1

بطيخ جنين يعود إلى الواجهة

عبد الباسط خلف- يتابع المزارع الثمانيني أحمد الشيخ إبراهيم، إعادة بلدية جنين نصب بطيخة معدنية ضخمة، في أطراف المدينة، عقب أكثر من عام على تدمير جرافات الاحتلال لها.

ويسترد الشيخ إبراهيم، حكايات البطيخ الذي كان يصبغ حقول جنين، وبكميات كبيرة، ليشق طريقه إلى أسواق الأردن الخليج العربي.

ويقول بابتسامة لطيفة إن جنين كانت مضرب مثل في زراعة هذه الفاكهة، لكنها اليوم تصدر للعالم صورة معدنية لثمرة بطيخ كبيرة.

ويتمنى الشيخ إبراهيم، لو زرعت البلدية ثمار بطيخ حقيقة، في قلب الدوار بدلا من وضع ثمرة معدنية، حتى تكون قادرة على الإزهار والثمار، والنمو الدائم.

ويؤكد مدير الإرشاد في مديرية زراعة جنين، جواد زكارنة لـ”الحياة الجديدة” أن جنين كانت مشهورة بزراعة البطيخ حتى أواسط الثمانينيات، لكن هذا المحصول أفل نجمه بفعل أمراض التربة وشح المياه.

ويبين عدم وجود إحصاءات دقيقة عن حجم المحصول نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، لكنه كان يصدر إلى الأردن ومنها خارج فلسطين.

ويشير زكارنة إلى أن حجم الأراضي المزروعة اليوم في جنين، لا يتجاوز 300 دونم، في حقول مرج ابن عامر، معظمها مطعمة على أصول نبات القرع.

ويسترجع المزارع الستيني علي قصراوي، الذي كان والده المرحوم محمود، أو أبو عمر كما ذاع صيته، أحد أشهر منتجي البطيخ في محافظة جنين كلها.

ويوضح أن المحافظة كانت تزرع قرابة 50 ألف دونم، غالبيتها في سهلي مرج ابن عامر وعرابة، وجزء منها خصص للشمام، و16 منها في بلدة برقين.

ووفق قصراوي، فإن زراعة البطيخ بدأت في جنين عام 1978، واستمرت حتى عام 1985، وشهدت فترات مد وجزر، وكانت تصدر إلى الأردن، ومنها تنقلها شركات ومقاولون إلى معظم الدول العربية، خاصة الخليج.

ويشير إلى أن ثمار البطيخ كانت تتجاوز 17 كيلو للواحدة، بينما كانت تنقل الكميات الضخمة إلى الأردن بشاحنات زرقاء ضخمة، يجري وضع طبقة قش فيها، حرصا على سلامة الثمار شهية المذاق.

ويستذكر قصراوي أن أجرة النقل كانت باهظة، وتصل قرابة 600 دينار، وتشهد منافسة كبيرة، في حين كان الشمام ينقل بصناديق خشبية، مصنوعة من خشب السرو.

ويفيد بأن الأرض كانت خالية من الأمراض، ولديها قدرة على إنتاج ثمار تزن 10 كيلو غرامات، دون ري.

ويقول قصراوي، الذي ورث مهنة الفلاحة عن والده، إن كبار مزارعي البطيخ في سنة الموسم الأخيرة، تعرضوا لخسائر كبيرة، أودت بحياة أحدهم بنوبة قلبية حادة، وأجبر آخرون على بيع مصاغ زوجاتهم.

ويؤكد السائق صهيب ضميري، أنه عمل على إحدى مركبات نقل البطيخ، لكن لتحميل منتجات وأدوات زراعية أخرى.

ويبين أن المركبات كانت من طراز (مرسيدس)، ومصنوعة عام 1958، وكانت تستوعب 12 طنا، وتحتاج قرابة 6 ساعات للوصول إلى عمان، وتشهد منافسة للحصول على دور لبدء التحميل.

ويؤكد أن من بين الذين ذاع صيتهم في امتلاك مركبات نقل البطيخ، مستهل عام 1980 برهان ونور عموص، من طولكرم.

