، ولأهميته في نقل رسائل التوجيه والإرشاد وتطوير السلوك الصديق للبيئة، وصولًا إلى مناقشة التحديات التي تواجهها، والإطلالة على قضايا التنوع الحيوي، والتغير المناخي، والعدالة البيئية، وغيرها.

ويشدد المركز، الذي تأسس قبل 40 عامًا، على أن «صحافيات صغيرات» أنتجن في التجارب السابقة أفلامًا وثائقية قصيرة حول العطش في الأغوار، والزراعة في سهل الكفير، والوعي البيئي في جنين وطوباس، بالإضافة إلى أهداف الألفية الإنمائية 2023، التي عُرضت في القاهرة وعمان، كما شاركن في مسارات بيئية، وزرن عدة مواقع بيئية، منها حديقة المركز للتنوع الحيوي، ومحطة طاليثا قومي لمراقبة الطيور وتحجيلها، وقرية بتير، وقصر هشام، ومحمية سيريس، ومحطة تحجيل مرج ابن عامر الموسمية، وعدة مواقع في الأغوار الشمالية.




قصرة.. أرواح تحرس التراب في أيام الوجع

 بشار دراغمة- في قصرة، حيث يلامس الجبل السماء كأنه يحاول الفرار من ثقل الأرض، يتواصل الوجع منذ أيام كأنه لا يعرف نهاية، هناك في جبل رأس العين، تحبس عائلات داخل منازلها كأنها حكايات قديمة حبست بين جدران الزمن، والطريق إليها مغلق بخيام المستوطنين وبأوامر جنود الاحتلال، والكهرباء انقطعت، والماء جف، والصوت الوحيد الذي يصل هو صوت الصمت الذي يصرخ.

هكذا تكتب الحكاية في قصرة، منازل تحبس، وعائلات تنظر إلى بيوتها كأنها مرايا بعيدة، ورئيس بلدية يصرخ في الفراغ الدولي، ونساء يحملن الوجع كإرث يومي، وأطفال يتعلمون أن الجدران قد تكون سجنا والطريق قد يكون حلما.

الأرض هناك لا تنسى، والوجع لا ينتهي، والحكاية تستمر، كأنها تنتظر أن يكتب لها فصل آخر من الصمود أو من الرحيل.

بدأت الحكاية الأسبوع الماضي حين أقبل المستوطنون كظلال سوداء على التلة، فنصبوا خيمة في باحة المنازل، وأغلقوا الطريق، وقطعوا ما بقي من حياة.

عدة عائلات، صارت سجينة جدرانها، نحو خمس عشرة نفسا، بينهم طفلان صغيران، ينظرون من النوافذ إلى أرضهم التي صارت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

رقية حسان، التي تترك صوتها يتسلل كريح خفيفة بين الكلمات، تقول وهي تنظر إلى بيتها من بعيد: “البيت هناك أمامي، لكن لا أصله” زوجها يوسف داخل الجدران، وهي خارجها، وجنود الاحتلال يجلسون في بيتها ويحولونه ثكنة، والمستوطنون يدورون حوله كأنهم يرسمون حدودا جديدة للذاكرة.

 تحاول الوصول مرة بعد مرة، مع متضامنين جاءوا يحملون الماء والطعام، فيردون، تقول: “شعور سيئ أن أرى بيتي ولا أستطيع الوصول إليه، بينما من لا حق لهم يجلسون فيه”.

المواطن إبراهيم حسن أحد أبناء العائلات التي طالها الحصار والمضايقات الشديدة قرب جبل رأس العين، وهو يدفع دم قلبه وتعب سنين طويلة على بيته.

ينظر حسن إلى إلى الجدران التي صارت أقرب إلى السجن منها إلى المأوى، ويحكي بصمت الجسد أكثر مما تقوله الكلمات عن سنوات العمر التي ذابت في حجارة هذا المنزل، المشهد لا يحتاج إلى تعليق كثير فهو يلخص وحده كيف يتحول البيت من ملاذ إلى هدف، وكيف يختزل الإنسان إلى شاهد على ما يسلب منه أمام عينيه.

