1

“سنابل كنعان” تزهر في أطراف مرج ابن عامر

عبد الباسط خلف- راحت المعلمتان الفنانتان سندس فياض ودعاء نجيب تفككان رموز أطول جدارية في جنين، وأخذتا تشرحان معاني لوحاتهن التي أمضين نحو شهرين في رسمها على الجدار الشرقي لمدرسة برهان الدين العبوشي، في أطراف جنين ومرج ابن عامر.

وسارت الرسامتان بجوار عشرات اللوحات، التي اختزلت مراحل بارزة في تاريخ فلسطين، ونحتتا شعارات وكتابات وطنية، ونقشتا آيات قرآنية، واستحضرتا سنوات عجاف في التاريخ الوطني.

ملحمة ألوان

وقالت سندس وهي تضع لمسات النهاية على لوحة حاكت تاريخ اللجوء، إن الجدارية هي ملحمة حافلة بالألوان أرّخت لمراحل مفصلية في حياة شعبنا الفلسطيني، وانتهت بما يواجهه من تحديات جسام.

وأشارت خلال تدشين اللوحات، التي نفذتها جمعية إنسان للعمل الخيري ومديرية التربية والتعليم ومركز الطنطورة الثقافي وحركة “فتح”، إلى أن الجدارية الأكبر في جنين قدمت سيرة كنعان، مثلما وثقت الوطن خلال حريته، ونقلت وجع الخيام ومحنة التشريد، واستعارت رموزا لناجي العلي بأيقونة حنظلة، واستحضرت لوحة جمل المحامل لسليمان منصور.

وبينت فياض، المعلمة في المدرسة المستضيفة للجدارية، أن أسوار المكان صارت تنطق بعشرات الرموز والدلالات، وتقدم لوحة لفلسطين ومحكيتها الكبرى، وتنقل مفارقة تحول الخيمة من لونها الداكن عام 1948 إلى اللون الأبيض خلال العدوان الحالي، فصارت رمزا للموت.

وغيرت فياض رموز فحص النظر المتعارف عليها دوليا، وصبغتها بأحرف كلمة غزة في استعارة تفيض بالمعاني، كما قالت.

بينما كانت معلمة الرياضيات في المدرسة ذاتها، دعاء نجيب، والموهوبة بالرسم تتابع تناسق الألوان في الجدار الممتدة على 100 متر، والتي ترتفع لأربعة أمتار.

وشرحت لزوار المعرض سبب إطلاق “سنبلة كنعان” على العمل الفني، وقالت إن السنابل مستعارة من جنين وحقول مرج ابن عامر، بينما يعيدنا كنعان إلى جذورنا التاريخية العصية على الاقتلاع.

رياضيات وفن

وفسرت دعاء شغفها بالرسم، بالرغم من تخصصها المختلف تماما، وقالت إن الرياضيات علم قائم على المنطق، وهو أساس الهندسة والتناسب.

وقالت إن أخطاء الرياضيات لا يتحملها العقل، وهفوات الفن لا تستوعبها الأذن والعين.

وذكرت دعاء أنها ورفيقتها حرصتا على اختزال سيرة فلسطين الطويلة في الجدارية، عبر رموز جمعت الفن والسياسة والتضحية والمحنة والمقاومة والبقاء.

وأمضت سندس ودعاء نحو 60 يوم عمل في الرسم، وكانتا تصلان الليل والنهار لإنجاز الجدارية وقص شريطها في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني.

وتداخلت ألوان العمل الفني وخطوطه، فباحت بالبلاد المفعمة بالحياة، ومجدت الثوب الفلسطيني، ثم انتقلت إلى النكبة وخيامها، وجسدت العدوان المتواصل من أكثر من 13 شهرا على قطاع غزة.

وتنافست محطات زمنية مهمة على الحضور في العمل الفني، الذي توقف عند إعلان الاستقلال، واستحضر وعد بلفور، ومزج بين ألوان أعلام سوريا والعراق والأردن ومصر واسترد تضحياتها في فلسطين، واستحضر احتضان الجزائر لإعلان الاستقلال.

