1

جنين الجريحة تساند غزة المثخنة بإضراب شامل

عبد الباسط خلف- يجلس السائق محمد يونس وراء مقود سيارته العمومية منذ 24 عامًا، ويشق طريقه في دروب جنين، لكنها من المرات القليلة التي يشعر فيها بإضراب شامل يعم في المدينة، دون نقاش أو جدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول جدواه.

وقال: إن المتاجر والمؤسسات العامة والمدارس وكل شيء التزم بالإضراب التضامني، الذي دعت إليه قوى عالمية الإثنين، وانضمت إليه القوى الوطنية والإسلامية في محافظات الوطن ومخيمات اللجوء والشتات.

وأكد يونس لـ”الحياة الجديدة” أنه باستثناء الصيدليات والمخابز وبعض عربات الخضراوات، فإن جميع المحال التجارية أقفلت أبوابها، وقد بدت جنين “خاوية على عروشها”، حسب وصفه.

من موقعه، أكد مدير الغرفة التجارية، محمد كميل، بأن جنين التي التزمت أمس بإضراب تجاري، أقفلت أسواقها منذ مطلع العام الجاري 76 يومًا من أصل 96، وهذا يعني أن المدينة لم تعمل سوى 20 يومًا فقط خلال 2025.

وقدر كميل الخسائر اليومية في المدينة جراء العدوان المتواصل منذ كانون الثاني الماضي، وحالات الإغلاق بـ 30 مليون شيقل، وهو رقم كبير كما قال.

وبين رئيس بلدية جنين، محمد جرار بأن الإضراب في المدينة كان كاملًا، رغم خصوصية حالاتها، وتعطل عجلة الحياة فيها منذ مطلع العام، وانضمام أعداد كبيرة من مواطنيها إلى “جيش الفقراء الجدد”، كما سماهم.

وذكر أن البلدية وسائر الهيئات المحلية ومؤسسات القطاع العام والمتاجر ووسائل النقل استجابت لدعوة الإضراب التضامني مع غزة.

وأشار سكرتير الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في محافظة جنين، محمد كميل، إلى أن الإضراب شل كافة مرافق الحياة في المدينة، بالرغم من وضعها الاستثنائي، واستمرار العدوان الإسرائيلي عليها.

وأوضح أن كافة المرافق، بما فيها وسائل النقل، التزمت بالإضراب التضامني ودعمت قرار القوى.

وذكر عضو القوى الوطنية والإسلامية في جنين، مفيد جلغوم، بأن المدينة وأغلبية بلداتها انسجمت مع قرار الإضراب الشامل، وكان بوسع أي مركبة تعبر طرقاتها اختيار أي مكان للتوقف، مع الغياب الكامل للمظاهر الاعتيادية.

وأوضح أن الاحتلال وعدوانه وإجراءاته مست بالحياة اليومية للمواطنين وأنهكتهم، بالتزامن مع إغلاق حاجز الجلمة معظم الوقت، عدا عن تجريف الطرقات الحيوية أكثر من مرة، ودون سبب.

فوارق وتشابه

وتابع جلغوم، وهو أستاذ تاريخ، بأن إضراب اليوم يتشابه من حيث التوقيت مع الإضراب الكبير، الذي عاشته فلسطين في 20 نيسان 1936، التي أعلن عدد من قادتها الإضراب الشامل برًا وبحرًا؛ بسبب سياسات الاحتلال البريطاني خلال 16 عامًا من الانتداب، واستمر حتى 1 تشرين الأول 1936.

وشبه الإضراب الحالي بـ “رسالة إنعاش” لآمال الفلسطينيين في التضامن مع أنفسهم، وبخاصة مع عودة العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على غزة، لكنه أقر باستحالة نجاح وسيلة الإضراب والعصيان المدني في ظل الظروف الراهنة، التي انقلبت 180 درجة عن الماضي.

وذكر بأن الإضراب التقليدي في جنين، وبالنظر إلى أوضاعها العصيبة المتواصلة للشهر الثالث رسالة في غاية الأهمية، تؤكد عودة التضامن ولو بالتدريج بين أبناء شعبنا المكلوم، كما ينسجم مع عودة الحراك العالمي المساند لقضيتنا.