ويتحدث محافظ نابلس غسان دغلس عن قصرة التي تنهش ليل نهار، وعن جالود التي سبقتها، وعن كل زاوية في هذه الأرض التي صارت مسرحا يوميا لتجريف وحرق واقتحام وترويع.

يقول دغلس إن المحتل ومستوطنيه يظنون أن الحصار يخنق الأنفاس والترهيب يكسر العزيمة، لكنهم نسيوا أن فلسطين ليست مدنا وقرى متناثرة، بل جسد واحد يضيء دروب أبنائه بالكرامة.

ويدعو دغلس إلى أن يكون البقاء في الأرض هو المقاومة الحقيقية، وأضاف: “يجب أن نزرع أنفسنا في كل شبر كما تزرع الأشجار في الصخر، وأن نجعل من وحدتنا درعا ومن تكافلنا حضنا لكل متضرر.

ويؤكد أن صاحب الحق لا يهزم، وأن الأرواح في قصرة تحرس التراب وتحرس حلم الأطفال، وأن أبناء هذه المحافظة سيظلون حراسها، لا تراجع في خطوتهم ولا اندثار في حضورهم.

أما رئيس البلدية عبد العظيم الوادي، فيقف كشاهد على الحكاية كلها، صوته لا يرتفع كثيرا، لكنه يثقل الكلمات بوزن الحقيقة، يقول إن الاحتلال بمئات الجنود، فرض قيودا على الحركة، وأخلى نحو عشر عائلات أو أكثر، واستولى على عدة منازل وحولها إلى ثكنات عسكرية. مضيفا “المستوطنون يجولون في المنطقة بينما أصحاب الأرض طردوا”.

يطالب الوادي بتدخل دولي عاجل، ويحمل الاحتلال المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة، مضيفا “يكفي صمتا”. ويصف الوضع بأنه حالة طوارئ، والبلدية عاجزة عن توفير الدواء والماء والغذاء كما يجب.

ويحذر من أن التصعيد يهدف إلى التوسع الاستيطاني على حساب الأرض، وأن جيش الاحتلال “يقتل الوقت لصالح المستوطنين” بينما يستطيع إنهاء الأمر في ربع ساعة لو أراد. ويذكر بأن قصرة فقدت شهداء، وأن العائلات المحاصرة محرومة من أبسط الخدمات، وأن الطريق الوحيد مغلق.

وفي مفارقة غريبة تلخص المأساة كلها، تصل وفود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمتطوعين إلى أطراف المكان المحاصر، يحملون زجاجات الماء وعلب الطعام كأنها حلول عاجلة لجوع مؤقت. يقفون على بعد خطوات من المنازل، يمدون أيديهم بالإغاثة، بينما أصوات المحاصرين لا تطلب شربة ماء، بل تطلب رحيل المستوطنين أنفسهم.

ويرى أهالي قصرة أن الإغاثة تأتي كضمادة على جرح مفتوح، أما المطلب الحقيقي فهو أن ترفع اليد التي تمسك بالسكين، فالناس هنا لا يسألون عن لقمة تمنح، بل عن حق يستعاد.




من عكبر النحل إلى كريم طبيعي.. ثلاث طالبات ينسجن أملاً جديدًا لمرضى الإكزيما

في مختبر جامعي، بدأت الحكاية بفكرة بحثية حول مرض جلدي شائع، وانتهت بتركيبة أولية لكريم موضعي تسعى ثلاث طالبات فلسطينيات إلى تطويرها لتصبح منتجًا يمكن أن يجد طريقه إلى السوق. وبين الفكرة والتجربة، خضن رحلة امتدت فصلًا دراسيًا، بحثن خلالها في خصائص البروبوليس، أو “عكبر النحل”، وطرق استخلاصه، قبل أن يصلن إلى تركيبة اختبرنها على عدد من المصابين بالإكزيما، وسجلن نتائج أولية مشجعة.

