1

فيصل سلامة: الاحتلال دمر أكثر من 1000 وحدة سكنية في مخيم طولكرم

خسائر البنية التحتية تجاوزت الـ 150 مليون دولار

مراد ياسين- كشف رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم طولكرم فيصل سلامة وبالأرقام عن حجم الخسائر الهائلة في مخيم طولكرم نتيجة العدوان المتواصل على مدينة طولكرم ومخيمات طولكرم لليوم ( 200 )تواليا والتي تجاوزت وبالارقام 150 مليون دولار.

تدمير ممنهج لمنازل المواطنين

وأوضح سلامة لـ “الحياة الجديدة ” ان خسائر هائلة لحقت بالبنية التحتية لشوارع وازقة مخيم طولكرم نتيجة عدوان الاحتلال، مؤكدا ان غالبية شوارع وازقة المخيم أخرجت عن الخدمة تماما بعد تدمير شبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء وخطوط الاتصالات والانترنت، مؤكدا ان الاحتلال دمر 1000 وحدة سكنية بشكل كامل، و 500 محل تجاري في المخيم واتلف محتوياتها واخرجها عن الخدمة تماما، كما دعست جرافات الاحتلال 420 سيارة خاصة، واحرقت العشرات من المنازل في احياء السوالمة والحمام والغانم، فيما تضرر جزئيا 2000 منزل وتم تهجير 15الف مواطن من المخيم منذ بدء العدوان، لافتا الىان وكالة الغوث أعلنت عن تهجير قرابة 5000 عائلة من مخيمي طولكرم ونورشمس بما يقارب 25000 مواطن منذ بدء العدوان.

وأكد سلامة ان اللجنة قامت بزيارة العشرات من المنازل التي دمرت وحرقت منازلها في داخل المخيم وصدمت من حجم الدمار وتخريب المئات من منازل المواطنين بصورة متعمدة من قبل جنود الاحتلال حيث يعمدون الى احراق المنازل وتخريب محتوياتها بصورة متعمدة من اجل اجبار السكان على الهجرة الطوعية من داخل المخيم وعدم المكوث فيه حتى بعد انتهاء العملية العسكرية، مؤكدا ان اللجنة تمكنت من حصر أسماء أصحاب المنازل المدمرة بنسية 90% فقط، بعد تسجيل أسماؤهم بحيث تم حصر البنايات السكنية المدمرة وحصر عدد الشقق في كل بناية وأسماء أصحابها.

وتطرق سلامة الى قيام الاحتلال بأغلاق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ومدارس الوكالة منذ ستة شهور، كما توقفت الخدمات والعيادات الصحية التابعة للوكالة عن العمل تماما، وضرب المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والحياتية بشكل تام داخل المخيم.

الوضع داخل المخيم كارثي

وقال سلامة انه بعد طرد سكان المخيم بالقوةحول جنود الاحتلال العشرات من الأبنية السكنية العالية الى ثكنات عسكرية ومنامات لجنودها، وقاموا بتركيب كاميرات وشاشات مراقبة في داخل شوارع وازقة المخيم لملاحقة العائلات التي تحاول العودة الى منازلها،لافتا الى ان العائلات تحاول العودة من اجل جلب بعض الأوراق الثبوتية لافرادها وفي حال تمكن جيش الاحتلال من اعتقال احدى العائلات يتم التنكيل بها والاعتداء على افرادها أحيانا بالضرب المبرح، واعتقال او احتجاز افرادها واستجوبهم قبل الافراج عنهم في وقت لاحق.

وأشار سلامة ان الاحتلال حول الكثير من منازل المواطنين الى مراكز تحقيق لاستجواب المواطنين ولم يتوانى عن احتجاز فتيات لعدة ساعات قبل ان تتدخل اللجنة الشعبية بعد اجراء اتصالات مع الارتباط الفلسطيني واطلاق سراحهن فيما بعد.

