1

“جنين الحكومي”.. مستشفى على خطوط النار

عبد الباسط خلف- تسترد هيام عبد العفو أبو زهرة ذكريات قاسية عاشتها بعد وقت قصير من نكسة 1967، إذ منعت من الوصول إلى مستشفى جنين الحكومي لولادة ابنها البكر عماد، الذي شاءت الأقدار أن يصل المستشفى نفسه شهيدا بعد 30 عاما.

وتستذكر منع جيش الاحتلال المواطنين من التجول، بعد السادسة مساء، ما أجبرها على وضع ابنها في البيت، وليس في قسم الولادة حديث العهد وقتها.

وتقارن أبو زهرة، 78 عاما، بين الأوضاع السابقة للمستشفى الحكومي الوحيد في المدينة، الذي تغير اسمه لاحقا وارتبط بمدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر الشهيد الدكتور خليل سليمان، وتتحدث عن صعوبة ظروفه الحالية.

وتقول إن أحوال المستشفى متشابهة في صعوبتها، فقد كان جيش الاحتلال يمنع المرضى من الوصول إلى المكان، واليوم يضايق عليهم أيضا، ويهدم المباني المجاورة.

ثمن يومي

ويشير مدير المستشفى، وسام بكر، إلى أن ما يتعرض له “جنين الحكومي” من مضايقات وتجريف وإعاقة منذ 21 كانون الثاني الماضي، لا ينفصل عن الظروف الصعبة التي يعيشها منذ خريف 2021.

ويؤكد أن المستشفى، الذي يضم 220 سريرا، يدفع ثمنا باهظا ويوميا بحكم موقعه، وقد جرى إغلاق مداخله عشرات المرات.

ويلاصق المستشفى في ساحته الخلفية مخيم جنين ودوار الحصان، ويعيش منذ يومين على وقع عمليات هدم وتجريف واسعة جدا للمباني في أطراف المخيم.

ويضم المكان 540 طبيبا وممرضا وإداريا وعاملا، وفيه العديد من الأقسام الجراحية والتخصصية، عدا العيادات الخارجية والأورام والأشعة والطوارئ.

ويبين أن المبني تعرض خلال السنوات الأربع الماضية للحصار وتجريف بنيته التحتية، وتدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات، وعطلت خدمة جمع النفايات الطبية، عدا عن الاستهداف المباشر بالرصاص والغاز المدمع، كما أن الأجهزة والمعدات الخارجية وخزانات المياه طالها الرصاص، وزجاج المباني تعرض للكسر مرارا.

ووفق بكر، فإن الطاقم الطبي لم يسلم من الاعتداءات، إذ طال الرصاص الطبيب الجراح الشهيد أسيد جبارين، وأصاب 4 من طاقم المستشفى.

ويوضح أن وصول المرضى لم يكن طبيعيا في بداية العدوان الحالي، وتأخرت العمليات الجراحية، قبل أن يعود الوضع بالتدريج إلى سابقه، مع تراجع واضح في مظاهر الحياة خلال الليل؛ بفعل المخاطر المحتملة جراء قربه من المخيم.

ويستلقي “خليل سليمان” على 12 دونما تعود ملكيتها إلى خزينة الدولة ولبلدية جنين، ووضع حجر أساسه عام 1960، وبدأ بالعمل عام 1962.

وحسب حوار سابق لـ”الحياة الجديدة” مع المؤرخ المرحوم مخلص محجوب الحاج حسن، فإنه تعاقب على إدار المستشفى منذ انطلاقته الأطباء: وليد نجيب النابلسي، وحافظ أحمد الصدر، وعلاء الدين قاسم العورتاني، ومحمد إسماعيل أبو غالي، ثم نادر إرشيد، ونجي نزال، ووسام بكر.

ويتوقف مدير المستشفى عند اجتياح 2002 العصيب، إذ تحولت حديقته الخلفية إلى مقبرة جماعية للشهداء.

ويقول إن الجثامين وضعت في غرفة لثلاثة أيام، بعد انقطاع التيار الكهربائي عن المستشفى، وتوقف مولدات ثلاجات الموتى، ثم دفنوا في الحديقة، وأعيد تشييعهم بعد انتهاء الاجتياح.

