1

صحافيات جنين الصغيرات يفتحن 4 حوارات كبيرة

عبد الباسط خلف-حاورت 19 يافعةً رئيسَ بلدية جنين، ورئيسَ مجلس قروي فقوعة، ومديرةَ وزارة الأشغال العامة والإسكان، والمديرةَ الإدارية لمستشفى جنين الحكومي.

وطرحت المشاركات في المخيم الصيفي الإعلامي البيئي الحادي عشر (صحافيات صغيرات) أسئلتهن عن طرقات جنين، وأسواقها، ونظافتها، وانقطاع المياه، والمواقف العامة، وتداعيات العدوان المتواصل منذ 21 كانون الثاني 2025 عليها، والهجمة الاستيطانية الواسعة.

وتتبعت الزهرات جودة الخدمات العامة، وغرق المدينة المتكرر بمياه الأمطار، ولاحقن المشهد الصحي في المستشفى الحكومي، وسألن عن نقص الأدوية، وانعكاسات الأزمة المالية على المرضى، والنظافة داخل المستشفى، والازدحام الهائل فيه.

وواكبت الصحافيات الصغيرات حال قرية فقوعة، شرق جنين، وما تشهده من هجوم استيطاني، وحصار متكرر، وسرقة مياه تحرم المواطنين من سر الحياة. كما بحثن في موازنة المجلس، وتطرقن إلى سوسنة فقوعة، النبتة الوطنية لفلسطين، وكيف أثرت في القرية الصغيرة.

11 تجربة

واستهلت لور أبو السباع، التي تشارك للمرة الرابعة في المخيم، التعريف بالتجربة المنطلقة في جنين وطوباس قبل 11 عامًا، وينظمها في النسخة الحالية مركز التعليم البيئي/الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، والهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات غير الحكومية، برعاية شركة التكافل للتأمين.

وأشارت أبو السباع إلى أن الحوارات استضافت طوال 10 أعوام سابقة وزير الصحة، جواد عواد، ومحافظ جنين، أكرم الرجوب، ومحافظ طوباس والأغوار الشمالية، المرحوم ربيح الخندقي، وخلفه يونس العاصي، ورئيس بلدية طوباس، حسان مجلي، ومدير شرطة طوباس المرحوم سائد عساف، ورئيس تحرير شبكة معًا، ناصر اللحام. وقد عُرضت مخرجات المخيمات السابقة في جامعة الدول العربية، والهيئة العربية للبث الفضائي، من خلال وزارة الإعلام سابقًا.

وتطرق رئيس بلدية جنين، محمد جرار، إلى العمل بنظام الطوارئ، الذي أثر سلبًا على الخطط الاستراتيجية، وأجبر المجلس على العمل في ظروف صعبة، وعمل على خطة تعافٍ لامتصاص تداعيات العدوان على المدينة ومخيمها، بالشراكة مع اللجنة الشعبية للخدمات.

وأشار إلى أن المجلس الحالي والسابق حمل ملف النازحين إلى الكثير من المحافل الدولية، وسعى إلى تجنيد داعمين.

وأكد جرار أن المدينة بحاجة من سنتين إلى ثلاث سنوات للتعافي من آثار إعادة احتلال مخيمها، وتدمير بيوته وبنيته التحتية.

واستعرض الأوضاع الاقتصادية التي تعانيها جنين، إذ يشكل اعتمادها على المتسوقين من الداخل 35%، و45% على ريفها، و20% من مجتمعها المحلي، في ظل محاولات راهنة لإطلاق سوق السبت بالشراكة مع مؤسسة مجتمعات محلية، وتطوير سوق السيباط التاريخي.

ويرسم جرار صورةً لتنظيم أسواق المدينة، التي تراعي فيها البلدية الحالة الاقتصادية للمواطنين.

وأوضح حجم الفاقد للمياه، والسرقات التي تحدث على الخطوط الناقلة، بحجم فاقد شهري يصل إلى 90 ألف متر مكعب.

وأشار جرار إلى عمل قسم النظافة في جمع النفايات مرتين يوميًا، أو مرة أو ثلاث مرات في الأسبوع، تبعًا للمنطقة.

وأكد رئيس البلدية للصحافيات أن المجلس قلص عدد الموظفين من 500 إلى 287، كما يعمل وفق قانون الهيئات المحلية لتطبيق المستطاع من 23 صلاحية مناطة به.

وأجمل رئيس مجلس قروي فقوعة، بركات العمري، التغيرات الأخيرة التي عصفت بقريته، عقب إقامة بؤرة استيطانية رعوية أتت على أكثر من 3000 دونم، ومخططات لاستحداث مستوطنة أخرى فوق أراضيها، عدا عن المعاناة جراء الشارع الالتفافي، الذي تحول إلى مصدر للتنكيل بالأهالي، إضافة إلى الاقتحامات اليومية، وتشكيل فريق من 14 متطوعًا للأزمات.

وأشار إلى أن المجلس الحالي يتابع ملف سرقة المياه، وتوصل إلى 25 من المعتدين على الخطوط الناقلة، وقدمها لجهات الاختصاص، ولا يسمح القانون بالإعلان عنها من طرفه.

وبيّن أن المجلس الحالي، كما حال المجلسين السابقين اللذين وقف على رئاستهما، يحظى بفائض في الموازنة العامة، ويؤكد أن المجلس يستنفر إذا ما قلت الوفرة عن مليون شيقل.

وأكد أن مصادر دخل فقوعة هي ملك لمجلسها، كالكهرباء، والمياه، وخدمة جمع النفايات، وقد شق المجلس 40 كيلومترًا من شبكات الطرق الزراعية.

