1

أنياب الاقتلاع تنهش جبال رابا

عبد الباسط خلف- ينشط أهالي رابا جنوب شرق جنين، في ملاحقة تفاعلات عدوان الاحتلال على قريتهم، ويواكب شبانها وشيبها عبر مجموعة إخبارية أطلقوها حديثًا، الهجمة الشرسة على أراضيهم عبر 3 جرافات.

ويعرب رئيس المجلس المحلي، غسان البزور، لـ”الحياة الجديدة” عن مخاوفه على مستقبل القرية، التي تشهد منذ 4 أيام عمليات تجريف في مناطق عديدة شرقها وجنوبها وشمالها.

ويبين أن المناطق المستهدفة والمهددة بالمصادرة أصبحت ممنوعة على أصحابها، وتشهد تجمعات دائمة لجنود الاحتلال.

ويفيد بأن المجلس سلّم هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 40 اعتراضًا على عمليات المصادرة، ولم يتمكن كثيرون من تقديم شكاوى بفعل وجود الكثير من أفراد العائلات خارج الوطن.

ويقدّر البزور أعداد المتضررين من الجدار الاحتلالي، بنحو ألفي مواطن سيخسرون موارد رزقهم، من بين قرابة 5 آلاف مقيم داخل القرية ومثلهم في المهجر.

حراك شبابي

ويؤكد الناشط أكرم البزور، أن آليات الاحتلال شرعت في التجريف من مشارف قرية المطلة المجاورة، مرورًا بجبل راس المطل، وانتهاءً بجبل السالمة.

وتجمع قبل يومين، قرابة 50 شابًا من القرية على قمة السالمة المهدد بالمصادرة، في حراك ضد قرار الاحتلال إقامة معسكر فوق أراضيهم، وغرسوا أعلامًا في أعالي الجبل.

ويشير البزور، إلى أن الاحتلال حول المنطقة إلى ساحة لعمليات التجريف والاقتحام، وشرع بطرد المزارعين ورعاة الأغنام من حقولهم.

ويتداول مواطنون طرد الجنود للمزارع محمود أبو يونس، الذي كان يستعد لجني محصول البصل، وأخبروه بأن المنطقة ممنوعة عليه، ولم يسمحوا له بإتمام عمله، الذي انتظره طوال الموسم، ولو لدقائق معدودة.

ويرصد الأهالي استخدام جنود الاحتلال لجرارات صغيرة تصل إلى المناطق الوعرة وأطراف القرية، وتهدف إلى طرد الفلاحين ومربي الأغنام منها، وحماية المستعمرين.

ويلتقطون أصوات جرافات الاحتلال التي تنهش في حقولهم وجبالهم، ويخشون من أن الجدار الذي سيمتد على نحو 4 كيلومترات، سيتحول إلى كابوس لا نهاية له.

ويبين أكرم أن جدار الاحتلال سيلتهم نحو ألفي دونم في جبل السالمة، ورأس المطل، والجبل الكلي، وجبل الشريفي، وجبال إبزيق، وسيمنع أصحابها منها.

“رئة” ملاحقة

ويصف المواطنون الجبال المصادرة بـ”رئة كبرى” كانت تمنحهم متنفسًا طبيعيًا، بحكم موقعها المرتفع، ووجود حقول ومساحات رعوية.

ولا يفرق الأهالي بين جيش الاحتلال والمستعمرين، ففي الحالة الأولى يقتحم الجنود المكان ويطردون أصحابه منه، ويعربد المستعمرون في أطراف القرية بحماية جنودهم.

ويؤكد الشاعر حسام البزرة لـ”الحياة الجديدة”، أن الفاصل الزمني بين قرار الاحتلال ووصول مجموعات المستعمرين إلى المنطقة قصير جدًا، فبعد أيام من تسليم قرارات المصادرة وإعداد الأهالي لقوائم الاعتراضات، بدأت جرافات الاحتلال بتدمير المنطقة، ومنع الجنود المزارعين من أراضيهم، وأطلق اليد للمستعمرين.

ويشبه ما يحدث بـ”ورم خبيث” بدأ بالتفشي في جسد رابا، لا يتهدد الجبال فقط، بل يمنع الفلاحين من حقولهم.