ويشدد بكر على أنه رغم الظروف القاسية، فإن المستشفى يعتبر مركزا تدريبيا لدارسي الطب والتمريض والتخصصات الأخرى.

ويشهد “جنين الحكومي” حاليا عمليات تطوير في البنية التحتية لتوسعة قسم الكلى، وإضافة بناء جديد من 3 طوابق بـ1800 متر مربع؛ لاستيعاب الزيادة السكانية وتضاعف أعداد المرضى.

تحديات وجهود

ويفيد رئيس جمعية أصدقاء المستشفى، يوسف القاروط بأن المستشفى يواجه تحديات صعبة منذ 4 سنوات، يتسبب بها التجريف والخصار والاستهداف المباشر.

ويشير إلى أن المستشفى يواجه خلال الأشهر الستة الماضية انقطاعا متكررا للمياه بعد تجريف الخطوط الناقلة المتاخمة لمنطقة دوار الحصان.

ويوضح أن الجمعية التي تأسست عام 2012، ساهمت بتمويل المستشفى بتبرعات كبيرة قدمها أهالي المحافظة، ودفعت اشتراكا للتزود بالمياه من الجهة الشرقية، الأقل استهدافا، وبفعل عدم انتظام المياه بدأت تتكفل بنقل الصهاريج على نفقتها؛ لتعبئة خزانات قدمها مركز العمل التنموي/ معا.

ويذكر بأن “أصدقاء المستشفى” أجبرت على وضع حواجز معدنية مكلفة؛ خشية وصول الرصاص للمطبخ وللثلاجات وللعاملين فيه، كما أجرت صيانة لأكثر من 30 لوحا زجاجيا هشمتها الطلقات النارية.

ويبين القاروط بأن الأسوار الغربية تعرضت للهدم مرتين سابقا، ولم تستطع الجمعية بعد التقييم النهائي لأضرار هدم المباني الملاصقة به.

ويفرض استهداف المستشفى تحديات كبيرة أمام الجمعية التطوعية، التي تسعى لتطوير مرافقه، ولتوفير دعم وصيانة دائم له.




مشاريق جنين المستهدفة

عبد الباسط خلف- يلخص أستاذ التاريخ، مفيد جلغوم أحوال قرى جنين الشرقية، التي يستهدفها الاحتلال مرة تلو الأخرى منذ سنوات طويلة.

ويُصنف جلغوم المقيم في فقوعة مناطق المشاريق إلى 3 مجموعات، تتوحد كلها أمام اعتداءات ومصادرات متكررة، وإن بنسب متباينة.

ويقول لـ”الحياة الجديدة” إن اقتحامات فقوعة وجلبون والجلمة وعربونة أصبحت يومية أو شبه يومية، أما قرى دير غزالة وعرانة فتطالها اقتحامات شبة يومية، فيما تتعرض دير أبو ضعيف وعابا الشرقية (وادي الضبع) وبيت قاد الشمالي والجنوبي لاقتحامات أقل.

10 قرى

وتستلقي القرى العشر على جبال وتلال وسهول منبسطة، ويقطنها نحو 25 ألف مواطن ضمن بلدية مرج ابن عامر، بجوار مجالس محلية خاصة بها.

ووفق جلغوم، فإن المشاريق تبدأ من جنين وتنتهي شرقًا نحو جدار الضم والفصل العنصري، الذي اقتطع مساحات من جلبون وفقوعة وعربونة والجلمة شرقًا وشمالًا، عدا عن 3 مستعمرات: ملكشوع، وميراف، ومعالية جلبوع المقامة على أراضيها المحتلة عام 1948، وهي أقرب إلى جلبون.

ويشير إلى اقتحامات المنازل المتكررة، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية لفترة من الوقت، بعد طرد أهلها منها، كما تكرر الحال في فقوعة وجلبون.

والمفارقة التي يقدمها جلغوم أن جنود الاحتلال يجبرون أصحاب المنازل المخلاة على دفع ثمن احتلال بيوتهم، من خلال شحن الكهرباء لهم، وفي حال انقطاع التيار يطلبون المزيد.

ويؤكد أن المقتحمين يبحثون عن البيوت المطلة على الجدار والمستعمرات، لكنهم يسممون حياة الأهالي، كما سلم الاحتلال إخطارات بهدم 31 بيتًا في فقوعة ودمر بيتًا واحدًا السنة الماضية.