سوسنة ومستشفى

ولخص العمري: منذ إعلان مجلس الوزراء صيف 2016 عن سوسنة فقوعة، نبتة وطنية لفلسطين، عملنا على خطة موازية، ونقلنا صورة قريتنا إلى 22 فضائية كبرى، وزارنا أكثر من 10 آلاف من محافظات مختلفة، وأعددنا محميات مغلقة للزهرة، وكثّرنا النبتة الوطنية بالشراكة مع مؤسسات بحثية، وأهلنا متطوعين لحراستها.

واقترحت الصغيرات عقد لقاء مساءلة مجتمعية في أيلول القادم، يقدمنه بأنفسهن، يجمع أهالي القرية بالمجلس، ويحصلن على موافقة وترحاب.

وانتقلت الزهرات إلى حوار المديرة الإدارية والمالية لمستشفى الشهيد خليل سليمان جنين الحكومي، نداء زكارنة، التي قدمت كشفًا حول أحواله، وأكدت أنه يخدم 3000 مواطن، ويستقبل شهريًا قرابة 10 آلاف حالة، ويحظى بشبكة عيادات وأقسام، ويعالج 220 مريض كلى في أربع ورديات.

وأشارت إلى نقص الكادر، والضغط الهائل على الخدمات، وانعكاسات الأزمة المالية، ودوام الطوارئ ليومين لمن هم من خارج المحافظة، وثلاثة أيام للأطباء والموظفين من خارجها، ومع ذلك لم تتوقف عجلة المستشفى.

وأكدت زكارنة وجود أكثر من 3000 حالة تحتاج إلى عمليات جراحية، ويُجرى أسبوعيًا 30-40 تدخلًا جراحيًا، ولا يتم تأخير حالات إنقاذ الحياة.

وتطرقت إلى مبادرات المجتمع المحلي، وجهود جمعية أصدقاء المستشفى، ومبادرة مؤسسة أيام فلسطين لـ1000 صورة، التي تعمل على إعادة جدولة المحتاجين إلى جهاز التصوير الطبقي، لتقليل وقت انتظارهم.

وتحدثت عن نظام الشكاوى الذي يتيح للمرضى والزوار تقديم ما يرغبون به بشكل آلي، كما أسهبت في الحديث عن نقص الكادر، وتكلفة علاج الأورام التي تفوق في بعض جرعاتها 20 ألف شيقل، ووجود 17 سرير طوارئ، واستحداث قسم طوارئ للأطفال وللجراحات العميقة، عدا عن وجود 50 عامل نظافة.

وقدمت الصحافيات الصغيرات مبادرة مطلع الأسبوع الحالي لزيارة قسم الأطفال، ولتوعية الزائرين بأهمية المحافظة على نظافة المستشفى.

زهرات وأشغال عامة

وانتقلت اليافعات كندة هيجاوي، وسديل طوالبة، ومرح صوالحة، وبيسان تركمان، ورغد ورفيف خلوف، وسونيا أبو الرب، وريماس كيلاني، وزين قرعاوي، وريماس بزور، وإيلين وميار ضبايا، ومنال صلاح، ونوال منصور، ولميس وزينة ومنة عبيدي، وألما عياش، ولور أبو السباع، ولونا قدورة، إلى حوار مديرة وزارة الأشغال العامة والإسكان، ميسون أبو بكر.

وقدمت أبو بكر عرضًا حول اختصاصات الوزارة وأدوارها في الطرق والآليات والإشراف على المباني العامة، عبر نظام العطاءات والمتابعة مع المقاولين في حال إنشاء بنايات حكومية.

وأكدت أن مؤسستها تعتمد على المال، وقد تأثرت بفعل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الحكومة، جراء احتجاز أموال المقاصة.

وأشارت إلى جهود الوزارة في تنفيذ جولات لتنظيف مجاري الأودية وعبارات المياه، قبيل موسم الشتاء، حتى لا تغرق مياه الأمطار الطرقات.

وتحدثت عن خطة إعادة إعمار مخيم جنين، حال انسحاب الاحتلال منه، وأكدت أنها ستتم بعد تنفيذ خطة أمنية للدفاع المدني لإزالة الألغام، وإزالة مواطن الخطر، قبل عودة المواطنين النازحين إلى بيوتهم.

وأوضحت أبو بكر أن تنفيذ المشاريع في الأراضي ذات التربة الحمراء بحاجة إلى معالجة، ويتطلب تغيير التربة، وهي عملية مكلفة، كما أن الضغط الهائل على الطرقات بفعل تسيير آليات الاحتلال العسكرية عليها يسرع من تهالكها.

ويؤكد القائمون على “صحافيات صغيرات” أنه سيتواصل حتى منتصف الأسبوع القادم، وسيتوج بتسجيل وبث ومضات مرئية ومسموعة بالشراكة مع راديو البلد وإذاعة الجامعة العربية الأمريكية، تتحدث عن تاريخ جنين القديم والحديث، وتعرّف بالمساءلة المجتمعية وأهميتها في الحد من الشائعات، كما ستواكب العديد من المفاهيم البيئية التي تسعى إلى المساهمة في رفع الوعي البيئي، بالرغم من الأزمات الحادة التي تعصف بالمحافظة.