400 متر

بدوره، ذكر مدير جمعية إنسان للعمل الخيري، فداء تركمان، أن افتتاح الجدارية عبرت عن سيرة فلسطين خلال 76 عاما، وأكدت في يوم التضامن مع شعبنا على توق فلسطين للحرية، وطيها لصفحات القهر.

وقال إن الجدارية الممتدة عبر 400 متر مربع، هي الأضخم في المحافظة، وتتفوق على جداريات في مدن مجاورة.

بينما وصف مساعد محافظ جنين، أحمد القسام الجدارية بلوحة تعكس حياة شعبنا الفلسطيني، وتعبر عن الصفحات الطولية التي عاشها طوال سنوات محنته.

وأشار مدير عام التربية والتعليم، طارق علاونة، إلى أن العمل يعكس قيم الارتباط بالأرض، إذ تقدمه معلمتان وتشاهده طالبات، وسيتحول إلى وجهة لتعليم التربية الوطنية في درس عمل وفي الهواء الطلق.

فيما أكدت مدير المدرسة، رابية ذياب، أن الجدارية تمثل رسالة إلهام للطالبات، اللواتي سيتعلمن عبر ألوان ورموز وشعارات الكثير من المفاهيم الوطنية، وخاصة أنهن شاهدن معلماتهن وهن يتطوعن على إنجازها عدة أسابيع.

وقالت الطالبة رغد أبو زيد إنها ستشاهد كل صباح اللوحات الممتدة على سور مدرستها، وستتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء، كما في أول الجدارية الجميلة والمليئة بالحياة، دون حروب ودمار كما رسم في نهايتها.

ورأى منسق مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، أحمد عمارنة، بأن “سنابل كنعان” يمكن أن تكون وسيلة تعزز مفهوم “القراءة من خلال الصورة”، وستكون أداة فاعلة تصلح للتأمل، ويمكنها تشجيع الطالبات على الإبداع.

سيد المكان

يشار إلى أن برهان الدين العبوشي، الذي تستضيف مدرسته العمل، أبصر النور في جنين عام 1911، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، والتحق بكلية النجاح لدراسة الثانوية، ثم انتقل إلى الكلية الوطنية بالشويفات في لبنان، والتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1933، ولم يتمكن من مواصلة دراسته لأسباب وطنية، فعاد إلى فلسطين وعمل موظفا في البنك الزراعي العربي (بنك الأمة العربية) في طبريا.

واشتهر الراحل بمناهضة الاحتلال البريطاني، فشارك في ثورة 1936، ووقف على رأس حملة توعية في القرى الفلسطينية للتحذير من الهجرة اليهودية، وكافح الاستعمار وهو في الخامسة عشرة، والتحق بجيش الإنقاذ وشارك في المعارك حول مدينته، وأصيب بجرح بالغ في كتفه، ولقب برائد المسرح الشعري، ووضع عدة مسرحيات إبداعية، وصدرت له 4 دواوين شعرية هي: “جبل النار”، و”النيازك”، و”إلى متى؟”، و”جنود السماء”، كما تقلد عام 1991 وسام القدس للآداب والفنون، ورحل عام 1995 في العراق.




التسعينية صبحية محاميد تستذكر جارها الشيخ القسام

عبد الباسط خلف- تبرز تجاعيد عميقة في وجه التسعينية صبحية يونس محاميد، ويحافظ لسانها على لهجته الحيفاوية، وتسكن ذاكرتها قصة جار عائلتها الشيخ السوري عز الدين القسام، الذي أشعل فتيل ثورة عام 1936، وارتقى في معركة مع جيش الاحتلال البريطاني في أحراش يعبد، نهار 19 تشرين الثاني 1935.

وروت أم صلاح، كما يعرفها أهالي قرية الطيبة، في أقصى شمال جنين، التفاصيل الصغيرة التي كانت شاهدة عليها في حي وادي الصليب بحيفا، عندما كانت تقيم مع عائلتها في بيت لمحمد مسعود جرار في المدينة الساحلية، استقر الشيخ القسام في طابقه العلوي.

لحية وابتسامة

ورسمت وصفا للجار والشيخ، فقد كان هادئا ومحبوبا، وقمحي البشرة، ولحيته بيضاء، ويرتدي بذلة سكنية اللون، وليست لديه كبرة، ويبتسم في وجه الناس، ولم يكن يميز في معاملته بين الأهالي، ويوزع عليهم كسوة العيد.

