1

التسعينية صبحية محاميد تستذكر جارها الشيخ القسام

عبد الباسط خلف- تبرز تجاعيد عميقة في وجه التسعينية صبحية يونس محاميد، ويحافظ لسانها على لهجته الحيفاوية، وتسكن ذاكرتها قصة جار عائلتها الشيخ السوري عز الدين القسام، الذي أشعل فتيل ثورة عام 1936، وارتقى في معركة مع جيش الاحتلال البريطاني في أحراش يعبد، نهار 19 تشرين الثاني 1935.

وروت أم صلاح، كما يعرفها أهالي قرية الطيبة، في أقصى شمال جنين، التفاصيل الصغيرة التي كانت شاهدة عليها في حي وادي الصليب بحيفا، عندما كانت تقيم مع عائلتها في بيت لمحمد مسعود جرار في المدينة الساحلية، استقر الشيخ القسام في طابقه العلوي.

لحية وابتسامة

ورسمت وصفا للجار والشيخ، فقد كان هادئا ومحبوبا، وقمحي البشرة، ولحيته بيضاء، ويرتدي بذلة سكنية اللون، وليست لديه كبرة، ويبتسم في وجه الناس، ولم يكن يميز في معاملته بين الأهالي، ويوزع عليهم كسوة العيد.

ومما تحتفظ به الحاجة صبحية، التي أبصرت النور في حيفا (نحو عام 1929 كما تقول الوقائع، بخلاف تحديد السن في بطاقتها الشخصية)، أن الحي الذي أقامت فيه كان تقطنه عائلات العوف، ومطر من غزة، بينما رحل القسام من الحي إلى بلد الشيخ (7 كيلومتر في الجنوب الشرقي للمدينة).

وقالت إنها كانت في السادسة من عمرها، عندما عرفت الجار الهادئ وطيب القلب والمبتسم، وتعاملت عن قرب مع زوجته الحاجة أمينة، وعلمتها القرآن ابنته ميمنة، ورأت ابنته عائشة (عيشة كما اعتادت محاميد على نطقها) وهي تحيك الملابس وتصلحها، بينما تخصصت خديجة في مساعدة والدتها بأعمال المنزل.

واستردت محاميد، دور القسام في إقناع والدها بإرسالها إلى مدرسة الجمعية، الذي كان يقول للشيخ إنها ما زالت صغيرة على التعليم، بينما كان محمد الابن الوحيد للشيخ يتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة البرج.

وأضافت وهي تبتسم، إن ابن الشيخ تعثر وكسرت رجله، وظل لا يستطيع المشي فترة من الوقت، ودرست هي للصف الرابع الابتدائي، وكانت ذكية.

وحسب الساردة، فإنها لا تنسى مديرة مدرستها فاطمة خانوم من الشام، ومساعدتها سلوى النبهاني من إجزم قضاء حيفا، وتلقت تعليما في الحساب والقرآن والنشيد، وتميزت بتجويدها للقرآن، ورفض والدها إرسالها إلى القدس لإكمال تعليمها.

موائد وكسوة

ومما التقطته محاميد واستقر في ذاكرتها، أجواء بيت عائلة الشيخ، إذ كانت زوجته تطبخ الطعام للضيوف وللفقراء باستمرار، بينما تخصصت الابنة عائشة في حياكة الملابس وترميمها وتوزيع الكسوة على أطفال حيفا.

وتابعت، وهي تحمل صورة للشيخ على هاتف متنقل، أن بيت عائلتها وأسرة القسام، القريب من درج الناطور بحي وادي الصليب كان يطل على حاكورة (حديقة صغيرة)، وخلال أيام العيد كان الشيخ يوزع العيدية على الأطفال.

ولا يغيب عن ذاكرة محاميد يوم وفاة اختها الكبيرة فاطمة وهي في عز الشباب بحيفا، عندما جاءت عائلة الشيخ القسام معزية ومتضامنة.

وأضافت أن قبر اختها ملاصق لقبر القسام في مقبرة بلد الشيخ بحيفا، وقد زارته أكثر من مرة، وجودت سورة الفاتحة.

وزادت: خرجنا من حيفا عام 1940، وهربنا إلى بيت جدتي بهية أيوب في الطنطورة (24 كيلو متر جنوب حيفا)، وكانت أمي صفية يوسف البطل من طيرة حيفا.

