1

الأغوار الشمالية.. بين مطرقة المستوطنين وسندان جيش الاحتلال

 عاطف أبو الرب- لا تمضي ساعات إلا ويسجل انتهاك من قبل الاحتلال ومؤسساته ومستوطنيه بحق الأغوار الفلسطينية من شمالها إلى جنوبها، تارة بيد جيش الاحتلال، وتارة بيد شرطة الاحتلال وما يسمى مجلس مستوطنات الأغوار، ومع كل هؤلاء عصابات المستوطنين التي تعيث في الأرض فساداً.

أمس الأول تم الاعتداء على مواطن من مدينة طوباس، بعد احتجاز سيارته في منطقة العوجا شمال أريحا، لساعات تعرض خلالها للتنكيل والاعتداء، وأدخل بعدها إلى المستشفى.

الشاب تم احتجازه منذ يوم امس الأول الساعة 11 ليلا حتى ال7 صباح أمس  من قبل جنود الاحتلال حيث تم الاعتداء عليه بالضرب المبرح وتحطيم مركبته وتم نقل الشاب الى مشفى اريحا لتلقي العلاج

ليس بعيداً عن المكان، داهم مستوطنون مضارب المواطنين في منطقة المعرجات بالقرب من المدرسة، واعتدوا على المواشي بحضور جنود الاحتلال الذين لم يحركوا ساكناً، فيما عجز المواطنون عن رد الأذى عن مواشيهم، تجنباً لاعتداء الجنود.

أمس الاول، اقتحم جيش الاحتلال وما يسمى مجلس المستوطنات المنطقة الواقعة شرق بردلا على المدخل الرئيسي للقرية، واوقفوا العمل ببناء بيوت بلاستيكية في أراضي المواطنين، واحتجزوا المواطنين الذين يعملون في تركيب البيوت البلاستيكية، كما احتجزوا خلاطة باطون وجرار زراعي وسيارات خاصة، وبعد ذلك صادروا خلاطة الباطون، والجرار الزراعي، كما اعتقلوا عبد الله بسام علي فقها، وتوجهوا بهم إلى جهة غير معلومة.

وطالت مضايقات الاحتلال المؤسسات الدولية ونشطاء السلام والمقاومة الشعبية، حيث اعتقلت قوات الاحتلال رئيس مجلس المالح والمضارب البدويه مهدي دراغمة، وطاقم مؤسسة كومت مي بعد أن صادرت 5 كاميرات، كانت قدمتها المؤسسة للمواطنين لنصبها في تجمعاتهم السكنية لتوثق اعتداءات المستعمرين، كما صادرت هذه القوات كاميرات شخصية لعدد من نشطاء سلام اسرائيليين.

وبهذا تبقى الأغوار الفلسطينية وحيدة في مواجهة الاحتلال وأدواته، حيث يسابق الاحتلال الزمان من أجل فرض واقع صهيوني في الأغوار، وتهويد جميع أراضي الأغوار وطرد أصحابها من منها.




“الشفاء”.. مستشفى يسبق دولة الاحتلال

 عبد الباسط خلف- تستلقي في منزل عائلة الطبيب الجراح لميع الأسير صورة بالأبيض والأسود لجده القاضي محمد مطيع عثمان الأسير، وأسفلها إشارة إلى تأسيسه لمستشفيين في جنين وحمص بسوريا قبل عام 1948.

واسترد الحفيد بفخر سيرة الجد الذي أسس أول مستشفى في جنين، بدأ عمليا عام 1946 وعمل في السنة التالية، وصار يستقبل مرضاه من مناطق عديدة، ومن الداخل

الجد القاضي

أبصر القاضي المؤسس النور عام 1864، وأكمل تعليمه في الأزهر الشريف واسطنبول، وعمل قاضيا في تركيا وحمص وحماة والسلط ويافا ونابلس وجنين، بعدها أسس مستشفى الشفاء وجامع القاضي في جنين، إضافة لمستشفى ومسجد آخر في حمص، وتوفي عام 1968.

