1

معتز أبو طبيخ.. دراجة ورصاصة وحزن مؤجل

عبد الباسط خلف- اتشحت تعابير دانا أبو طبيخ بالأسى، وهي تسرد اللحظات القاسية التي عاشتها عائلتها، عقب ارتقاء شقيقها الفتى معتز (16 عاما)، في اللحظات الأولى من عدوان 21 كانون الثاني الماضي.

وجسدت أبو طبيخ أحزان أسرتها وجرحها المفتوح، الذي اتسع إثر رفض الاحتلال تشييع الجثامين.

وروت بأن العائلة عاشت 14 يوما شديدة القهر، فقد نقلت رصاصة احتلالية أصابت خاصرة، “عزو”، الابن الأصغر والمدلل فيها من بيته إلى ثلاجة مستشفى جنين الحكومي، التي لا تبعد كثيرًا عن بيت معتز وغرف نومه ومسرح أحلامه.

الفطور الأخير

وتابعت دانا: قبل اقتحام جيش الاحتلال المدينة، طلب أخي تناول الإفطار مع والدتي، على غير عادته، وألح عليها تحضير الجبن المقلي، ثم ركب دراجته وسار إلى مسجد القاضي، وأدى صلاة الظهر الأخيرة، واتصلت به أمي عندما علمت بالاقتحام وطلبت منه ألا يأتي إلى الحي؛ بسبب الاقتحام، فأخبرها أنه بخير، وهو على بعد خطوات من البيت في حي الهدف.

ووفق الأخت المكلومة، فقد كان “أبو العز” كما تطلق عليه أسرته، على دراجته في منطقة الكينا بحي الهدف، لكن رصاص الاحتلال أصابه بمقتل، دون أن يشعر بما حصل معه، فواصل السير حتى بيت صديقه أحمد عمران، الذي اكتشف أن رفيقه ينزف، قبل أن يفقد وعيه وعلمت العائلة لاحقا بتهتك كبد ابنها وشرايينه.

وأكملت: أعاق الاحتلال وصول سيارة الإسعاف إلى موقع إصابة أخي، وظل في منزل صديقه حتى نجح المسعفون في العبور.

وأضافت وهي محزونة بأن عدة طلقات أصابت جسم دراجة شقيقها وعجلاتها، ما يؤكد أنه كان مستهدفا، وتهمته محاولة الوصول إلى البيت والسير في الشارع على دراجة!

ووصفت تأجيل دفن شقيقها بجبل من الأحزان فوق قلب أسرتها، لكنها أشارت إلى اللحظات الأثقل التي عاشت العائلة، أمس الأول، حينما وصل جثمانه إلى بيت العائلة، وأدى الأقارب صلاة الجنازة عليه، لكن الاحتلال عاد مرة أخرى وأجل الدفن.

وأبصر معتز النور مستهل تشرين الأول 2008، ويحمل الترتيب السادس في عائلته، فيسبقه جهاد، الذي توفي في أوج شبابه عام 2019، إثر مرض متلازمة داون، تتبعه دانا، فهديل ثم أسيل وأحمد.

قلب الهجوم

واستردت أبو طبيخ هوايات شقيقها، الذي كان قلب هجوم فريق كرة القدم في الحي والمدرسة، وخطط لدراسة هندسة السيارات، وبدأ في صفه الحادي عشر بالمدرسة الصناعية، وكان متفوقا ومحبوبا بين معلميه ورفاق صفه.

ورسمت صورة لأخيها الذين جمع بين خفة الدم والمزاح والدعابة، وتحمل المسؤولية بوقت مبكر، وقد كان الساعد الأيمن لوالديه.

أحب معتز التصوير كثيرا، وحرص على الاهتمام بلباسه، وترك نهر أحزان يجري في عيون والدته معلمة الأحياء نهى عيوش، التي كانت طوال وجوده على مدى أسبوعين، في ثلاجة المستشفى تدخل إلى غرفته وتتلمس فراشه، وتشتم رائحة ملابسه وكتبه، وتبحث عن كراساته وتبكي.

واختتمت دانا بحسرة: إن العائلة بدأت منذ أسبوعين تستشعر ثقل غياب ابنها المدلل، الذي كان يصنع الفرح في البيت، ويحضر النكات دائمًا.

أحزان ثقال

وعلى غير العادة، شيّع عدد مُقلص من أهالي جنين ومخيمها، 11 شهيدا ارتقوا خلال العدوان الواسع خلال 14 يوما، ولم يحتضنهم التراب بأمر المحتل، بينهم 7 دفنوا في مقبرة شهداء مخيم جنين.

وسارت مركبات الإسعاف من أمام مستشفى ابن سينا، وعلى متنها الجثامين التي ماطل جيش الاحتلال في السماح بدفنها، بعد تجميعها من ثلاجات مستشفى جنين الحكومي و”ابن سينا” ومركز قباطية الطبي ووجهتها مقبرة شهداء مخيم جنين الجديدة.

