1

طواحين وادي الفارعة “تبكي” حارسها الأخير

عبد الباسط خلف- استفاقت طواحين وادي الفارعة صباح الجمعة الماضي على رحيل حارسها الأخير علي مثقال الحمود، الذي ظل يسكنه الشوق طوال حياته لطواحين قريته الوادعة، فقد عاصرها قبل أفول نجمها، وكان أحد عناوين فلاحة أرضها.

وبكت وادي الفارعة بطواحينها وشيبها وشبابها في أول نهارات عيد الأضحى المبارك الحاج أبو مازن، الذي قضى جراء مضاعفات حادث سيرقبل نحو شهر.

وتستذكر “الحياة الجديدة” رواية الحمود التي باح بها قبل سنوات من توقف قلبه عن عشق قريته، واستعاد فيها شباب ينابيع الفارعة التي كانت تتدفق في الوادي بقوة، وأقيمت على حوافها 12 مطحنة قمح تعمل بالماء، وبقيت 3 منها تدور حتى عام 1972، وهي: الدبورية، والزكية، والمشاقية.

وظل الحمود، 79 عاما، يتذكر جيدا جمعه ورفاقه للأسماك من محيط عيون الفارعة، ولم تسقط من ذاكرته حكاية أمه عن أخه الأكبر أحمد الذي توفي بعدما غرق في إحدى الطواحين لشدة تدفق الماء.

ماء و”مندلينا”

ومما باح به المرحوم: كنا نمشي في “طريق تركيا” كل يوم من وادي الربيعية، ونصل بقايا جسر عثماني قديم، ثم نشاهد القادمين على الخيول والدواب، الذين يحملون القمح لطحنه.

وحسب شهادة الحمود، فقد اختفت طواحين الوادي: الميثلونية، والدبورية، والربيعية، والمشاقية، والطوباسية، والطمونية، والزكية، وأخواتها، وبقيت أطلال بعضها، وذكريات شفوية للذين شاهدوها، وهي تعمل بكل طاقتها أيام الحكم العثماني، ثم عاصرها الجيل التالي، فكان أصحاب الطواحين يجمعون الماء في خرطوم خشبي، ويدفعون به إلى حوض في أسفل البناء، وحين يصب الماء على الحجر المربوط بالأنبوب العلوي، يدور دولاب الطاحونة بقوة كبيرة.

ومما قاله الحاج أبو مازن إنه كان أساس الطواحين العمود الخشبي الذي يشبه محرك الجرار الزراعي الذي يشغل الأدوات الزراعية، فهو مربوط بحجر كبير في الأعلى، وحين يتحرك يبدأ طحن الحبوب، وإن أراد إيقاف الدولاب، يقترب من طاقة علوية مربوط فيها ألواح خشبية عريضة كان يسميها الأطفال “مندلينا”، حين تسحب يتوقف تدفق الماء عن فراشات المحرك، وإن أراد إعادة تشغيلها يسحب نحوه في جهة معاكسة. فيما كانت أسفل قناطير الطاحونة تسمى “النذر”، وهي منطقة مرتفعة تجري في داخلها المياه، وتحتها حوض الطاحونة في الأسفل.

واستنادا إلى إفادة الراوي الراحل، فإن طواحين الفارعة كلها كانت تسير بالتتابع، فحين يصل الماء لأول الطواحين وتدور رحاها، تنتقل المياه بسرعة إلى الطاحونة التالية، وهكذا وصولا إلى الطاحونة الأخيرة، عند جسر الملاقي (الذي يجمع وادي الفارعة بوادي الباذان)، وكلها في خط سير الوادي ذاته.

أجور وطحين

وحسب الحمود، فقد كان بعض أصحاب الطواحين يتقاضون ربع الدقيق بدل طحن الحبوب، وبعضهم يأخذ ثلث الطحين، ولم تكن النقود دارجة حتى توقفها عام 1972، ولم تجف ينابيع الوادي طوال عمل الطواحين، فقد كانت الأمطار غزيرة دائما.

وأضاف: كنت أزرع البطيخ والبندورة والخيار والفستق والشمام في الأراضي الوعرة فوق الوادي، وكنا نسحب الماء من آبار عديدة قبل جفافها، وفي مواسم المطر الجيدة كان الوادي يجمع كميات كبيرة من المطر ثم تشربها الأرض، أو تظل تجري حتى جسر الملاقي وتصل نهر الأردن. أما هذه الأيام فمياه الأمطار تتوقف فترة قصيرة، ثم تشربها الأرض، وقد بدأنا نعاني جفاف الآبار منذ بداية الثمانينيات.