تغيرات ديموغرافية

وأوضح سلامة ان الاحتلال تعمد هدم البناية السكنية تلو الأخرى وتخريب البنايات السكنية المجاورة لها مستعينا بمقاولين إسرائيليين من القطاع الخاص لتنفيذ عمليات الهدم بوتيرة أسرع في داخل المخيم مما الحق دمار هائلات بالعشرات من الأبنية السكنية المحيطة، بغرض توسيع شوارع المخيم بعرض 3 امتار وتغير معالم المخيم كليا وتحويله الى مربعات سكنية بحيث تتيح الاحتلال فرض السيطرة الأمنية وتحركها بشكل سلسمما يضمن سهولة وصول جنود الاحتلال لكل منزل وحي في داخل المخيم.

وأشار سلامة ان التغيرات الديموغرافية التي يسعى الاحتلال الى تحقيقها على ارض الواقع من خلال اجراء تغيرات في التركيبة السكانية مع مرور الوقت بما في ذلك التغيرات في حجم السكان وتوزيعهم العمري ونسب الجنسوالتركيبة العرقية وتشجيع الهجرة الطوعية وهذه التغيرات تؤثر على جوانب مختلفة من المجتمع والاقتصاد ومحاولة جادة لطمس قضية اللاجئين وتوطين اللاجئين في أماكن أخرى خارج المخيمات.

تحديات تواجه النازحين

ولفت سلامة الى الصعوبات التي تواجه جمهور النازحين في مخيمي طولكرم ونورشمس وجهود الحكومة في صرف المعونات الاسعافية للتخفيف من ازمة النازحين الإنسانية والاجتماعية، والحاجة الملحة لتدخل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين على المستوى الدولي لتقديم الدعم اللازم لإغاثة النازحين والضغط على حكومة الاحتلال لوقف مجزرة هدم المباني السكنية في المخيمات الفلسطينية وضرورة عودة اللاجئين الى منازلهم في اقرب فرصة ممكنة وتخصيص برنامج زمني لإعادة اعمار المنازل التي تضررت بفعل هدم العشرات من المباني السكنية داخل المخيم.

واكد سلامة ان تعزيز الصمود يأتي من خلال الأفعال وليست الاقوال حسب حد وصفه، مؤكدا الحاجة الملحة لتوفير سيولة نقدية للنازحين الذين استأجروا منازل سكنية في مدينة واحياء وبلدات طولكرم، مؤكدا ان الأعباء المالية الناجمة عن اجرة المساكن وفواتير الكهرباء والمياه، ترهق جمهور النازحين، وتتطلب تدخل الجهات ذات الاختصاص لمعالجتها بغرض تعزيز صمود جمهور النازحين تمهيدا لعودتهم الى منازلهم في مخيمات المدينة، مؤكدا ان وكالة غوث وتشغيل اللاجئين قامت بصرف 3000 شيقل شهريا للعائلات المهجرةالتي قامت باستئجار بعض البيوت في انحاء متفرقة في المدينة والقرى والبلدات المجاورة،  مشيدا بجهود الرئيس وصرفه مساهمة ماليةبقيمة 600 شيكل لغالبية النازحين في مخيمات طولكرم ونورشمس وجنين، مضيفا ان اللجنة طالبت الحكومة بصرف مخصصات لجمهور النازحين تصرف بشكل شهري عن طريق البنوك الفلسطينية.

وقال ان اللجنة تتابع أمور اللاجئين مع الحكومة ومكتب المحافظة ووزارة التنمية والبلديات والجهات ذات العلاقة من اجل التخفيف من معاناة المهرجين من داخل المخيم قدر الإمكان،عبر صرف مساهمات مالية لشحن الكهرباء والمياه لهم وتوفير بعض المستلزمات الاغاثية لهم.

إعادة اعمار المخيمات بعد انسحاب الاحتلال

وأكد سلامة ان إعادة اعمار مخيمي طولكرم ونورشمسستبدأ مباشرة بعد انسحاب الاحتلال مباشرة حسب الإمكانات المتوفرة، مؤكدا ان الاحتلال هجر قرابة 5000 الاف عائلة من المخيمين بمعدل 25 الف مواطن موزعين على المدينة والقرى والبلدات المجاورة، مؤكدا ان الظروف المالية صعبة ومعقدة للحكومة نتيجة استمرار حجز المقاصة من قبل حكومة المتطرفين، والحصار الخانق المفروض على محافظات الوطن، وتضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني، وتجفيف مصادر الدخل لوكالة الغوث، مما أدى الى تراجع دورها الواضح في المجال الصحي والخدماتي لجمهور اللاجئين.