ويؤكد البزرة أنه غرس في منطقة جبلية قبل 15 عامًا زيتونًا، ويمنحه وقتًا طويلًا لرعايته، لكنه يخشى من منع الاحتلال وصولها في الأيام القادمة.

ويقول بنبرة مسكونة بالقلق إن غراسه تشبه أولاده تمامًا، إذ يمنحها رعاية دائمة، ويحميها من موجات الحر والأعشاب، لكنها مهددة منذ قرابة أسبوعين بالجدار الاحتلالي الجديد، ووضع بوابة.

وتعد القرية منطقة زراعية واسعة وخصبة ومرتفعة تشرف على مناطق شاسعة ومنها جبال الأردن، لكنها خسرت عام 1948 خربتي السامرية وأم سرحان، وفقدت عام 2004 خربة البذرة التابعة لها، ويتهدد شرقها اليوم جدار جديد لا يبعد عن بيوتها أكثر من 30 مترًا.

ويضع المواطنون أيديهم على قلوبهم، مع بدء الجرافات في تدمير حقولهم، ويعتبرون إقامة جدار جديد بمثابة “حكم إعدام” على مساحات واسعة من أراضيهم، وسيكتب عليهم الوصول إليها بـ”تصاريح احتلالية”.

“أم سرحان”

ويفيد البزرة بأن جده عوض كان مختار خربة أم سرحان، وولد فيها عام 1890، بينما أبصر والده صايل النور في الخربة ذاتها عام 1937، ويصمد فيها بيت العائلة حتى الآن.

وتبعد أم سرحان نحو 5 كيلومترات عن رابا، وكانت ممتدة على  نحو 14 ألف دونم.

ويحتفظ بوثيقة بريطانية عام 1943 تؤكد أن أراضي قريته كانت 40 ألف دونم، 26 ألفًا منها للقرية والباقي للخربة.

ويؤكد البزرة، الذي يستعد لإصدار كتاب عن رابا، بأن لجبل السالمة قمتان شرقية وغربية بارتفاع 714 مترًا عن البحر، وتحاط السفوح الشمالية والجنوبية والغربية من الجبل بكروم الزيتون.

ويشير إلى أنه ألحق بكتابة فصلًا بعنوان (أطماع لا تنهي) ضم الأسماء الشعبية للمناطق المهددة بالمصادرة داخل الجدار، كحال خلة بركة، ومراح صالح وإبزيق، وخلة الدرج وخلة العبد المشتركة مع طوباس، والأمر نفسه لجبل الشريفة المغروس بالزيتون، وحوض وادي شوباش الشرقي كمراح العقيبات، ومراح الكويّس، ودبة التينة، ودبة الزغل، وذراع المنايص، ووداي العماير، وخلة الطوالة وأم جاموسة، وخلة المنازل ودبة النمر والمكّتة والمربعة.

وينهي البزرة، هوم معلم متقاعد: سنصمد فوق أرضنا بكل الوسائل، فهي مهد طفولتنا وصبانا وشبابنا، وسننقل هذه الرسالة لأبنائنا وأحفادنا.




10 دقائق فقط لاقتلاع حياة

 بشار دراغمة- في لحظة خاطفة بين الصباح والذهول، استيقظت بلدة روجيب شرق مدينة نابلس على صوت جرافة تشق الأرض دون رحمة، تتبعها عشرات الأقدام العسكرية الثقيلة. كان الهدف غامضا في بدايته، لكنه اتضح لاحقا أن عنوان الجريمة الجديدة هو بيت خالد السكسك، المكون من طابقين، ويؤوي سبعة أرواح، ويمتد فوقه تاريخ من الكد والتعب.

لا ورقة إنذار على الباب، ولا قرار “قضائيا احتلاليا”.. كل ما في الأمر فقط دقائق عشر، لا أكثر، لإخلاء كل شيء أو لا شيء.

أطفال لم يفرحوا كثيرا بالمنزل الذي سكنوه حديثا بعدما ضاقت بهم أزقة مخيم عسكر.

طفل في العاشرة يجلس فوق ركام منزله الذي انهت جرافة عسكرية احتلالية التهامه للتو، ينظر في الفراغ وعيناه كانت تفتشان بين الحجارة، ليس عن لعبة، بل عن حياة سحقت تحت جنازير الجرافة.