وقال الناشط الشبابي عز الدين شلاميش، إن بعض متاجر جنين، التي كانت معروفة بكسر الإضراب والالتفاف عليه، من خلال فتح جزئي للأبواب، التزمت اليوم بالإغلاق الكامل.

والتقط صورًا للمتاجر المؤصدة في المدينة، ولطرقاتها الخاوية، ولحركة سيرها ومشاتها المشلولة ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكد شلاميش بأن الإضراب التجاري الذي التزمت به محافظات الوطن ومخيمات اللجوء والشتات وبعض دول العالم “وسيلة ورسالة وليس غاية بحد ذاته”.




الإحصاء في يوم الأرض.. الاحتلال يستولي على 46 ألف دونم في الضفة عام 2024

قال الجهاز المركزي للإحصاء، إن مساحات الأرض التي استولى عليها الاحتلال الاسرائيلي عام 2024 بلغ 46 ألف دونم.

وأوضح الإحصاء في بيان صادر عنه، اليوم الخميس، لمناسبة يوم الأرض أنه خلال العام 2024 تم إصدار 35 أمراً بوضع اليد على حوالي 1,073 دونماً، وخمسة أوامر استملاك لحوالي 803 دونمات، و9 أوامر إعلان أراضي دولة لحوالي 24,597 دونماً، إضافة إلى 6 أوامر تعديل حدود محميات طبيعية، كما استولى الاحتلال من خلالها على حوالي 20,000 دونم، وذلك ضمن السياسة الممنهجة والمستمرة للسيطرة على أراضي الفلسطينيين كافة، وحرمانهم من استغلال مواردهم الطبيعية، وضمن سياسة الضم التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.

أكثر من 50,700 شهيداً في فلسطين منذ بدء عدوان الاحتلال على قطاع غزة

وفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، فقد استشهد 49,747 مواطناً في قطاع عزة، منهم حوالي 18,000 شهيداً من الأطفال، وحوالي 12,300 من النساء، إضافة إلى نحو 11 ألف مفقود، وأصيب نحو 120,000 مواطناً آخرين حتى 24/03/2025، كما غادر القطاع نحو 100 ألف مواطن منذ بداية العدوان الإسرائيلي الغاشم والمتواصل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.  وفي الضفة الغربية، واصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه؛ إذ استشهد 943 مواطناً، وأصيب 6,700 آخرين، نتيجة لهجمات قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين.

أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة غير صالحة للسكن

ولفت الإحصاء إلى أن الاحتلال دمر أكثر من 60,368 مبنى، وتضرر، بشكل كبير، حوالي 110 آلاف مبنى، فيما تقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي، بما لا يقل عن 330 ألف وحدة سكنية، وتشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، إضافة إلى آلاف المباني من المنشآت الاقتصادية، وتدمير كافة مناحي البنى التحتية من شوارع وخطوط مياه وكهرباء، وخطوط الصرف الصحي، وتدمير الأراضي الزراعية، ليجعل من قطاع غزة مكاناً غير قابل للعيش.

أما في الضفة الغربية، فقد هدم الاحتلال خلال العام 2024 بهدم وتدمير ما يزيد على 903 مبانٍ ومنشآت بشكل كلي أو جزئي، منها 242 مبنى ومنشأة في محافظة القدس (24 عملية هدم ذاتي في القدس، وذلك وفقاً لبيانات محافظة القدس)، إضافة إلى إصدار 939 أمر هدم لمنشآت فلسطينية بحجة عدم الترخيص. ومنذ بداية العام 2025، تقوم سلطات الاحتلال بهدم عشرات المباني في المخيمات الفلسطينية، وتهجير عشرات الآلاف من ساكنيها ضمن سياسة تهجير شعبنا.

انخفاض عدد سكان قطاع غزة بمقدار 6% مع نهاية العام 2024

وأشار إلى الإحصاء، إلى أن عدد سكان دولة فلسطين المقدر نهاية العام 2024، بلغ 5.5 مليون فلسطيني (3.4 مليون في الضفة الغربية، في حين انخفض عدد سكان قطاع غزة المقدر للعام 2024 بنحو 160 ألف فلسطيني، ليبلغ 2.1 مليون (وبانخفاض مقداره 6% عن تقديرات عدد السكان لقطاع غزة للعام 2023).  وبناءً على التقديرات السكانية المنقحة التي أعدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يوجد حوالي 14.9 مليون فلسطيني في العالم نهاية العام 2024، منهم 7.6 مليون خارج فلسطين التاريخية، و5.5 مليون فلسطيني في دولة فلسطين، و1.80 مليون في أراضي العام 1948.