ومما تحتفظ به الحاجة صبحية، التي أبصرت النور في حيفا (نحو عام 1929 كما تقول الوقائع، بخلاف تحديد السن في بطاقتها الشخصية)، أن الحي الذي أقامت فيه كان تقطنه عائلات العوف، ومطر من غزة، بينما رحل القسام من الحي إلى بلد الشيخ (7 كيلومتر في الجنوب الشرقي للمدينة).

وقالت إنها كانت في السادسة من عمرها، عندما عرفت الجار الهادئ وطيب القلب والمبتسم، وتعاملت عن قرب مع زوجته الحاجة أمينة، وعلمتها القرآن ابنته ميمنة، ورأت ابنته عائشة (عيشة كما اعتادت محاميد على نطقها) وهي تحيك الملابس وتصلحها، بينما تخصصت خديجة في مساعدة والدتها بأعمال المنزل.

واستردت محاميد، دور القسام في إقناع والدها بإرسالها إلى مدرسة الجمعية، الذي كان يقول للشيخ إنها ما زالت صغيرة على التعليم، بينما كان محمد الابن الوحيد للشيخ يتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة البرج.

وأضافت وهي تبتسم، إن ابن الشيخ تعثر وكسرت رجله، وظل لا يستطيع المشي فترة من الوقت، ودرست هي للصف الرابع الابتدائي، وكانت ذكية.

وحسب الساردة، فإنها لا تنسى مديرة مدرستها فاطمة خانوم من الشام، ومساعدتها سلوى النبهاني من إجزم قضاء حيفا، وتلقت تعليما في الحساب والقرآن والنشيد، وتميزت بتجويدها للقرآن، ورفض والدها إرسالها إلى القدس لإكمال تعليمها.

موائد وكسوة

ومما التقطته محاميد واستقر في ذاكرتها، أجواء بيت عائلة الشيخ، إذ كانت زوجته تطبخ الطعام للضيوف وللفقراء باستمرار، بينما تخصصت الابنة عائشة في حياكة الملابس وترميمها وتوزيع الكسوة على أطفال حيفا.

وتابعت، وهي تحمل صورة للشيخ على هاتف متنقل، أن بيت عائلتها وأسرة القسام، القريب من درج الناطور بحي وادي الصليب كان يطل على حاكورة (حديقة صغيرة)، وخلال أيام العيد كان الشيخ يوزع العيدية على الأطفال.

ولا يغيب عن ذاكرة محاميد يوم وفاة اختها الكبيرة فاطمة وهي في عز الشباب بحيفا، عندما جاءت عائلة الشيخ القسام معزية ومتضامنة.

وأضافت أن قبر اختها ملاصق لقبر القسام في مقبرة بلد الشيخ بحيفا، وقد زارته أكثر من مرة، وجودت سورة الفاتحة.

وزادت: خرجنا من حيفا عام 1940، وهربنا إلى بيت جدتي بهية أيوب في الطنطورة (24 كيلو متر جنوب حيفا)، وكانت أمي صفية يوسف البطل من طيرة حيفا.

وحسب محاميد، فإن استشهاد مفجر ثورة عام 1936 كان بعد انتقاله إلى منزل جديد في بلد الشيخ، وتؤكد أن ذلك اليوم كان حزينا على الناس، فقد عرفوا أن شيخهم استشهد في أحراش يعبد.

وأكدت أن الأهالي لم يكونوا يعلقون صور القادة على الجدران، خوفا من بطش الاحتلال البريطاني.

أشعار وسيرة

أنجبت محاميد 6 أولاد و6 بنات، ولها عشرات الأحفاد، وتعيد لهم كثيرا سرد سيرة الجار الطيب، وتحفظ أشعارا قيلت في رثاء جار الطفولة، ومنها ما أبدعه الزجال الشعبي نوح إبراهيم (1913 – 1938)، الذي ارتبط بالشيخ القسام، وعندما استشهد رثاه بزجلية طويلة، لحنها وغناها وسجلها على أسطوانة، وذاع صيتها في عموم فلسطين، وكانت بالعامية بعنوان “عز الدين يا خسارتك”.