وتقول الطالبات من الجامعة العربية الأمريكية لـ “الحياة الجديدة”: إن الفكرة انطلقت أساسًا من مشروع أكاديمي وبحث جامعي، لكنها ارتبطت منذ البداية بمشكلة صحية تمس حياة كثير من المواطنين، وهي الإكزيما بما تسببه من جفاف وتهيج وحكة ومظاهر جلدية تؤثر في راحة المرضى وجودة حياتهم.

وتوضح الطالبة تالا يوسف أن البحث بدأ بمحاولة العثور على مادة طبيعية يمكن أن تسهم في تهدئة البشرة ودعم ترطيبها، لافتة إلى أن البروبوليس جذب اهتمام الفريق لما يحتويه من مركبات نشطة، من بينها المركبات الفينولية، ولما يتمتع به من خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة والميكروبات.

وتضيف أن اختيار البروبوليس لم يكن نهاية البحث، بل كان بداية لسلسلة من التجارب للوصول إلى تركيبة مناسبة. فقد بدأت الطالبات بدراسة الإكزيما والبروبوليس والاطلاع على الأبحاث السابقة، ثم بحثن في أفضل طرق استخلاص المادة الطبيعية والمكونات التي يمكن دمجها معها، قبل تحضير عينات تجريبية وإجراء تعديلات متتالية على التركيبة إلى أن وصلن إلى الصيغة الحالية.

واستغرقت رحلة التطوير فصلًا دراسيًا كاملًا، شملت البحث النظري، ودراسة طرق الاستخلاص، واختيار المكونات، وتحضير التركيبات واختبارها، وصولًا إلى إعداد الكريم وإجراء التقييمات اللازمة.

وكان الوصول إلى تركيبة مستقرة ومتجانسة من أبرز التحديات التي واجهت الفريق.

وتقول تلال: إن الصعوبات تمثلت خصوصًا في اختيار الطريقة الأنسب لاستخلاص البروبوليس، وتحديد المكونات والنسب المناسبة، وضبط القوام والثبات، إلى جانب التحديات المرتبطة بتحضير العينات وإجراء الاختبارات. إلا أن التجربة والتعديل المستمر ساهما في تجاوز تلك العقبات.

رحلة العكبر من الخلية إلى الكريم

وتشرح تالا لـ “الحياة الجديدة” أن تحضير مستخلص البروبوليس بدأ بتقطيعه وتجميده ثم طحنه، قبل نقعه في الإيثانول بتركيز 70% ووضعه على جهاز الرج لمدة 72 ساعة، مع استمرار التحريك. وبعد ترشيح المستخلص وتبخير الإيثانول، جرى الحصول على مستخلص البروبوليس، الذي أضيف لاحقًا إلى تركيبة الكريم خلال مرحلة التبريد، بعد تحضير الطورين الزيتي والمائي ودمجهما.

ولا يقوم الكريم على البروبوليس وحده، إذ يضم زيت اللوز الحلو للمساعدة في ترطيب البشرة وتنعيمها، والجلسرين لجذب الماء والاحتفاظ به في الجلد، والبانثينول لتهدئة البشرة ودعم ترطيبها، إلى جانب شمع العسل والسيتيل الكحول لتحسين القوام والثبات، ومواد مساعدة على تكوين المستحلب واستقراره، فضلًا عن فيتامين «E» ومادة حافظة للحفاظ على سلامة المستحضر.

من المختبر إلى التجربة البشرية

بعد التأكد من الخصائص الأساسية للتركيبة، انتقل الفريق إلى مرحلة التقييم على عدد من المشاركين المصابين بالأكزيما.

وتوضح الطالبة بيان بزور لـ “الحياة الجديدة” أن الاختبارات مرت بمرحلتين؛ الأولى ركزت على خصائص الكريم نفسه، مثل الشكل واللون والرائحة ودرجة الحموضة والتجانس وقابلية الفرد والثبات، فيما تمثلت المرحلة الثانية في متابعة التغيرات في أعراض الإكزيما لدى المشاركين قبل استخدام الكريم وبعده.