وتحلق أقرباء الشهداء أمام سبعة قبور متجاورة، فيما فاضت أحزان الأمهات، قبل أن يبدأ المشيعون بالصلاة الأخيرة على الجثامين ومواراتها الثرى، وسط تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع، وانتشار آليات للاحتلال على مسافة قريبة من المقبرة.

وزاد من أحزان العائلات فرض الاحتلال قيودا مشددة على التشييع، وتأخيره 24 ساعة عن موعده بسبب تفجيرات ظهيرة الأحد الضخمة، وانتظارها أمس الأول ساعات طويلة في مستشفى ابن سينا.

بدوره، أفاد مدير مستشفى جنين الحكومي، وسام بكر لـ”الحياة الجديدة”، بأن 4 شهداء كانوا في ثلاجات المستشفى، التي لا تتسع إلا لتسعة جثامين.

واستعاد بكر ذكريات الاجتياح الكبير في نيسان 2002، عندما كان طبيبا مقيما في المستشفى، وشاهد استحداث عدة قبور جماعية في ساحته الأمامية.

والشهداء الذين جرى تشييعهم بجوار أبو طبيخ هم: خليل السعدي (35 عاما)، والمسن وليد لحلوح (73 عاما)، وأمين صلاحات (57 عاما)، ورائد أبو السباع (53 عاما)، وحسين أبو الهيجا (38 عاما)، وعبد الجواد الغول (26 عاما).

ومنذ بدء العدوان على جنين قبل 14 يوما، استشهد في المدينة ومخيمها وريفها 25 مواطنا بينهم الطفلة ليلى الخطيب (عامان ونصف العام) والسبعيني وليد لحلوح.




أحمد السعدي.. “مهندس الشرقية”

عبد الباسط خلف- كان الفتى أحمد عبد الحليم السعدي (16 عاما) يجلس على درج بيت عائلته، في الحي الشرقي لمدينة جنين، ولم يعلم أنه سيكون صاحب الرقم (22) من بين شهداء العدوان المستمر منذ 12 يوما.

ونقل أحمد من دفء بيته إلى برد ثلاجة الموتى في بلدة قباطية المجاورة، بعد أن تحول إلى أشلاء بفعل صاروخ طائرة مسيرة احتلالية.

وسرد ابن عمه، أشرف، بصوت حزين اللحظات الأخيرة التي عاشتها العائلة، إذ كان أحمد داخل حرم منزله، المجاور لديوان العائلة، الذي كان يستضيف بيت عزاء، قبل أن تستهدفه طائرة إسرائيلية ويتحول إلى أشلاء، وينفصل رأسه عن جسده.

وأشار إلى أن أحمد هو الابن الأصغر في أسرته، إذ يسبقه الأشقاء: أيسر وإبراهيم وأسيد، وأختان، فيما كان يرافق والده في ورش البناء خلال طفولته، وعشية إجازاته الصيفية.

وأضاف السعدي أن ابن عمه كان يحلم بأن يكون مهندسا، لإعانة والده في تشييد المنازل، ودخل إلى قلبه عشق الرسم ولعبة كرة القدم، إضافة إلى قيادة الدراجات الهوية في شوارع الحي، بالرغم من إصابته بالربو.

وأكد لـ”الحياة الجديدة” بأن القصف الإسرائيلي استهدف عدة شبان كانوا يهمون بتناول طعامهم، حوالي السادسة والنصف مساء، في محيط بيت العائلة وديوانها.

وفاحت الأحزان من رواية مدير مدرسة عز الدين، أيمن القرم، التي كان السعدي أحد طلبتها، فقال إن أحمد أحب الجلوس في منتصف صفه التاسع، وكان يعاني أزمة صحية منذ طفولته، واضطر لتكرار الغياب لظروف عائلته ومطارده الاحتلال لشقيقه أيسر.

وبين بأن أحمد لن يتمكن اليوم الأحد من حضور حصة “التييمز”، ولن يكون بوسعه سؤال معلميه عن شهادة الفصل الأول.

وذكر القرم بأن صف السعدي فيه 36 طالبا، تقلصوا إلى 35، مثلما تكرر الحال مع الشهيد خطاب مجد بدوية، ابن الصف التاسع الذي ارتقى مطلع آب 2024، وهو ما حدث مع ابن عائلة جبارين، الذي قضى وهو على مقاعد الدراسة عام 2022.

وأكد أن المدرسة تخطط لتخليد ذكرى الفتى السعدي، عندما تنتظم الدراسة، وأنها ستضع إكليل ورد على مقعده وسجله الدراسي.