ووقف الطبيب الجراح لميع بجوار حجر نقش عليه تاريخ المؤسسة الصحية الأولى، التي تسبق دول الاحتلال وتأسيس واستقلال العديد من البلدان العربية، وأشار إلى استعداد العائلة لإحياء ذكرى 80 عاما على افتتاح المستشفى.

وقال: ارتبط اسم “الشفاء” بوالدي الدكتور خالد، الذي ولد في حمص عام 1920 وتوفي في جنين عام 1994، ونال شهادة العلوم من الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم درس الطب في جامعة القاهرة، وتخصص في الجراحة العامة بجامعة أدنبرة الاسكتلندية، ووضع ثقله في تطوير المستشفى وتشغيله.

وحسب الابن، فإن والده كان يجمع بين التطبيب العام، والجراحات الطارئة، وطهور الأطفال، ومداواة الأمراض الجلدية، إضافة إلى قسم الولادة، وكان مخولا بإعطاء دورات تدريبية للممرضين والأطباء، ومنحهم شهادات، كما تطوعت معه ممرضة إنجليزية متضامنة مع فلسطين اسمها (ماري).

واستطرد أن والده كان يداوي بداية الأمر في بيته، وصمم بيده مصعدا للتنقل بين المستشفى والمنزل.

ومن اللافت، ما يشاع حول قصة قديمة لرشاد الحمدان من جنين، الذي لدغته أفعى في الغور قبل النكسة، وظل يسير بوجعه حتى يصل إلى “الشفاء”؛ لأن طبيبها كان يمتلك أسلوبا مختلفا في المعالجة.

عائلة أطباء

ورثت عائلة الأسير مهنة مؤسس المستشفى ومشغله، إذ تضم اليوم 6 من ملائكة الرحمة: طبيب العيون مطيع، الذي ترك بصمة في تطوير المستشفى وإعادة هيكلتها وتوسعتها عام 1997، ودشن أول مركز حديث لجراحة العيون في جنين. أما الدكتور لميع فخريج الجراحة من جامعة القاهرة، فيما يحمل الحفيد خالد شهادة الطب من جامعة القدس، وشقيقته دينا طبيبة أسنان في الرياض، وثالثهم بشار الذي درس في الأردن ويعمل في مراكز (مايو كلينك) بالولايات المتحدة الأميركية. بينما تخصصت الابنة نور في طب العيون بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، ومثلها اختها رنا طبيبة العيون، بينما اختارت لونا طب الأسنان في الجامعة العربية الأمريكية.

وأكد الابن أن والده كان يخصص شهر رمضان لمعالجة المرضى بالمجان، فيما قدمت العائلة مساحات كبيرة من أرضها لإقامة أجزاء من مخيم جنين عليها، إضافة إلى مقبرة الشهداء، ومستشفى ومركز تعليمي في أطراف المخيم، وقدم لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية موقعا لأبراجها دون مقابل.

وأشار د. لميع إلى أن والده نقل إليه تفاصيل العمل في العقود السابقة، إذ لم يكن هناك تصوير بالأشعة، ولا عمليات جراحية معقدة، أو متخصصة، وكانت أدوات تطبيب الأذن بسيطة، ولكن بعد عام 1997 تم تأسيس الجراحات التخصصية، وبدأت “الشفاء” تداوي أمراض القلب والأعصاب، وتستضيف أطباء مهرة من محافظات مختلفة والداخل.

يضم المستشفى الآن 12 غرفة، وأضيف إليه ضعف أبنيته، ويمتد على 467 مترا، في شارع المحطة، المشتق تسميته من محطة السكة الحديدة العثمانية، التي كانت تمر من المدينة، ويساهم الأبناء والأحفاد في إدارته والتخطيط لتطويره.

واستذكر الابن ما حل بوالدته سميرة العبوشي وشقيقها جواد وأبناء عمه منذر ووائل، حينما قدموا من الولايات المتحدة بغية تأسيس مركز إسلامي وتعليمي في جنين، وكانوا في زيارة إلى رام الله عام 1998، لكن أربعتهم قضوا في حادث سير صعب.