وحسب محاميد، فإن استشهاد مفجر ثورة عام 1936 كان بعد انتقاله إلى منزل جديد في بلد الشيخ، وتؤكد أن ذلك اليوم كان حزينا على الناس، فقد عرفوا أن شيخهم استشهد في أحراش يعبد.

وأكدت أن الأهالي لم يكونوا يعلقون صور القادة على الجدران، خوفا من بطش الاحتلال البريطاني.

أشعار وسيرة

أنجبت محاميد 6 أولاد و6 بنات، ولها عشرات الأحفاد، وتعيد لهم كثيرا سرد سيرة الجار الطيب، وتحفظ أشعارا قيلت في رثاء جار الطفولة، ومنها ما أبدعه الزجال الشعبي نوح إبراهيم (1913 – 1938)، الذي ارتبط بالشيخ القسام، وعندما استشهد رثاه بزجلية طويلة، لحنها وغناها وسجلها على أسطوانة، وذاع صيتها في عموم فلسطين، وكانت بالعامية بعنوان “عز الدين يا خسارتك”.

الغداء الأخير

بدوره، استذكر الخمسيني أحمد زيد، الذي أبصر النور في قرية نزلة زيد (شرقي يعبد وتبعد 19 كيلو مترا عن جنين) ما عرفه من والده الراحل من تفاصل استشهاد القسام، إذ كان الشيخ الثائر مدعوا لطعام الغداء في بيت عارف سليمان بري، في منطقة وادي الخشب، بقرية نزلة زيد، في منطقة أحراش يعبد، عندما حاصرهم جنود الاحتلال البريطاني، وخاض الشيخ ورفاقه معركة، انتهت باستشهاده.

وتابع زيد، كما أخبره والده، أن جثمان الشيخ أحضر على تابوت يشبه السلم، وسجي تحت شجرة توت بالقرية، قبل أن ينقل إلى مقبرة بلد الشيخ في حيفا.

وأكد أن مكان وضع الجثمان تحول إلى محراب اليوم، وفي منطقة قريبة منه أقيم مقام تخليدا لذكراه.

وبين زيد أن مكان استشهاد القسام موجود اليوم وراء جدار الفصل العنصري، وداخل مستوطنة شاكيد، ويحاول أحد المستوطنين فيها الزحف عليه.

بيت ووصية

ووفق ما نشره أحفاده، فقد أرسل الشيخ شقيقه فخري لبيع بيته لشراء سلاح للثورة في فلسطين، ثم انتقل وحده إلى حيفا، قبل أن يرافقه فخري وزوجته أمينة وبناته الثلاث، إذ إنه باع المنزل والجمال التي كان يملكها، واشترى بثمنها السلاح.

بينما كانت الجدة أمينة نعنوع (توفيت عام 1977) توصي أحفادها بزيارة فلسطين وقراءة الفاتحة على روح زوجها، وحاولوا البحث عن صور إضافية ومقتنيات من الأزهر الشريف بالقاهرة، غير أن مقتنياته الشخصية: المصحف ومفتاح البيت الحيفاوي، والمنديل، والمسدس فقدت.

وأكد أحفاده بأن جدهم لحظة استشهاده في أحراش يعبد كان في جيبه مصحفه ومسدسه الشخصي و10 جنيهات، وقد أعادها رفاقه الثوار إلى زوجته وابنه محمد.




شارع جنين العسكري في عين التخريب

 عبد الباسط خلف- جلس الشاب فادي صلاح على ناصية شارع فلسطين أو “العسكري” كما يتداوله أهالي جنين، وراح يراقب أعمال الصيانة، عقب جولة تدمير أخرى نفذها جيش الاحتلال على مدار يومين.

وقال وهو يروج لقهوته العربية في يوم خريفي، إنها المرة الرابعة هذا العام التي يتعرض لها الشارع لعمليات تجريف وتدمير واسعة النطاق، لكنها أكثر عمقا من سابقاتها.

ورأى صلاح بأن هدف جيش الاحتلال من تكرار استهداف البنية التحتية في جنين ومخيمها تحويل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، خاصة مع حلول الشتاء وتشكل الوحل.

وأحصى الشاب العشريني قرابة 45 اجتياحا لمدينته منذ مطلع العام الحالي، لكنه أشار إلى وجود ما اسمها “حصانة” لدى المواطنين لعدم اليأس.

بينما كان هادي حنتولي، وهو صاحب متجر لمواد البناء يتابع آليات راحت تزيل آثار الاقتحام في الشارع، أكد أن الاحتلال يتعمد تدمير الطريق بعد الانتهاء من صيانته، وهو ما حدث الصيف الماضي.