أنهار أحزان

فيما قال سمير السعدي، الذي يقيم ليس ببعيد عن البيت المستهدف، إن أحزان عائلته تتوزع على خمس ثلاجات للموتى، إذ يمضي ابنها خليل طارق في مستشفى جنين الحكومي، منذ 12 يوما، بينما يتواجد في ثلاجات قباطية الخمسيني عبد الوهاب، منذ أول يوم في العدوان الواسع على المدينة، وأمس أضيف إلى الثلاجة ذاتها الفتى أحمد، ثم التحق بهم الممرض تمام السعدي والشاب نور الدين السعدي.

ورأت أمل الشيخ، القاطنة في الحي الشرقي، إن الأحزان في جنين تتسع، وأنها فقدت خلال 12 يوما 3 أطفال وفتية بدم بارد.

في سياق ذي صلة، ذكر مدير مستشفى جنين الحكومي، وسام بكر لـ”الحياة الجديدة” أن الاحتلال أبلغ الهيئة العامة للشؤون المدنية بالموافقة على دفن 9 شهداء يتوزعون على 3 مستشفيات: خليل السعدي، ويوسف أبو عواد، ومعتز أبو طبيخ في “الحكومي”، وأمين الأسمر ورائد أبو السباع في “ابن سينا”، وعبد الوهاب السعدي، ومحمد صبّاح، وعبد الغول في قباطية.

وأكد أن الجثامين التسعة استشهد أصحابها منذ اليوم الأول للعدوان، وحالت الظروف دون أن يتمكن أهلهم من دفنهم حتى الآن.




يوم عصيب وطويل في جنين ومخيمها وريفها

 عبد الباسط خلف- استفاق أهالي مخيم جنين صباح أمس الأربعاء، على موجة إخلاء قسري جديدة، هي السادسة منذ خريف 2021، وفق تقديرات محلية.

وطالب جيش الاحتلال المواطنين القاطنين في عدة أحياء بالمخيم بالخروج منها، وسط تحذيرات بتدمير المباني.

وأكد فتحي العيسى، المقيم في أطراف المخيم لـ”الحياة الجديدة” أن جنود الاحتلال شرعوا في إخلاء محيط شارع السكة، وهي المنطقة التي يقطن فيها.

ووفق العيسى، فقد أجبر جنود الاحتلال المواطنين على سلوك الطريق الواصل إلى برقين، والمرور عبر نقطة تفتيش قريبة من مدرسة الوكالة.

وأخذ جنود الاحتلال يفحصون عبر بصمة العين النازحين قسرا، قبل السماح لهم بإكمال مسيرهم، أو اعتقالهم.

وذكر علاء جبر، الذي يسكن في أطراف المخيم بأن الاحتلال أقام مركز فحص ميداني، لتدقيق هويات الشبان واعتقال بعضهم، أو السماح لهم بالتوجه نحو ممر وحيد إلى واد برقين.

وأشار إلى أن أعدادا كبيرة من أهالي المخيم خرجوا منه منذ نحو ثلاث سنوات، وبقي فيه قرابة 12 ألف مواطن، لكنهم اليوم يتعرضون لتنكيل واسع النطاق.

العدوان الأسوأ

وقال رئيس بلدية جنين، محمد جرار، إن الاحتلال بدأ بإخلاء عدة أحياء في المخيم عند التاسعة صباح أمس، وواصل حتى الرابعة عصرا، بالتزامن مع تجريف لعدة طرقات داخل المخيم القديم والجديد، وفي محيط المستشفى الحكومي ومقاطع من الشارع العسكري ودوار الداخلية وشارع الناصرة.

ووفق جرار، فقد استهدف الاحتلال بالإخلاء أحياء الهدف، ومنطقة الساحة الرئيسة، وشارع مهيوب، والحارة الغربية، وأجزاء من المخيم الجديد، فيما طالب الاحتلال المواطنين في حارة الدمج، وجورة الذهب، والحواشين باخلاء منازلهم.

وأشار إلى أن جنود الاحتلال أبلغوا الأهالي عبر مكبرات الصوت بنيتهم تدمير عدة أحياء في المخيم.

وبين عدم وجود تقديرات أو إحصاءات دقيقة لأعداد المواطنين الذين أجبروا على ترك منازلهم خلال اليومين الماضيين.

وأضاف جرار بأن البلدية نسقت مع نظيراتها في برقين وكفردان واليامون وعرابة لتأمين نقل النازحين، واستضافتهم في بلدات الخط الغربي، فيما توجهت مجموعات أخرى إلى أقربائها.

وذكر بأن جنين تعرضت في الأعوام الثلاثة الماضية إلى عدة اجتياحات تخللها إجبار المواطنين على النزوح، واستوعبت البلدية 6 آلاف مواطن أخرجوا عنوة من بيوتهم.