اسـتأجر الحمود 30 دونما في المنطقة قبل عام 1967 بـ 60 دينارا لعشر سنوات، وكان يسحب المياه من المنطقة إلى سهل سميط، وحتى في الأراضي الوعرية كان وزن البطيخة الواحدة يفوق 20 كيلوغراما.

وحسب الراوي، فقد جفت بساتين الحمضيات في الوادي وينابيعه، ولم يتبق من طواحين الهواء إلا بعض الآثار المتداعية، وصارت بعض أماكن الطواحين مكرهة تجمع الخنازير، وتجمع ماء المجاري، وتلفظ مطاحن الحبوب آخر أنفاسها، بسبب انتشار المخابز الآلية، وتوقف معظم الناس عن صناعة خبزهم بأنفسهم.

وشيع أهالي وادي الفارعة الحاج الحمود، وفتح رحيله وجع ذكرياتهم على مصراعيها، فقد كان بكوفيته الحمراء وعكازه الأصفر، أحد رجالات القرية وأقدم مزارعيها، ومن أواخر حراس ذكريات طواحينها، التي اندثرت قبل نحو 50 عاما.

سيرة ومطاردة

ويقول ابنه البكر إن والده أبصر النور عام 1946، وتعلم حتى السادس الأساسي في قرية طلوزة، والتصق بالأرض وفلاحتها في سن مبكر، وتعرض لملاحقة جيش الاحتلال بعد وقت قصير من النكسة، ومنع من الحصول على رخصة قيادة.

ورزق الحمود بـ 5 أولاد و4 بنات، وله 70 حفيدا، وتعرض لحادث سير صعب خلال تحضير لزفاف حفيده الذي يحمل اسمه، وفصل لهذا الفرح المؤجل 3 بذلات رسمية، لكنهه رحل دون أن يرتديها.




الزحف الاستيطاني يخنق قرى غرب رام الله ويهدد الوجود الفلسطيني

حنين خالد- تشهد قرى غرب رام الله سعاراً استيطانياً قد يكون غير مسبوق في مشهد يبدو وكأنه لإعادة لرسم الجغرافيا الفلسطينية، أو ضم صامت يقضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً، ويحول الضفة إلى جزر معزولة، ضمن مشروع يهدد بإفشال أي أفق لحل سياسي عادل، كما وصفه مدير عام مديرية الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا.

ويؤكد الخواجا في حديث لـ “الحياة الجديدة”، أن التوسع الاستيطاني في هذه المناطق هو الأخطر منذ عام 1967، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي قرب الخط الأخضر، الذي يجعلها نقطة وصل رئيسية بين شمال الضفة وجنوبها. وأوضح أن مستوطنة “كريات سيفر” التي تضم أكثر من 100 ألف مستوطن، تُستخدم كنقطة انطلاق لربطها بمستوطنة “جفعات زئيف” ومعسكر عوفر، من خلال شبكة من الطرق الالتفافية، أبرزها شارع 443، ما يكرّس عزل قرى مثل بلعين وكفر نعمة وصفا وبيت عور.

وأشار الخواجا إلى وجود “إصبع استيطاني” جديد يعمل على ربط بؤر غير شرعية في عين كينيا والجانية وحلميش، بهدف خلق تواصل استيطاني مستمر وفرض واقع ديموغرافي يصعب تغييره لاحقاً.

واعتبر أن الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بأربع بؤر استيطانية جديدة في المنطقة، يمثل تهديداً مباشراً لمشروع الدولة الفلسطينية. مضيفاً: “ما يجري ليس توسعاً عشوائياً، بل خطة مدروسة لفرض نظام أبارتهايد فعلي على الأرض”.

وأوضح الخواجا أن قرى مثل نعلين وبلعين وبدرس كانت في طليعة المواجهة مع الجدار العنصري، واستطاعت عبر النضال الشعبي استرجاع آلاف الدونمات، خاصة بعد فتوى محكمة لاهاي عام 2004 التي أدانت الجدار واعتبرته غير قانوني. لكن الاحتلال يواصل استخدام أدوات قانونية زائفة مثل تصنيف الأراضي كمناطق أمنية أو أراضٍ متروكة، لتبرير المصادرة والضم.