منى الضميدي.. من فضول الطفولة إلى محافظ للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين

عبير البرغوثي- لم تبدأ حكاية د. منى نبيل الضميدي مع الذكاء الاصطناعي من منصب أو جائزة أو استراتيجية وطنية، بل من فضول مبكر؛ رغبة في فهم الأشياء من حولها: كيف تعمل؟ ولماذا تعمل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن أن تعمل بصورة أفضل؟

ذلك الفضول الذي قادها إلى هندسة الحاسوب، ثم إلى البحث الأكاديمي في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، تحول مع السنوات إلى مسار مهني أوسع، تجاوز حدود المختبر والجامعة إلى السياسات والحوكمة والابتكار، وصولا إلى تعيينها مؤخرا محافظا للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول (GCRAI) ، وهو مجلس دولي مستقل وغير ربحي تأسس في 2024 وأطلق دوليا في مجلس اللوردات في لندن عام 2025، ويعمل اليوم من خلال شبكة تمتد إلى عشرات الدول. فكرته الأساسية هي نقل الذكاء الاصطناعي المسؤول من المبادئ النظرية إلى التطبيق: كيف نبني أنظمة AI  أكثر شفافية وأمانا وعدالة وخضوعا للمساءلة دون أن نعيق الابتكار.

بالنسبة للضميدي، لا يمثل المنصب الجديد مجرد لقب يضاف إلى سيرتها المهنية، بل “مسؤولية ومساحة دولية إضافية” تستطيع من خلالها خدمة فلسطين، وربط الخبرة الفلسطينية بالنقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية تطويره واستخدامه بصورة مسؤولة وأخلاقية.

وعن تعيينها في هذا المنصب، ترى أنه دور شرفي ومهني داخل هذه الشبكة، ومنصة إضافية لربط الخبرة الفلسطينية بالعالم وجلب المعرفة والشراكات إلى فلسطين.

فضول قادها إلى التكنولوجيا

تقول الضميدي لـ “الحياة الجديدة”: إن أكثر ما بقي ثابتا في شخصيتها منذ البدايات هو الفضول. لم تكن هندسة الحاسوب خيارا مرسوما منذ الطفولة، لكنها جذبتها لأنها تجمع بين المنطق والهندسة والبرمجة وحل المشكلات.

ومع الوقت، لم تعد الأسئلة التي تشغلها مرتبطة بكيفية كتابة البرامج فحسب، بل بما يقف خلفها: كيف تتعامل التكنولوجيا مع البيانات؟ كيف تتعلم الآلة؟ وكيف يمكن أن تتكيف مع احتياجات الإنسان وتساعده على اتخاذ قرارات أفضل؟

هكذا تطورت علاقتها بالبرمجيات والبيانات إلى اهتمام أعمق بالذكاء الاصطناعي، في وقت كان فيه هذا المجال لا يزال بعيدا عن الاهتمام الجماهيري الواسع الذي يحظى به اليوم.

وتقول إن دخولها المبكر إلى المجال منحها فرصة مهمة، إذ بدأت علاقتها بالذكاء الاصطناعي من البحث والأسئلة العلمية، قبل أن يتحول إلى موجة تكنولوجية عالمية.

من فلسطين إلى مانشستر وبرمنغهام

كانت تجربتها الأكاديمية في بريطانيا محطة مفصلية في تشكيل رؤيتها العلمية والشخصية. ففي مانشستر تعمقت علاقتها بالبرمجيات والبيانات والبحث، بينما دفعتها تجربتها اللاحقة في برمنغهام بصورة أكبر نحو التعلم والذكاء الاصطناعي وكيفية تطوير تكنولوجيا أكثر قدرة على فهم الإنسان.

لكن التجربة لم تكن علمية فقط. خارج فلسطين، بدأت تنظر إلى بلدها من زاوية مختلفة؛ رأت ما يمتلكه الفلسطينيون من طاقات، لكنها رأت أيضا الفجوات في الفرص والبحث والبنية التحتية والوصول إلى التكنولوجيا.

ومن هنا نشأ سؤال رافقها لاحقا: كيف يمكن إعادة توظيف ما تتعلمه وتراه في العالم بطريقة تخدم فلسطين؟

لم تعد العودة بالنسبة إليها مجرد استكمال لمسار أكاديمي شخصي، وإنما محاولة لبناء برامج ومؤسسات وسياسات وفرص تجعل المسافة بين الشاب الفلسطيني والفرصة العالمية أقصر.

حين يصبح العلم مشروعا وطنيا

تدريجيا، انتقلت الضميدي من البحث الأكاديمي إلى مساحة أوسع تجمع التكنولوجيا بالقيادة والابتكار وريادة الأعمال.

ومن خلال تأسيس STEMpire والعمل مع منظومة الابتكار والقطاع الخاص، ثم توليها أدوارا قيادية في الجامعة العربية الأمريكية، بدأت تبحث عن الإجابة لسؤال واحد: ماذا يحدث للفكرة بعد خروجها من الورقة العلمية؟

في الجامعة العربية الأمريكية، تولت قيادة كلية العلوم الرقمية، وتشغل اليوم منصب نائب رئيس الجامعة لشؤون الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة العلاقات الدولية.

وهناك، لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع أكاديمي فقط، بل كأداة لإعادة التفكير في التعليم والخدمات والبحث العلمي ومهارات الطلبة.

من تدريب الكوادر إلى إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وبناء مساعدين رقميين، وتطوير منصة  PromptVerse، وتوسيع الشراكات الدولية، تحاول الضميدي تحويل الأفكار إلى ممارسة مؤسسية.

وتلخص رؤيتها بالقول إن القيادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الفكرة، وإنما في تحويلها إلى منظومة تعمل وتترك أثرا.

الاستراتيجية الوطنية.. من الفكرة إلى السياسة

من أبرز المحطات في مسيرتها مشاركتها في تطوير الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية للذكاء الاصطناعي التي أقرت عام 2023.

منذ البداية، كانت ترى أن فلسطين لا تحتاج إلى استنساخ تجارب الدول الأخرى، لأن احتياجات دولة تمتلك بنية تحتية وموارد حوسبة ضخمة تختلف عن احتياجات فلسطين.