لكن جرار وصف هذا العدوان والإخلاء “بالأسوأ على الإطلاق”، ويتزامن مع ظروف صعبة، تأتي بعد تعرض المدينة ومخيمها منذ 2021 إلى 104 اجتياحات كاملة، تسببت بخسارة بنحو 2 مليار دولار في البني التحتية والمباني والمتاجر.

خلية أزمة

بدوره، ذكر رئيس لجنة الطوارئ المحلية في محافظة جنين، أحمد القسّام، أن اللجنة عممت على الهيئات المحلية لاستيعاب النازحين في أربع بلدات مجاورة.

وأوضح بأن اللجنة تعمل على تأمين احتياجات المواطنين، وإحصاء أعدادهم، خاصة أن بعضهم توجه إلى بيوت أقرباء.

وأكد القسّام أن اللجنة لم تستطع التحرك في ظل الاجتياح الحالي، لكنها تعمل كخلية أزمة بالشراكة مع الجهات الحكومية والهيئات المحلية.

فيما بينت عضو اللجنة الشعبية للخدمات في مخيم جنين، فرحة أبو الهيجاء، أن جزءا من مواطني المخيم خرجوا أمس الأول، فيما أجبر الاحتلال مجموعات أخرى على ترك بيوتهم أمس، وسط حديث عن مهلة انتهت الساعة الخامسة عصر أمس.

وتطرقت إلى أن نسبة من النازحين لجأوا إلى ديوان عائلة تركمان في واد برقين.

وتخشى أبو الهيجاء، بفعل العدد الكبير للآليات والجرافات المقتحمة من إقدام الاحتلال على تنفيذ عمليات تدمير كبيرة في المخيم، تعيد إلى الأذهان ما حل به عام 2002.

تجريف وشائعات

من جانبه، وصف مدير مستشفى خليل سليمان الحكومي، د. وسام بكر، ما حصل في محيط المستشفى بالعصيب، والأعنف منذ سنوات.

وأكد أن الاحتلال جرّف الشارع الرئيس، ووضع سواتر ترابية في مداخل الطوارئ، قبل أن يُعاد فتح الطريق لتسهيل وصول مركبات الإسعاف.

ونفى بكر ما تداوله بعض نشطاء عبر مواقع التواصل، من إعطاء المتواجدين داخل المستشفى مهلة حتى الخامسة عصرا لإخلائه.

وقال إن مرافقي المرضى خرجوا خلال وقت قصير، وبقي هناك نحو 250 من الكادر الطبي والمرضى ومرافقيهم، بعد أن وصل عددهم صباح أمس إلى قرابة 650.

وأشار بكر إلى أن الاجتياح الحالي يعد الأصعب والأقسى، الذي يواجه المستشفى، وقد يكون الأطول.

حصار وقصف

ولم ينته الأربعاء الطويل على هذا النحو فقط، إذ حاصرت قوات احتلالية خاصة، عند السابعة والنصف مساء أمس، منزلين من 3 طبقات لعائلة مسّاد في بلدة برقين، غرب جنين، أعقبه وصول تعزيزات كبيرة، وشرع جنود الاحتلال بإطلاق النار والقنابل الحارقة نحو البيت، وسط تحليق مكثف للمُسيرات.

وأفاد عدة شهود عيان من البلدة لـ”الحياة الجديدة” بأن أربع جرافات، بينها واحدة (D10) وصلت البيت المحاصر شمال غرب البلدة، سبقتها مطالبة جنود الاحتلال للمتواجدين في المنزل، عبر مكبرات الصوت بتسليم أنفسهم.

وذكر الشهود بأن جرافات الاحتلال هدمت البيت المحاصر، وسط معلومات عن استشهاد شابين كانا داخله.

وقال سمير عروق، إن آخر المعلومات التي وردت من منزل صهره المحاصر أكدت رفض الاحتلال إخراج 7 من أبناء العائلة بينهم نساء وأطفال، من داخل منزل أشرف فتحي مسّاد المُحاصر، ولم يعرف مصيرهم بعد، بينما اعتقل صاحب البيت.

وأضاف بأن جنود الاحتلال أخرجوا المتواجدين في المنزلين المجاورين، وشرعت الجرافات في هدم منجرة تعود لعمر مسّاد.

كما أكد مواطنون بأن الجنود اقتحموا منزلا مجاورا يعود للشاب إياس علي خلوف، وحولوا سطحه إلى نقطة عسكرية، كما أوقفوا عدة مواطنين في الحي، واعتدوا على صاحب متجر قريب، فيما قطع التيار الكهربائي عن أجزاء من الحي.

في سياق موازٍ، شيعت البلدة، ظهر أمس، جثمان الشهيد أحمد نمر الشايب، 43 عاما، الذي قضى أمس الأول، عندما كان يهم بعبور شارع في أطراف حي الهدف بواد برقين.