بيتللو.. محاصرة بالاستيطان

وأكد نصر رضوان، رئيس مجلس بلدي بيتللو، أن البلدة تعاني من تصاعد غير مسبوق في الاستيطان، حيث تقع نحو 90% من أراضيها ضمن المناطق المصنفة (ج). وأوضح أن نحو 6000 دونم من أراضي بيتللو تتعرض لاعتداءات شبه يومية من المستوطنين، خاصة بعد إقامة بؤر استيطانية لا تبعد أكثر من 300 متر عن المستوطنات القائمة.

ومن بين الانتهاكات التي سردها رضوان في سياق حديثه لـ “الحياة الجديدة”: الاعتداء على المواطنين والاستيلاء على الموارد الطبيعية كمحاولة السيطرة على أكثر من 100 نبعة ماء غنية في بيتلاو، وعرقلة إقامة منشآت زراعية وتجارية، ومنع شق الطرق واستصلاح الأراضي.

وأشار إلى جهود المجلس المحلي في تعزيز صمود الأهالي من خلال تنفيذ مشاريع في المناطق المصنفة (ج)، مثل إنشاء حدائق عامة وملاعب، والتعاون مع المؤسسات القانونية لتقديم شكاوى ضد المستوطنين، وتفعيل لجنة طوارئ لمساندة المتضررين.

بيت لقيا.. الأرض والكرامة في مرمى الاستيطان

وحذّرت أريج عاصي، رئيسة بلدية بيت لقيا، من التهديدات المتزايدة التي تطال البلدة وسائر قرى غرب رام الله. وأكدت أن ما يجري هو جزء من خطة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى السيطرة على المناطق المصنفة (ج)، وتمزيق الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

ولخصت عاصي أبرز الانتهاكات في مصادرة الأراضي الخاصة وشق طرق استيطانية، وتدمير الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إليها، وفرض قيود على الحركة عبر الحواجز العسكرية، وتصاعد العنف من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.

وأكدت أن البلدية تواصل جهودها لتوثيق الانتهاكات، وتقديم اعتراضات قانونية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة، بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار ومؤسسات حقوقية.

وأوضحت عاصي أن الوضع الاقتصادي في بيت لقيا يتدهور بشكل متسارع نتيجة الاعتداءات، مع ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الزراعي، وأشارت إلى مشاريع تنموية جارية لتحسين البنية التحتية وتعزيز الصمود، رغم التحديات الهائلة.

كما دعت إلى توثيق دولي للانتهاكات وتوسيع علاقات التوأمة مع بلديات عالمية، بهدف نقل صوت الفلسطينيين إلى الخارج وتجسيد التضامن العالمي بمشاريع حقيقية.

المشهد في غرب رام الله ينذر بكارثة ديموغرافية وجغرافية حقيقية، إذ يحكم الاحتلال قبضته على الأرض عبر بؤر استيطانية متسارعة وجدار عنصري خانق، إلى جانب الاعتداءات اليومية على المواطنين والموارد.

صفا.. التوسع الاستيطاني قنبلة موقوتة تهدد الجغرافيا الفلسطينية

ويقول جمال فلنة، رئيس مجلس قروي صفا خلال حديثه لـ “الحياة الجديدة”: “أُميط اللثام عن تفاصيل مقلقة تتعلق بموجة استيطانية إسرائيلية غير مسبوقة تضرب قرى غرب رام الله.

ما يجري على الأرض وفق فلنة، ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل هجمة ممنهجة ومتصاعدة؛ وتفكيك كامل للامتداد الجغرافي الفلسطيني، هدفها النهائي إجهاض الحلم الفلسطيني وإفشال أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى جزر محاصرة.

ويؤكد فلنة أن ما يحدث غرب رام الله هو ترجمة فعلية للاتفاقات الداخلية في حكومة الاحتلال التي يهيمن عليها اليمين المتطرف. ويضيف: “الهدف الاستراتيجي لحكومة الاحتلال إحباط أي فرصة مستقبلية لقيام دولة فلسطينية. فالتوسع الاستيطاني هو أداة تنفيذية لمخطط الضم التدريجي”.