الغداء الأخير

بدوره، استذكر الخمسيني أحمد زيد، الذي أبصر النور في قرية نزلة زيد (شرقي يعبد وتبعد 19 كيلو مترا عن جنين) ما عرفه من والده الراحل من تفاصل استشهاد القسام، إذ كان الشيخ الثائر مدعوا لطعام الغداء في بيت عارف سليمان بري، في منطقة وادي الخشب، بقرية نزلة زيد، في منطقة أحراش يعبد، عندما حاصرهم جنود الاحتلال البريطاني، وخاض الشيخ ورفاقه معركة، انتهت باستشهاده.

وتابع زيد، كما أخبره والده، أن جثمان الشيخ أحضر على تابوت يشبه السلم، وسجي تحت شجرة توت بالقرية، قبل أن ينقل إلى مقبرة بلد الشيخ في حيفا.

وأكد أن مكان وضع الجثمان تحول إلى محراب اليوم، وفي منطقة قريبة منه أقيم مقام تخليدا لذكراه.

وبين زيد أن مكان استشهاد القسام موجود اليوم وراء جدار الفصل العنصري، وداخل مستوطنة شاكيد، ويحاول أحد المستوطنين فيها الزحف عليه.

بيت ووصية

ووفق ما نشره أحفاده، فقد أرسل الشيخ شقيقه فخري لبيع بيته لشراء سلاح للثورة في فلسطين، ثم انتقل وحده إلى حيفا، قبل أن يرافقه فخري وزوجته أمينة وبناته الثلاث، إذ إنه باع المنزل والجمال التي كان يملكها، واشترى بثمنها السلاح.

بينما كانت الجدة أمينة نعنوع (توفيت عام 1977) توصي أحفادها بزيارة فلسطين وقراءة الفاتحة على روح زوجها، وحاولوا البحث عن صور إضافية ومقتنيات من الأزهر الشريف بالقاهرة، غير أن مقتنياته الشخصية: المصحف ومفتاح البيت الحيفاوي، والمنديل، والمسدس فقدت.

وأكد أحفاده بأن جدهم لحظة استشهاده في أحراش يعبد كان في جيبه مصحفه ومسدسه الشخصي و10 جنيهات، وقد أعادها رفاقه الثوار إلى زوجته وابنه محمد.




شارع جنين العسكري في عين التخريب

 عبد الباسط خلف- جلس الشاب فادي صلاح على ناصية شارع فلسطين أو “العسكري” كما يتداوله أهالي جنين، وراح يراقب أعمال الصيانة، عقب جولة تدمير أخرى نفذها جيش الاحتلال على مدار يومين.

وقال وهو يروج لقهوته العربية في يوم خريفي، إنها المرة الرابعة هذا العام التي يتعرض لها الشارع لعمليات تجريف وتدمير واسعة النطاق، لكنها أكثر عمقا من سابقاتها.

ورأى صلاح بأن هدف جيش الاحتلال من تكرار استهداف البنية التحتية في جنين ومخيمها تحويل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، خاصة مع حلول الشتاء وتشكل الوحل.

وأحصى الشاب العشريني قرابة 45 اجتياحا لمدينته منذ مطلع العام الحالي، لكنه أشار إلى وجود ما اسمها “حصانة” لدى المواطنين لعدم اليأس.

بينما كان هادي حنتولي، وهو صاحب متجر لمواد البناء يتابع آليات راحت تزيل آثار الاقتحام في الشارع، أكد أن الاحتلال يتعمد تدمير الطريق بعد الانتهاء من صيانته، وهو ما حدث الصيف الماضي.

وأفاد بأن أهالي الحي والتجار أطلقوا مبادرة لصيانة الشارع بتبرعاتهم، وما أن انتهوا من ذلك عادت جرافات (D9) لجولة خراب جديدة.

وتبعا لحنتولي، فإن تخريب الشارع المقابل لمؤسسة عائلته التجارية دفعه إلى تناول دواء يمنع تجلط الدم؛ من شدة قهره على الطريق.