كان المكان صامتا، كأن الجدران ذاتها حزنت على انهيارها المفاجئ، بينما ينبش الطفل بكفيه الصغيرتين بين الركام كمن يحاول إعادة تركيب ذاكرة مبعثرة، لعله يعثر على دفتر رسم بلون السماء، أو قطعة بلاستيكية حمراء كانت لسيارته الصغيرة، وربما صورة قديمة له في حضن والده، التقطت ذات صباح مشمس على درج البيت الذي لم يعد له وجود.

يقف أحيانا، ثم يجلس، كأن قدميه لا تعرفان إلى أين تمضيان بعد أن فقدتا الاتجاه. أبو خالد السكسك، رب الأسرة، أكد أن الهدم كان مباغتا ودون انذار مسبق.

وقال: “لم نتلق أي إخطار بهدم المنزل، فقط قبل سنة، وصلنا أمر بوقف بناء إضافي بجانب البيت، ومنذ ذلك الحين لم يبلغنا أحد بشيء، كان ابني وأحفادي يعيشون حياتهم بشكل اعتيادي”.

وأضاف: “فجأة اقتحموا المنزل، وقفت الجرافة عند عتباته، وقال جنود الاحتلال لمن فيه اخرجوا خلال 10 دقائق، سيتم هدم المنزل”.

وكثفت سلطات الاحتلال من عمليات هدم المنازل في محافظة نابلس مؤخرا، حيث نفذت في شهر أيار الماضي عملية هدم لمنزل المواطن ماجد الأدهم، بذات حجة عدم الترخيص.

وأخطرت سلطات الاحتلال نهاية العام الماضي عشرات المنازل في حي الضاحية بمدينة نابلس بالهدم.




40 دقيقة ثقيلة في حارة الحواشين

عبد الباسط خلف- تعود نسرين أبو زينة، بشروط، إلى شقتها المحببة في مشارف حارة الحواشين بمخيم جنين، بعد نزوح قسري استمر 169 يوما، بفعل عدوان الاحتلال المتواصل.

وتأرجح قلب معلمة المرحلة الأساسية بين ناري الاشتياق لبيتها والخشية من مشاهدة مسقط رأسها ومسرح طفولتها وصباها كومة من الحجارة، وظلت طوال الليل تنتظر بفارغ الشوق منتصف النهار؛ للوصول إلى البيت.

وتصف اللحظات المختلطة من ظهيرة أمس الثلاثاء، فقد عادت رفقة 24 مواطنة إلى بدايات حي الحواشين بالمخيم، بعد تنسيق رسمي لإحضار مقتنيات شخصية من بعض بيوت المخيم.

وتقول لـ”الحياة الجديدة” بصوت مسكون بالأمل إنها وزعت الأربعين دقيقة إلى شقتها على تفقد بيتها، والعودة إلى ذكريات عائلتها في أركانه، والبحث عن مقتنياتها الخاصة، والحسرة على ما أصاب المخيم من تجريف وتدمير.

وتؤكد أبو زينة التي منحت عدة دقائق للتأمل في غرفتها وأزهارها وساحة المنزل، أن البيت ليس مجرد حجارة أو قطع أثاث بل مكان يفيض بالتفاصيل، التي تعيد صاحبه إلى شريط حياته.

وترسم مشهدا لأزهارها: السجاد، والنعناع، والمدادة التي جف معظمهما، أو تعرض للتكسير إثر سقوط جدار المنزل، لكن زهرة عرف الديك ظلت صادمة، ورصدت صور التدمير الذي طال البيوت والشوارع، وتوقفت عند بيت الجار حلمي ستيتي الذي أصبح أثرا بعد عين.

وتشير إلى أن جنود الاحتلال حذروا النساء من إدخال هواتفهن النقالة، ووضعوا لهن قائمة يمنع إخراجها من البيوت كاسطوانات الغاز والأدوات الحادة.

وتصف أبو زينة صعوبة اللحظة وقسوتها، فقد وجدت بيتها بلا نوافذ، فيما وصل التلف والتخريب للعديد من المقتنيات، وتحولت غرف المنزل إلى مكان مهجور اتخذته الحمام مكانا لبناء أعشاشه.