أكثر من 85% من مرافق وأصول المياه والصرف الصحي قد خرجت عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي

وتابع الإحصاء: أظهرت التقييمات الأولية للأضرار حتى تاريخ وقف إطلاق النار أن أكثر من 85% من مرافق وأصول المياه والصرف الصحي قد خرجت عن الخدمة بشكل كامل أو جزئي، وتحتاج إلى إعادة تأهيل، بما يتجاوز 1.5 مليار دولار، وذلك فقط للمناطق التي تم حصر الأضرار فيها، ويشمل ذلك محطات معالجة الصرف الصحي، ومحطات تحلية المياه، ومحطات الضخ، والآبار، وخزانات المياه، وخطوط النقل الرئيسية، وشبكات المياه والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ومختبرات الرقابة على المياه، وغيرها.

وجراء الأضرار الكبيرة التي تكبدها قطاع المياه والصرف الصحي، تراجعت معدلات التزوّد بالمياه لما معدله 3–5 لترات للفرد في اليوم، حيث تتباين بشكل كبير حسب الموقع الجغرافي، والمياه المزودة، والدمار الحاصل في البنية التحتية، وعمليات النزوح المستمرة، وتعد هذه النسبة أقل من الحد الأدنى المطلوب للبقاء على الحياة في حالات الطوارئ وفقاً لمؤشرات منظمة الصحة العالمية، والمقدرة بـ 15 لتراً للفرد في اليوم. ويعود ذلك، أساساً، إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وانقطاع التيار الكهربائي التام واللازم لضخ المياه من الآبار، وتشغيل المرافق المائية ذات العلاقة من خزانات ومحطات للضخ، والقيود المفروضة على توفير الوقود والمواد اللازمين لتشغيلها.

المستعمرات في توسع مستمر

بلغ عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2024 في الضفة الغربية 551 موقعاً، تتوزع بواقع 151 مستعمرة، و256 بؤرة استعمارية، منها 29 بؤرة مأهولة تم اعتبارها كأحياء تابعة لمستعمرات قائمة، و144 موقعاً مصنفاً أخرى، وتشمل (مناطق صناعية وسياحية وخدمية ومعسكرات لجيش الاحتلال).

وشهد العام 2024 زيادة كبيرة في وتيرة بناء المستعمرات وتوسيعها، حيث صادقت سلطات الاحتلال على العديد من المخططات الهيكلية الاستعمارية لبناء أكثر من 13 ألف وحدة استعمارية في جميع أنحاء الضفة بما فيها القدس، من خلال الاستيلاء على حوالي 11,888 دونماً من أراضي المواطنين الفلسطينيين.

أما فيما يتعلق بعدد المستعمرين في الضفة الغربية، فقد بلغ 770,420 مستعمراً، وذلك في نهاية العام 2023.  وتشير البيانات إلى أن معظم المستعمرين يسكنون محافظة القدس بواقع 336,304 مستعمرين (يشكلون ما نسبته 43.7% من مجموع المستعمرين)، منهم 240,516 مستعمراً في منطقة J1 (تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل إليها عنوة بُعيد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967)، يليها محافظة رام لله والبيرة، بواقع 154,224 مستعمراً، و107,068 مستعمراً في محافظة بيت لحم، و56,777 مستعمراً في محافظة سلفيت.  أما أقل المحافظات من حيث عدد المستعمرين، فهي محافظة طوباس والأغوار الشمالية بواقع 3,004 مستعمرين.

وتشكل نسبة المستعمرين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية حوالي 23.4 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني، في حين بلغ أعلاها في محافظة القدس حوالي 67.6 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني.




تل السلطان في رفح.. إبادة للأمل وإعدام للإنسانية

أكرم اللوح- لم تكن مدينة رفح، الواقعة جنوب قطاع غزة وبوابته الجنوبية، بداية حكاية المأساة والوجع الذي يعيشه المواطنون في القطاع، ولكن يبدو أنها ستكون نهاية أحد فصول الإجرام والقتل المنظم الذي ينفذه جنود الاحتلال، من إعدامات ميدانية واعتقالات عشوائية وإبادة لكل أشكال الحياة والأمل في تلك المدينة.