ويبين أن جدار الضم والتوسع يمتد على نحو 20 كيلومترًا من الجلمة إلى جلبون، التي شهدت أول عمليات تجريف لبيتهها التحتية في جنين.

ويسترد معطيات تاريخية تبين أن المشاريق تعرضت خلال 1948 و1949 و1954 لخسارة نحو ثلتي الأراضي في القرى الحدودية خاصة جلبون وفقوعة، التي حرمت من غالبية جبالها وسهولها ومراعيها.

بيوت محتلة

ويوضح الناشط المجتمعي عزمي أبو الرب، أن جلبون التي يسكنها، أصبحت وجهة يومية لاقتحام جيش الاحتلال، الذي بدأ منها في سياسة تحويل البيوت إلى ثكنات عسكرية، وطرد أهلها منها.

ويشير إلى أن الاحتلال يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من فقوعة، ويعرقل إقامة منشآت زراعية ودفيئات في جنوب القرية.

ويذكر أبو الرب الاحتلال صادر نحو 120 دونمًا من أراضي جلبون المتاخمة لجدار الضم والفصل العنصري في مناطق أبو عرة وأم الريش.

ويؤكد بأن جيش الاحتلال وزع 20 إخطارًا لأصحاب بيوت بالتوقف عن البناء أو بنوايا الهدم، كما هدم 4 بيوت، ويستهدف منازل بني أحدها عام 1982، رغم بعدها عن الجدار.

ويفيد بأن الاحتلال جرف 3 مناطق في جلبون لطرقات ومواقع حيوية، وكانت القرية أول موقع يستهدفه الاحتلال بالتدمير خارج المدينة ومخيمها.

دفيئات في مهب العدوان

ويرسم نائب رئيس مجلس الجلمة، أمجد أبو فرحة، مشهد القرية التي تعاني الأمرين منذ عدة سنوات، وصارت وجهة اقتحام يومية.

ويفيد بأن الاحتلال وزع إخطارات بهدم 180 دفيئة زراعية و5 منازل، بدعوى قربها من جدار الفصل العنصري، كما هدم بيتين العام الماضي، ونفذ عمليات تجريف واسعة لمزارع.

ويبين أبو فرحة أن قريته خسرت قرابة ثلثي أراضيها الشمالية عام 1949 باتفاقية “رودس” لتعديل الحدود وتتعرض اليوم لاقتحامات ليلية ويومية.

ويشير رئيس مجلس قروي عرانة، رامز الخالدي، إلى أن قرابة 20 دفيئة زراعية مهددة بالتجريف، بزعم قربها من جدار الضم والتوسع.

ووفق الخالدي، فإن قريته الممتدة على 9600 دونم، والتي يقطنها 4000 مواطن، تتعرض بشكل يومي لاقتحامات متكررة، وتمنع من زراعة أراضيها على بعد 300 متر من الجدار.

مستعمرات موقوتة

ويؤكد رئيس مجلس عابا الشرقية، برهان عزموطي، أن أهالي القرية الصغيرة يتخوفون من عودة الاحتلال إلى مستعمرتي “جانيم” و”قاديم” المخلتين منذ سنوات، والمقامتين على أراضٍ حكومية.

ويسترجع حال عابا الشرقية أو (وادي الضبع) قبل إخلاء المستعمرتين، إذ كانت تعيش في جحيم لا يطاق، وأجبر الأهالي مرارًا على سلوك طرق طويلة جدًا للوصول إلى جنين، رغم أن المدينة ملاصقة لهم، مثلما تعرضوا لحوادث إطلاق نار متكررة.

ويشير عزموطي إلى أن الاحتلال صادر أكثر من 50 دونمًا من أراضي القرية، التي يقطنها 800 مواطن. كما قسم الطريق الالتفافي الاحتلالي القرية عن عابا الغربية.

أحدث عدوان

ويختزل رئيس بلدية دير أبو ضعيف، منير ياسين، أحدث نسخة من الاقتحام التي تتعرض لها مشاريق جنين، إذ شن الاحتلال حملة مداهمات طالت منازل المواطنين: فايق إسماعيل، وإبراهيم ياسين، وعنان ياسين، وبكر عليات، وبهاء رواجب، وأنس ياسين، ويوسف ياسين، وبلال ياسين، وتخللها اعتقال مواطنين وتدمير وتخريب وسرقة مصاغ من أحد المنازل.