ولخصت: أجبرنا على النزوح في الشتاء، وها نحن نعود أقل من ساعة في الصيف؛ لتفقده وإحضار بعض المقتنيات، وفتح نوافذ الحنين واستذكار أجواء العائلة، قبل الاجتياح.

وتبين أنها فتشت عن أدوات مطبخ أساسية وملابس في منزلها لتصطحبها، رفقة أختها مريم إلى الشقة المستأجرة في أطراف المدينة، لكنها دخلت في لغة الحسابات والمفاضلة، فهي تعجز عن حمل ثقل كبير، كما أن الأجواء الحارة والطرق المدمرة وأكوام الركام تجعلها تحسب ألف حساب لما تخرجه من بيتها.

وينشطر بيت عائلة أبو زينة إلى 4 شقق، وكان يأوي الإخوة: علام، وسليمان، ومحمد والشقيقتين: نسرين ومريم، وسبق أن تعرض خلال اجتياح 2002 إلى تدمير كامل، قبل أن تعيد الأسرة تشييده من جديد، وفقدت بين جدرانه الأب والأم.

ووفق أبو زينة، فإنها كانت في الحادية عشرة من عمرها، حينما شاهدت بيت عائلتها المدمر تماما في الاجتياح الأول للمخيم.

وتستعرض تجربة النزوح خلال نحو نصف عام، فقد بدأت بالإقامة المؤقتة عند الأقارب، ثم الانتقال إلى بيوت مؤقتة، واستقر بها المقام في شقة مستأجرة.

وتصف كل يوم يمر في محنة المخيم بسنة كاملة، لكنها مسكونة بالأمل بالعودة والنهوض من جديد.

وتتابع أنها لم تخرج ملابس شتوية من بيتها، فهي تأمل بالعودة في القريب، وبانتهاء محنة النزوح القسري الذي يطال نحو 22 ألف مواطن، وسط معطيات غير نهائية تشير إلى تدمير قرابة 600 منزل في المخيم.

وتتوقف نسرين عند ابنة شقيقتها الطفلة حور، التي أحضرت لها والدتها دراجتها الهوائية بعد 6 أشهر من الانتظار.




آلاء طلوزي من مخيم طولكرم: كل شيء كان سورياليا

هنا كان بيت… وهنا كانت حياة

حنين خالد- في زقاق قاقون، وسط مخيم طولكرم، كانت آلاء طلوزي تروي وجعها. هناك، في أحد الأزقة الضيقة، لم يكن البيت مجرد جدران وسقف… كان حياة. “عشنا فيه أجمل أيامنا رغم كل شيء”، تقول آلاء. “رغم اللجوء، رغم الاحتلال، كان بيتنا وطنًا صغيرًا نحتمي به من قسوة العالم”.

تتابع؛ نكبة تُعاد بصيغة جديدة، في صباح الثلاثاء الماضي وصل الإنذار. بلاغ رسمي بهدم بيوت اللاجئين في المخيم. القرار جاء دون سابق إنذار أو بدائل. لا مبررات قانونية ولا إنسانية، فقط قرار قاسٍ، جاف، يُحول حياة عائلات كاملة إلى رماد. “بيت عائلتي كان من ضمن القائمة”، تقول آلاء بصوت تخنقه العبرة. “ذاك البيت الذي ضمّ ضحكاتنا وبكاءنا، أعيادنا وأيامنا العادية… صار فجأة هدفًا للهدم”. وتكمل: “نحن لا نبكي الحجارة، نحن نبكي أعمارنا التي قضيناها هناك، التفاصيل الصغيرة التي صنعت لنا وطنًا داخل الوطن، نبكي الجدران التي حفظت أسرارنا، والزوايا التي شهدت أولى خطواتنا، وآخر ليالينا”.

اقتحام مؤلم… ووداع أخير

في فجر يوم الاربعاء الماضي دخلت قوات الاحتلال المخيم، تحمل قوائم وأوامر. المخيم كله عاش ساعات رعب، كل عائلة تسأل نفسها: “هل جاء الدور علينا؟”

منعت القوات كل العائلات من دخول منازلها، سمحوا فقط لشخص واحد من كل بيت بالدخول لدقائق معدودة، لجمع ما يمكن حمله في أكياس صغيرة. الهويات كانت قد سُلمت مسبقًاً، تروي آلاء. “لم ندخل لنأخذ أغراضنا… دخلنا لنودّع البيت”. وسط كاميرات المراقبة والعساكر المدججين، حاولت العائلة أن توثق ما استطاعت من لحظاتها الأخيرة في البيت. “صورنا الجدران، الأثاث، وحتى رائحة المكان حاولنا حفظها في الذاكرة”، تقول آلاء. “لكن حتى التصوير كان تحت مضايقة ومراقبة”.