وشملت المتابعة أعراضًا مثل الاحمرار والحكة والجفاف والتشققات والمظهر العام للجلد، إلى جانب رصد أي آثار جانبية أو شعور بعدم الارتياح.

وتقول بيان إن الفريق لاحظ “تحسنًا ملحوظًا” لدى معظم المشاركين، خصوصًا في انخفاض الحكة والاحمرار وتحسن جفاف الجلد والتشققات والمظهر العام للمناطق المصابة.

لكن الطالبات يتعاملن مع هذه النتائج بحذر علمي، ويؤكدن أنها نتائج أولية لا تكفي وحدها لإثبات فاعلية الكريم على نطاق واسع.

وتوضح بيان أن المشروع أعطى مؤشرًا مشجعًا على إمكانية الاستفادة من البروبوليس في المستحضرات الموضعية، لكنه يحتاج إلى دراسات أكبر وأكثر شمولًا.

ولم تسجل خلال فترة التقييم آثار جانبية خطيرة، حسب الطالبات، فيما لم يظهر لدى معظم المشاركين تحسس واضح من الكريم. إلا أن إحدى الحالات شعرت بحرقة عند وضعه على منطقة فيها جروح، وهو ما دفع الفريق إلى التأكيد على أهمية توسيع اختبارات السلامة قبل التفكير في أي استخدام واسع للمنتج.

اللحظة التي تحولت فيها الفكرة إلى مشروع

أما الطالبة راما عيسة، فتصف لـ “الحياة الجديدة” اللحظة التي بدأت فيها الطالبات يشعرن بأن مشروعهن تجاوز حدود الواجب الجامعي.

وتقول: إن ذلك حدث عندما وصلن إلى التركيبة النهائية، التي أظهرت خصائص فيزيائية مناسبة من حيث القوام والتجانس وسهولة الفرد، فيما بلغ الرقم الهيدروجيني نحو 5.5، وهو قريب من الرقم الهيدروجيني الطبيعي للبشرة.

وتضيف أن ثبات الكريم وعدم انفصال مكوناته أو حدوث تغير واضح في لونه أو رائحته، إلى جانب ظهور نتائج أولية خلال فترة قصيرة لدى بعض الحالات، جعل الفريق يشعر بأن الفكرة أصبحت أقرب إلى منتج قابل للتطوير، وليس مجرد تجربة داخل المختبر.

وتصف راما الانتقال من الجانب النظري إلى الجانب العملي بأنه كان الأصعب، خصوصًا خلال تحضير مستخلص البروبوليس والوصول إلى تركيبة متجانسة ومستقرة. لكن رؤية تحسن الحكة والاحمرار وترطيب الجلد والتئام بعض المناطق المصابة كانت، كما تقول، من أكثر اللحظات التي شعرن فيها بأن الجهد الذي بذلنه بدأ يؤتي ثماره.

تسع حالات.. ونتائج أولية تحتاج إلى مزيد من البحث

وحسب راما، وصل المشروع حاليًّا إلى مرحلة تطوير تركيبة ناجحة من كريم البروبوليس وإجراء تقييم أولي لخصائصه الفيزيائية والثبات، إلى جانب تطبيقه على تسع حالات مصابة بالإكزيما ومتابعة التغيرات في الأعراض.

وتشير إلى أن التحسن لوحظ لدى معظم الحالات في الحكة والاحمرار والجفاف وتشقق الجلد، لكنها تشدد على أن هذه النتائج “أولية”، وأن المشروع يحتاج إلى عدد أكبر من المشاركين، وفترة متابعة أطول، وتحضير عينات إضافية، وإجراء اختبارات أوسع قبل الوصول إلى استنتاجات أقوى بشأن الفاعلية والأمان.