وتبعا للعائلة، فإن الجد الأسير المؤسس أوقف 4 متاجر للإنفاق على المستشفى والمسجد، كما أقام محطة هوائية لتوليد المياه في بيته وحولها إلى سبيل للمارة والأهالي، بينما أسس الابن الجراح سينما جنين، مثلما سهل “الشفاء” منح مستشفى الرازي تراخيص مزاولة العمل




“الأفندي”.. 43 عامًا وراء العربة نفسها

عبد الباسط خلف- يتحامل محمد محمود عبد الرحمن عتيق على ضعف بصره وانحناء ظهره، فيدفع بشق الأنفس عربته التي يطغى عليها الأخضر والأحمر، في شوارع جنين المليئة بالحفر وآثار العدوان؛ ليلتقط رزقه منذ 43 عامًا.

ولخص عتيق، الذي أبصر النور في شباط 1952، سيرته، فأشار إلى ولادته بإعاقة بصرية كبيرة، ومن يومها بدأ يكافح في هذه الدنيا، وأطلق عليه أهله والناس “الأفندي”، دون أن يعرف السبب.

وقال إنه معروف بأبي أشرف، وينال شعبية واسعة بين الزبائن والتجار والمارة، كما تلازمه القبعة بالصيف والشتاء، ولا يتنازل كما أشار عن معاملته الحسنة للجميع، ولا يخرج في إجازة إلا مكرهًا، أو لظروف العدوان والاجتياح، التي صارت تتكرر كثيرًا في السنوات القليلة الماضية.

ويُعد عتيق أقدم عتّال متنقل في جنين، ويلازم مهنته منذ عام 1981، يوم ضاقت الدنيا بوجهه، وانقطعت به سبل العيش، ولم يعد يقوى على رفع الإسمنت والأوزان الثقيلة جداً، والسير في المناطق المحفوفة بالمخاطر، بفعل بصره.

وأفاد بأنه تنازل عن المهنة التي رافقته 18 عامًا أيام صباه، وخلالها ساهم في بناء مدرستين في بلدته برقين، وشّيد عشرات المنازل، ورفع آلاف تنك الإسمنت الثقيل على كتفيه، كما كان شاهدًا على ظاهرة “العونة”، وفيها اجتمع الأهالي على مساعدة أصحاب البيوت حديثة العهد، دون مقابل، قبل دخول مضخات الإسمنت.

اشترى “الأفندي” عربته بـ 50 دينارا، وحافظ على هيكلها المعدني، وأجرى بعض التغييرات على خشبها، ويقطع نحو 20 كيلومترًا كل نهار، ويرفض طلبات أولاده بالتقاعد والراحة؛ لأنه يعتقد أن من يتوقف عن العمل في سنه، فسيصبح رهينة للأمراض.

واستعاد قصصًا من الماضي، يوم كان مشهوراً برفع الباطون على ظهره، وكان الناس يطلبونه على أي ورشة بناء، لأنهم كانوا يعرفون إخلاصه، ويحترمون كفاحه وبساطته وطيبته.

وأفاد عتيق بأنه يشتغل في الصيف والشتاء أكثر من 10 ساعات يومياً، وفي فترة المساء كان يرجع لرعى قطيع أغنامي في السهول والجبال المحيطة ببلدته.

وأضاف بابتسامة عفوية، إن المسافة اللي قطعها مع عربته توصله لو جمعها إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنه يمشي منذ 43 عامًا.

وسرد إنه يعجز في بعض الأيام عن جمع بضعة شواقل، لكن هذا أفضل من أن ينتظر المساعدات، أو يمد يده للناس. كما نقل لأولاده العصامية والاعتماد على الذات.

ووفق الراوي، فقد صارت العربة جزءًا منه، وكان في السابق ينقلها إلى بيته في بلدة برقين (5 كيلومترات غرب جنين) مشياً على الأقدام، ثم أصبح يتركها عند أحد التجار.

وأكد أن العربات تكاثرت هذه الأيام، كما تضاعفت المركبات والمتاجر، وصارت هناك منافسة مع تراجع الحال الاقتصادي، لكنه يلتزم الصمت ولا ينادي على الزبائن، ولا يفاوض أحدًا، غير أنه يصف الوضع بـ”الدمار” بسبب كثرة الاجتياحات، وأزمات الرواتب، وتعطل المشتغلين عن العمل في الداخل المحتل، وحصار جنين ومنع أهالي الداخل من الوصول إليها، إلا في المناسبات القليلة.