الدموع تسبق الحروف

“أنا أتحدث بهذه الكلمات ودمعتي تسبقني، والله العظيم قلبي يتفطر”، تقول آلاء بحرقة لا يمكن لحبر الصحف أن يحتويها. “كل شيء كان سورياليا… مؤلمًا حدّ الصمت. لم يكن بيتًا فقط، كان عمرًا يُمحى أمام أعيننا، وذاكرة تُهدم بالحفارات، ونكبة تتكرر ونحن على قيد الحياة”.

وتضيف: “نحن اليوم لا نُهجّر فقط من منازلنا، بل يُسلب منا حق العودة مرتين، مرة في العام 1948، واليوم مرة أخرى عام 2025”.

الرسالة: كفى صمتًا!

بصوتها المتعب من القهر، توجه آلاء نداءها: “أنا آلاء طلوزي، بنت مخيم طولكرم، أتحدث إليكم من بين ركام الذاكرة، من قلب جرح يُفتح كل يوم، لأقول: كفى صمتًا!”

“الاحتلال لا يسرق فقط الأرض، بل يهدم البيوت، يمحو الذاكرة، ويعتقل الإنسان حتى داخل روحه. ما يحدث ليس حادثًا عابرًا، بل نكبة مستمرة، جريمة موثقة، وصمت دولي مريب”.

ليست مجرد قصة… إنها شهادة عصر

ما حدث مع عائلة آلاء، هو تكرار لمأساة مستمرة منذ 76 عامًا. قرارات الهدم، الاقتحامات الليلية، تشريد العائلات، كلها أدوات لقتل الإنسان الفلسطيني معنويًا وماديًا، وسط تجاهل دولي وتقصير مؤسساتي فاضح.

وفي ختام حديثها تقول آلاء،”ًما كتبه الاحتلال بالجرافات، ستخلده ذاكرة اللاجئين بالحبر والدمع”.




“جنين الحكومي”.. مستشفى على خطوط النار

عبد الباسط خلف- تسترد هيام عبد العفو أبو زهرة ذكريات قاسية عاشتها بعد وقت قصير من نكسة 1967، إذ منعت من الوصول إلى مستشفى جنين الحكومي لولادة ابنها البكر عماد، الذي شاءت الأقدار أن يصل المستشفى نفسه شهيدا بعد 30 عاما.

وتستذكر منع جيش الاحتلال المواطنين من التجول، بعد السادسة مساء، ما أجبرها على وضع ابنها في البيت، وليس في قسم الولادة حديث العهد وقتها.

وتقارن أبو زهرة، 78 عاما، بين الأوضاع السابقة للمستشفى الحكومي الوحيد في المدينة، الذي تغير اسمه لاحقا وارتبط بمدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر الشهيد الدكتور خليل سليمان، وتتحدث عن صعوبة ظروفه الحالية.

وتقول إن أحوال المستشفى متشابهة في صعوبتها، فقد كان جيش الاحتلال يمنع المرضى من الوصول إلى المكان، واليوم يضايق عليهم أيضا، ويهدم المباني المجاورة.

ثمن يومي

ويشير مدير المستشفى، وسام بكر، إلى أن ما يتعرض له “جنين الحكومي” من مضايقات وتجريف وإعاقة منذ 21 كانون الثاني الماضي، لا ينفصل عن الظروف الصعبة التي يعيشها منذ خريف 2021.

ويؤكد أن المستشفى، الذي يضم 220 سريرا، يدفع ثمنا باهظا ويوميا بحكم موقعه، وقد جرى إغلاق مداخله عشرات المرات.

ويلاصق المستشفى في ساحته الخلفية مخيم جنين ودوار الحصان، ويعيش منذ يومين على وقع عمليات هدم وتجريف واسعة جدا للمباني في أطراف المخيم.

ويضم المكان 540 طبيبا وممرضا وإداريا وعاملا، وفيه العديد من الأقسام الجراحية والتخصصية، عدا العيادات الخارجية والأورام والأشعة والطوارئ.