وأفاد بأن أهالي الحي والتجار أطلقوا مبادرة لصيانة الشارع بتبرعاتهم، وما أن انتهوا من ذلك عادت جرافات (D9) لجولة خراب جديدة.

وتبعا لحنتولي، فإن تخريب الشارع المقابل لمؤسسة عائلته التجارية دفعه إلى تناول دواء يمنع تجلط الدم؛ من شدة قهره على الطريق.

وتسبب تخريب الشارع، والكلام للشاب العشريني، في صعوبة وصول الزبائن إلى المنطقة، وتكدس الغبار عليها، كما تراجعت الحركة في الطريق الحيوي، وكأن الاحتلال صار يتخصص في ملاحقة الشوارع.

وراح موظفو شركة الاتصالات يبحثون عن كوابل شبكات الهواتف والإنترنت المقطوعة لإعادة ربطها، في عمل قال لؤي حنون، الموظف في إحدى الشركات المتعاقدة معها إنها تجري للمرة الرابعة، ومن الممكن أن تتكرر مرة أخرى.

ويضع حنون يده على قلبه مع كل اجتياح، خشية تخريب الأعمال التي تمت صيانتها في الشارع الواقع شمالي المدينة، واحتاجت إلى جهود مضنية.

رئة جنين

وتبعا لعبد الناصر أبو عبيد، وهو مدير شركة تأمين في الشارع، فإن تدمير الطريق الحيوي أثر كثيرا على قدرة الزبائن على الوصول إلى الشركة.

واعتقد بأن سبب تكرار التدمير في هذا الشارع، وفي جنين عموما تحويل المدينة إلى منطقة غير قابلة للحياة.

ورأى أبو عبيد بأن الطريق يربط طرفي جنين الحيويين ببعضهما البعض، ويعتبر رئة للمدينة، كما يشكل حلقة وصل بين طريقين حيويين.

من جانبها، بينت رئيسة قسم الهندسة في بلدية جنين، شيرين أبو وعر، أن الشارع العسكري تعرض للتدمير 4 مرات، واليوم تعجز البلدية عن إعادة صيانته على أكمل وجه؛ بسبب الصعوبات المالية التي تواجهها، وعدم استجابة المقاولين للعمل دون تسديد ديونهم المتراكمة.

وأكدت أن البلدية بدأت بصيانة الشارع بعد وقت قصير من انسحاب جيش الاحتلال مساء الأربعاء، واستمرت طواقمها حتى الثالثة من فجر الخميس، وتسعى إلى إعادة فتح الطريق وتمكين المركبات والمارة من استخدامه.

وتخشى المهندسة من حلول الشتاء، لأن الطريق مسار لتصريف مياه الأمطار، وفي حال لم تجر صيانته وفق الأصول الصحيحة، فإن مصاعب كبيرة ستواجه المارة والمتاجر على طرفي شارع يمتد لأكثر من 2 كيلو متر.

طرق مستهدفة

وأكدت أبو وعر أن تكلفة تعبيد الطرقات وإنشاء قنوات لتصريف مياه الأمطار كلف جنين ومخيمها 29 مليون و600 ألف دولار خلال نحو عام، واستهدف الاحتلال طرقات بطول 45 كيلو مترا، عدا شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والاتصالات.

ويبدأ الطريق من دوار الداخلية مرورا بدوار البطيخة فدوار الجلبوني وينتهي بدوار المنطقة الصناعية، ويشكل همزة وصل بين شارعي الناصرة الشرقي وحيفا الغربي، ويمر من أراض كانت زراعية خصبة حتى وقت ليس ببعيد، اشتهرت سابقا بزراعة البطيخ.

وقالت هبة الشيخ، التي كانت تمر من المكان إن والدها عمل مزارعا في الأراضي القريبة من الشارع، لكن بعد الزحف العمراني على الحقول تم تحويل القمح والبطيخ إلى رمزين من الإسمنت والمعدن وضعها على دوارين في الطريق.

واستنادا إلى محمد مسلماني، الذي أقامت عائلته أول بيت في منطقة الشارع عام 1977، فإن الطريق كان ترابيا، وعبده الاحتلال عام 1984 ليكون طريقا خارجيا يربط مقر ما تسمى “الإدارة المدنية” بشارع الناصرة، دون الحاجة إلى المرور من داخل المدينة.