وأشار الى ن إجراءات الاحتلال لن تثني شعبنا على مواصلة المسيرة نحو بناء الدولة وتقرير المصير وكنس الاحتلال الى الابد من ارضنا الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

واثنى على دور البلديات والمؤسسات والقطاع الخاص لاستيعاب جمهور النازحين في مدينة وقرى وبلدات المحافظة، مشيدا بدور وزارة التنمية والمحافظة ووكالة الغوث والإغاثة الزراعية والجمعيات الخيرية التي قدمت وما زالت تقدم كل شيء للتخفيف من معاناة ازمة النازحين في المحافظة الكرمية وتعزيز صمودهم حتى عودتهم الى منازلهم في المخيمات بعد إعادة اعمارها وتأهيلها.




جنين تحت سطوة آب..

عبد الباسط خلف- يحتمي الأربعيني بسام نصار من شمس آب الحارقة بقبعة، ويلف رقبته بمنشفة للتخلص من العرق، وينادي على المارة وسط جنين لشراء الماء المثلج في يوم شديد الحرارة.

ويقول وهو يتصبب عرقا إنه يقف قرابة 6 ساعات تحت الشمس، ويبيع الماء بنصف السعر، ويدفع الباقي من أرباحه عن روحي والديه.

ويؤكد إنه شرع قبل سنوات في تقديم 100 عبوة ماء باردة على المتسوقين وعابري السبيل بالمجان، ثم طور مبادرته إلى عمل، فأصبح يبيعها بسعر زهيد، ويقبل بهامش ربح قليل.

ويعيل نصار عائلة ممتدة من 5 أولاد ومثلهم من البنات، بينهم اثنان يعانيان سكر الدم، فيما يتحامل هو على أوجاع تضخم عضلة القلب وسكر الدم.

ويشير إلى أن حركة المتسوقين تتراجع خلال الأجواء شديدة الحرارة، وبالتالي يعجز عن بيع بضاعته.

بيت النار

ويكافح الشاب محمد فؤاد أمام فرن الخبز، ويشير إلى أن المكان يتحول إلى كتلة لهب.

ويبين أنه لا يستمع كثيرا إلى نشرات أحوال الطقس، لأن الفرن بحد ذاته صيف حارق ودائم بدرجات حرارة تتجاوز 40 مئوية.

ويعمل فؤاد 8 ساعات، ويوزع أشغاله بين متابعة أرغفة الخبز والتخلص من العرق الذي يعكر صفوه، ويزداد قسوة خلال تموز وآب.

ولا يبالي محمد بالانخفاض الطفيف على درجات الحرارة، الذي تتوقعه دائرة الأرصاد الجوية مطلع الأسبوع المقبل؛ لأن جنين مدينة قاسية في حرارتها، والمخابز مرتفعة الحرارة.

قبل الشمس

ويسابق المزارع إبراهيم العلي الشمس فيذهب إلى حقله مبكرا جدا، ويحول غالبا قطاف محصوله إلى الليل.

ويفيد بأن الحر يذبح مزرعته ويقصر عمرها، كما يؤدي إلى إنتاج ثمار بنوعية متدنية، ويضاعف من ري المياه.

ويشير العلي إلى أن موجة الحر الحالية تعني زيادة مفرطة في سقاية الحقول، ومضاعفة التكلفة، في ظل مياه شحيحة بفعل موسم مطري ضعيف.

فيما يقف فراس السيلاوي على ناصية الطريق، ويحاول حماية الفواكه التي يروج لها من وطأة الحر.

ويقول إنه موجة القيظ تفسد كل شيء، وتسرع في تلف الفواكه والخضراوات، وتؤثر سلبا على حركة المتسوقين، الذين يتحاشون التجول في السوق خلال الظهيرة.

ويبين السيلاوي أن الحرارة التي يقف تحت رحمتها تجاوزت السبت 40 درجة، وهذا يعني معاناة للعاملين تحت الشمس، والذين يحاولون تأمين حياة كريمة لعائلاتهم.