درس أبو أشرف حتى الصف الأول الإعدادي، ولم تشجعه أوضاعه الصحية على الاستمرار، واتجه إلى العمل في الباطون، ومساعدة والده في رعي الأغنام والزراعة، وله 5 أولاد وابنتان وعدة أحفاد.

وأوضح أن العمل خلال انتفاضة عام 1987 كان صعبًا، وفيه الكثير من المعاناة، لكن الأحوال الاقتصادية الراهنة أشد صعوبة، كما تضاعف الغلاء عدة مرات، وارتفعت أجرة طلب العربة من 2 شيقل إلى 5.

واختتم بأمنية عامة، وهي أن يشعر الناس بأحوال جيرانهم وأهالي بلدتهم، في هذه الظروف الصعبة، وأن يتفقدوا باستمرار احتياجاتهم، ويعتقد بأن التكافل قوة.

والأفندي، كما نقلنا إلى حامل اللقب، اسم مفرد وجمعه أفندية، وهي كلمة تركية ذات أصل يوناني، كانت تستعمل كلقب اعتباري لأصحاب الوظائف العليا، وشاع استخدامها في مصر والعراق وبلاد الشام مع الحكم العثماني.




مهن مؤقتة يروي أصحابها قصة البقاء في قلب نابلس

في زوايا الحياة المتشابكة في مدينة نابلس، تتناثر قصص من الكفاح والأمل والإصرار على البقاء والثبات رغم كل محاولات الاحتلال قتل روح الحياة في المدينة التي تتعرض لحصار خانق.

هناك، حيث تختلط روائح التاريخ بعنفوان الحاضر، يواجه المواطنون تحدياتهم اليومية بشجاعة وإصرار.

وفي المدينة، التي طالما كانت شاهدة على تحولات الزمن، تحتضن بين أزقتها قصصا إنسانية ملهمة، تروي حكايات البقاء والنضال. على أرض نابلس، نرى وجوها تتأرجح بين الأمل والإصرار، بين الفرح والحزن، تجسد في تفاصيلها جمال الصمود ومرارة الصعاب.

وفي هذا السياق المعقد، تطفو على السطح حكاية خالد عادل، الذي تحول من فنان ديكور إلى بائع مشاوي، ليروي بفصول حياته قصة مقاومة من نوع آخر، مقاومة ضد الفقر والبطالة، وضد الظروف التي فرضتها الحرب والسياسة.

خالد الذي كان يعمل في مجال الديكور، وجد نفسه فجأة خارج نطاق عمله منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل في نابلس، اضطر خالد إلى البحث عن مصدر رزق بديل يمكنه من البقاء والاستمرار. لم يكن هذا القرار سهلا، فالتخلي عن مهنة أحبها وأتقنها كان بمثابة التخلي عن جزء من هويته. ومع ذلك، الحاجات الماسة والظروف القاهرة كانت أقوى من كل التحديات.

فكر خالد مليا، وبينما كان يجول بنظره في أرجاء المدينة، رأى في أعين الناس حكايات مشابهة لحكايته، حكايات تكافح من أجل البقاء. قرر حينها أن يبتكر حلا، أن يجد لنفسه مخرجا من هذا النفق المظلم. نصب كرفانا على جانب الطريق، وبدأ بمهنة جديدة، بيع المشاوي. لم تكن تلك الخطوة مجرد محاولة للرزق، بل كانت تجسيدا لإرادة الحياة، وصرخة في وجه اليأس.

الكرفان الذي نصبته يداه كان بسيطا، لكنه كان يحمل في طياته روح الإصرار.

خالد الذي كان يبدع في تشكيل الديكور، أصبح يبدع في تقديم أشهى الأطباق. بموهبة فطرية في إعداد المشاوي وإصرار لا ينكسر على الصمود والثبات ومكافحة البطالة.

يقول خالد إنه لا يقدم لزبائنه طعاما مشويا، بل وجبة مملوءة بحكايات الصمود.