مشاهد مروعة لم تتمكن أي عدسة من التقاطها، ولكن نقلها ناجون نازحون من منطقتي تل السلطان والشابورة في رفح خلال اليومين الماضيين، لإعدامات ميدانية لمدنيين، وجثث متراكمة في الشوارع، وأمهات استشهد أبناؤهن أمامهن ولم يتمكن من حملهن وإكرامهم بالدفن، وعائلات لم يسمح لها بنقل جثامين أبنائها الملقاة في الشوارع لتنهشها الكلاب الضالة.

الجريح والمريض سلطان محمود العمواسي، والذي اعتقله جيش الاحتلال أمس الأول، وتم الإفراج عنه أمس عبر معبر كرم أبو سالم روى تفاصيل مروعة للمجازر والإبادة التي حدثت في حي تل السلطان برفح، قائلا: “هناك عشرات الجثث الملقاة على جانبي طريق البحر، وشهداء في سيارات محترقة، وتم إطلاق النار على المدنيين من نساء وأطفال من قبل دبابة إسرائيلية، وأصبت بثلاث رصاصات قبل اعتقالي ونقلي إلى معتقل النقب”.

ويكشف العمواسي في شهادة مصورة وموثقة نشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي حجم الإرهاب والإبادة التي تواجهها الآن منطقتا تل السلطان والشابورة في رفح، بعد حصارهما من قبل دبابات الاحتلال وتنفيذ إعدامات ميدانية للأطفال والنساء والشبان وتكدس الجثث على جانبي الطرقات دون أي قدرة على نقلهم أو إسعاف المصابين في تلك المنطقة المحاصرة.

ويروي العمواسي بداية القصة، عندما أمر الاحتلال سكان حي تل السلطان بالخروج والتوجه إلى حواجز أقامها جنوده تسمى “الحلابات”، وذلك عند منطقة البركسات، ولكن عند وصول المدنيين هناك، وبالتحديد عند مسجد حلمي صدر، وجهتهم قوات الاحتلال من خلال طائرات مسيرة إلى السير مشيا على الأقدام عن طريق البحر والتوجه شمالا نحو منطقة خان يونس.

ويضيف العمواسي: “خلال السير باتجاه شارع البحر، شاهدنا الشهداء في الشوارع، وآخرين في سيارة صفراء اللون، وغيرهم ملقى في شارع الطيران، ولدى خروجنا من شارع عيادة الوكالة متوجهين نحو البحر، خرجت علينا دبابة إسرائيلية وبدأت بإطلاق نار عشوائي على الأطفال والنساء والشيوخ، وأصبت حينها بجروح، وكان بجواري خمسة مصابين لم يتمكن أحد من إسعافهم، واستطعت أن أصل إلى الحلابات ليتم اعتقالي هناك ونقلي إلى سجن النقب”.

ويؤكد العمواسي أنه أخبر جنود الاحتلال أنه مصاب بثلاث رصاصات ويعاني من مرض السرطان، ولكن كانت الإجابة برفض علاجه في المستشفيات وقالوا له: “سنعيدك إلى غزة لنقتلك بالرصاص مرة أخرى”.

ووفقا للعمواسي تم إطلاق سراحه الساعة الثانية عشرة ليلا عبر معبر كرم أبو سالم، وتم توجيهه للسير نحو خان يونس وتهديده بإطلاق النار عليه لو انحرف عن المسار المرسوم له، مؤكدا أنه رغم معاناته من الإصابة والسرطان تمكن من الوصول سيرا على الأقدام إلى المستشفى في خان يونس لتلقي العلاج.

ونقل الزميل الصحفي أسامة الكحلوت عن ناجية من المجزرة، وهي مسنة تحمل وعاء طعام وخبزا وتصرخ وتبكي قائلة: “لقد نجوت وحدي، أعددت الطعام قبل أن نهرب من تل السلطان، وقالت لو أدركنا أذان المغرب، يمكن أن نفطر في طريق النزوح، ولكني بقيت وحدي، فقد قتل جيش الاحتلال زوجي وأولادي الاثنين”.