وقال إن الاحتلال منع الأهالي من البناء في محيط الشارع لغاية 50 مترا من الجهتين، وكان مخصصا لمرور دوريات الاحتلال العسكرية والمستوطنين.

وأشار مسلماني إلى أن البلدية أعادت إنعاش الشارع عام 2011 ووسعته، ثم شهد طفرة في البناء وانتشار المتاجر، وهو اليوم يشهد عمليات تجريف لا تتوقف.




خليل طوقان.. عُمدة أطباء جنين

عبد الباسط خلف- يحمل الطبيب خليل نسيب طوقان صورة تخرجه في كلية الطب بجامعة القاهرة عام 1962، ويعيد عجلة الزمن إلى الوراء لتلخيص حكاية أحد أقدم أطباء جنين وعميد “ملائكة” رحمتها الأحياء.

وأشارت بطاقة هوية طوقان إلى أنه ولد عام 1938 في يافا، بحكم عمل والده في سلك القضاء وإقامته في المدينة الساحلية، فيما نال تعليمه في جنين، وحصل على الثانوية العامة من مصر عام 1954، ليلتحق بجامعة القاهرة، وليعمل نحو عامين في مستشفيات عجلون وإربد الحكومية، قبل أن يعود إلى جنين ليدشن عيادته الخاصة عام 1964، وليكون خامس طبيب فيها بجوار خاله مطيع الأسير، وهاشم عبد الهادي، وسعيد نمر، ونصفت كمال.

فوارق وخيول

واختزل طوقان حال التطبيب قبل النكسة وبعدها، إذ لم تتوفر وسائل المواصلات على نطاق واسع، وكان الشائع تنقل المرضى على خيولهم ودوابهم، أو السير على أقدامهم، أو الصبر على وجعهم.

واستذكر تفاصيل الشارع المجاور لعيادته، إذ كان في أطراف المدينة ويتحول مع عدد المراجعين الكبير إلى ما يشبه الخان، لكثرة الخيول والدواب التي كان يستخدمها المرضى ومن يرافقهم.

وأسهب في نقل أجواء الطب قبل عقود، إذ كان الغالبية يتحاملون على أوجاعهم؛ بفعل ضيق اليد، وكانوا يتوجهون إلى التداوي بالأعشاب والوصفات العربية والشعبية، ويتفادون طرق أبواب “الحكيم”.

تأثر طوقان بخاله الطبيب مطيع الأسير، فقد عمل معه خلال صباه في أول مستشفى أسسه الأسير في جنين قبل النكبة، واختار السفر إلى مصر لعدم وجود نظام لدراسة الثانوية العامة في فلسطين.

وقارن الأدوات الطبية التي كانت سائدة قديما، فلم تكن المضادات الحيوية حاضرة كاليوم، أما الحقن فكانت زجاجية يجري استعمالها عدة مرات بعد تعقيمها، بخلاف البلاستيكية منها اليوم، والتي تستخدم مرة واحدة، مثلما اختلف حال المعقمات.

أدخل طوقان جهاز الأشعة إلى عيادته، بعد وقت قصير من انتشاره، ووظف ممرضا بعد تدريبه على استخدامه، وكان شاهدا على انتشار عشرات العيادات، وتعلم مئات الأطباء الجدد للمهنة الإنسانية.

واسترد تفاصيل أو كشفية تلقها، إذ كانت 20 قرشا أردنيا، قبل أن ترتفع اليوم، لكنه يحرص على استمرارها مخفضة؛ مراعاة لأحوال الناس وتراجع دخولهم.

أمراض وحوادث

وبين أن الأمراض التي كانت أكثر شيوعا قبل عقود نزلات البرد، والتهابات اللوزتين، والأمراض المعوية والجلدية، أما السرطان فلم تكن الأجهزة المتوفرة قادرة على اكتشافه للجزم بوجوده من عدمه.

وفسر طوقان قلة عدد مواطني جنين قبل قرون إلى وجود الكثير من المياه والينابيع في المدينة، وانتشار الملاريا التي كانت تفتك بالأهالي، قبل اكتشاف أدوية تقطع الطريق عليها.

افتتح الراوي عيادة في بلدة قباطية 12 عاما، مطلع الستينيات والسبعينيات، لكنه أعاد إغلاقها، حينما كان يعود إلى عيادته في جنين، ويجد مرضى بلدة قباطية ينتظرونه في جنين.