ووثق تيم 11 عاما، وهو نجل الشهيد، بهاتفه لحظات الرعب الأخيرة من استهداف مركبة والده، قبل أن يفارق الحياة.

واقتحمت قوات الاحتلال، الليلة الماضية، بلدة قباطية جنوب جنين، وحاصرت منزلا. وقالت مصادر محلية إن قوات الاحتلال حاصرت منزلا في البلدة، ما أدى لاندلاع مواجهات مع المواطنين، قبل أن تدفع بمزيد من تعزيزاتها العسكرية من حاجز “دوتان” غرب جنين.




“سوق عيبال الوطني”..في نابلس لدعم الرياديات

ميساء بشارات- في خطوة مميزة لدعم صاحبات المشاريع الصغيرة من مختلف المحافظات، يُعلن عن انطلاق مبادرة “سوق عيبال الوطني” في نابلس بداية الشهر القادم، لتكون منصة دائمة تُمكّن الرياديات من عرض منتجاتهن بشكل منتظم.

تهدف المبادرة إلى تمكين النساء اقتصاديًا عبر توفير بيئة آمنة ومستدامة لعرض منتجاتهن شهريًا أو سنويًا، بما يضمن استمرارية مشاريعهن وتحقيق عوائد مادية تسهم في تحسين جودة حياتهن.

“سوق عيبال الوطني” ليس مجرد مكان للتسويق، بل مبادرة اقتصادية واجتماعية تهدف إلى تعزيز المشاريع الجديدة والصغيرة التي انطلقت بعد العدوان الإسرائيلي على شعبنا، مع دعم المشاريع المتوسطة ومتناهية الصغر، مما يسهم في تمكين الرياديات اقتصاديًا وتحقيق تطور ملموس في حياتهن.

وفي هذا السياق، يقول مدير سوق عيبال الوطني علاء جيطان: “انبثقت فكرة السوق نتيجة التحديات والعقبات التي تواجهها النساء والرياديات كمبادرة لمساعدتهن في تخفيف الأعباء وتحقيق أهدافهن، خاصة وأن العديد من النساء يلجأن إلى هذه المشاريع لتحسين أوضاعهن الاقتصادية ودعم أسرهن”.

وأضاف: “تتميز النساء بمنتجاتهن الرائعة، لكن يواجهن صعوبات في عملية التسويق والبيع، حيث تظل الفرص محدودة أمامهن. وقد توصلنا إلى هذا الاستنتاج بعد تنظيم عدة تدريبات في محافظات الضفة تستهدف الرياديات وصاحبات المشاريع الصغيرة. كان من الواضح وجود فجوة تحد من قدرتهن على الوصول إلى الأسواق، وهو ما نسعى إلى معالجته عبر دعمهن في بيع منتجاتهن”.

ويؤكد جيطان أن الاحتياج الأساسي للرياديات يكمن في اكتساب مهارات البيع الاحترافي، وفهم الزبائن واحتياجاتهم، مما يمكنهن من توفير ما يطلبه السوق ويزيد من فرص شراء منتجاتهن.

وأوضح أن عملية بيع المنتج تتطلب مهارات وخبرات وقدرات تسويقية متميزة. فعلى الرغم من جودة منتجاتهن وتميزها، إلا أن ضعف التسويق في مجال البيع يجعل هذه المنتجات تظل بعيدة عن الأنظار، مما يؤدي إلى عدم تحقيق المبيعات المنشودة.

وأضاف جيطان أنه قام بتحليل احتياجات صاحبات المشاريع، ووجد أنهن بحاجة إلى سوق دائم، مثل سوق عيبال، يكون في موقع معروف ويحظى بإقبال كبير. هذا السوق يمكن أن يوفر لهن منصة دائمة لعرض منتجاتهن وتسويقها وبيعها بفعالية، ولكسر حاجز الخوف لديهن من الجانب التكنولوجي بهدف زيادة المبيعات والأرباح وتحقيق النمو.

وحسب علاء جيطان فان سوق عيبال الوطني يتجاوز حدود المعارض التقليدية، وصولا لإيجاد سوق مستدام يسهم في تخطي التحديات التي تواجهها صاحبات وأصحاب المشاريع والرياديات في فلسطين من خلال سوق متكامل يبدأ برفع الوعي لدى المشاركين حول مفهوم البيع الاحترافي وصولا الى تسويق وعرض وبيع منتجاتهم بأسلوب جاذب وقيمة تناسب جهودهم المبذولة وذلك بالتعاون والشراكة مع المؤسسات الرسمية والاتحادات و والغرف التجارية والجمعيات المحلية والدولية الداعمة والهادفة للتمكين الاقتصادي لصاحبات وأصحاب المشاريع، وسيتنوع السوق في عرض مختلف المنتجات، حيث ستتخصص كل زاوية لعرض منتج معين.