ويشير إلى أن العرق يبدو واضحا على وجه المارة وملابسهم، خاصة في فترات ارتفاع الرطوبة.

فوق الأربعين

ويؤكد مدير عام الأرصاد الجوية، عصام عيسى لـ”الحياة الجديدة” أن ذروة الحر ستكون الثلاثاء والأربعاء والخميس، وستتجاوز الحرارة الأربعين مئوية في جنين، بينما كانت السبت 38,7.

ويشدد على أن أعلى درجة حراة سجلت في أريحا كانت عام 2015 بـ 48,5 درجة.

ويكرر تنبيهات”الأرصاد الجوية”، التي تحذر من خطر التعرض لأشعة الشمس المباشرة لفترة طويلة خاصة في ساعات الذروة من الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة مساء.

ويحث عيسى المواطنين على تفادي إشعال النار في المناطق التي تكثر فيها الأعشاب الجافة، ومتابعة إرشادات الدفاع المدني ووزارة الزراعة.

ري أكثر

ويؤكد رئيس قسم البستنة في مديرية زراعة جنين، أشرف فالح، أن موجة الحر تنعكس سلبا على القطاع الزراعي، وتتطلب زيادة كمية الري للأشجار التي تعطي ثمارها متأخرة كالعنب والرمان والجوافة، وتقليص فترات السقاية لتعويض كميات التخبر والنتح، وللمحافظة على الأشجار والثمار.

ويفيد بأن كميات الرطوبة الأرضية متدنية، وارتفاع الحرارة بمعدلات قياسية يزيد من الطين بلة، ويزيد من الطلب على المياه الشحيحة.

ويشير إلى أن الحر يمكن أن يتسبب بذبول مؤقت أو دائم للنباتات، بفعل التبخر والنتح العاليين.

بدوره، ينصح رئيس قسم المجترات في وزارة الزراعة، زياد نصار، مربي الأغنام والأبقار والدواجن بالمسارعة في زيادة التهوية، وتفادي تكاثف الغازات خشية الاختناق والنفوق.

ويحث على تنظيف المزارع من روث الحيوانات، وتقليل سمك الفرشة أسفلها، وفتح النوافذ، وتغطية النوافذ المواجهة لأشعة الشمس.

ويقول إن تقليل الكثافة العددية داخل المنشأة، وبيع الأوزان الكبيرة منها، وزيادة عدد المشارب، وتغطية خزانات المياه، وتقليل حرارتها بتجهيز قوالب ثلج.

ويشير نصار إلى ضرورة تغطية الأسقف أو رشها بطبقة من الجير (الشيد) الأبيض؛ لمنع الارتفاعات الإضافية في درجة حرارة المنشآت الزراعية.




رحلت مزيونة وظل قلبها أسيرا

 زهير طميزة-  رحلت مزيونة أبو سرور بسكتة دماغية عن 84 عاما قضت منها 34 سنة في انتظار نجلها الأسير ناصر، عميد أسرى محافظة بيت لحم، والمحكوم بالمؤبد منذ مطلع عام 1993.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور ابن عم الأسير ناصر، إن الحاجة مزيونة لم تستسلم عبر مشوارها الماراثوني الطويل بين سجون الاحتلال، لا لمرض أو لكسل وتقاعس، ورغم إصابتها بعدة “جلطات” سابقا، فإنها لم تتوقف عن السعي وراء ناصر من سجن إلى آخر، حاملة مشعل الأمل في أحلك الظروف، موقنة بأنها لن تغادر قبل أن تحتضن ناصر بين ذراعيها تحت سماء المخيم (مخيم عايدة للاجئين).

كاد حلم مزيونة يتحقق عام 2014 عندما أدرج اسم ناصر في الدفعة الأخيرة من الأسرى الذين تم الاتفاق بين القيادة وحكومة إسرائيل على تحريرهم، ولكن حكومة نتنياهو، كدأبها، أخلت بالاتفاق.