ويشير إلى المقتحمين أمضوا أكثر من 5 ساعات في تفتيش 8 منازل، وعبثوا بمحتوياتها، وهو ما يتكرر في قرى المشاريق ومحافظات الوطن.




رابا.. جبل السالمة فوق صفيح ساخن

عبد الباسط خلف- يضع الخمسيني مروان عودة بزور يده على قلبه، بعد ساعات من تلقي قريته رابا شرق جنين أمرا احتلاليا بمصادرة جبل السالمة.

ويقول بنبرة مسكونة بالحزن إن أرض جده حسين، البالغة 45 دونما والمغروسة بالزيتون، سيبتلعها القرار الإسرائيلي الجائر، ويخشى أن تصبح محرمة عليهم تماما.

ويبين أن الحوض 19 من الجبل، هو الأكثر تضررا من مخطط جيش الاحتلال، الذي سلم إلى المجلس القروي، فيما يتهدد النهب نحو 7 أحواض أخرى بمساحات متفاوتة.

ويخشى البزور من سلب الاحتلال للجهتين الجنوبية والجنوبية الشرقية من قريته، بدعوى إقامة معسكر لجيش الاحتلال الإسرائيلي في قمة الجبل، وربطه بشارع.

ويسترد مروان ذكريات طفولته التي كبرت في قمة الجبل، وتعرف خلالها على نباتاته وأشجاره، وساعد والده في رعي الأغنام، كما غرس عشرات أشجار الزيتون.

ويؤكد أن الكثير من الأراضي المصادرة مزروعة بالزيتون منذ قرابة 90 عاما، وكانت متنفسا لأهالي القرية والمنطقة برمتها، كونها مطلة على غور الأردن وبيسان ونابلس وجبل الشيخ ومرج ابن عامر ونابلس وطوباس والأغوار الشمالية.

وتتمدد رابا على نحو حوالي 27 ألف دونم، ويقطنها نحو خمسة آلاف مواطن، ونهب جدار الضم والتوسع العنصري مساحات كبيرة منها عام 2003.

رئة مهددة

ويشبه رئيس المجلس القروي غسان البزور، الجبل المهدد بـ”رئة المنطقة”، فقد كان وجهة لرعاة الأغنام من جنين، ويضم مساحات واسعة من حقول الزيتون، والأراضي الزراعية التي تعد مصدر دخل غالبية المواطنين.

ويقول بمرارة إن المجلس يعكف على جمع المساحات المهددة، ويستعد لعقد لقاء مفتوح مع المزارعين المستهدفة أملاكهم لوضع الخيارات القانونية والخطوات الممكنة لرفض القرار الاحتلالي.

ويؤكد أن المخطط الاحتلالي كما شاهده على الورق، لا يبتعد غير 300 متر عن بيوت المواطنين، ويقترب من خزان المياه، ويعني عمليا ابتلاع أعلى قمة في القرية، وتسميم حياة أهلها.

ووفق البزور، فإن “السالمة” استراتيجي يطل على الأردن وجبل الشيخ السوري المحتل، ويكشف الكثير من المدن والمواقع، ويعلو البحر بقرابة 700 متر، ويحاط بحراج حكومي، ومساحات زراعية للمواطنين.

ويفيد بأن والده محمد وعمه يوسف، وابن عمهم عبد الله يملكون 3 قطع تمتد على 200 دونم من أراضي رابا، كلها مهددة بالمصادرة.

ويُقدر البزور بشكل أولي الأراضي المهدد بـ 1000 دونم من أراضي رابا، و600 دونم أخرى من أراضي القرية داخل طوباس، و763 دونما أراضي دولة (خزينة للمملكة الأردنية) يملكها نحو 1500 مواطن ووريث من عائلتي البزور وقصراوي.

ويعدد الخسائر المتوقعة جراء نهب الجبل، وأولها حرمان المزارعين من حقولهم وزيتونهم، ومنع رعاة محافظة جنين والقرية من الوصول إلى المراعي، وتحويل المنطقة برمتها إلى “سجن كبير” بحرمان المتنزهين والأهالي من متنفسهم الطبيعي، خصوصا خلال الشتاء والربيع.