ولهذا، لا تزال الطالبات بعيدات عن اعتبار الكريم منتجًا تجاريًّا جاهزًا؛ إذ لم يصل المشروع حتى الآن إلى مرحلة تسجيل براءة اختراع أو الحصول على اعتماد رسمي.

وتقول راما: إن الأولوية في المرحلة المقبلة هي توسيع الاختبارات، وزيادة عدد المشاركين، وإطالة مدة الدراسة، وإجراء مقارنات مع مستحضرات متوفرة في السوق، إلى جانب تقييم السلامة والفعالية بصورة أكثر شمولًا.

من مورد محلي إلى فرصة صناعية

وترى الطالبات أن أحد الجوانب المهمة في المشروع يتمثل في إمكانية الاستفادة من مواد متوفرة محليًا، وفي مقدمتها البروبوليس. وتقول بيان: إن الاعتماد على موارد محلية كان جزءًا من فكرة المشروع، انطلاقًا من قناعة بأن البحث العلمي يمكن أن يبدأ من مواد بسيطة ومتاحة، ثم تحويلها عبر المعرفة والتجربة إلى منتج ذي قيمة صحية وعلمية.

وتشير إلى أن البروبوليس مادة طبيعية متوفرة، ما قد يفتح مستقبلًا المجال أمام تطوير مستحضرات بتكلفة مناسبة، خصوصًا في حال الاعتماد على مصادر محلية، لكنها تؤكد أن تحديد التكلفة بدقة يحتاج إلى دراسة اقتصادية متكاملة تشمل المواد الخام والتصنيع والتعبئة والإنتاج على نطاق تجاري.

ومن حيث المبدأ، ترى الطالبات أن إنتاج الكريم داخل فلسطين ممكن، لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب المرور بسلسلة من الخطوات، من بينها إجراء دراسات سريرية أوسع، واختبارات أكثر شمولًا للثبات والأمان، وتوحيد جودة المستخلص، واستكمال الموافقات والتراخيص اللازمة.

مشروع جماعي ورسالة لطلبة فلسطين

وتؤكد الطالبات أن العمل الجماعي كان عنصرًا أساسيًّا في إنجاز المشروع. فقد توزعت الأدوار بين البحث العلمي وتحضير المستخلص وتجهيز التركيبة وإجراء الاختبارات، إلى جانب متابعة المشاركين وتسجيل النتائج وتحليلها، مع مراجعة كل خطوة ومناقشتها بصورة جماعية.

وتقول راما: إن التجربة علمتهن أن البحث العلمي لا يقوم على المعلومات النظرية وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والدقة والتعاون والقدرة على مواجهة المشكلات والبحث عن حلول لها، فضلًا عن الالتزام والاستمرار في تطوير الفكرة.

وفي نهاية رحلتهن البحثية، توجه الطالبات – عبر “الحياة الجديدة”- رسالة إلى الطلبة الفلسطينيين الذين يمتلكون أفكارًا علمية ولا يجدون طريقًا لتحويلها إلى مشاريع، ويؤكدن أن الفكرة لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانات كبيرة في بدايتها بقدر حاجتها إلى الإصرار والإيمان بها والبحث عن الأشخاص والجهات القادرة على دعمها.

وتقول راما: “لا تتركوا أفكاركم مجرد أفكار؛ ابدأوا بخطوة صغيرة، فربما تكون هذه الخطوة بداية لابتكار حقيقي يخدم مجتمعنا ويصنع فرقًا”.

بين عكبر النحل الذي جاء من الطبيعة، والمختبر الذي احتضن التجربة، وتسع حالات شاركت في التقييم الأولي، تبدو قصة الطالبات الثلاث نموذجًا لما يمكن أن يفعله البحث الجامعي حين يخرج من حدود القاعات الدراسية، ويحاول الاقتراب من احتياجات الناس. فالكريم لا يزال في مرحلة البحث والتطوير، لكن الرحلة نفسها تفتح بابًا لابتكار فلسطيني يبدأ من الجامعة، ويطمح إلى الوصول يومًا إلى رفوف الصيدليات.