أما مزيونة التي لم يدخل اليأس قلبها على مدى عقود ثلاثة، فقد استعدت لاستقبال ناصر بعدما أشيع مؤخرا عن أنه سيخرج ضمن صفقة تبادل للأسرى، يعمل ويتكوف مبعوث الرئيس الأميركي ستيف على إنجازها، فحزمت امتعتها وسافرت إلى العاصمة الأردنية على أمل استقبال نجلها هناك، فقد علمت أن سلطات الاحتلال تمنع ذوي الأسرى المبعدين بعد تحررهم، من السفر للقاء أبنائهم، فقررت أن تستبق إجراءات الاحتلال، لكن خيبتها هذه المرة كانت قاتلة، فأصيبت بالسكتة الدماغية، لترحل عن عالم الانتظار بعد ثلاثة أيام على نقلها من عمان إلى مستشفى بيت جالا الحكومي.

مزيونة الشولي ابنة قرية الخضر غرب بيت لحم، عاشت حياة اللجوء مع زوجها حسن أبو سرور المُهجر من قرية بيت نتيف المدمرة عام 1948، والمعروفة بسنديانة فلسطين وأم الأسرى، كان منزلها المحطة الثانية لكل أسير محرر، كذلك كانت تزور كل من يتحرر من سجون الاحتلال بفرح ولهفة، وكأنها تتلمس في كل من يخرج من السجن رائحة نجلها.

ناصر أبو سرور (56 عاما)، الأسير المثقف، والشاعر والكاتب.. صاحب ديوان “عن السجن وأشياء أخرى” والذي رشحت روايته “حكاية جدار” لنيل جائزة البوكر بعد ترجمتها إلى الإنجليزية، لا يعلم حتى اللحظة انه فقد مزيونته إلى الأبد، وأنه لن يراها بعد اليوم، فبعد أن حُرم من وجهها سبع سنين بسبب منعها من زيارته “لأسباب أمنية” حسب ادعاء سلطات الاحتلال، عادت المثابرة لتزوره رغم ضعف بصرها وعدم قدرتها على رؤيته بوضوح، حسب حفيدها عبد الفتاح، مكتفية بسماع صوته، لكن حرب الإبادة التي اندلعت عام 2023 حرمتها من صوته أيضا، لترحل دون أن تفي بوعدها له عندما أجابته مازحة على طلبه بألا تموت وتتركه في السجن: “سأطلب من ملاك الموت أن يمهلني حتى تخرج من السجن”.

يقول الدكتور عبد الفتاح أبو سرور: “لا أعلم كيف سيستقبل ناصر الخبر، فهو لم يتحمل مجرد أن يضعف بصرها، فما بالك عندما يعلم بأنها توفيت!”.

سيعود ناصر أبو سرور إلى مخيم عايدة محطته المؤقتة، وسيحدث أبناءه عن جدتهم المزيونة، التي تشبه فلسطين في قدرتها العجيبة على مواجهة اليأس رغم كل المحن. 




عرابة.. دموع وحسرة لعيون الفتى إبراهيم حمران

عبد الباسط خلف- اصطبغ مساء بلدة عرابة، جنوب جنين، بالدماء والدموع، عقب استشهاد الفتى إبراهيم عماد أحمد محمود حمران (14 ربيعا) في مدخلها الرئيس.

وفتح جيش الاحتلال النار على الفتى حمران بشكل مباشر، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة عند البوابة الغربية للبلدة.

وأكد مدير مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان (جنين الحكومي)، وسام بكر لـ”الحياة الجديدة” أن الفتى حمران وصل المستشفى بعد أن فارق الحياة، إثر إصابة قاتلة في الحوض.

ووفق مصادر محلية، فإن جنود الاحتلال أطلقوا النار على حمران في منطقة النقِب بالبلدة، وأحاطوا به بعد جرحه، ووصلت إليه طواقم الهلال الأحمر على مقربة من الشارع الرئيس وفي كرم زيتون، ثم نقلته إلى مستشفى جنين الحكومي.

والفتى حمران هو الشهيد الثالث في بلدات جنين خلال أقل من أسبوع، إذ التحقت عرابة بجارتها يعبد، التي بكت قبل أيام فتاها عمرو علي قبها (14 ربيعا) عقب إطلاق جنود الاحتلال 5 رصاصات صوبه، وتركه ينزف لنحو نصف ساعة ومنعوا إسعافه.