وتسبب تخريب الشارع، والكلام للشاب العشريني، في صعوبة وصول الزبائن إلى المنطقة، وتكدس الغبار عليها، كما تراجعت الحركة في الطريق الحيوي، وكأن الاحتلال صار يتخصص في ملاحقة الشوارع.

وراح موظفو شركة الاتصالات يبحثون عن كوابل شبكات الهواتف والإنترنت المقطوعة لإعادة ربطها، في عمل قال لؤي حنون، الموظف في إحدى الشركات المتعاقدة معها إنها تجري للمرة الرابعة، ومن الممكن أن تتكرر مرة أخرى.

ويضع حنون يده على قلبه مع كل اجتياح، خشية تخريب الأعمال التي تمت صيانتها في الشارع الواقع شمالي المدينة، واحتاجت إلى جهود مضنية.

رئة جنين

وتبعا لعبد الناصر أبو عبيد، وهو مدير شركة تأمين في الشارع، فإن تدمير الطريق الحيوي أثر كثيرا على قدرة الزبائن على الوصول إلى الشركة.

واعتقد بأن سبب تكرار التدمير في هذا الشارع، وفي جنين عموما تحويل المدينة إلى منطقة غير قابلة للحياة.

ورأى أبو عبيد بأن الطريق يربط طرفي جنين الحيويين ببعضهما البعض، ويعتبر رئة للمدينة، كما يشكل حلقة وصل بين طريقين حيويين.

من جانبها، بينت رئيسة قسم الهندسة في بلدية جنين، شيرين أبو وعر، أن الشارع العسكري تعرض للتدمير 4 مرات، واليوم تعجز البلدية عن إعادة صيانته على أكمل وجه؛ بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها، وعدم استجابة المقاولين للعمل دون تسديد ديونهم المتراكمة.

وأكدت أن البلدية بدأت بصيانة الشارع بعد وقت قصير من انسحاب جيش الاحتلال مساء الأربعاء، واستمرت طواقمها حتى الثالثة من فجر الخميس، وتسعى إلى إعادة فتح الطريق وتمكين المركبات والمارة من استخدامه.

وتخشى المهندسة من حلول الشتاء، لأن الطريق مسار لتصريف مياه الأمطار، وفي حال لم تجر صيانته وفق الأصول الصحيحة، فإن مصاعب كبيرة ستواجه المارة والمتاجر على طرفي شارع يمتد لأكثر من 2 كيلو متر.

طرق مستهدفة

وأكدت أبو وعر أن تكلفة تعبيد الطرقات وإنشاء قنوات لتصريف مياه الأمطار كلف جنين ومخيمها 29 مليون و600 ألف دولار خلال نحو عام، واستهدف الاحتلال طرقات بطول 45 كيلو مترا، عدا شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات.

ويبدأ الطريق من دوار الداخلية مرورا بدوار البطيخة فدوار الجلبوني وينتهي بدوار المنطقة الصناعية، ويشكل همزة وصل بين شارعي الناصرة الشرقي وحيفا الغربي، ويمر من أراض كانت زراعية خصبة حتى وقت ليس ببعيد، اشتهرت سابقا بزراعة البطيخ.

وقالت هبة الشيخ، التي كانت تمر من المكان إن والدها عمل مزارعا في الأراضي القريبة من الشارع، لكن بعد الزحف العمراني على الحقول تم تحويل القمح والبطيخ إلى رمزين من الإسمنت والمعدن وضعها على دوارين في الطريق.

واستنادا إلى محمد مسلماني، الذي أقامت عائلته أول بيت في منطقة الشارع عام 1977، فإن الطريق كان ترابيا، وعبده الاحتلال عام 1984 ليكون طريقا خارجيا يربط مقر ما تسمى “الإدارة المدنية” بشارع الناصرة، دون الحاجة إلى المرور من داخل المدينة.

وقال إن الاحتلال منع الأهالي من البناء في محيط الشارع لغاية 50 مترا من الجهتين، وكان مخصصا لمرور دوريات الاحتلال العسكرية والمستوطنين.

وأشار مسلماني إلى أن البلدية أعادت إنعاش الشارع عام 2011 ووسعته، ثم شهد طفرة في البناء وانتشار المتاجر، وهو اليوم يشهد عمليات تجريف لا تتوقف.