ويؤكد أن اقتحامات جنود الاحتلال ومجموعات المستوطنين لجبل السالمة بدأت تتوسع منذ نحو 20 شهرا، وصارت نهجا يوميا، حتى إن المقتحمين لم يتوقفوا عن عربدتهم ومضايقاتهم للمواطنين خلال أيام سبتهم.

ويلخص البزور “خطة التحرك” التي وضعها المجلس ويستعد لإقرارها مع أهالي القرية والمتضررين وجهات الاختصاص، ويعول على الإجراءات القانونية، لكنه يخشى أن يدركهم الوقت.

ويصف المهلة الممنوحة من جيش الاحتلال للاعتراض على قرار المصادرة بـ”الصورية”، فهي تعطيهم أسبوعا واحدا من موعد اقتحامهم للمنطقة، بهدف تنفيذ ما سموه “جولة ميدانية”.

مخطط ضم

ويعتبر المواطن صلاح البزور أن ما يجري في أراضي قريته مخطط احتلالي للضم الفعلي للمناطق المسماة (ج)، كون المنطقة نقطة البداية للشمال الشرقي للمحافظات الشمالية.

ويرى أن وضع جدار شائك على حدود المنطقة (ج) وبوابات في نهايته، يعني عمليا نهب قرابة 12 ألف دونم من أراضي رابا، التي خسرت نحو ألفي دونم لصالح جدار الضم والفصل العنصري قبل 22 عاما.

ويضيف أن أهالي رابا شرعوا منذ مساء الخميس في جمع أوراق ملكيتهم الثبوتية؛ للبدء في الإجراءات القانونية عبر هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

ويقول البزور إن المخططات تبين أن الشارع الاحتلالي المقترح سيلتهم 101 دونم إضافة إلى 27 دونما أخرى للمعسكر.

جنة وجحيم

ويوضح المزارع فضل نواجعة، بأنه اشترى أرضا شرق رابا قبل سنوات، وباع معظم ماشيته لإكمال ثمنها، لكنه تألم كثيرا عندما علم بنية الاحتلال مصادرتها، وإقامة بوابة فوقها، كما تشير المخططات.

ويفيد بأنه قدم من يطا بمحافظة الخليل، وأقام في الفارسية بالأغوار الشمالية 8 سنوات، وأجبره الاحتلال على الرحيل، فوصل إلى “السالمة” منذ 13 عاما، ويشعر اليوم بالمرارة من مخططات الاحتلال.

ويمتلك فضل وشقيقه 6 دونمات ونصف الدونم غرسها بالزيتون واللوزيات، وبنى بيتا في المنطقة، واستصلح الأرض الوعرة.

ويعني القرار الاحتلالي لعائلة نواجعة، وهم 7 أبناء، تهديد حياتهم، وإنهاء مصدر رزقهم، وإقفال المراعي عن مواشيهم، وتحويل منطقتهم إلى جحيم لا يُطاق. ويؤكد بأن العام الحالي شهد اقتحامات متكررة ويومية لجيش الاحتلال والمستوطنين.

من جانبه، يصف مصور الحياة البرية محمد دراغمة، بأن مصادرة الجبل تعني عمليا القضاء على مكان مهم للتنوع الحيوي، يكثر فيه سوسن فقوعة، وغزال الجبل الفلسطيني، وعصفور الشمس الفلسطيني، وغني بعشرات الأنواع.

ويشير إلى أنه التقط في آذار الماضي صورة لنبتة السوسن من الجبل المهدد، وقد فازت بمسابقة نظمها مركز التعليم البيئي، لكنه لم يخف خشيته من ضياع فرصة حصول المهتمين بالطبيعة والمتنزهين على آخر متنفس طبيعي لهم، بعد حرمانهم من غالبية محميات الأغوار الشمالية ووديانها وتلالها.




إسماعيل أبو غالي.. رقم جلوس و”شهادة عليا”

عبد الباسط خلف- يفتح امتحان الثانوية العامة أحزان عائلة إسماعيل أبو غالي، على مصاريعها، وتفعل جلسات “التوجيهي” وجع الأسرة التي فقدت ابنها، ويواصل جيش الاحتلال احتجاز جثمانه منذ نحو 100 يوم.