أهمية السوق

وحول أهمية سوق عيبال يقول جيطان يمثل السوق حدث اقتصادي مستدام يسهم في تحريك عجلة المبيعات وفرصة لصاحبات وأصحاب المشاريع الريادية والشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر من مختلف مدن وقرى وبلدات فلسطين لتطوير مشاريعهم من خلال اكسابهم المعرفة حول منهج البيع الاحترافي والانطلاق بتسويق وعرض وبيع منتجاتهم المتنوعة منها الريفية والحرفية واليدوية في سوق يميزه التفاعل والتواصل المباشر مع الجمهور من مختلف فئات المجتمع وزوار المدينة، بما يسهم في صناعة تجربة الزبائن وبناء على علاقات إيجابية.

ويضيف جيطان ان السوق يمثل فرص الدخول الى أسواق جديدة محلية ودولية واستقطاب زبائن جدد داخل سيتي مول نابلس الحيوي الذي يمثل وجهة التسوق الأولى على مستوى الشمال.

ويحمل السوق رسالة هي الارتقاء بالمشاريع الريادية التي تقودها او تديرها السيدات والشباب من خلال بناء علامة تجارية وتسويقها وبيع منتجات باحتراف بشكل مباشر ورقمي وتعزيز تواجدها بالسوقين المحلي والدولي بما يضمن زيادة المبيعات والارباح وتحقيق النمو والنجاح وتعظيم السعادة والرضا لدى صاحبات المشاريع.

ويؤكد جيطان ان فكرة السوق انطلقت من خلال خبرتهم في مجال التسويق والمبيعات والعلاقات العامة المعاصرة منذ ما يزيد عن 25 عاما ولاحقا لتنفيذ ورشات عمل مع صاحبات المشاريع في مختلف المدن، حيث تم الاستماع عن قرب للتحديات التي تواجهها وتم التخطيط لتجاوزها من خلال تنظيم سوق عيبال الوطني ليتخطى هذه التحديات ويحتضن اعمال صاحبات وأصحاب المشاريع من مختلف مدن الضفة.

وتنبع أهمية المشاركة في سوق عيبال الوطني في تحقيق خمس أحلام وفق رؤية ومتابعة خبير المبيعات الأستاذ علاء الجيطان، يكمن الحلم الأول في المشاركة في تدريب حول مفهوم البيع الاحترافي بما يسهم في تعزيز قدرات المشاركات لزيادة مبيعاتهن وبناء العلاقات مع الزبائن الجدد والحاليين والوقوف على التحديات التي واجهت المشاركات خلال المعارض السابقة وتقديم الحلول لتخطيها وتقييم الأداء البيعي للمشاركات خلال عرض وتسويق وبيع منتجاتهم وكيفية التعامل مع الزبائن وتقديم توصيات لتحسين وتطوير الأداء البيعي للمشاركات بما يسهم في زيادة نسبة التحويل للزبائن.

والحلم الثاني يكمن في بناء صاحبات المشاريع في بناء علامتهن التجارية وإبراز الميزة التنافسية لمنتجاتهن لتعزيز ولاء الزبائن الحاليين والجدد، أما الحلم الثالث فهو المساهمة في الوصول الى الأسواق الحالية والجديدة في مختلف المدن الفلسطينية والدولية، والحلم الرابع في تعزيز فرص التواصل المباشر والدائم مع الزبائن لفهم احتياجاتهم وتفضيلاتهم وتطوير منتجاتهم بما يضمن تكرار عملية الشراء، والحلم الخامس استخدام أدوات ومهارات التحول الرقمي لمشاريعهن وتوفير منصة لعرض منتجاتهن.

لماذا اسم سوق عيبال الوطني؟

وحول اختيار اسم “سوق عيبال الوطني”، أوضح جيطان أن التسمية جاءت نسبة إلى مدينة نابلس، وتحمل بُعدًا وطنيًا يعكس الهدف من السوق، وهو أن يكون منصة مفتوحة لصاحبات المشاريع من مختلف المدن ومحافظات الضفة الغربية.

وتنظم هذا الحدث المدرب والمستشار علاء الجيطان ومجتمع محترفي المبيعات في الوطن العربي الذي تأسس عام 2018 الذي يعمل على رفع مستوى الاحتراف في مهنة المبيعات ونقل خبراته وتجاربه حول موضوع المبيعات الى النساء الرياديات لتمكينهن من زيادة البيع، ولذلك سيعقد دورة تدريبية للنساء المشاركات في السوق حول البيع الاحترافي للمساهمة في نشر الوعي وتعزيز البيع الاحترافي لدى المشاركات خاصة انه لدى صاحبات المشاريع ضعف كبير في هذا الجانب.