لم يعد المواطن في هذه المناطق يعيش حياة طبيعية. يقول فلتة: “نحن نعيش تحت حصار داخلي. المواطن اليوم أصبح أسيراً في منزله محاصرا داخل قريته، ممنوع من الوصول إلى أرضه، وحتى لو وصل، فإنه يبقى مهدداً بالطرد والهدم؛ جيش الاحتلال والمستوطنون يتصرفون وكأنهم أصحاب الأرض، بينما نحن غرباء فيها”.

ويرى فلنة أن الاعتداءات الاستيطانية لا تقتصر على مصادرة الأراضي فحسب؛ بل تشمل سياسة هدم المنازل والمنشآت الزراعية والصناعية بحجج واهية، وبذريعة البناء دون تراخيص، أو التواجد في مناطق مصنفة “ج”، أو وجود المنطقة في نطاق عسكري.

ويؤكد فلنة؛ أنّ كل عملية هدم ليست فقط جريمة، بل ضربة قاضية لاقتصاد الأسر الفلسطينية. عائلة بأكملها تصبح بلا مأوى، ومزارع يخسر مصدر رزقه الوحيد. إنها نكبة متكررة بحجج باطلة.

وحول ردود الفعل الفلسطينية، أوضح فلنة أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تتابع القضايا من الناحية القانونية عبر محامين متخصصين، وتسعى لوقف أوامر الهدم والمصادرة من خلال الطعن في المحاكم الاسرائيلية، لكن النتائج غير مضمونة في ظل سيطرة القضاء الإسرائيلي المنحاز. كما يسعى مجلس قروي صفّا، رغم محدودية موارده، يعمل على تحفيز أصحاب الأراضي على عدم الاستسلام، وتقديم الدعم الفني واللوجستي لزراعة الأرض وحمايتها قدر الإمكان.

من أخطر المشاريع الحالية؛ التي كشف عنها فلنة هو المشروع الاستيطاني في منطقة “جريوت”، الذي يشمل شق طريق جديد يخترق أراضي عدة قرى وبلدات فلسطينية جنوب غرب رام الله، أبرزها: صفّا، دير إبزيع، بيتونيا، كفر نعمة، بيت عور، بلعين، عين عريك، وغيرها.

ويقول فلنة: “اذا تم تنفيذ هذا الطريق؛ ستحوّل قرانا إلى كنتونات مغلقة أشبه بالسجون، ويعزل السكان عن مدينة رام الله، ما يعمّق أزمة الحركة والاقتصاد والتعليم والصحة”، وهذا المشروع يهدد مستقبل المنطقة بالكامل”.

في مواجهة التحديات، كشف فلنة أن المجالس القروية في المنطقة بدأت بالتنسيق وتنظيم اجتماعات طارئة لتوحيد الجهود، لاسيما مع ازدياد التهديدات التي تطال أراضي قرى بيت لقيا، الطيرة، خربثا المصباح، بيت سيرا وغيرها، التي قد تُعزل بالكامل في حال استمرار المشروع الاستيطاني.




قتلة ولصوص في وضح النهار

بشار دراغمة- في لحظة، حول الاحتلال صباح نابلس الذي بدا عاديا في مطلعه إلى جنازة، مبددا نهار المدينة التي طوت ليلتها متأهبة كعادتها، واستعدت ليوم جديد من حياة تقبع على حافة الترقب.

في طرفة رعب، انقلب صباح نابلس من رائحة الخبز التي بدأت تشق طريقها في أزقة البلدة القديمة إلى رائحة الدم التي فاحت مع اقتحام جديد لقوات الاحتلال تركز في منطقة السوق التجاري.

في مدخل بناية تجارية، احتمى محمود الخراز مع مجموعة من المواطنين، يهرع العشرات عند مدخل تلك البناية بعد أن اقتربت منهم آلية احتلالية، ينجو البعض ويسقط محمود مصابا برصاصة في رقبته وفق روايات متطابقة لشهود عيان.

يصل مسعفون إلى المكان، يحملون محمود المصاب بينما نزيف الدم يتناثر من رقبته، لحظات ويعلن الأطباء في مستشفى رفيديا استشهاده بفعل تلك الرصاصة التي انفلتت من أصابع اعتادت على القتل واستسهلت الضغط على الزناد.

في مستشفى رفيديا، حيث يسجى الجثمان على السرير، كانت الدموع لا تذرف فقط، بل تنزف، والأهل لا يبكونه وحسب، بل يودعون قطعة من أعمارهم سرقت في وضح الدم.