خليل طوقان.. عُمدة أطباء جنين

عبد الباسط خلف- يحمل الطبيب خليل نسيب طوقان صورة تخرجه في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1962، ويعيد عجلة الزمن إلى الوراء لتلخيص حكاية أحد أقدم أطباء جنين وعميد “ملائكة” رحمتها الأحياء.

وأشارت بطاقة هوية طوقان إلى أنه ولد عام 1938 في يافا، بحكم عمل والده في سلك القضاء وإقامته في المدينة الساحلية، فيما نال تعليمه في جنين، وحصل على الثانوية العامة من مصر عام 1954، ليلتحق بجامعة القاهرة، وليعمل نحو عامين في مستشفيات عجلون وإربد الحكومية، قبل أن يعود إلى جنين ليدشن عيادته الخاصة عام 1964، وليكون خامس طبيب فيها بجوار خاله مطيع الأسير، وهاشم عبد الهادي، وسعيد نمر، ونصفت كمال.

فوارق وخيول

واختزل طوقان حال التطبيب قبل النكسة وبعدها، إذ لم تتوفر وسائل المواصلات على نطاق واسع، وكان الشائع تنقل المرضى على خيولهم ودوابهم، أو السير على أقدامهم، أو الصبر على وجعهم.

واستذكر تفاصيل الشارع المجاور لعيادته، إذ كان في أطراف المدينة ويتحول مع عدد المراجعين الكبير إلى ما يشبه الخان، لكثرة الخيول والدواب التي كان يستخدمها المرضى ومن يرافقهم.

وأسهب في نقل أجواء الطب قبل عقود، إذ كان الغالبية يتحاملون على أوجاعهم؛ بفعل ضيق اليد، وكانوا يتوجهون إلى التداوي بالأعشاب والوصفات العربية والشعبية، ويتفادون طرق أبواب “الحكيم”.

تأثر طوقان بخاله الطبيب مطيع الأسير، فقد عمل معه خلال صباه في أول مستشفى أسسه الأسير في جنين قبل النكبة، واختار السفر إلى مصر لعدم وجود نظام لدراسة الثانوية العامة في فلسطين.

وقارن الأدوات الطبية التي كانت سائدة قديما، فلم تكن المضادات الحيوية حاضرة كاليوم، أما الحقن فكانت زجاجية يجري استعمالها عدة مرات بعد تعقيمها، بخلاف البلاستيكية منها اليوم، والتي تستخدم مرة واحدة، مثلما اختلف حال المعقمات.

أدخل طوقان جهاز الأشعة إلى عيادته، بعد وقت قصير من انتشاره، ووظف ممرضا بعد تدريبه على استخدامه، وكان شاهدا على انتشار عشرات العيادات، وتعلم مئات الأطباء الجدد للمهنة الإنسانية.

واسترد تفاصيل أو كشفية تلقها، إذ كانت 20 قرشا أردنيا، قبل أن ترتفع اليوم، لكنه يحرص على استمرارها مخفضة؛ مراعاة لأحوال الناس وتراجع دخولهم.

أمراض وحوادث

وبين أن الأمراض التي كانت أكثر شيوعا قبل عقود نزلات البرد، والتهابات اللوزتين، والأمراض المعوية والجلدية، أما السرطان فلم تكن الأجهزة المتوفرة قادرة على اكتشافه للجزم بوجوده من عدمه.

وفسر طوقان قلة عدد مواطني جنين قبل قرون إلى وجود الكثير من المياه والينابيع في المدينة، وانتشار الملاريا التي كانت تفتك بالأهالي، قبل اكتشاف أدوية تقطع الطريق عليها.

افتتح الراوي عيادة في بلدة قباطية 12 عاما، مطلع الستينيات والسبعينيات، لكنه أعاد إغلاقها، حينما كان يعود إلى عيادته في جنين، ويجد مرضى بلدة قباطية ينتظرونه في جنين.

واجهت عميد أطباء جنين حاليا، العديد من المواقف، ولكنه يتوقف عند أغربها، عندما وصل إليه رجل يريد علاج زوجته، التي ما إن دخلت باب العيادة، وصعدت إلى سرير الشفاء حتى توفيت في الحال، ولولا حضور زوجها لاحتاج إلى جهد لإقناعه بأن الوفاة طبيعية، ولا علاقة لها بمحاولة مداواتها.