لذلك كان السؤال الأهم: ما الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه فلسطين؟

امتد النقاش إلى الحكومة والتنمية والتعليم وبناء القدرات والبحث والتطوير والتشريعات والأخلاقيات والتعاون الدولي، قبل أن يتوسع عملها إلى ملفات جاهزية فلسطين للذكاء الاصطناعي وأخلاقياته وفق منهجية اليونسكو، والسياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.

وبالنسبة إليها، لم تكن الاستراتيجية مجرد وثيقة أقرت عام 2023، بل بداية لمسار وطني طويل.

وترى أن أهم ما تحقق هو نقل الذكاء الاصطناعي من دائرة المبادرات والنقاشات المتفرقة إلى مستوى السياسة الوطنية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما يحدث بعدها.

“لا أريد أن يسمع العالم عن فلسطين فقط”

من هنا تكتسب مهمتها الجديدة لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول أهمية خاصة بالنسبة إليها، المنصب – كما تقول لــ “الحياة الجدديدة”: يضيف إلى عملها شبكة دولية أوسع ومساحة للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالحوكمة والمساءلة والثقة وإدارة المخاطر، لكنه بالنسبة إليها لا يجب أن يتحول إلى اتجاه واحد.

تريد للباحثين والشباب والجامعات ورواد الأعمال الفلسطينيين أن يستفيدوا من هذه الشبكة عبر فرص التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات، لكنها تريد أيضا أن تكون التجربة الفلسطينية جزءا مما يقدمه العالم ويتعلم منه.

وتقول إن فلسطين لديها ما يمكن أن تضيفه في مجالات بناء القدرات والعدالة الرقمية والتعليم وحوكمة التكنولوجيا في البيئات محدودة الموارد.

وتختصر رؤيتها بعبارة تحمل كثيرا من طموحها: “لا أريد فقط أن يسمع العالم عن فلسطين. أريد أن يسمع من الفلسطينيين عندما يتم تصميم مستقبل التكنولوجيا نفسها”.

امرأة فلسطينية في عالم التكنولوجيا

لم يكن الطريق خاليا من التحديات. فقد شعرت في مراحل من مسيرتها بأنها مطالبة بإثبات نفسها بصورة مضاعفة؛ كامرأة تدخل مجالا تقنيا كان يهيمن عليه الرجال، وكفلسطينية تدخل مساحات أكاديمية ومهنية دولية. لكنها لا تفضل أن تبني قصتها على العوائق.

مع الوقت، تعلمت أن أفضل طريقة لإثبات الذات هي العمل والنتيجة؛ أن تتحدث السياسة التي ساهمت في تطويرها، والبحث الذي نشرته، والبرنامج الذي أتاح فرصة لآخرين. وربما لهذا السبب أصبح تمكين النساء والشباب جزءا أساسيا من رؤيتها.

وترى أن المشكلة لا تكمن في قدرات النساء الفلسطينيات، وإنما في الفرص والشبكات والثقة والوصول إلى التمويل ومواقع صنع القرار.

وبالنسبة إليها، فإن زيادة حضور النساء في الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قضية مساواة، بل ضرورة لبناء تكنولوجيا أكثر عدالة؛ إذ إن الفرق التي تصمم التكنولوجيا يجب أن تعكس تنوع المجتمعات التي ستستخدمها.

إلى الفتاة التي تحلم بالتكنولوجيا

وللفتاة الفلسطينية التي تحب التكنولوجيا ولا ترى أمامها نماذج نسائية كثيرة في مواقع القيادة، توجه الضميدي رسالة -عبر “الحياة الجديدة”- تبدو أقرب إلى خلاصة تجربتها الشخصية: “لا تنتظري أن تري نموذجا مطابقا لك حتى تبدئي. ربما أنت النموذج الذي ستراه فتاة أخرى بعد خمس سنوات”.

تدعوها إلى التعلم وبناء المشاريع والمشاركة في المسابقات واقتناص الفرص، حتى عندما لا تشعر بأنها تستوفي كل الشروط، وإلى ألا تضع سقفا جغرافيا لطموحها. مكان الانطلاق، كما ترى، يمكن أن يكون جزءا من القصة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حدود للمستقبل.

النجاح ليس نهاية الطريق

رغم التكريمات التي حصلت عليها، ومن بينها لقب المرأة الأكثر تأثيرا في فلسطين، لا تنظر الضميدي إلى الجوائز باعتبارها نقطة وصول، بالنسبة إليها، هناك فرق بين النجاح والتأثير. النجاح قد يكون شهادة أو منصبا أو جائزة، أما التأثير فهو أن يصل ما تقوم به إلى الآخرين وأن يغير شيئا خارج حدود مسارك الشخصي. ولهذا فإن كل تكريم، في نظرها، يطرح سؤالا جديدا: ماذا ستفعل بهذه المساحة بعد ذلك؟

حتى الإخفاقات لم تكن خارج هذه المعادلة. تقول إنها لا تؤمن بالسيرة الذاتية المثالية، لأن خلف كل فرصة ظهرت فيها فرص أخرى لم تحدث، ومشاريع لم تكتمل، وأبوابا أغلقت. لكنها تعلمت ألا تربط قيمتها بقرار شخص أو مؤسسة، وأن بعض التجارب الصعبة تمنح الإنسان وضوحا لا يمنحه النجاح. وتقول إن المرونة والقدرة على البدء من جديد ربما كانتا من أهم المهارات التي صنعت مسيرتها، وربما أهم من الذكاء نفسه.