وتحول ثلاجات القهر دون تمكين صاحب رقم الجلوس 10050691 من إطفاء النار المفتوحة لعائلته، مثلما تمنعه تأدية جلسات “التوجيهي” التي كان ينتظرها بفارغ الصبر، للانتقال إلى تحقيق أحلامه في الدراسة والعمل.

ويرسم إبراهيم، الأخ الأكبر لإسماعيل، لوحة باكية ومتناقضة تعيشها العائلة التي خسرت الابن الرابع فيها، ويجسد ما فعله بها انطلاق الامتحان أول أمس.

أحلام ممنوعة

ويقول بأسى إن شقيقه، الذي ولد في 5 كانون الثاني 2007، تقاسم معه مخططات تدشين ورشة لصيانة المركبات، لإعانة والدهما ولشق طريق حياتهما، لكن كل شيء انتهى فجر 11 آذار الماضي.

ويحتفظ منزل أبو غالي بكراسات الابن الغائب والحاضر في الآن نفسه، فيما يشعل قهر الأسرة رسومات علم الصناعة التي برع في إعدادها، وستكون على موعد ثقيل مع ذكرى ابنها في كل يوم يشهد جلسات للامتحان، وعند ظهور النتائج، ومع بداية العام الجامعي.

ووفق الأخ المكلوم، فإن إسماعيل اختار دراسة التكييف والتبريد، ولتأخره عن التسجيل في المدرسة الصناعية في جنين، التحق بثانوية اليامون.

دموع وعصائر

ويصف بنبرة حزينة أجواء قاعة الامتحان، التي كانت مسكونة بحضور شقيقه، وقد وصلها لتوزيع العصائر والماء وما تيسر عن روحه.

ويختزل وجعه: كانت لحظات قاسية، فالمقعد الأول كان شاغرًا، وبطاقة الجلوس والصورة تخبر من يشاهدها بالغياب الأبدي عن مسرح الحياة.

ويستذكر: كان إسماعيل مولعًا بقيادة الشاحنات، والتصق بوالدي وهو في سن الحادية عشرة، وبرع في قيادة الشاحنات، وعمل فيها رغم صغر سنه، وعدم حصوله على رخصة قيادة.

ويضيف إبراهيم أن شقيقه كان عفويًا وذكيًا وسابقًا لسنه، وعمل حدادًا مساعدًا لأعمامه أحمد ويوسف في صناعة البيوت المتنقلة، وسائق شاحنة مساعدًا لعمه وسيم، وميكانيكي سيارات رفقة عمه محمد، قبيل غيابه الأبدي، كما حافظ على صيام التطوع معظم العام.

ويواصل: كان أخي حنطي البشرة، وطويل القامة، ونحيفًا وهادئًا، وحرص على الالتحاق بألعاب الرياضة وبناء الأجسام، وفقد كثيرًا من رفاق صفه، قضوا برصاص الاحتلال، وظل يتشوق لهم.

يعمل أمجد، والد إسماعيل في قيادة الشاحنات، بينما تمتهن والدته إحسان الصيدلة، وهي الأكثر تأثرًا وصبرًا برحيل فلذة كبدها قبل الأوان، وتحمل مشاعر متناقضة نحو فلذة كبدها الطموح، لكنها قررت توزيع الحلوى مع ظهور نتائج الثانوية العامة، لتيقنها بنجاحه في شهادة أخرى.

مسافة للحزن

وتبعًا للعائلة، فإن إسماعيل ارتقى عندما أطلقت عليه وحدات احتلالية خاصة النار من مسافة قصيرة، في الحي الشرقي لجنين، على بعد أمتار من بيت عائلته، وأصيب أمامها داخل قاعة إنترنت مجاورة، وظل يغرق في دمه من الرابعة فجرًا وحتى العاشرة صباحًا، ثم أحضروا جرافة واختطفوا جثمانه، وبقيت مكان استهدافه بقع دماء وحفاية كان يرتديها، والكثير من الأحزان.

بدوره، يؤكد مدير مدرسة اليامون الثانوية، رضوان فريحات، بأن إسماعيل كان صاحب الرقم الأول في سجلات الطلبة من بين 30 اسمًا، وكان له حضوره الخاص والمختلف.




صانور.. وجهة جديدة لاقتحام شامل

 يحصي الشاب أحمد الصانوري حصيلة الساعات الأولى من اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لقريته صانور، جنوب جنين.