وأضاف إن إحدى المريضات، وكانت عرافة ذاع صيتها في قراءة الفنجان، وصلت إلى عيادته، لكنها رفضت أن يقترب منها للكشف عليها، واحتاج وقتا لإقناعها بأن تشخيص المرضى لا يتم عن بعد، وأن الأطباء لديهم القسم الغليظ لمهنتهم، ولا يفشون أسرار مرضاهم.

والدان استثنائيان

وتحتفظ جدران عيادة الطبيب طوقان، الواقعة في حي المحطة بعشرات الصور والوثائق التي تكتب تاريخ جنين، ففي إحدى الواجهات تستلقي صورة لوالده القاضي نسيب منيب طوقان، الذي كان من أوائل المحامين في فلسطين، وعمل قاضيا في محاكم يافا، واختار الإقامة في جنين بعد النكبة، وتنقل في العمل قاضي صلح بين جنين ونابلس، عقب خسارته لبيارة برتقال مترامية الأطراف بنحو 120 دونما اشتراها في مدينة أم خالد (نتانيا اليوم)، وركب لها مضخة ماء حديثة، قبل وقت قصير من أيار 1948.

وأشار إلى أن والده كان يرى في مزاولة مهنة المحاماة من المحرمات؛ لأنه لا يجوز الدفاع عن المذنبين، ومن أراد نصرة المظلومين فيجب أن يكون ذلك دون مقابل مادي، ولذلك رفض تعليم ابنه وابنته الوحيدة خولة للحقوق.

وتوقف طوقان عند والدته الحاجة عدالت مطيع الأسير طوقان، السيدة التي ولدت في حماة السورية سنة 1913، وتلقت تعليمها الأساسي هناك، ثم تنقلت بين السلط الأردنية وجنين، واستكملت دراستها بدار المعلمات بالقدس، وعملت معلمة في مدارس جنين وطولكرم ووكالة الغوث، وأسست جمعية جنين الخيرية عام 1971، وبدأت بتقديم مساعدات للجامعيين الفقراء، وأنشأـت مدرسة الحنان للصم، ثم أضافت خدمة رياض الأطفال.

ووفق طوقان، فإن مندوبي شركات الأدوية كانوا لا يحبذون الوصول إلى جنين، لبعدها عن مراكز المدن الكبيرة.

وأضاف أن أكثر أوقات المدينة صعوبة، ما عاشته خلال انتفاضة عام 1987، وفرض الاحتلال لحظر التجوال مددا طويلة، بينما كان يتنقل بين الجبال لمداواة الجرحى.

إذاعة ودولاب

وتلتصق بذاكرة الطبيب خليل ملامح زيارته لقريب والدته، من عائلة بدران، الذي كان يعمل في “إذاعة الشرق الأدنى”، والتي كانت على بعد خطوات من بيت عائلته، ثم انتقلت إلى يافا فالقدس عام 1947.

فيما عاش صباه مع دولاب الماء الشهير، الذي أحضره جده القاضي مطيع الأسير من حمص برفقة عمال لتركيبه في بيته، وكان يستخرج المياه من النبع لري المزروعات ولسقاية عابري السبيل. وأوضح أن الدولاب بقي حتى وقت قصير، إلى أن سقط تلقائيا قبل عدة سنوات.

وطوقان أب لأربعة أبناء وبنت وحيدة، رفضوا غالبيتهم دراسة الطب؛ بسبب إحساسهم بالتعب والجهد الذي يقدمه والدهم، ولعدم وجود وقت خاص لأبيهم، ولم يقتنع بذلك غير ابنه الأصغر معتصم، الذي يتخصص في الأمراض الصدرية بألمانيا الاتحادية.

ويرتبط الطبيب خليل بصلة قرابة بالملكة علياء طوقان، التي ولدت في القاهرة، وتزوجت من الملك الأردني الحسين بن طلال، رحمه الله، في كانون الأول 1972، فهي ابنة ابن عمه بهاء الدين.