ويبين أن المبني تعرض خلال السنوات الأربع الماضية للحصار وتجريف بنيته التحتية، وتدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات، وعطلت خدمة جمع النفايات الطبية، عدا عن الاستهداف المباشر بالرصاص والغاز المدمع، كما أن الأجهزة والمعدات الخارجية وخزانات المياه طالها الرصاص، وزجاج المباني تعرض للكسر مرارا.

ووفق بكر، فإن الطاقم الطبي لم يسلم من الاعتداءات، إذ طال الرصاص الطبيب الجراح الشهيد أسيد جبارين، وأصاب 4 من طاقم المستشفى.

ويوضح أن وصول المرضى لم يكن طبيعيا في بداية العدوان الحالي، وتأخرت العمليات الجراحية، قبل أن يعود الوضع بالتدريج إلى سابقه، مع تراجع واضح في مظاهر الحياة خلال الليل؛ بفعل المخاطر المحتملة جراء قربه من المخيم.

ويستلقي “خليل سليمان” على 12 دونما تعود ملكيتها إلى خزينة الدولة ولبلدية جنين، ووضع حجر أساسه عام 1960، وبدأ بالعمل عام 1962.

وحسب حوار سابق لـ”الحياة الجديدة” مع المؤرخ المرحوم مخلص محجوب الحاج حسن، فإنه تعاقب على إدار المستشفى منذ انطلاقته الأطباء: وليد نجيب النابلسي، وحافظ أحمد الصدر، وعلاء الدين قاسم العورتاني، ومحمد إسماعيل أبو غالي، ثم نادر إرشيد، ونجي نزال، ووسام بكر.

ويتوقف مدير المستشفى عند اجتياح 2002 العصيب، إذ تحولت حديقته الخلفية إلى مقبرة جماعية للشهداء.

ويقول إن الجثامين وضعت في غرفة لثلاثة أيام، بعد انقطاع التيار الكهربائي عن المستشفى، وتوقف مولدات ثلاجات الموتى، ثم دفنوا في الحديقة، وأعيد تشييعهم بعد انتهاء الاجتياح.

ويشدد بكر على أنه رغم الظروف القاسية، فإن المستشفى يعتبر مركزا تدريبيا لدارسي الطب والتمريض والتخصصات الأخرى.

ويشهد “جنين الحكومي” حاليا عمليات تطوير في البنية التحتية لتوسعة قسم الكلى، وإضافة بناء جديد من 3 طوابق بـ1800 متر مربع؛ لاستيعاب الزيادة السكانية وتضاعف أعداد المرضى.

تحديات وجهود

ويفيد رئيس جمعية أصدقاء المستشفى، يوسف القاروط بأن المستشفى يواجه تحديات صعبة منذ 4 سنوات، يتسبب بها التجريف والخصار والاستهداف المباشر.

ويشير إلى أن المستشفى يواجه خلال الأشهر الستة الماضية انقطاعا متكررا للمياه بعد تجريف الخطوط الناقلة المتاخمة لمنطقة دوار الحصان.

ويوضح أن الجمعية التي تأسست عام 2012، ساهمت بتمويل المستشفى بتبرعات كبيرة قدمها أهالي المحافظة، ودفعت اشتراكا للتزود بالمياه من الجهة الشرقية، الأقل استهدافا، وبفعل عدم انتظام المياه بدأت تتكفل بنقل الصهاريج على نفقتها؛ لتعبئة خزانات قدمها مركز العمل التنموي/ معا.

ويذكر بأن “أصدقاء المستشفى” أجبرت على وضع حواجز معدنية مكلفة؛ خشية وصول الرصاص للمطبخ وللثلاجات وللعاملين فيه، كما أجرت صيانة لأكثر من 30 لوحا زجاجيا هشمتها الطلقات النارية.

ويبين القاروط بأن الأسوار الغربية تعرضت للهدم مرتين سابقا، ولم تستطع الجمعية بعد التقييم النهائي لأضرار هدم المباني الملاصقة به.

ويفرض استهداف المستشفى تحديات كبيرة أمام الجمعية التطوعية، التي تسعى لتطوير مرافقه، ولتوفير دعم وصيانة دائم له.