واجهت عميد أطباء جنين حاليا، العديد من المواقف، ولكنه يتوقف عند أغربها، عندما وصل إليه رجل يريد علاج زوجته، التي ما إن دخلت باب العيادة، وصعدت إلى سرير الشفاء حتى توفيت في الحال، ولولا حضور زوجها لاحتاج إلى جهد لإقناعه بأن الوفاة طبيعية، ولا علاقة لها بمحاولة مداواتها.

وأضاف إن إحدى المريضات، وكانت عرافة ذاع صيتها في قراءة الفنجان، وصلت إلى عيادته، لكنها رفضت أن يقترب منها للكشف عليها، واحتاج وقتا لإقناعها بأن تشخيص المرضى لا يتم عن بعد، وأن الأطباء لديهم القسم الغليظ لمهنتهم، ولا يفشون أسرار مرضاهم.

والدان استثنائيان

وتحتفظ جدران عيادة الطبيب طوقان، الواقعة في حي المحطة بعشرات الصور والوثائق التي تكتب تاريخ جنين، ففي إحدى الواجهات تستلقي صورة لوالده القاضي نسيب منيب طوقان، الذي كان من أوائل المحامين في فلسطين، وعمل قاضيا في محاكم يافا، واختار الإقامة في جنين بعد النكبة، وتنقل في العمل قاضي صلح بين جنين ونابلس، عقب خسارته لبيارة برتقال مترامية الأطراف بنحو 120 دونما اشتراها في مدينة أم خالد (نتانيا اليوم)، وركب لها مضخة ماء حديثة، قبل وقت قصير من أيار 1948.

وأشار إلى أن والده كان يرى في مزاولة مهنة المحاماة من المحرمات؛ لأنه لا يجوز الدفاع عن المذنبين، ومن أراد نصرة المظلومين فيجب أن يكون ذلك دون مقابل مادي، ولذلك رفض تعليم ابنه وابنته الوحيدة خولة للحقوق.

وتوقف طوقان عند والدته الحاجة عدالت مطيع الأسير طوقان، السيدة التي ولدت في حماة السورية سنة 1913، وتلقت تعليمها الأساسي هناك، ثم تنقلت بين السلط الأردنية وجنين، واستكملت دراستها بدار المعلمات بالقدس، وعملت معلمة في مدارس جنين وطولكرم ووكالة الغوث، وأسست جمعية جنين الخيرية عام 1971، وبدأت بتقديم مساعدات للجامعيين الفقراء، وأنشأـت مدرسة الحنان للصم، ثم أضافت خدمة رياض الأطفال.

ووفق طوقان، فإن مندوبي شركات الأدوية كانوا لا يحبذون الوصول إلى جنين، لبعدها عن مراكز المدن الكبيرة.

وأضاف أن أكثر أوقات المدينة صعوبة، ما عاشته خلال انتفاضة عام 1987، وفرض الاحتلال لحظر التجوال مددا طويلة، بينما كان يتنقل بين الجبال لمداواة الجرحى.

إذاعة ودولاب

وتلتصق بذاكرة الطبيب خليل ملامح زيارته لقريب والدته، من عائلة بدران، الذي كان يعمل في “إذاعة الشرق الأدنى”، والتي كانت على بعد خطوات من بيت عائلته، ثم انتقلت إلى يافا فالقدس عام 1947.

فيما عاش صباه مع دولاب الماء الشهير، الذي أحضره جده القاضي مطيع الأسير من حمص برفقة عمال لتركيبه في بيته، وكان يستخرج المياه من النبع لري المزروعات ولسقاية عابري السبيل. وأوضح أن الدولاب بقي حتى وقت قصير، إلى أن سقط تلقائيا قبل عدة سنوات.

وطوقان أب لأربعة أبناء وبنت وحيدة، رفضوا غالبيتهم دراسة الطب؛ بسبب إحساسهم بالتعب والجهد الذي يقدمه والدهم، ولعدم وجود وقت خاص لأبيهم، ولم يقتنع بذلك غير ابنه الأصغر معتصم، الذي يتخصص في الأمراض الصدرية بألمانيا الاتحادية.

ويرتبط الطبيب خليل بصلة قرابة بالملكة علياء طوقان، التي ولدت في القاهرة، وتزوجت من الملك الأردني الحسين بن طلال، رحمه الله، في كانون الأول 1972، فهي ابنة ابن عمه بهاء الدين.