واختتم طوقان بالقول إنه يرفع شعار (جنين فوق الجبين)، تعبيرا عن حبه لمدينته، ويقضي أوقات فراغه في حديقته المتاخمة لعيادته، ويعهد أشجاره ونباتاته، ويتحسر على مزاحمة الإسمنت لمساحاتها الخضراء ولسهولها الخصبة.




هاني فحص وياسر عرفات.. فلسطين لبنانية ولبنان فلسطينية

هلا سلامة- هي الذكرى العشرين التي تتسلل من بين خطوط النار وشلال الدماء وأنين المقهورين، أبو عمار الفكرة والسيرة التي تولد كل يوم في حنايا الوطن المكلوم، تتلو على مسامعنا قصة فلسطين الطويلة وعهدها ووعدها بالتحرر من الكيان المغتصب مهما عصفت الوحشية والاجرام، وها هي القنابل، أصواتها لا تخفت ضجيج الغائبين الحاضرين بأسمائهم وقصصهم ومواقفهم التاريخية، ليكونوا نبراسا للأجيال.

ما زال ابو عمار وبعد كل السنين يأسر قلوب احبته، من هنا من لبنان حيث احدى المحطات الأساسية لانطلاق الثورة الفلسطينية، ذكراه تعبق في احياء ومنازل مناضلين رافقوه في مسيرته.

أم حسن فحص زوجة رفيق دربه هاني فحص لها في الذكرى كلمات، لـ”الحياة الجديدة” تقول: أبو عمار شخصية لا يكررها التاريخ أبدا لأن لديه الحس الانساني والعاطفي، هو رمز أحبه الصغار والكبار، حين شاهدته لأول مرة في احدى المناسبات في منزل المناضل أبو جهاد الوزير، رحت أتأمله وهو يتفقد كل شخص على مأدبة الطعام، ماذا أكل! قلت لنفسي هل هو بشر أو ملاك مبعوث علينا. أدهشني وسألته: أنت انسان أم أحد أرسلك لنا؟

تتطرق أم حسن لعلاقة الرئيس الشهيد ياسر عرفات بزوجها هاني فحص قائلة: كانت علاقة حلوة وودية وقوية، وفي الحقيقة أنا صفحت عن السيد هاني حين تعرفت على أبو عمار، لطالما اعتبرت ان لديّ ضرة واحدة في هذه الحياة تنافسني على السيد فحص وهي فلسطين، ولكن حين عرفت أبو عمار والقيادات الفلسطينية قلت لنفسي: اذا كانت هذه هي الضرة فأنا راضية، فهي انسانة محبوبة بأهلها ومجتمعها وأولادها.

تتابع أم حسن فحص: جعلوني أشعر أني فلسطينية، وأنا تزوجت بعمر الرابعة عشرة، تربيت على هذا الخط الثوري ونسيت لبنانيتي ليس تعاطفا إنما ايمانا بالقضية الفلسطينية.

تضيف: كان الرئيس عرفات يمازحني ويقول: بدك تسمحيلنا بالسيد، فيما السيد كان مغرما بأبو عمار، وحين استشهد تأثر كثيرا وقال لي حرفيا: هذا ركن من أركان فلسطين انهد، وانهمرت دموعه.

واردفت أم حسن: رحيل ابو عمار عن عالمنا هو نكسة، واليوم نكبة ثانية في غزة، الله عوض الشعب الفلسطيني بالرئيس محمود عباس الانسان الطيب الذي يؤدي المهمة والعبء ثقيل جدا على كاهله، من هنا نطالب العالم بالتعاون معه ومع الشعب الفلسطيني لوضع حد للاحتلال وجرائمه والاعتراف بالدولة الفلسطينية سيدة حرة مستقلة.

ولأمهات فلسطين اللواتي يكسر الاحتلال قلوبهن في كل لحظة توجهت أم حسن فحص بالقول: أنتن نموذج للعالم، تتحملن المآسي والمسؤولية، نحن نغار منكن ومن ايمانكن وكلماتكن وصمودكن، وفقكم الله يا أهل فلسطين وأنعم عليكم بالسلام الذي تستحقونه، لا بد لهذا الليل ان ينجلي ولهذا القيد ان ينكسر.. تختم زوجة المناضل العروبي هاني فحص لـ”الحياة الجديدة”.