وأضاف أن السوق يهدف إلى إتاحة الفرصة للمشاركات من رام الله، جنين، سلفيت وغيرها من المدن لعرض إنتاجهن في مكان واحد، مما يسهم في توسيع نطاق تسويق منتجاتهن والوصول إلى عدد أكبر من الزبائن من بيئات متنوعة، وتوفير مساحة جديدة لعرض المنتجات، وتخطي حدود المناطقية، بما يضمن تعزيز فرص البيع والتسويق للرياديات في مختلف المحافظات.

موقع السوق؟

يؤكد جيطان أن اختيار “سيتي مول نابلس” لاستضافة سوق عيبال الوطني جاء بناءً على مكانته كقلب نابلس ووجهة التسوق الأولى في المدينة. يتميز المول ببيئته المتكاملة التي تلبي احتياجات جميع أفراد العائلة، حيث يضم حوالي 180 محلًا تجاريًا لأشهر الماركات المحلية والعالمية، إلى جانب عيادات طبية، مكاتب خدمات، ومرافق ترفيهية متنوعة.

يوفر المول تجربة تسوق ممتعة في بيئة جذابة، مع مطاعم، كافيهات، وقاعة ألعاب آمنة للأطفال، بالإضافة إلى مصليات للرجال والنساء. بفضل موقعه الاستراتيجي، على بُعد 350 مترًا فقط من مركز نابلس التجاري، وسهولة الوصول إليه عبر مجمع المدن الرئيسي ومجمع القرى الغربي، يصبح المول خيارًا مثاليًا لزوار السوق. كما يضم موقف سيارات آمنًا بطاقة استيعابية تصل إلى 200 سيارة، ما يجعل تجربة التسوق أكثر راحة وسلاسة.

يقول جيطان: “سيتي مول نابلس” ليس مجرد مكان للتسوق، بل وجهة متكاملة تمثل البيئة المثالية لنجاح “سوق عيبال الوطني”.

كيف يمكن الانضمام للسوق؟

يمكن للرياديات المهتمات الانضمام إلى السوق من خلال تعبئة نموذج تسجيل مُعد خصيصًا لتسهيل عملية المشاركة في صفحة سوق عيبال الوطني عبر الفيسبوك. يتطلب النموذج إدخال معلومات أساسية عن المشروع، لمعرفة نقاط القوة والضعف لصاحبة المشروع. وسينظم السوق على مدار الأسبوع باستثناء يوم الجمعة، وسيخصص أيام محددة للمشاريع الجديدة التي تاسست في عام 2024 وايام أخرى للمشاريع التي تأسست قبل ذلك التاريخ. ويستهدف السوق مشاركين جدد شهريا من مختلف المدن والقرى والبلدات الفلسطينية. كما ان السوق فرصة لمشاركة الاتحادات والتعاونيات والمشاريع الفردية ومشاريع الشركات.

ومن المقرر أن تنطلق فعاليات “سوق عيبال الوطني” بداية الشهر القادم، وسط أجواء احتفالية تهدف إلى تسليط الضوء على الرياديات المشاركات ومنتجاتهن المميزة. ويتوقع أن يستقطب السوق عددًا كبيرًا من الزوار من نابلس والمناطق المحيطة.

و “سوق عيبال الوطني” ليس فقط فرصة للرياديات، بل هو أيضا مكان للجمهور لاكتشاف منتجات مميزة بأيد محلية، وندعو الجميع لزيارة السوق ودعم النساء الطموحات اللاتي يسعين لبناء مستقبل أفضل لهن ولعائلاتهن. ويأمل المنظمون أن يُصبح السوق وجهة دائمة لكل من يؤمن بأهمية دعم الإنتاج المحلي وتمكين المرأة في مختلف المجالات.




حسام قنوح يلتحق بعمه وخاليه الشهداء

عبد الباسط خلف- لم يكن حسام حسن قنوح يعلم أنه سيلتحق بعمه الشهيد عيسى الذي ارتقى عام 1982، وبخاله حسام، شهيد نهاية انتفاضة الحجارة، وبخاله الثاني وليد شهيد عام 2008.

وأعاد قصف الاحتلال مساء أمس الأول الثلاثاء لشبان كانوا يطلبون الدفء ويتناولون حلوى (ليالي لبنان) في شارع السكة بمخيم جنين، أوجاع العائلة على مصراعيها، رفقة 3 عائلات فقدت إحداها 3 أشقاء دفعة واحدة.

واستعاد فتحي اللحظات الأخيرة التي جمعته بشقيقه الوحيد حسام، وسرد بقلب حزين أن تلقى اتصالا منه يحمل تأكيد موعد استحقاق شيك ورشة بناء بيتهما المشترك في اليوم التالي، وأنه سيترك له 1000 شيقل لتأمينه.