واختتم طوقان بالقول إنه يرفع شعار (جنين فوق الجبين)، تعبيرا عن حبه لمدينته، ويقضي أوقات فراغه في حديقته المتاخمة لعيادته، ويعهد أشجاره ونباتاته، ويتحسر على مزاحمة الإسمنت لمساحاتها الخضراء ولسهولها الخصبة.




هاني فحص وياسر عرفات.. فلسطين لبنانية ولبنان فلسطينية

هلا سلامة- هي الذكرى العشرين التي تتسلل من بين خطوط النار وشلال الدماء وأنين المقهورين، أبو عمار الفكرة والسيرة التي تولد كل يوم في حنايا الوطن المكلوم، تتلو على مسامعنا قصة فلسطين الطويلة وعهدها ووعدها بالتحرر من الكيان المغتصب مهما عصفت الوحشية والاجرام، وها هي القنابل، أصواتها لا تخفت ضجيج الغائبين الحاضرين بأسمائهم وقصصهم ومواقفهم التاريخية، ليكونوا نبراسا للأجيال.

ما زال ابو عمار وبعد كل السنين يأسر قلوب احبته، من هنا من لبنان حيث احدى المحطات الأساسية لانطلاق الثورة الفلسطينية، ذكراه تعبق في احياء ومنازل مناضلين رافقوه في مسيرته.

أم حسن فحص زوجة رفيق دربه هاني فحص لها في الذكرى كلمات، لـ”الحياة الجديدة” تقول: أبو عمار شخصية لا يكررها التاريخ أبدا لأن لديه الحس الانساني والعاطفي، هو رمز أحبه الصغار والكبار، حين شاهدته لأول مرة في احدى المناسبات في منزل المناضل أبو جهاد الوزير، رحت أتأمله وهو يتفقد كل شخص على مأدبة الطعام، ماذا أكل! قلت لنفسي هل هو بشر أو ملاك مبعوث علينا. أدهشني وسألته: أنت انسان أم أحد أرسلك لنا؟

تتطرق أم حسن لعلاقة الرئيس الشهيد ياسر عرفات بزوجها هاني فحص قائلة: كانت علاقة حلوة وودية وقوية، وفي الحقيقة أنا صفحت عن السيد هاني حين تعرفت على أبو عمار، لطالما اعتبرت ان لديّ ضرة واحدة في هذه الحياة تنافسني على السيد فحص وهي فلسطين، ولكن حين عرفت أبو عمار والقيادات الفلسطينية قلت لنفسي: اذا كانت هذه هي الضرة فأنا راضية، فهي انسانة محبوبة بأهلها ومجتمعها وأولادها.

تتابع أم حسن فحص: جعلوني أشعر أني فلسطينية، وأنا تزوجت بعمر الرابعة عشرة، تربيت على هذا الخط الثوري ونسيت لبنانيتي ليس تعاطفا إنما ايمانا بالقضية الفلسطينية.

تضيف: كان الرئيس عرفات يمازحني ويقول: بدك تسمحيلنا بالسيد، فيما السيد كان مغرما بأبو عمار، وحين استشهد تأثر كثيرا وقال لي حرفيا: هذا ركن من أركان فلسطين انهد، وانهمرت دموعه.

واردفت أم حسن: رحيل ابو عمار عن عالمنا هو نكسة، واليوم نكبة ثانية في غزة، الله عوض الشعب الفلسطيني بالرئيس محمود عباس الانسان الطيب الذي يؤدي المهمة والعبء ثقيل جدا على كاهله، من هنا نطالب العالم بالتعاون معه ومع الشعب الفلسطيني لوضع حد للاحتلال وجرائمه والاعتراف بالدولة الفلسطينية سيدة حرة مستقلة.

ولأمهات فلسطين اللواتي يكسر الاحتلال قلوبهن في كل لحظة توجهت أم حسن فحص بالقول: أنتن نموذج للعالم، تتحملن المآسي والمسؤولية، نحن نغار منكن ومن ايمانكن وكلماتكن وصمودكن، وفقكم الله يا أهل فلسطين وأنعم عليكم بالسلام الذي تستحقونه، لا بد لهذا الليل ان ينجلي ولهذا القيد ان ينكسر.. تختم زوجة المناضل العروبي هاني فحص لـ”الحياة الجديدة”.




جنين تبكي “سدرة المنتهى” بعد 50 عاما

عبد الباسط خلف- تسكن في ذاكرة عاهد خالد شعبان التفاصيل الدقيقة لارتقاء منتهى عوض الحوراني، أول شهيدة في جنين بعد النكسة، والتي لقبتها أمها بـ “سدرة المنتهى”.