الأصدقاء هناك واقفون كجبال من وجع، كل نظرة منهم تقول ما لم تعد اللغة قادرة على حمله، في عيون الحاضرين كان السؤال المعلق: إلى متى كل هذا القتل؟

لم يكن الاحتلال يكتفي بالقتل، فالسرقة في عرفه جزء من ممارسة معتادة.. تقدمت قواته نحو قلب السوق، هناك حيث الذهب يباع ويشترى، يتم اقتحام عدة محال ومصادرة ما فيها، ليتكرر الأمر ذاته في منطقة أخرى غرب المدينة مع محل للصرافة.

شهود رصدوا جنود الاحتلال وهم يحملون المحتويات النفيسة في صناديق، ويضعونها في آلياتهم العسكرية.

لم يكن الهواء في نابلس عاديا، كان سحبا كثيفة من الكراهية معلبة في عبوات غاز.. انسحب الأوكسجين من الأزقة، وامتلأت الرئات بما يكفي من الغصة لخنق الحناجر.

اختنق المسنون في عتبات بيوتهم، وسقط الأطفال على الأرصفة كأنهم أوراق خريف باغتها السم.

في وجه الرصاص المدرب، وقف الشبان بسلاح الأرض الحجارة.. لم تكن أيديهم تحملها فقط، بل كانت أرواحهم هي التي تقذف بها.. كل حجر يطير كان يشبه القلب، نابضا وغاضبا.

يقول أحد الشبان الذي امتشق لتوه حجرا: “لا نواجه الاحتلال لنكسب المعركة، بل لنعلن أننا أحياء رغم كل ما يراد لنا من موت”.

كان الغضب أكبر من الخوف، وكانت حجارة نابلس أثقل من رصاصهم، لأنها تحمل في صمتها تاريخا من وجع لا يهزم، هي قناعة شبان المدينة الذين هبوا مرددين عبارات رفض المحتل، ورسائل يبعثونها على شكل حجارة.




زهرات برقين يبتكرن 300 وسيلة تعليمية مستدامة

-عبد الباسط خلف- تقف لجين خالد جلامنة بجوار لوحات فنية شكلتها من حبات القهوة، وأضافت إليها ألوانا زيتية، وتتفقد منحوتاتها وأعمالها من خامات عديدة.

وتختزل يافطة بيضاء خط عليها بالأسود: “بيدي أتعلم”، سيرة معرض للمشاريع التعليمية وللوسائل الإيضاحية لـ “بنات برقين الثانوية”، غرب جنين.

فيما تصمد على الجدران بوسترات تدعو إلى مقاطعة سلع الاحتلال، ولوحات أخرى تبوح بالنكبة، ويقبع في زاوية ثانية مجسم لمعتقل مجدو، ورسومات عديدة.

ودخل طاقم المدرسة بـ 29 معلمة ومشرفة وإدارية في سباق مع الزمن لإتمام المعرض. وتقول المعلمات صمود نزال ونورا سمارة وسانا العبوشي إن المدرسة كلها نجحت في الاختبار، وقدمن المعروضات في موعدها، بالرغم من حصار المدينة المستمر منذ 5 أشهر وتصاعده في اقتحام أمس الثلاثاء.

وتشير لجين، التي أبصرت النور عام 2008، إلى أنها ترسم منذ طفولتها المبكرة، وفي رصيدها اليوم مئات اللوحات لوجه وأعمال فنية تجمع بين الفن والتعليم.

وتحلم جلامنة بدراسة الطب لكنها ترى في الفن وسيلة لإيصال رسائل وطنية وإنسانية واجتماعية دون الحاجة إلى التعبير المباشر عنها.

ترجمة عملية

وتشرح مديرة المدرسة، حنان عطاطرة، رسالة المعرض، الذي يؤلف بين الإبداع والشغف والتميز، وتقول إن معلماتها وطالباتها أنتجن نحو 300 وسيلة تعليمية في حقول معرفية وتعليمية عديدة.

وتشير إلى أن “بيدي أتعلم” ترجم بشكل عملي مفهوم التعليم النشط، واستطاع إشراك 408 طالبات بإشراف معلماتهن في إنتاج وسائل تعليمية ستكون مساندة للمنهاج المقرر، وستستفيد منها الطالبات في دروسهن، وستحتفظ بها المدرسة للأعوام القادمة.