كما انضمت البلدة إلى قباطية، التي فجعت أمس الأول بارتقاء الفتى إبراهيم ماجد نصر، (16 عاما) الذي قضى برصاصة في الصدر، خلال اقتحام جيش الاحتلال للحي الغربي من البلدة.

وتقاطرت عائلة حمران وأهالي البلدة إلى ثلاجة الموتى، بانتظار وصول شقيقه وعمه اللذين يعملان في رام الله وأراضي الـ48، لتشييعه في ساعات الليل، وسط حزن وحسرة.

وأوضح قريبه فاضل حمران أن إبراهيم هو الأصغر بين إخوته إذ يكبره شقيقه أحمد و3 بنات.

وقال عضو المجلس البلدي خليل العارضة لـ”الحياة الجديدة” إن حمران تعرض لجريمة ضد الطفولة والإنسانية، وقتله جنود الاحتلال بدم بارد مع سبق الإصرار والترصد، عند البوابة الغربية لعرابة.

وأوضح مدير مدرسة الشهيد أبو علي مصطفى، أحمد صبري، أن الفتى حمران أنهى قبل أسابيع صفه الثامن، وكان ينتظر الالتحاق بصفه التاسع بعد نحو شهر.

وأشار إلى أن فتى من الصف نفسه يحمل اسم إبراهيم أيضا أصيب بالفخذ، وفي المكان نفسه الذي ارتقى فيه إبراهيم حمران.

وذكر أن إبراهيم سبق سنه، وتحمل المسؤولية في سن مبكر لمساعدة والده الذي كان يعمل في اراضي الـ48 في مجال البناء، وصار يعاني مؤخرا المرض.

ووصف صبري حال عرابة المتشحة بالسواد، إذ دخلت البلدة منذ مساء أمس في حالة ذهول وصدمة كبيرة، عقب انتشار نبأ استشهاد فتى في عمر الزهور، وشعرت بغصة عليه، وتناقلت صورة ابتسامته الأخيرة.

وقال محمد لحلوح، ابن البلدة الثلاثيني إن عرابة بشبانها وشيبها وأطفالها ونسوتها كلها أصيبت بالألم على إبراهيم.

ويحمل حمران الترتيب (44) في شهداء جنين وريفها ومخيمها، خلال العدوان المتواصل عليها منذ نصف عام.




طريق الصبر..

عبد الباسط خلف- يعتاد أحمد يوسف أبو الرب على بيع ثمار الصبر منذ عام 1962، ويقف اليوم في شارع مجاور لمسجد جنين الكبير في ظهيرة حارة لترويج بضاعته.

ويقول وهو يحمل كوزين، إنه يتعلم الدروس من الثمار المسلحة بالشوك الصبر، ويذهب في كل موسم إلى أرضه بقرية جلبون، شرق جنين، لقطف الثمار وتنظيفها من الأشواك، ثم ينطلق إلى جنين لتسويقها.

ويستذكر أبو جلال، كما يذاع صيته، بعض تفاصيل بيع الصبر أو التين الشوكي قبل احتلال قريته ومدينته عام 1967، إذ كان يحضر الثمار في طفولته بصفائح السمنة، وينطلق قبل الشمس على دابته، فيفرغ حمولته ويعود إلى بيت عائلته بعد نهار شاق.

ويؤكد أن أراضي جلبون كانت دون مستوطنات وجدار ضم وتوسع، مثلما كانت تنتج هي وجاراتها فقوعة معظم صبر المنطقة.

وتتنافس على كتف الشارع المتفرع عن طريق الناصرة أوعية وكراتين عديدة للصبر، ويحضر الزبائن لمعاينة البضاعة وشراء الثمار، لكنهم يفاوضون الباعة كثيرًا لتخفيض الثمن، وبعضهم يكتفي بالسؤال.

ويشرح مراحل عمله، التي تبدأ صباحا بالتوجه إلى حقله، فيقطف ما تيسر من أكواز، ثم يعود إلى البيت للاستحمام والتخلص من الشوك، وينطلق إلى المدينة لبيع بضاعته.

ويقف على زاوية مدرسة فاطمة خاتون، ولا ينادي على الزبائن في المكان التاريخي الذي تأسس عام 1882، وكان مَعلما للحكم العثماني في فلسطين، ثم تحول في العهد الأردني مقرًا للمؤسسات الحكومية، وصار دارا لبلدية جنين إلى أن تحول لمدرسة.