وعلى بعد أمتار يقدم محمد هادي لزبائنه الذرة المتبلة بأنواع مختلفة من البهارات.

يقول هادي الذي فقد هو الآخر مصدر عمله بعدما كان موظفا في القطاع الخاص في نابلس إنه لا يريد أن يتحول إلى متسول ويصر على العمل بأي طريقة لتأمين مصدر دخل لعائلته.

ويضيف إنه لم يكن يتخيل نفسه أن يبيع على بسطة. ويتابع: “كل الناس تريد أن تبحث عن مصدر رزق هناك من يسعى وينجح وهناك من ييأس ويفشل ولا يحقق غايته”.

هادي الذي يقف لساعات طويلة خلف بسطته يستمع بعناية إلى قصص الزبائن، فيجد في كل قصة جزءا من حكايته.

تتزايد القصص المماثلة في المدينة التي تحيط بها نحو عشرة حواجز عسكرية ولسان حال أهل المدينة يؤكد على الصمود رغم كل محاولات الاحتلال قتل الحياة فيها.




غزة: شبح “الكوليرا” يتجوّل بين خيام النازحين!

 عشرات آلاف النازحين في المواصي يعيشون بين أكوام النفايات
– مرحاض لكل ٤١٥٠ نازحاً يفاقم معاناة النازحين ويزيد من خطر انتشار الأمراض والأوبئة
– الظروف القاسية التي خلفتها الحرب لا يمكن تخيلها وانعدام مياه الشرب والاستحمام كل أسبوعين بمياه غير نظيفة
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: ٢٧٠ ألف طن من النفايات تراكمت بين الأماكن السكنية

حذر تقرير لافت نشرته منظمة “أوكسفام” الدولية، وهي منظمة تعمل في مجال الإغاثة، من أن تدمير قوات الاحتلال الإسرائيلي البنية التحتية الحيوية للماء والصرف الصحي، إلى جانب الاكتظاظ الشديد وسوء التغذية والحرارة، “تدفع بقطاع غزة إلى حافة تفشي الوباء القاتل”، في إشارة إلى وباء “الكوليرا”!

وتشير التحذيرات المتواترة من قبل “أوكسفام” ومنظمات دولية أُخرى تواصل أعمالها بصعوبة بفعل الحرب الدموية التي تواصلها قوات الاحتلال في كل قطاع غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، ومعها تحذيرات متكررة من الجهات المسؤولة عن القطاع الصحي في أكثر من موقع بالقطاع، إلى أن النازحين المتكدسين بعشرات الآلاف في منطقة المواصي القريبة من البحر يعيشون بين/ وعلى مقربة من أكوام النفايات، وتمشي معهم في الطرقات سيول من مياه الصرف الصحي، كما أن الأطفال يعانون من لدغات الحشرات، ما يشكل، كما تقول بيانات متطابقة، “بيئة مثالية لتفشي الأوبئة المختلفة”، وبالطبع “الكوليرا” من بينها.

الظروف الصحية “المروعة” في منطقة المواصي حيث يتواجد أكثر من مليون ونصف المليون من النازحين، كما تقول “أوكسفام” في آخر بياناتها الصحفية، تشمل النقص المهول في المراحيض، حيث يتوفر لكل 4130 من النازحين مرحاضاً واحداً فقط، ما دفع كثيرين منهم، كما قال مواطنون تحدثوا لـ”القدس” دوت كوم، بصورة منفصلة، أمس، إلى إنشاء مراحيض رثة من القماش ملاصقة للخيام، وذلك في محاولات يائسة للحصول على قدر من “الستر”، وللتخفيف من مخاطر البيئة غير الصحية التي ترغمهم الحرب على العيش فيها.