ووفق عطاطرة، فإن المختلف في المعرض انخراط المدرسة كلها بإنتاج وسائله التعليمية خلال عدة أسابيع، بتكلفة بسيطة نسبيا، ووقت قياسي، وبرسائل تربوية مؤثرة.

وترى معلمة الفنون، وفاء أبو صلاح، بأن طالباتها استطعن تقديم عدة أعمال إبداعية بخامات مختلفة، وتنافسن مع أنفسهن لتقديم لوحات ومنحوتات ووسائل فنية ناطقة.

وتؤكد بأن طالبتها رسمن بالقهوة، واستعملن الزجاج والمسامير والخيوط والألوان والجبص والقماش والتطريز، وقدمن في النهاية فسيفساء جميلة.

وتقول مهندسة التربية الإسلامية رنا غوادرة إنها جسدت مع طالباتها معركة بدر، وصنعن مجسمات للكتب السماوية، وللأماكن المقدسة.

وتزيد: أبرزت طالباتنا قبة الصخرة بطريقة جذابة، وأنتجن خارطة سهلة توضح شعائر الحج، ووضعن ملصقات ولافتات للشعراء الصحابة، وأنتجن مسابقات للمعرفية دمجت بين المعلومات والألعاب.

عوالم وجريمة

وتبحر معلمة الجغرافيا آمنة ملاك، مع زهراتها، اللواتي أنجزن عدة خرائط للعالم، وتتبعن الوطن العربي، ونحتن فلسطين، وهندسن نماذج لطبقات الأرض، وقدمن سائل جغرافية كن سيحتجن أموالا لشرائها، لكنهن تشاركن في تقديم نماذج مختلفة.

ووقفت أستاذة الإنجليزية هناء العمري بجانب فريق، الذي قدم محاكاة لأعمال شرلوك هولمز، الشخصية الخيالية لمحقق من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وقالت إن طالباتها انتقلن من التعليم واستلهام الأفكار وتحليها وتقييمها إلى الإبداع ومحاكاة أعمال من الأدب العالمي.

وأشارت العمري إلى أن الدارسات استمعن للأدب العالمي وابدعن في التعامل معه، وانعكس في لوحة فنية ووسائل تعليمية.

وحسب زهرة خلف، وملك عتيق، وحلا سهمود، ونور غانم فإنهن حللن تجربة أدبية عالمية، وطورن من لغتهن الإنجليزية، وعرف قريناتهن بالشخصية التي ابتكرها الكاتب والطبيب الأسكتلندي سير آرثر كونان دويل.

ووفق قراءة الزهرات الأربع، فإن هولمز أشهر شخصية لمحقق خيالي يتخذ من لندن مقرا، ويساعد رجال الشرطة والمحققين عندما يعجزون عن حل خيوط الجرائم التي تصل إليهم.

وذاع صيت هولمز بمهارته في استخدام التفكير المنطقي، وقدرته على التنكر والتمويه، واستعمال معلوماته في الطب الشرعي لفك شيفرة القضايا المعقدة.

وتشعر رهف جرار، ابنة الصف الحادي عشر، بالفخر وهي تقف بجوار جناح رسوماتها، وتضع في البداية لوحة بالأبيض والأسود لوالدها، وتقول إن الفن يتكفل بالتعبير عن قصصنا كلها.

تدوير واستدامة

ويصف المشرف في التربية والتعليم، أسعد حبايب، المعرض بـ”العملي واللافت”، فقد استطاعت الطالبات بإشراف معلماتهن صناعة وسائل تعليمية، سيجري توظيفها في الحصص المدرسية.

ويبين أن المعرض طور من المعارف والمهارات وتعزيز المنهاج، كما جسد التعاون والمشاركة داخل المدرسية، واستطاع تقديم نموذج استدامة مبسط، وأعاد تدوير المواد، وسيفتح الباب، دون شك،لتبادل خبرات المدرسة مع مؤسسات تربوية أخرى.

ويعيد المعرض معلمة العلوم المتقاعدة، وداد شلبي، سنوات عديدة إلى الوراء، فتستذكر حصص العلوم التي كانت تقدمها لطالباتها، وحرصها على تجسيد المناهج بنماذج ووسائل إيضاحية.

وتقول إن المعرض مثل وسيلة إيضاح كبيرة، ستعزز من تعمق الطالبات في المعارف النظرية، وستجعلن ينفتحن أكثر على التجارب.