ويتتبع الشاب الأربعيني ما حل بقريته المرتبطة بقلعة عتيقة وتاريخ طويل، فيقول إن المقتحمين حولوا أكثر من 20 منزلًا لثكنات عسكرية، وطردوا أصحابها منها، وشرعوا في اقتحامها من بيت إلى بيت.

وتعيش بلدات وقرى كثيرة في محافظة جنين على وقع اقتحام واسع وشامل، منذ أكثر من أسبوع، طال سيريس، وجبع، وميثلون، والفندقومية، وعنزا، وصانور، قباطية، ومركة، وفحمة، وعرابة، ورمانة، وعانين، وتجمعات أخرى.

ويشير الصانوري إلى أن أهداف الاقتحام “استعراضية”، وليست حقيقية، لكنها اعتداءات تسمم حياة الناس وتطرد أعدادًا كبيرة من بيوتهم، وتفتش، وتعتقل، ثم تنتقل إلى قرية أخرى لتكرار العدوان نفسه.

ويفيد سكرتير المجلس القروي، طاهر أبو ليمون، بأن الاحتلال اقتحم صانور مساء السبت، وشرع في تفتش منطقة الحاووز، الأعلى فيها، التي وصلتها دوريات مشاة من قرية عنزا المجاورة، بعد الانتهاء من اقتحام استمر نحو 60 ساعة.

ويؤكد أن الاحتلال لم يبلغ أصحاب البيوت التي احتلها جنوده، بتوقيت الانسحاب الدقيق من القرية، فبعض الأسر أخبرت باقتحام مفتوح، والأخرى بثلاثة أو أربعة أيام، وثالثة بيوم واحد.

ويوضح المواطن بسام العيسة بأن الاحتلال سيطر على قرابة 30 بيتًا، وشن حملة تفتيش طالت عددًا كبيرًا منها في المدخلين الشمالي والجنوبي وحي الزواق، تتبع لعائلاتها الست: عيسة، وحبايبة، وغربية، وأبو علي، وولد علي، وجرار.

ووفق أبو ليمون، فإن الاحتلال اعتقل عددًا من المواطنين، عرف منهم: شحادة حبايبة، وزياد غربية، والدكتور محمد عيسة، وفادي سلامة ونجله ناجح فارس، والطفل عبد الله رائد أبو علي.

وأكد العيسة أن في صانور 5 آلاف مواطن، ينتشرون في أكثر ألف من بيت، تضررت أعمالهم في الزراعة والوظيفة العمومية والتجارة منذ مساء أول أمس.

ويتكهن أهالي القرية، التي يذيع صيتها خلال موسم الشتاء، بفعل سهلها الذي يصير بحيرة، أسباب الاقتحام الطويل، ويربطونه بالحرب الدائرة مع إيران وإخلاء المستعمرات، ومخططات عودة الاحتلال إلى “صانور” و”حومش” المجاورتين، ومحاولات إرضاء المستعمرين.

بدوره، يلخص رئيس مجلس عنزا المجاورة لصانور، تيسير صدقة، آثار اقتحام قريته، الذي استمر قرابة 60 ساعة، وسيطر المقتحمون خلاله على 25 بيتًا، وفتش قرابة 700 منزل.

ويؤكد أن جنود الاحتلال عبثوا بمقتنيات المواطنين، وأتلفوا قسمًا منها، وتعمدوا تخريب أثاث وتحطيم أبواب.

ويوضح صدقة، لـ”الحياة الجديدة” بأن حظر التجوال رفع عند السابعة من صباح أول أمس السبت، مع البقاء داخل البيوت، التي تحولت إلى ثكنات عسكرية.

ويشير إلى أن المجلس يعكف على إعداد تقرير مصور يلخص ويوثق حجم التخريب، الذي طال منازل المواطنين خلال الاقتحام.

ويبين بأن الجنود منعوا مراقبي امتحانات الثانوية العامة من الوصول إلى القرية من مدخلها الرئيس، وأجبرهم على سلوك طرق بديلة. كما سهل المجلس عقد الامتحان للطلبة الذين استولى الاحتلال على منازلهم، وأخرج الطالب سامر محرز عطياني من بيته، بعد منعه من الجنود المقتحمين.