فيديو مرعب وقاتل لكل المشاعر الإنسانية، نشره الناشط حازم سليمان، لأم ترتدي جرزة رجالية ونظارة طبية في محاولة لإخفاء عيونها المرعوبة وتحمل أكياسا بالية لبعض الملابس التي تمكنت منها قبل الهروب من الموت، وتحاول أن تبكي ولكن لا دموع من هول ما رأت، وتقول في روايتها المرعبة: “وجدت ابني عند منطقة البركسات مصابا بطلق ناري في بطنه وقد استشهد، ما قدرت أحمله معي، الدبابة الاسرائيلية كانت قريبة مني، تركت ابني حبيبي لوحده في الشارع، يا رب أقدر أجلب جثمانه”.

وعلق الكاتب والناقد السياسي الدكتور تيسير عبد الله على فيديو المواطنة قائلا: “من أصعب المواقف الإنسانية التي لا يمكن تخيلها أن يرى أحد الأبوين أو كلاهما ابنه يموت ويقتل بجانبه، ثم أمامه دقيقة أو أقل ليتخذ القرار تحت زخات الرصاص والقنابل بأن يتركه ليواجه النزيف والموت وحيدا”.

وأضاف: “في هذه الدقيقة التي تعادل سنة، يجب على الأم أن تقسو على عاطفة أمومتها وتصل إلى قناعة بأن ابنها سيموت ووجودها بجانبه لن ينفعها، وإلا ستموت هي بجانبه أيضا بالرصاص الذي يطاردها”.

وتابع: “هذا ما فعله ويفعله إرهاب الاحتلال بمشاعرنا الفطرية والطبيعية، صحيح أن هذه اللحظات تمر ولكنها تخلف شعورا بالذنب في القلوب يذبحنا في كل لحظة بقية الحياة حتى نلحق بأبنائنا”.




أم علاء بريكي.. من مخيم إلى آخر وما زال النزوح مستمرا!

حنين خالد- منذ أن أبصرت النور، وجدت رحاب بريكي نفسها لاجئة تعيش في مخيم عين بيت الماء قرب نابلس، ثم انتقلت للعيش في مخيم نور شمس، منذ تسعة وثلاثين يوما تعيش تجربة النزوح من مخيم إلى مخيم، بعد أن أصبح مخيم نور شمس ساحة لعدوان احتلالي، فلم تجد بدا من النزوح منه حيث تعيش فيه وتعود إلى المخيم الذي ولدت فيه، وخطت فيه خطواتها الأولى.

تروي أم علاء بريكي في لقاء مع “الحياة الجديدة”، في منزل شقيقتها بعضا من تفاصيل رحلة الألم التي عايشتها: “بعد أربعة أيام من العدوان على مخيم نور شمس أجبرنا جيش الاحتلال على مغادرة منزلنا الذي حوله إلى ثكنة عسكرية، خرجنا تحت التهديد، دون السماح لنا بأخذ أي شيء من احتياجاتنا”.

وكأنه كتب على المواطنين أن يظلوا في رحلة لجوء مستمرة، يتنقلون من مكان إلى آخر، فبعد أن تهجر الآباء والأجداد عن مدنهم وقراهم عام ثمانية وأربعين، ها هم الأبناء أيضا يتذوقون من كأس المرارة ذاتها. أم علاء رأت نفسها وقد تركت بيتها وحياتها التي اعتادتها، وانتقلت من مخيم إلى آخر تبحث فيه عن سقف وأمان.

استولى جنود الاحتلال على منزل عائلة أم علاء المكون من ثلاثة طوابق بها خمس شقق سكنية، وتعيش فيه برفقة خمسة عشر فردا من أولادها وزوجاتهم وأحفادها، اليوم تشتت العائلة بين مخيمات وقرى الضفة، بعضهم لجأ إلى ضاحية اكتابا في طولكرم، وآخرون إلى بلدة بلعا شمال شرق المدينة.

بعد شهر من النزوح التقت أم علاء بأولادها، فقد أصبح الانتقال من نابلس إلى طولكرم دربا من الآلام، ورغم أن القلق يأكل قلبها على أولادها وأحفادها، إلا أنها آثرت ألا يأتوا اليها خوفا عليهم من التنقل عبر الحواجز الاحتلالية، خصوصا أنها فقد بكرها شهيدا بقذيفة “إنيرجا” في العشرين من نيسان من العام الماضي خلال اجتياح سابق لمخيم نور شمس، فترك خلفه زوجة وابنا بعمر الثلاثة عشر عاما.