واستطرد شعبان، مشرف الكشافة ومعلم الرياضيات المتقاعد، اللحظات الصعبة التي شهدتها جنين ظهيرة الإثنين 11 تشرين الثاني 1974، حينما انطلقت مسيرات طلابية من ذكور جنين الثانوية المجاورة لمنطقة المعلب البلدي حاليا، اخترقت الشوارع الرئيسة، وكانت وجهتها بنات جنين الابتدائية، وعندما وصلت طلعة “دبة العطاري”، التحقت بها الطالبات، وسارت نحو بنات جنين الثانوية، وتبعتها المدارس الأخرى.

مريول ودم!

وتابع شاهد العيان، الذي كان طالبا في الصف الأول الثانوي، أنه رأى قرب الدوار الرئيس وسط جنين، طالبة بمريولها الأخضر والأبيض ملقاة على الأرض تنزف الدماء من أسفل أذنها، فحملها برفقة شبان إلى عيادة مجاورة لمبنى النادي الرياضي، وأخبرهم الطبيب بضرورة نقلها الفوري للمستشفى.

ووفق الراوي، الذي ولد في خريف 1956 في بلدة اليامون، فقد سارع مع الشبان في تأمين الجريحة بسيارة كانت في المكان، ولم ينتظروا وصول الإسعاف.

واستذكر شعبان انتشار نبأ استشهادها، فقد سارع للمشاركة في مسيرة تشييعها الحاشدة، ووقتها كانت سيرة منتهى على كل ألسن المدينة وبلداتها.

وأشار، وهو يحمل صورة لمنتهى بالأبيض والأسود، بأنه وعقب نحو 40 يوما من استشهادها، سار مشيا من بلدته اليامون لشارع حيفا صباح عيد الأضحى، (صادف في 23 كانون الأول 1974)، وانتظر سيارة ليصل إلى قبر الحوراني، ويقرأ الفاتحة على روحها، في أول عيد بعد رحيلها.

واستجمع بعض التفاصيل، إذ كانت عائلتها تحيط بالضريح المحاط بسعف النخيل، وسط حزن ودموع وتلاوة للقرآن.

واختتم بالإشارة إلى أن ما يشاع حول دهس منتهى بمجنزرة لم يكن دقيقا، فعندما حملها لم تكن هناك أية آثار على جسمها، باستثناء الدماء النازفة من منطقة الأذن.

أحلام بالصيدلة

فيما جسدت شقيقتها عفاف، خلال مقابلة سابقة، أحزان العائلة وذكريات شهيدتها، التي ارتقت بزيها المدرسي، قبل أن تقترب من أحلامها بإنهاء “التوجيهي” ودراسة الصيدلة التي دخلت قلبها منذ الصغر.

وروت، وهي تحمل مطرزة نسجتها منتهى: خرج أبي إلى العمل في منجرته، وذهبت أختي إلى المدرسة، ولم يمض غير وقت قصير، إلا وعاد والدي مسرعا على غير العادة، وأخبرنا بمسيرات ومظاهرات مع جنود الاحتلال وسط المدينة، وقبل أن يكمل حديثه، سمعنا أصوات أعيرة نارية، فقال والدي لنا: “راحت منتهى”.

ووفق الشقيقة، فقد امتلأ البيت بالجيران وأهالي الحي والمدينة، وكان معظمهم يعرفون باستشهاد منتهى، وأخفى والدها الأمر عنهم، ووصلت برفقة أمها إلى المستشفى، وأخبرتا باستشهادها، وطلبتا من جارهما أبو عصام العودة إلى المنزل، دون رؤية منتهى في دمها.

وأشارت الأخت المكلومة، بأن بيت عائلة منتهى ليس ببعيد عن مدرستها “فاطمة خاتون”، بينما جرحت فتاة أخرى من عائلة أبو فرحة في المكان. ويومها طلب جنود الاحتلال من والدها، بأن تدفن العائلة ابنتها بعد ساعة فقط، وهو ما لم يحدث، فخرجت لوداعها جماهير غفيرة، ودارت مواجهات عنيفة، وشن الاحتلال اعتقالات، طالت أحد المصورين. فيما صادرت مريولها الذي ارتقت به، وأعيدت كتبها إلى مدرستها، ووصلت قبرها أكاليل زهور من مدن الوطن، واتحادات المرأة.

وتحمل منتهى الترتيب الخامس في أسرتها، بين ثماني بنات وأخوين، وأبصرت النور في 20 شباط 1958.