تعلم أبو الرب، المولد عام 1954 حتى الأول الثانوي، واشتغل 21 عاما في مؤسسة رسمية، وكان يوزع صحيفة “الانتفاضة” عام 2000 على مؤسسات المدينة، وقبلها كان من رواد مكتبة بلدية جنين الحريصين على قراءة روايات وفلسفة وعلم نفس بالعربية والإنجليزية.

 ويشير إلى أن موسم الصبر رغم قصره صعب كثيرا، ويحتاج قطفه ونقله وبيعه وقتا طويلا، لكن يساعد الأسرة الفلسطينية التي تعيش أوضاعا قاسية على توفير احتياجات أساسية.

يطلق أبو الرب العنان لمن يحضر إلى مزرعته للقطاف بالمجان، ولا يضع ناطورا (حارسا)، ويؤكد أن الحشرة القرمزية حديثة العهد، التي ضربت مساحات واسعة من الصبر يمكن علاجها بغير طريقة، لكنها أتلفت الكثير من الثمار، ويصف الموسم الحالي بالضعيف، فيما ينتظره صبره الخضاري، الذي يبدأ قطافه في الخريف.

ويصمد في زاوية ثانية من الشارع محمود شكري أبو الرب، منذ قرابة 15 عاما، فيبحث عن الظل لبيع بضاعته.

ويحمل أبو الرب، الذي أبصر النور عام 1970، دبلوم لغة عربية، لكنه لم يعمل بشهادته؛ لضيق سوق العمل.

ويقول إنه يشتري الصبر من 8 عمال يتخصصون في قطافه من قريتي جلبون وفقوعة، فيخرجون باكرا ويعودون لالتقاط أنفاسهم حوالي العاشرة صباحا، في موسم شحيح هذا العام، ويمتد عادة طوال تموز وآب.

يعمل محمود، قرابة 12 ساعة ويبين أنه لا يستخدم الكفوف، ولا النداء على المتسوقين، ويساعده صغيره الفتى كريم في مهمته، وكذلك ابنه البكر.

ووفق أبو الرب، فإن الطريق التي يقف فيها، مركزية وسط سوق الخضراوات، وملاصقة للمسجد الكبير، وفيها حركة نشطة، وهذا سبب اختيارها.

ويشتغل محمود فترة شهرين في الصبر، ويعود في غير موسمه إلى الأرض ورعايتها، كما انقطعت به وبغيره السبل أمام الوصول إلى الداخل للعمل.

ويؤكد أن الشمس حارقة، وكل المشترين يفاوضون مرارا؛ للحصول على سعر أدنى، لكنه يتعلم مما يبيعه التحمل والصبر.

ويدفع أبو الرب أجورا للعمال القاطفين وللمركبات التي تنقل البضاعة من الحقول إلى الشارع، لكنه يؤمن بأن الصبر طيب، وبيعه ببعض الأرباح أفضل من الجلوس في البيت.

ويشير إلى أن بعض الباعة يقفون في شارع البريد تحت ظل أشجاره، لكن المنطقة المجاورة للمسجد الكبير أكثر شهرة.

ويذكر الشاب أحمد الفقوعي، كما يصف نفسه، بأنه يبيع الصبر منذ 5 سنوات، لكن هذا الموسم يأتي في ظرف اقتصادي عصيب.

ويفيد بأن الوقوف الطويل أمام بضاعته صار يسبب له الأوجاع في قدميه، كما يتسلل الشوك إلى يديه، رغم الاحتياطات التي يتخذها.

وتعد فقوعة القرية الأشهر في جنين بثمار الصبر، وقد خسرت هي الأخرى معظم أراضيها خلال النكبة والنكسة وإقامة جدار الضم والتوسع العنصري.

وتقول سلمى الشيخ إبراهيم، وهي سيدة خمسينية، إنها تعتاد شراء الصبر من شارع المسجد منذ سنوات، لكنها حين تسافر من المدينة إلى الأردن، تبحث عن سوق مشابه، فقد أصبح الأمر جزءا من الصيف