ويفيد الخبير التنموي، مازن غنام، الذي وقف على إدارة جمعية التسويق الزراعي، بأن الجمعية كانت حلقة الوصول التي توزع تصاريح التصدير الأردنية على مزارعي البطيخ، حتى تشق طريقها إلى الضفة الشرقية.

ويقول إن زراعة البطيخ تشبه المحاصيل الأخرى، لكنها بحاجة إلى سياسات حماية حتى تستطيع المنافسة والاستمرار والتطور.

ويشير إلى أن الكثير من المعادلات تغيرت أمام مزارعي البطيخ وسواهم، كالتربة، ونوعية البذور، والأسمدة، وتكاليف مياه الري ووفرتها، وطبيعة الأسواق، ووجود السلع المنافسة من عدمه، وثقة المستهلكين، وطريقة التسويق والعرض.

ويبين غنام وجود فجوة عميقة في “الفكر الثقافي” نحو الزراعة والأرض والاهتمام بها، والإقرار بأهميتها، والسعي لحمايتها ودعمها وتطويرها.

ويشير تاجر الخضراوات والفواكه عمر خلوف إلى أن ثقافة المستهلكين تميل حاليا إلى البطيخ دون بذور، بخلاف الأصناف البذرية المزروعة في حقول مرج ابن عامر، والتي لا تحظى بإقبال كبير، رغم جودة طعمها.

ويؤكد الخمسيني عماد شهاب أنه زرع قبل 3 سنوات قرابة 90 دونما، كلفه الدونم الواحد 4 آلاف شيقل على الأقل، غير أنه لم يجد أسواقا بسبب منافسة بطيخ الاحتلال لمنتجه، الذي باعه بأثمان زهيدة.

ويفيد بأن الدونم الواحد بوسعه إنتاج قرابة 10 أطنان، حال نجاحه، لكن ما يزرع محليا يعجز اليوم عن تلبية الاحتياجات، ويتطلب هذا الصنف حتى يقف على قدميه الدعم وحماية الأسواق من إغراقها ببطيخ الاحتلال.

ويصف نائب رئيس الغرفة التجاري، وعضو البلدية، مصطفى قنيري، في مقطع مصور غبر مواقع التواصل، أن إعادة دوار البطيخة، يشكل بداية عودة لمعالم جنين، بمجهود أهلها وبمبادرة من شركة المراح ومدير التصنيع فيها غسان الجلبوني.

ويقول: دوار البطيخة هو البداية، ونأمل أن نستمر في الإعمار حتى يكتمل المشهد.

ويرى المعلم محمد إبراهيم، بأن اختيار بطيخة كبيرة الحجم، لتكون إحدى رموز جنين، ليست موفقة، لتقلص حجم الأراضي الزراعية بفعل الزحف العمراني، ولاختفاء هذا النوع من المحاصيل، أو إنتاجه على نطاق ضيق.