فساتين وألعاب

ورسمت عفاف صورة لشقيقتها، التي تستقر صورها بجدران البيت، وتصمد فساتينها ومطرزتها في خزائن المنزل وقلب العائلة، وقالت إن أمها كانت تنادي أختها بـ” سدرة المنتهى”، وكن يلعبن معا “الطميمة”، و”الحجلة”، و”السبع حجار”، ولا تنسى ضحكتها، وطول قامتها، وشعرها الأسود الساحل، وابتسامتها التي لا تغادرها، وطيبة قلبها، وعيونها الواسعة البنية، وكلما تشاهد صورتها وآثار بقايا دمها، تتذكر حلمها بدراسة الصيدلة، وتفوقها قبل عام واحد في “المترك” الإعدادي.

وقالت عفاف: رفضت أمي خديجة (توفيت عام 2008) أن نعيد تسمية منتهى على بنات الأخوات والأخوة والأقارب. وكنت تقول: هذا الاسم هبة من الله، وربنا أخذ أمانته، ولن نعيده في البيت. وقبل أن ترحل عن الدنيا، أعادت الوصية، أن نحافظ على منتهى واحدة في العائلة.

وتبعا لما تجمعه الأخت من ذكريات ومواقف، فإن الأم التي سافرت بعد 40 يوما من استشهاد صغيرتها، لتأدية فريضة الحج، شاهدت منتهى في منامها تطلب منها ألا تنسى هديتها، وتحضر لها بلوزة وبنطالا، وهو ما فعلته الأم، وعادت من الحجاز بهدية فقيدتها، التي قدمتها لفتاة في عمرها.

وقالت عفاف التي أبصرت النور بعد سنتين من ميلاد منتهى: ولدت ابنة أختي ربى أبو زيد، بعد وقت قصير من رحيل منتهى، وبالرغم من أنها لا تحمل اسمها إلا أنها تكاد تكون نسخة طبق الأصل عنها، وحين نراها نخبرها بذلك، فنحزن وندعو الله لأختنا.

تخصص عائلة حوراني وقتا لذكرى ابنتها، فتذهب الأخوات والجيل الثاني الذي ولد بعد استشهاد منتهى في الخزانة، لتفقد فستانها، وللتمعن في مطرزتها التي سهرت على نسجها، فتتوزع بين الألم والترحم على روحها، مثلما سبق وأن حافظت الأم على تقاليد الذهاب إلى المقبرة، للترحم والدموع وزراعة الأزهار.

واللافت في حكاية منتهى، أن إحدى زميلاتها على مقاعد الدراسة، واسمها فاطمة العمار (توفيت في نيسان العام الماضي) انتقلت لتكون مديرة المدرسة التي تحمل اسمها. فيما ينقل أهالي من المدينة أن حوراني ارتقت جراء تعرضها للدهس من دبابة احتلالية وسط المدينة، خلال قمع جيش الاحتلال لتظاهرة جماهيرية، وهو ما فنده شاهد العيان لـ”الحياة الجديدة”.

اسم ومدرسة

فيما أشارت مديرة مدرسة منتهى الحوراني، سهى لحلوح، أن الشهيدة حاضرة دائما بين المعلمات والطالبات، فدائما تجري قراءة سيرتها، وتدخل مواضيع التعبير، ويتم تفسير اسم المكان للطالبات الجدد، وسبب اختياره.

وأكدت أن قصة ارتقاء منتهى بزيها الأبيض والأخضر، وهي على مقاعد مدرسة فاطمة خاتون، كثيرة التداول في المدرسة التي أقيمت عام 2014، واحتفظت بصورة منتهى المنقوشة بالحجر.

وتبعا للحلوح، فإن المديرة الراحلة فاطمة العمار، التي كانت زميلة منتهى في الصف، هي التي اقترحت على وزارة التربية والتعليم إطلاق اسمها على المدرسة، التي تقع في الأطراف الشمالية الغربية للمدينة.

وأوضحت المديرة أن أهالي جنين يتناقلون روايتين لاستشهاد الحوراني، لكن الأهم أنهم يجمعون على استعادة سيرة أول شهيدة ارتقت في مدينتهم بعد النكسة، ويخلدون اسمها بمدرسة كانت تضم العام الماضي 300 وتراجع العدد إلى 180 هذا العام؛ بسبب موقع المدرسة المتاخم لمخيم جنين، والذي يشهد اجتياحات متكررة.