عيون وساعد

وأشار إلى أنه أخفى حقيقة ما حدث عن والدته، واكتفى بإشعارها عبر اتصال هاتفي بضرورة حضورها على عجل إلى المستشفى، لكن قلبها وإحساسها دفعها لتوقع المصاب الثقيل.

وأضاف أن الأسرة فجعت بارتقاء ابنها، الذي كان الساعد الأيمن لوالده الكفيف، وحرص على مساعدته ومرافقته في تنقلاته إلى المسجد وزياراته كلها، فقد كان نور عينه وابنه المدلل، مثلما كان يشبهه ببنيته القوية ووزنه الزائد.

وتابع الأخ الوحيد بصوت منهك أن مكانة حسام عند والده، أهلته للعب دور الوسيط للعائلة في أي طلب تحتاجه.

وأشار إلى أن والده فقد بصره عقب وقت قصير من ولادة حسام، وأنه اليوم تحسس ابنه الشهيد خلال التشييع بيديه، وعجز عن إلقاء نظرة وداع عليه.

عيسى الأسطورة

أبصر حسام النور في 12 أيلول 1992، وحمل اسم خاله الشهيد حسام أنيس عبيدي، الذي استشهد خلال مواجهات مساء 25 شباط 1991 في بلدة برقين الملاصقة للمدينة.

وتابع الشقيق المكلوم: استشهد عمي فتحي في 24 آذار 1982، فقد كان رياضيا وصاحب بنية قوية ولاعب ملاكمة وعمل حدادا، وهاجم بجوار مبنى البريد وسط جنين دورية لجيش الاحتلال بسكين، وتعارك مع الجنود وقتل اثنين منهما وأصاب آخرين بجروح خطيرة، كما كسر سلاحا ناريا وألقاه في الشارع، وأثناء العملية أطلقت دورية أخرى النار عليه، ودفنه الاحتلال في مقبرة مشروع بيت قاد.

واستذكر استشهاد خاله المطارد وليد، خلال اشتباك مسلح في قباطية، في 16 كانون الثاني 2008.

ووفق فتحي الذي ورث اسم عمه، فإن وجوه الشبه كثيرة بين أخيه وعمه، فكلاهما كان رياضيا، وحرصا على ممارسة ألعاب الحديد وبناء الأجسام، فيما كان حسام لاعب خط وسط في نادي الأشبال لكرة القدم، وكان أحد أفراد فرقة الدبكة، وحرص على التطوع في أزقة المخيم، ثم انتقل لدراسة الخدمة الاجتماعية والتربية الابتدائية في جامعة القدس المفتوحة، لكنه توقف وانتقل إلى ضمان مقصف المحكمة المدنية.

حلم ممنوع

وتابع: تمتع حسام بشخصية مرحة، ودخل قلب كل من عرفه، وتميز بعلاقة متينة وطيبة مع المحامين ومراجعي المحكمة، وتزوج في تشرين الثاني 2017، وحلم ببناء بيت في حي الجابريات، وبدأنا بالفعل بوضع أساسات المنزل معي، لكن لم يكتب له القدر دخول مسكنه الجديد.

ترك قنوح الحسرة في قلوب والده الضرير، وأمه نجية المكلومة بشقيقيها الشهيدين، وعائلة صغيرة من أخ واحد و3 بنات، ورفيقة دربه مُنية، و3 أطفال: بكره أيلول (ذات الربيع السادس)، ومتين (4 سنوات)، وغيث (عام ونصف العام)، بينما فقد في رمضان الماضي صديقه المقرب وصهره أحمد بركات، في قصف لمركبة مدخل المخيم رمضان الفائت.

تنحدر عائلة قنوح من قرية السنديانة المدمرة قضاء حيفا، ومزقت النكبة الإخوة الثلاثة: عيسى، وموسى، ومحمد، أقام الأول في مخيم جنين، ونزح الثاني إلى الأردن، ولجأ الثالث إلى سوريا.

ولخص فتحي، وهو معلم رياضيات، اللحظات القاسية التي ألمت بالمخيم وقطعت بالقنابل جلسة السمر والدفء لشقيقه وجيرانه، إذ استشهد الفتى محمود أشرف مصطفى إغبارية (15 عاما)، بينما جرح والده، وقضى الأشقاء مؤمن، وبهاء، وأمير إبراهيم محمود أبو الهيجاء، كما ارتقى الشاب إبراهيم مصطفى قنيري.

كان أمير يعمل ممرضا في مركز يعبد الطبي، ولازم مؤمن وبهاء الهندسة، وحرص إبراهيم على ملاحقة رزقه ببيع الخضراوات، فيما جاء محمود ليكون الوحيد بعد 5 بنات، ونفذ والده نذر اصطحابه إلى العمرة العام الماضي.

وأنهى قنوح: تمنينا لو أن بصر أبي عاد اليوم للحظات؛ ليودع حسام المُدلل وأمين أسراره، لكنه القدر.