ويرى التربوي خالد قبها، المعلم في مدارس برطعة الغربية في اراضي الـ 48، بأن المعرض جمع أشكال المعرفة في مكان واحد، وشجعهن على تطوير مهاراتهن، وخاصة قدرتهن على المحادثة باللغة الإنجليزية.

ويشعر حسن عبيدي ومصطفى شلاميش، الناشطان في مجالس أولياء الأمور، بالراحة عقب التطوع في تجهيز المكان وترتيبه عدة ايام.

ويفيدان بأن المعرض سيشجع الطالبات على الدراسة، وسيساعدهن في استيعاب المواد الصعبة، وسيخفف العبء على الأهل في إنتاج وسائل تعليمية مكلفة، خاصة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.




في بروقين وكفر الديك.. وجع لا تلتقطه العدسات..!!

عبير البرغوثي- في بلدتي كفر الديك وبروقين، لم تعد البيوت مأوى، ولا الجدران ملاذًا آمنًا.. منذ سبعة أيام.. تعيش البلدتان تحت كابوس يومي.. اقتلاعًا بطيئًا للحياة من تفاصيلِها. اقتلاعا لا يُدَوّي، لكنه يمزق القلوب بصمت. هناك، حيث الأزقة التي اعتادت أن تستيقظ على صوت الأمهات، باتت ساحات مستباحة… تنمر ممنهج.. المنازل التي كانت تروي قصص العائلة كل مساء تحولت فجأة إلى نقاط مراقبة لجنود الاحتلال ومواقع تحقيق. “الحياة الجديدة” اقتربت من المشهد أكثر لتسلط الضوء على بعض من فصول المعاناةِ اليومية لنساء البلدتين تحت أنياب الحصار وهمجية المحتلين.

“في كل ليلة ننام ولا نعرف إن كنا سنستيقظ جميعًا في الصباح…”

بهذه الكلمات بدأت أم محمد، من بلدة بروقين، سرد حكايتها مع الحصار الذي يطبق على قريتها منذ سبعة أيام. لم تكن هذه الجملة مجرد استعارة، بل حقيقة تعيشها نساء القرية وأطفالهن منذ لحظة دخول جنود الاحتلال إلى بلدتهم، مدججين بالسلاح والعتاد.

“منذ بداية الاقتحام، ونحن نعيش في رعب. أكثر من 80% من البيوت فُتشت، ومنزلنا كان أحدها، اقتحموا المكان وكسروا كل شيء، حتى أننا لا نشعر بالأمان لأن بيتنا يقع في منطقة جبلية، بعيدة عن الأنظار، يمكنهم أن يفعلوا بنا ما يشاءون دون أن يراهم أحد”.. وتقول والخوف بادٍ على وجهها.

لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك. فمنذ اليوم الأول، صدر قرار بمصادرة 260 دونمًا من الأراضي المحاذية لمستوطنة “بروخين”، وتكررت مشاهد الهدم لمنازل تحت سيف عدم الترخيص، وكأن الفلسطيني يحتاجُ ترخيصًا من محتليه للبناء في أرض آبائه وأجداده، بينما الجرافات والمعدات الثقيلة تتجول في الأزقة الضيقة كأنها تستعرض سطوتها.

“نساؤنا يُحقق معهن في الشوارع، والمواد التموينية باتت حلما”

تروي أم محمد بمرارة: “النساء في البلدة يتعرضن لتحقيقات مهينة. نحن نعيش في حالة توتر دائم، وأجسادنا بدأت تُظهر بقعًا زرقاء نتيجة الضغط النفسي. لا يوجد طحين، لا يوجد حليب أطفال، المرضى لا يُسمح لهم بالوصول إلى المستشفيات إلا بعد تنسيق، ومن يخالف منع التجول يُضرب أو تُسحب منه سيارته”.

في منزل أم أمير.. خراب وسرقة واحتجاز

في الجهة الغربية من بروقين، حيث تقف منازل قليلة قريبة من مستوطنة “بروخين”، تسكن أم أمير. تقول إن الجنود اقتحموا منزلها فجأة، وبدا أنهم يعرفون طريقهم جيدًا.