من “المستخدم” إلى “الشريك”

تطمح الضميدي إلى أن تنتقل فلسطين في علاقتها بالتكنولوجيا من موقع المستفيد إلى موقع الشريك، وترى أن امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، والعمل على أخلاقياته وحوكمته، وتطوير البرامج التعليمية والبحثية، ووجود خبرات فلسطينية في الداخل والخارج، كلها خطوات يمكن البناء عليها.

لكن المعركة الحقيقية، في نظرها، هي تحويل رأس المال البشري الفلسطيني إلى شركات ومنتجات وبحوث وملكية فكرية وفرص عمل.

وترى في الذكاء الاصطناعي مجالا يمكن أن يفتح لفلسطين نوعا جديدا من الحضور الدولي، عبر ما تسميه طالدبلوماسية العلمية والمعرفية”، باحث فلسطيني يشارك في بحث عالمي، أو جامعة تقود مبادرة نوعية، أو شاب يبني منتجا قادرا على المنافسة، يمكن أن يكون جزءا من الحضور الفلسطيني في العالم، إلى جانب الدبلوماسية الرسمية.

الحلم الأكبر.. فلسطين التي تنتج التكنولوجيا

وراء كل هذه الأدوار، يبقى حلم الضميدي أبعد من منصب أو جائزة. تريد أن ترى فلسطين منتجة ومصدرة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستهلكة لهما، وتتطلع إلى بناء منظومة فلسطينية متكاملة تربط الجامعات والحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال والباحثين في الداخل والشتات، وتوفر بنية تحتية للبيانات والحوسبة، ومختبرات للبحث والتطوير، وبرامج للمواهب، ودعما للشركات الناشئة، وتطبيقات للذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الحكومية، إلى جانب إطار قوي للحوكمة والأخلاقيات.

وتريد أن يكون الشباب والنساء واللغة العربية والسياق الفلسطيني جزءا أساسيا من هذه المنظومة. وتقول: إن اللبنات الأولى موجودة بالفعل: استراتيجية وطنية، جامعات تتحرك، قطاع خاص يزداد اهتماما، وتجارب مؤسسية وشبكة من العلماء والمهندسين والخبراء الفلسطينيين حول العالم. ما ينقص، برأيها، هو ربط هذه النقاط ببعضها.

وعندها، لن يكون السؤال كيف تلحق فلسطين بثورة الذكاء الاصطناعي، وإنما: ما الذي تستطيع فلسطين أن تضيفه إلى هذه الثورة؟

ذلك هو الحلم الذي تختصر فيه الضميدي مسيرتها؛ أن تتحول المعرفة التي بدأت يوما بفضول شابة فلسطينية تجاه التكنولوجيا إلى فرصة أوسع لبلد كامل، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة تثبت فيها فلسطين أن محدودية الموارد لا تعني محدودية القدرة على الابتكار.




العودة المؤجلة مجددا إلى مخيم جنين

عبد الباسط خلف- يحصي الخمسيني محمد إبراهيم الأيام التي باتت تفصله عن مخيم جنين، ويقول بصوت منهك لـ”الحياة الجديدة” إنه أخرج من بيته وسط المخيم، قبل سنة واحدة، وسبعة أشهر، و5 أيام، وهي ما تعادل 582 يومًا، و83 أسبوعًا، و19 شهرًا.

ويتابع شأنه كنحو 20 ألف نازح ما نشرته أمس صحف إسرائيلية عن إبلاغ دولة الاحتلال، لما تسمى “المحكمة العليا” هذا الأسبوع، بأن الجيش متمسك برفضه السماح لسكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس بالعودة إلى منازلهم، فيما للحفاظ على ما أسماها “السيطرة العملياتية في المنطقة على المدى الطويل.”

ويؤكد محمد أنه كان يأمل بالعودة إلى المخيم، بالرغم من الدمار الذي حل بعدد كبير من المباني والطرقات والبنية التحتية.

ويرسم الناشط في اللجنة الشعبية للخدمات، علاء جبر لـ”الحياة الجديدة” خارطة النزوح، إذ أجبر الاحتلال 2964 عائلة على النزوح، بينها 640 لجأت إلى منطقة السكنات المجاورة للجامعة العربية الأمريكية، وبحثت 1400 عائلة عن مأوى داخل احياء المدينة: البلدة القديمة، وخروبة، والحارة الشرقية، وجبل أبو ضهير، والبساتين، والزهراء، وحرش السعادة، والمراح، وشارع نابلس.

ويشير إلى أن نحو 800 عائلة تقيم في البلدات والقرى المجاورة: برقين، وقباطية والزبابدة، وكفر دان، واليامون، وعرانة، وفقوعة، ودير أبو ضعيف، وغيرها.

ولم يسمح الاحتلال لأهالي المخيم من العودة إلى بيوتهم، إلا على فترتين ولمجموعات صغيرة من النساء، ووسط قيود مشددة، ولوقت قصير.

وواكبت “الحياة الجديدة” في الثالث عشر من نيسان 2026 إعلان الاحتلال السماح لـ 120 مواطنة بالدخول إلى منازلهن لوقت قصير، وإحضار ما تيسر لهن من مقتنيات.

ووقتها تحول مدخل جانبي ضيق إلى “بوابة للأمل”، كما قال لسان حال أم موسى، التي بينت أن الحنين إلى البيوت لا ينطفئ.

ويومها انعكست صور الحاضرين على مرآة دائرية، وضعت سابقا لتنظيم المرور، لكنها اليوم تجمع في إطارها النازحين، وأمتعتهم، ودوريات الاحتلال، والهلال الأحمر، وعدة مجندات تقابلهن عشرات النساء، وحشد من الإعلاميين.