أربعة وعشرون ألف مواطن نزوحوا من مخيمي طولكرم ونور شمس، جلهم ربما لن يجدوا مكانا يأوون إليه إن قرروا العودة، فمعظم منازل المخيمين باتت أثرا بعد عين.




العدوان الاحتلالي يَنْكُب جنين ومخيمها والآلاف ينضمون لـ “جيش البطالة”

عبد الباسط خلف- يجلس رئيس جمعية “فلسطيننا نداء الحياة”، نضال نغنغية، في مدخل تكية نيسان عند أطراف جنين، عشية بدء شهر عدوان الاحتلال الثالث عليها.

وظهرت وراء نضال طناجر وطهاة وعشرات المتطوعين، بينما اختلط ضجيج المتواجدين بأصوات المواقد، وسط مؤشرات محلية باتساع شريحة الفقراء في المدينة ومخيمها وريفها.

وقال لـ”الحياة الجديدة” إن التكية، التي يتابع شؤونها، بدأت عام 2021 لمساعدة الأسر المتعففة في مخيم جنين، لكنها في هذا العام تستوعب جزءا من موجة النزوح الكبيرة، التي فاقت وفق التقديرات 21 ألف مواطن اقتلعوا من بيوتهم.

وأكد أن التكية التي يخلد اسمها شهداء الاجتياح الكبير للمخيم في نيسان 2002، تتبع للجنة الشعبية للخدمات، وتقدم 3 آلاف وجبة يوميا، تكلف الواحدة منها نحو 12 شيقلا.

تكايا

في المقابل، بينت المديرة الإدارية لنادي جنين الرياضي، يسرى أبو الوفا، أن تكية جنين انطلقت عام 2014، وتقدم هي الأخرى 3 آلاف وجبة للنازحين والفقراء في الحي الشرقي والسياط والمراح والبلدة القديمة وخروبة.

وأكدت أن التكية تقدم رسالة تكافل وإحساس بأهالي المدينة المنكوبين وفاقدي الوظائف والأعمال، بسبب العدوان الطويل، وما سبقه من إغلاق وحصار ومنع الوصول إلى الداخل المحتل، وعرقلة وصول المتسوقين منه.

ووفق أبو الوفاء، فإن العديد من طلبات العون تصل النادي يوميا يبحث أصحابها عن طرود وأدوية ونقود، في مؤشر على اتساع شريحة الفقراء، ودخول غالبية الأهالي في ظروف اقتصادية عسيرة.

20 ألف فقير جديد

بينما وصف رئيس البلدية، محمد جرار، المشهد في المدينة بـ”المؤلم والكارثي” مع انضمام آلاف المواطنين الذين فقدوا وظائفهم.

وقال إن شريحة عمال المياومة هي الأكثر تضررًا، فيما أصبح قطاع كبير جدا من المواطنين بلا عمل، مع فقدان نحو 4 آلاف رب أسرة لأشغالهم ومصادر رزقهم بشكل كلي أو جزئي، في رقم أولي، ما يعني تشكل قرابة 20 ألف فقير جديد في المدينة وحدها.

وحسب جرار، فقد أدى العدوان إلى شل جنين وتعطل آلاف المرافق، وتوقف الحركة التجارية، وإغلاق بعض المؤسسات، ما يستدعي توفير فرص عمل مؤقتة لإسعاف المتضررين.

وأضاف أن أزمة جنين تتطور، فقد بدأت بـ15 ألف نازح من المخيم وأحياء المدينة، لكنهم وصولوا بعد شهرين إلى 21 ألف نازح، 6 آلاف من المدينة، إضافة إلى المخيم.

وأكد أن برامج مساندة المواطنين، رغم أهميتها، لا تقدم حلولا جذرية للأزمة، إذ يجري توزيع طرود موسمي غالبيتها من المجتمع المحلي، إلى جانب 6 آلاف وجبة تحت رعاية البلدية، نصفها للنازحين ونصفها الآخر للفقراء، و12 ألف وجبة أخرى من 6 تكايا ومطاعم وجهات أخرى.

إعادة إعمار

وطالب بإطلاق مشروع وطني لإعادة إعمار جنين أسوة بغزة؛ لأن حجم الكارثة كبير، مع فقدان البلدية السيطرة، وعدم نجاعة الحلول التقليدية، واتساع حجم الدمار وتطوره، إضافة إلى أبعاده الخطيرة وأضراره الجانبية.