“دخلوا بيتنا وخرّبوا كل شيء. سكبوا الزيت على الأرض، أفسدوا الطعام، صادروا الهواتف والهويات، واحتجزوني مع ابنتي لأكثر من ساعتين. سرقوا الذهب والمال الموجود في البيت، ولم يتركوا لنا شيئًا. نحن خمسة أفراد نعيش على اللبن، ولا توجد مياه لأننا لا نتمكن من شحن الخزان”، تقول أم أمير.

وتوالي سرد بعض من فصول معاناتها: “زوجي أُصيب بوعكة صحية أثناء الحصار، ولم يُسمح لنا بمرافقته إلى المستشفى. اضطر للذهاب وحيدًا، وحين تعافى، لم يُسمح له بالعودة إلى القرية، فبات يقيم عند ابنته المتزوجة في بلدة مجاورة”.

في كفر الديك.. صراخ طفلة مريضة، وجيش يحتل البيوت

في بلدة كفر الديك المجاورة، لم تكن الأحوال أفضل. (ز.د)، وهي أم لطفلة تبلغ من العمر 8 سنوات وتعاني من “الثعلبة الحمراء”، تصف اللحظات التي عاشوها وسط الحصار: “ابنتي كانت تصرخ من الألم، ولم نستطع إخراجها إلا بعد تنسيق استغرق وقتًا. البنت كانت تنهار أمامنا، ونحن عاجزون”.

أما (ر.د)، فاستُهدفت عائلتها باقتحام همجي لمنزلهم من قبل أكثر من مئة جندي: “جمعونا في غرفة واحدة، صادروا هواتفنا، أطلقوا النار داخل البيت، ولم يرحموا جدتي التي تبلغ 90 عامًا. صادروا الغاز، ومنعونا من شراء الطعام إلا بتنسيق، وحتى البيوت القديمة لم تسلم من التخريب”.

الخرائط المُرقّمة.. ذاكرة الخوف التي لا تمحى

(أ. د)، وهي من نساء كفر الديك، تحمل في صوتها وجعًا أكبر من الكلمات. تصف كيف تحول الحصار إلى شكل من أشكال “الحرب النفسية المنظمة”، فتقول: “الجيش يستخدم خريطة للبلدة تُظهر منازلنا كأرقام، كل بيت عليه رقم، وكل رقم يعني اقتحامًا قادمًا. لا نعرف متى، ولا كيف. نعيش في قلق دائم، نحاول ألّا ننظر في عيون الجنود خوفًا على بناتنا. نرتدي العباءات طوال الوقت لأننا لا نعرف متى يدخلون”.

تضيف: “اقتحموا منزلنا، احتجزونا في غرفة وأغلقوا الباب بالمفتاح. استخدموا البيت وكأنه ملكهم، سرقوا مصاغي الذهبي، ومبلغ 4000 شيقل كنت استلفته لدفع قسط الجامعة لابنتي”.

في بيت (أ. د) حيث تسكن مع 9 أفراد، بينهم طلبة جامعات، الحصار أصبح مأساة تعليمية أيضًا، إذ حُرم الأبناء من الذهاب إلى الامتحانات، وسط صعوبة اقتصادية خانقة.

“أولادي يسهرون ليلاً خوفًا من المستوطنين، فكل سكان مستوطنة بروخين من المتطرفين، حتى الجنود الموجودون في المنطقة من المستوطنين أنفسهم. لم نعد ننام، لم نعد نأكل، لا نعيش، نحن فقط نحاول أن نصمد”، تقول الديك.

قصص لا يجب أن تُنسى

نساء بروقين وكفر الديك لا يطلبن المستحيل، فقط الأمان، فقط القدرة على العيش بكرامة، فقط حقهن في الطمأنينة في بيوتهن، وبين أطفالهن. بين الحصار والجرافات والجنود، هناك قصص إنسانية تختنق خلف الجدران، صرخات مكتومة، وحليب أطفال لا يصل.. ففي الوقت الذي يُسدل فيه الليل ستاره على البلدتين، تبدأ فصول الخوف، العائلات تنتظر بلا حَوْل… كأنّها طردت من ذاكرتها لا من بيوتها فقط.. هناك مشاعر لا تُصوَّر… هناك وجع لا تلتقطه العدسات.. ولا تعبر عنه الكلمات، ما يحدث في كفر الديك وبروقين محاولة لمحو الإنسان من مشهده وسلبه بيته وذكرياته، وصوته.. هنا لا تنتهك المنازل فقط… بل تنتهك الحياة نفسها.