وكان من بين الذين حاولوا العودة السبعيني أسعد عويس، الذي تلازمه الإعاقة، وأقام بيته فوق دونمين عام 2017، وأسس متجرا بثلاثة أبواب قبل وقت قصير من العدوان الواسع، وعندما أجبر على النزوح، لم يأخذ غير بطاقته الشخصية، وترك كل شيء خلفه: منزله، وتجارته.

ويشعر أهالي المخيم بمرارة فقدان منزلهم ومتاجرهم، وانتقالهم إلى بيوت مؤقتة.

وأقيم مخيم جنين خلال شتاء 1950 القاسي، الذي غير موقعه من (مخيم جنزور)، الذي يبعد 6 كيلومترات جنوب شرق جنين، إلى مكانه الملاصق للمدينة.

ويضم المخيم مهجرين من 59 مدينة وقرية مدمرة في مناطق جنين والناصرة وحيفا، ويمتد على 374 دونما، قدمت جزءًا كبيرًا منها عائلة الأسير، التي أقام جدها أول مستشفى في المدينة قبل نكبة 1948.

وقالت النازحة عبلة الرخ، في مناسبة سابقة، إن الوصول إلى بيتها في حارة الحواشين، أشعل في قلبها النار، بعد تحول منازل عائلتها وجيرانها إلى كومة ركام.

وأفادت “الحياة الجديدة” بأنها كانت تقيم في بناية كبيرة رفقة أولادها: علي، ورياض، ومهند، إضافة إلى 14 حفيدا، لكنها اليوم تتوزع على 3 مواقع في إسكانات الجامعة.

وروت بألم، مشاهد الدمار الكبير في المخيم، الذي تغيرت معالمه، وبالكاد تمكنت من إحضار بعض المقتنيات من محيط منزلها الذي أصبح كومة ركام.

ووصفت خسارة البيت بـ”القاسية جدا”، فقد كان بالنسبة لها كل شيء، لكنها شاهدت أيضا عشرات البيوت، التي ما زالت صامدة.




“صحافيات صغيرات” يعدن إلى جنين

 تأخذ 19 زهرة مواقعهن في قاعة مستطيلة في قلب جنين، خلال يوم تدريبي طويل من مخيمهن الصيفي الإعلامي البيئي الحادي عشر “صحافيات صغيرات”.

وتتنافس اليافعات على تدوين ملاحظات حول أساسيات الذكاء الاصطناعي، وأصول التصوير الصحافي، وقواعد المساءلة المجتمعية، وقواعد التحرير الصحفي، وأصول التصميم، واشتراطات اللغة.

وتشرع خريجة تكنولوجيا الإعلام، جنان قطمش، التي سبق أن كانت قبل عامين متدربة في مخيمي «صحافيات صغيرات» السابع والثامن، في تدريب الفتيات على أصول الصورة، وقواعد صحافة الموبايل، وأساسيات اللقطات.

وتسرد للزهرات أهمية المخيم في صقل شخصية اليافعات، خاصة أنه تفاعلي، ويشكل إضافة نوعية، ويقدم للمشاركات فرصة ممارسة تطبيقات عملية في الصحافة وفنونها.

وتتناوب اليافعات على الاستماع إلى إرشادات جنان، الحاصلة على المركز الأول في كلية الآداب بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، فترسم لهن خارطة طريق لالتقاط صورة مهنية ببراعة وسهولة.

وتواظب على التدريبات الإعلامية المكثفة كندة هيجاوي، وسديل طوالبة، ومرح صوالحة، وبيسان تركمان، ورغد ورفيف خلوف، وسونيا أبو الرب، وريماس كيلاني، وزين قرعاوي، وريماس بزور، وإيلين وميار ضبايا، ومنال صلاح، ونوال منصور، ولميس وزينة ومنة عبيدي، وألما عياش، ولور أبو السباع، ولونا قدورة، اللواتي يمثلن المدينة ومخيمها وأجزاء من ريفها الغربي.

ويوفر المخيم تدريبات مكثفة، وتقف على رأسه الهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات، ومركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، بالشراكة مع الجامعة العربية الأمريكية، وشركة التكافل للتأمين.

وتفتتح رئيسة مجلس إدارة «الهيئة الاستشارية»، الإعلامية فرحة أبو الهيجاء، المخيم، رفقة مدير الهيئة أحمد أبو الهيجاء، ومؤسس مبادرة «صحافيات صغيرات» الزميل عبد الباسط خلف، وأستاذ الإعلام الرقمي في الجامعة العربية الأمريكية محمود خلوف.

وتقول إن المخيم يشكل استثناءً عن المخيمات الأخرى، من حيث مضمونه، ونوعية المشاركات فيه، وأهدافه التي ستتوج بمخرجات عملية تتلمس هم جنين ووجع مخيمها ومحنة ريفها.

وتشير أبو الهيجاء إلى أهمية تأهيل اليافعات على المفاهيم الإعلامية، وصناعة التأثير في محافظة تتعطش لمن ينقل قهرها وقصص حياتها، ويواكب عدوانها.

ويسترد الزميل خلف بدايات مبادرة «صحافيات صغيرات»، التي انطلقت من طوباس والأغوار الشمالية عام 2013، وعادت إلى جنين، فيما سبقتها مبادرة «الإذاعيون الصغار» عام 2000، التي أطلقتها وزارة الإعلام سابقًا.

ويختزل مخرجات المخيمات، التي عبرت عنها نحو 170 يافعة، في قصص إخبارية، وومضات إعلامية، وفيديوهات، وحوارات مع مسؤولين، وجولات على مؤسسات إعلامية، ومسارات بيئية.