قال المواطن “م.ع” (فضل عدم الإشارة إليه بالاسم): إن إنشاء مرحاض لـ”قضاء الحاجة” بجانب خيمة في مناطق النزوح المتبدلة جنوب وادي غزة؛ للمحافظة على قدر من النظافة يقي من شر الأوبئة المحتملة، “صار يمثل واحداً من همومنا غير الصغيرة منذ صرنا نازحين”؛ غير أن امتهان شبان ممن أفقرتهم الحرب تركيب مراحيض من القماش فوق حفر صغيرة بجانب خيام النزوح (مقابل أجر قليل) جعل المسألة، بالنسبة لبعض العائلات، أقل تعقيداً، مضيفاً في حديثه لـ”القدس” دوت كوم، أن حجم الكارثة البيئية التي أنتجتها الحرب، إضافة إلى استهداف معدات الهيئات المحلية المخصصة لنقل النفايات بالتدمير .. وأيضا، تكدس عشرات آلاف النازحين، بما في ذلك قرب/ وبجانب أكوام النفايات، كل ذلك يجعل من نذر الكارثة (يقصد انتشار وباء “الكوليرا”) أقرب إلى التحقق.

وفي تقرير لمنظمة “الأمم المتحدة” للطفولة – “يونيسف”، نشر قبل يومين، قالت المنظمة إن الظروف القاسية التي خلقتها الحرب الإسرائيلية في “غزة” وعموم القطاع “لا يمكن تخيُّلها”، ناقلة عن أم نازحة اسمها (وسام) أن عائلتها التي تضم أربعة أطفال تنعدم لديها مياه الشرب النظيفة، بينما يستحم أفراد العائلة (بالمياه غير النظيفة) مرة كل أسبوعين، وهو وضع مماثل تعيشه عائلة الأم حنان الجرجاوي (35 عامًا) التي انتشل أطفالها الخمسة من بين أنقاض منزل في مدينة غزة دمره القصف الإسرائيلي، فيما تشير الأم نجوى إبراهيم الدباجي، في السياق ذاته، إلى أن جميع أطفالها (عددهم 4) أصيبوا بالتهاب الكبد الوبائي بسبب نقص النظافة.. وأن أطفالها يبكون طوال الليل بفعل الحرارة الشديدة داخل خيمة النزوح، كما أنهم – كما تنقل الـ”يونيسف” عن الأم “الدباجي”- يتبولون “لاإرادياً” بسبب الخوف.

وبينما قدرت مصادر في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 270 ألف طن من النفايات تراكمت في أكوام وتتوزع في أماكن مختلفة وعلى مقربة من الأماكن السكنية، إلى جانب ما يزيد على مئة ألف طن أخرى من النفايات توزعت في أكوام بصورة عشوائية في مدينة غزة.. يشير منذر شبلق، وهو الرئيس التنفيذي لمصلحة مياه بلديات الساحل في قطاع غزة، إلى أن جميع أنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي على وشك الانهيار التام؛ لأن الأضرار بفعل الحرب واسعة النطاق. ولا تتوفر كهرباء لتشغيل آبار المياه ومحطات التحلية، وما تبقى من محطات معالجة المياه العادمة التي تفيض في الشوارع وبين خيام النازحين.

تقول الـ”يونيسف” إنها وزعت، خلال الأسبوعين (حتى 10 حزيران الجاري) خمسة آلاف عبوة تضم أدوات للنظافة، فيما تقول “أوكسفام” إن جهودها للتخفيف من وطأة الظروف البيئية شديدة القسوة الناجمة عن “حرب السيوف الحديدية” الإسرائيلية، وعلى الرغم من كل الظروف، تمكنت بالتعاون مع منظمات محلية من إجراء إصلاحات سريعة لبعض أنابيب الماء والصرف الصحي التي تضرّرت بفعل القصف الإسرائيلي في محافظات رفح وخانيونس ودير البلح، بينما تحدث عاملون في “الإغاثة الزراعية الفلسطينية” مع “القدس” دوت كوم، عن أن الجهود التي تبذلها المؤسسة في مواجهة الكارثة البيئية الناجمة عن الحرب تشمل تأمين المياه الصالحة للشرب لعشرات آلاف النازحين؛ لكن كل ذلك وغيره، لا يخفف من وطأة القلق الذي ينتاب مئات آلاف النازحين حيال احتمال انتشار “الكوليرا”؛ ليصبح الوباء أحد الأدوات الإضافية في حرب الإبادة المتواصلة.