واستنادا لجرار فإن الفقراء الجدد لم يجر حصرهم بشكل دقيق من أي جهة حكومية، وأصبحوا يعانون، ويتطلب الأمر إدراجهم على بنود الفقراء والمعوزين لتخفيف أزمتهم.

“لبيك يا جنين”

من ناحيته، وصف مدير الغرفة التجارية، محمد كميل، حملة “لبيك يا جنين”، التي أطلقتها المحافظة والغرفة التجارية ورجال أعمال قبل أيام بـ “محاولة للإنعاش”، فرغم ما سيجمعه الصندوق فإنه لن يحل الأزمة الطاحنة؛ فحجم الكارثة كبير، وما سيقدم للعائلات سيكون قليلا.

وتعكف الغرفة على حصر الأسر المتضررة، بالتزامن مع تدفق نحو 800 ألف شيقل للصندوق، ووسط تقديرات بوصول حجم التبرعات إلى 2 مليون شيقل.

والمعضلة، كما يراها كميل، أن جنين بدأت محنتها الفعلية قبل 7 سنوات، تخللتها جائحة كورونا، ثم العدوان الإسرائيلي والاقتحامات المتدحرجة والمتواصلة منذ شهرين، التي أفقدت المدينة الكثير من أبنائها واستثماراتها.

وأوضح أن جنين كانت أصبحت بمثابة “مقتل لفرص العمل”، فخلال السنوات القليلة الماضية لم يجر تشغيل المنطقة الصناعية، التي كانت ستستوعب نحو 5 آلاف فرصة، إلا أن الظرف السياسي جعلها بعيدة المنال الآن.

وقال كميل إن معظم أسواق جنين منذ مطلع العام الحالي مقفلة، مع تكدس بضائع تجارها، واستنزاف مطاعمهما بشكل شبه كامل، وتضرر أسواقها بالكامل.

وبلغة الأرقام، يبلغ عدد منتسبي الغرفة 4700، لم يسدد الرسوم السنوية سوى 449، وفي الدرجة الخاصة الأعلى، التي تعد 450 رجل أعمال، لم يجدد سوى 153 تاجرا في الغرفة هو مؤشر خطير ولم يحدث في السابق. كما تراجعت مدخولات الغرفة إلى مستويات متدنية جدا.

8 آلاف مستهدف

من موقعه، أكد مدير وزارة التنمية الاجتماعية، رائد نزال، أنه في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تعانيها الحكومة، ونتيجة الحصار وممارسات الاحتلال، تسعى اللجنة الوزارية للأعمال الطارئة والوزارة مع شركائها في قطاع الحماية الاجتماعية، على تعزيز صمود الأسرة الفلسطينية، عبر برامج إغاثية تستهدف الفقراء المستجدين والنازحين والأسر الأكثر احتياجا.

وأشار إلى تكامل جهود المؤسسات المحلية والوطنية والدولية لإسناد الأسرة المتضررة، وتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل أكبر عدد منها.

وبين أن الوزارة أطلقت مبادرات لتوزيع المواد الغذائية الأساسية على الأسر الفقير، وتوفير أنظمة دفع الكترونية تسهل تدفق المساعدات، وقسائم شرائية ووجبات يومية لأكثر من ثمانية آلاف يعيشون ظروفا اقتصادية صعبة.

وتبعا لنزال، فإن تتعاون مع الهيئات المحلية ولتوفير المياه والكهرباء للنازحين، وتقديم تأمين صحي مجاني للأسر الفقيرة. كما تعمل على تجنيد المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية وتوجهها نحو برامج الإغاثة الإنسانية للأسر النازحة والفقيرة.

وأكد وجود شراكة فاعلة بين الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، واللجنة الشعبية لخدمات المخيم، ووكالة الغوث، والغرف التجارية، والجمعيات الخيرية والحملات التطوعية لتبادل البيانات والخبرات حول الأسر النازحة والفقراء. 

واختتم: ندعم مبادرات التكافل والتعاضد برأس المال الفلسطيني، ورجال الأعمال، والشركات الوطنية، والبنوك التي تسهم في ديمومة إغاثة الفقراء.