ويؤكد خلف أن المبادرات خرّجت 4 صحافيات ومؤثرات، شققن طريقهن في الإعلام المحلي والعربي، بينهن ربى عياش، وعزة زعرور، وجنان قطمش، وبيلسان ضبابات.

ويلخص أبو الهيجاء أهمية المساءلة في العمل الصحافي، باعتبارها صوت الناس ومرآة همومهم، وبصفتها مهمة تمنح المؤسسات فرصة للسير في نهج الشفافية، وتنقل للمواطنين حقهم في الحصول على المعلومات.

ويواكب مع الصغيرات الخطوات الواجبة في صحافة تدافع عن المواطنين، وتمارس عملها بمسؤولية، وتتفادى السير خلف الشائعات، وتضع النقاط على الحروف.

ويقسم أبو الهيجاء الصغيرات إلى 4 مجموعات، تتقمص كل ممثلة فريق منهن جهة رسمية، وتعكف الأخريات على صياغة أسئلة تتصل بالعمل العام، وتتوقع الإجابات التي يمكنهن سماعها.

وينقل خلوف لليافعات محاذير الذكاء الاصطناعي، ويشرح لهن أخلاقياته، ويواكب لهن فنياته الأحدث، وطرق تطويعه في العمل الإعلامي، وينبههن إلى أخطاره بصفته «سلاحًا بحدين».

ويسبر للصغيرات غور البرامج الهائلة التي يمكن توظيفها في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع الحرص على أخلاقيات الاقتباس وأمانة التوثيق.

ويتناوب المصور في تلفزيون فلسطين، صخر زواتية، ومديرة تلفزيون الضفة التفاعلي، ميرا أبو عودة، على تلخيص قواعد التصوير ولقطاته وزواياه وكادره، وتتقمص اليافعات دور المراسل والمصور والضيف، ويجرين مقابلات افتراضية، ويدوّنّ ملاحظات حول نقاط ضعف المشاهد وقوتها.

ويستعد المخيم لاستضافة رئيس بلدية جنين محمد جرار، ورئيس مجلس فقوعة بركات العمري، ومدير مستشفى جنين الحكومي وسام بكر، ومدير عام التربية والتعليم طارق علاونة، والمديرة العامة لوزارة الأشغال العامة ميسون أبو بكر.

ويقول المشرفون إن «صحافيات صغيرات» استضاف طوال 10 أعوام سابقة وزير الصحة جواد عواد، ومحافظ جنين أكرم الرجوب، ومحافظَي طوباس والأغوار الشمالية، المرحوم ربيح الخندقي ويونس العاصي، ورئيس بلدية طوباس حسان مجلي، ومدير شرطة طوباس المرحوم سائد عساف، ورئيس تحرير شبكة معًا ناصر اللحام، وقد عُرضت مخرجات المخيمات السابقة في جامعة الدول العربية، والهيئة العربية للبث الفضائي، من خلال وزارة الإعلام سابقًا.

ويشيرون إلى أنه سيشمل إحاطات حول مفاهيم بيئية أساسية، وإطلالة على مهارات الكتابة الإبداعية، وفنون التقرير التلفزيوني، وإضاءات على مهارات التصوير الصحافي والتلفزيوني، وأصول الكتابة الخبرية.

كما سيمنح اليافعات إضاءات حول التحديات البيئية في فلسطين، وصحافة الموبايل، وسيستضيف بيلسان ضبابات، وهي خريجة إعلام رقمي شاركت في «صحافيات صغيرات» سابقًا.

ويؤكد المنظمون أن المخيم سيتوج بتسجيل «بودكاست» وومضات مرئية ومسموعة حول قضايا الإعلام، والبيئة، والمساءلة المجتمعية، والذكاء الاصطناعي، بالشراكة مع الجامعة العربية الأمريكية وإذاعتها.

ويوضحون بأنه سيقدم نتاجات الصحافيات الصغيرات المكتوبة والمسموعة والأعمال البصرية والصور، خلال حفل تخريج مُصغّر.

ويشير مركز التعليم البيئي إلى أن الدمج بين الإعلام والبيئة ضرورة ملحة، باعتبار الإعلام حجر الزاوية للتوعية، ولأهميته في نقل رسائل التوجيه والإرشاد وتطوير السلوك الصديق للبيئة، وصولًا إلى مناقشة التحديات التي تواجهها، والإطلالة على قضايا التنوع الحيوي، والتغير المناخي، والعدالة البيئية، وغيرها.

ويشدد المركز، الذي تأسس قبل 40 عامًا، على أن «صحافيات صغيرات» أنتجن في التجارب السابقة أفلامًا وثائقية قصيرة حول العطش في الأغوار، والزراعة في سهل الكفير، والوعي البيئي في جنين وطوباس، بالإضافة إلى أهداف الألفية الإنمائية 2023، التي عُرضت في القاهرة وعمان، كما شاركن في مسارات بيئية، وزرن عدة مواقع بيئية، منها حديقة المركز للتنوع الحيوي، ومحطة طاليثا قومي لمراقبة الطيور وتحجيلها، وقرية بتير، وقصر هشام، ومحمية سيريس، ومحطة تحجيل مرج ابن عامر الموسمية، وعدة مواقع في الأغوار الشمالية.




قصرة.. أرواح تحرس التراب في أيام الوجع

 بشار دراغمة- في قصرة، حيث يلامس الجبل السماء كأنه يحاول الفرار من ثقل الأرض، يتواصل الوجع منذ أيام كأنه لا يعرف نهاية، هناك في جبل رأس العين، تحبس عائلات داخل منازلها كأنها حكايات قديمة حبست بين جدران الزمن، والطريق إليها مغلق بخيام المستوطنين وبأوامر جنود الاحتلال، والكهرباء انقطعت، والماء جف، والصوت الوحيد الذي يصل هو صوت الصمت الذي يصرخ.

هكذا تكتب الحكاية في قصرة، منازل تحبس، وعائلات تنظر إلى بيوتها كأنها مرايا بعيدة، ورئيس بلدية يصرخ في الفراغ الدولي، ونساء يحملن الوجع كإرث يومي، وأطفال يتعلمون أن الجدران قد تكون سجنا والطريق قد يكون حلما.

الأرض هناك لا تنسى، والوجع لا ينتهي، والحكاية تستمر، كأنها تنتظر أن يكتب لها فصل آخر من الصمود أو من الرحيل.

بدأت الحكاية الأسبوع الماضي حين أقبل المستوطنون كظلال سوداء على التلة، فنصبوا خيمة في باحة المنازل، وأغلقوا الطريق، وقطعوا ما بقي من حياة.

عدة عائلات، صارت سجينة جدرانها، نحو خمس عشرة نفسا، بينهم طفلان صغيران، ينظرون من النوافذ إلى أرضهم التي صارت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

رقية حسان، التي تترك صوتها يتسلل كريح خفيفة بين الكلمات، تقول وهي تنظر إلى بيتها من بعيد: “البيت هناك أمامي، لكن لا أصله” زوجها يوسف داخل الجدران، وهي خارجها، وجنود الاحتلال يجلسون في بيتها ويحولونه ثكنة، والمستوطنون يدورون حوله كأنهم يرسمون حدودا جديدة للذاكرة.

 تحاول الوصول مرة بعد مرة، مع متضامنين جاءوا يحملون الماء والطعام، فيردون، تقول: “شعور سيئ أن أرى بيتي ولا أستطيع الوصول إليه، بينما من لا حق لهم يجلسون فيه”.

المواطن إبراهيم حسن أحد أبناء العائلات التي طالها الحصار والمضايقات الشديدة قرب جبل رأس العين، وهو يدفع دم قلبه وتعب سنين طويلة على بيته.

ينظر حسن إلى إلى الجدران التي صارت أقرب إلى السجن منها إلى المأوى، ويحكي بصمت الجسد أكثر مما تقوله الكلمات عن سنوات العمر التي ذابت في حجارة هذا المنزل، المشهد لا يحتاج إلى تعليق كثير فهو يلخص وحده كيف يتحول البيت من ملاذ إلى هدف، وكيف يختزل الإنسان إلى شاهد على ما يسلب منه أمام عينيه.

ويتحدث محافظ نابلس غسان دغلس عن قصرة التي تنهش ليل نهار، وعن جالود التي سبقتها، وعن كل زاوية في هذه الأرض التي صارت مسرحا يوميا لتجريف وحرق واقتحام وترويع.

يقول دغلس إن المحتل ومستوطنيه يظنون أن الحصار يخنق الأنفاس والترهيب يكسر العزيمة، لكنهم نسيوا أن فلسطين ليست مدنا وقرى متناثرة، بل جسد واحد يضيء دروب أبنائه بالكرامة.

ويدعو دغلس إلى أن يكون البقاء في الأرض هو المقاومة الحقيقية، وأضاف: “يجب أن نزرع أنفسنا في كل شبر كما تزرع الأشجار في الصخر، وأن نجعل من وحدتنا درعا ومن تكافلنا حضنا لكل متضرر.

ويؤكد أن صاحب الحق لا يهزم، وأن الأرواح في قصرة تحرس التراب وتحرس حلم الأطفال، وأن أبناء هذه المحافظة سيظلون حراسها، لا تراجع في خطوتهم ولا اندثار في حضورهم.

أما رئيس البلدية عبد العظيم الوادي، فيقف كشاهد على الحكاية كلها، صوته لا يرتفع كثيرا، لكنه يثقل الكلمات بوزن الحقيقة، يقول إن الاحتلال بمئات الجنود، فرض قيودا على الحركة، وأخلى نحو عشر عائلات أو أكثر، واستولى على عدة منازل وحولها إلى ثكنات عسكرية. مضيفا “المستوطنون يجولون في المنطقة بينما أصحاب الأرض طردوا”.

يطالب الوادي بتدخل دولي عاجل، ويحمل الاحتلال المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة، مضيفا “يكفي صمتا”. ويصف الوضع بأنه حالة طوارئ، والبلدية عاجزة عن توفير الدواء والماء والغذاء كما يجب.

ويحذر من أن التصعيد يهدف إلى التوسع الاستيطاني على حساب الأرض، وأن جيش الاحتلال “يقتل الوقت لصالح المستوطنين” بينما يستطيع إنهاء الأمر في ربع ساعة لو أراد. ويذكر بأن قصرة فقدت شهداء، وأن العائلات المحاصرة محرومة من أبسط الخدمات، وأن الطريق الوحيد مغلق.

وفي مفارقة غريبة تلخص المأساة كلها، تصل وفود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمتطوعين إلى أطراف المكان المحاصر، يحملون زجاجات الماء وعلب الطعام كأنها حلول عاجلة لجوع مؤقت. يقفون على بعد خطوات من المنازل، يمدون أيديهم بالإغاثة، بينما أصوات المحاصرين لا تطلب شربة ماء، بل تطلب رحيل المستوطنين أنفسهم.

ويرى أهالي قصرة أن الإغاثة تأتي كضمادة على جرح مفتوح، أما المطلب الحقيقي فهو أن ترفع اليد التي تمسك بالسكين، فالناس هنا لا يسألون عن لقمة تمنح، بل عن حق يستعاد.