بؤرة استيطانية جديدة في كفر راعي

-عبد الباسط خلف- وثقت بلدية كفر راعي إقامة الاحتلال لبؤرة استيطانية في منطقة القرين، شمال البلدة الواقعة جنوب جنين.
وأكد رئيس بلدية البلدية، لؤي الشيخ إبراهيم لـ”الحياة الجديدة” أن الاحتلال لم يعلن عن إقامة البؤرة، في جبل أبو الشوارب، لكن طواقم البلدية كشفت عنها، اليوم الأربعاء.
وحسب الشيخ إبراهيم، فإن البؤرة مقامة على تخوم أراضي البلدة، المصنفة (ب)، لكن المصادرة في منطقة (ج)، وقريبة من مستوطنة “دوتان”.
وبين أن المجلس رصد خيمة كبيرة أقامها الاحتلال، إلى جانب خيمة أخرى كان مستوطنون ينصبونها، إضافة إلى آثار تجريف، ووجود مركبة دفع رباعي صغيرة في المكان.
وتمتد المساحة المهددة بأكثر من 150 دونمًا مملوكة لمواطنين من عائلة أبو الشوارب، وتبعد قرابة 4 كيلو مترات من مركز البلدة.
وأفاد الشيخ إبراهيم بأن الاحتلال يمنع منذ نحو 5 سنوات المواطنين من الوصول إلى أراضيهم في المنطقة، ورفض هذا العام دخولهم لتنظيف الحقول؛ خشية اشتعال الحرائق، بفعل إغلاقها في وجه أصحابها.
وقال إن موقع البؤرة الحالي شهد هجمة احتلالية، أسفرت عن اقتلاع زيتونها قبل قرابة 3 سنوات، الذي غرسه الأهالي، واعتاد مستوطنان اثنان على التواجد فيها، والاعتداء على المواطنين والمزارعين.
وذكر رئيس البلدية أن جيش الاحتلال أصدر العام الماضي تصاريح لمزارعي المنطقة؛ لقطف زيتونهم خلال 5 أيام، لكنه سرعان ما تراجع، ولم يسمح إلا بيوم واحد.
وتوقع الشيخ إبراهيم أن تكون البؤرة زراعية، بالنظر لمساحاتها الواسعة، ووجود مستوطنتين قيد الإنشاء واحدة في بلدة عرابة، والثانية قبالة النزلة الشرقية، بمحافظة طولكرم.
وأفاد بأن جبل أبو الشوارب والمناطق المجاورة، مستهدفة على نطاق واسع، وسبق أن أصدر الاحتلال، قبل نحو 8 أشهر، أوامر وضع يد في الأراضي الممتدة بين البلدة ويعبد وعرابة، دون أن يعلن بشكل مباشر عن منطقة جبل أبو الشوارب.
وحسب الشيخ إبراهيم، فإن المجلس يستعد غدا الخميس لعقد جلسة طارئة لتباحث التصعيد الاحتلالي، ولبدء التواصل مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وجهات قانونية أخرى.




إسراء شوابكة تبتكر أملاً جديدًا لإنقاذ النساء من سرطان الثدي

من حلم مدرسي إلى براءة اختراع

عبير البرغوثي- في أحد أزقة مخيم الفوار جنوب الخليل، حيث تضيق الإمكانيات وتتسع الأحلام، تجلس الطالبة إسراء شوابكة (18 عاماً) منشغلة بفكرة تؤمن أنها قد تُحدث فرقًا في حياة آلاف النساء. طالبة السنة الأولى في الكلية الجامعية للعلوم التربوية لم تنتظر مختبرًا متطورًا ولا دعمًا سخيًّا لتبدأ رحلتها، بل انطلقت من قناعة بسيطة مفادها أن الإرادة قادرة على صناعة المستحيل، حتى داخل مخيم يفتقر إلى أبسط المقومات العلمية.

بدأ شغف إسراء بالابتكار منذ الصف التاسع في مدرسة بنات الفوار الأساسية الأولى، حين كانت تبحث دائماً عن حلول عملية لمشكلات يعيشها المجتمع، وخصوصاً القضايا الصحية والإنسانية. تستذكر خلال حديث خاص لـ “الحياة الجديدة” بداية الفكرة وتقول: “فكرة اختراع جهاز للكشف المبكر عن سرطان الثدي جاءت بعدما لاحظت حاجة النساء إلى وسيلة بسيطة وآمنة تساعدهن على إجراء الفحص الذاتي بسهولة داخل المنزل، بعيداً عن التعقيدات أو الخوف المرتبط بالإجراءات الطبية التقليدية”.

اختارت إسراء التركيز على سرطان الثدي تحديدًا لأنه، من أكثر الأمراض انتشاراً بين النساء، ولأن الكشف المبكر يرفع بشكل كبير فرص العلاج والشفاء. ومن هنا بدأت رحلة طويلة من البحث والتجارب لتطوير جهاز يعتمد على آلية ضغط تساعد المرأة على اكتشاف أي تغيرات أو كتل غير طبيعية بطريقة أكثر سهولة ودقة أثناء الفحص الذاتي.

وترى الشابة الفلسطينية أن ما يميز ابتكارها أنه لا يعتمد على الأشعة أو الأجهزة المعقدة، بل يقدم وسيلة آمنة وبسيطة يمكن استخدامها في أي وقت ومن أي مكان. وتوضح أن الجهاز يقوم على تصميم ميكانيكي مبتكر، لكنها تسعى حاليًّا إلى تطويره بتقنيات أكثر تقدمًا تتيح مستقبلاً التمييز بين أنواع الكتل المختلفة، بما يساعد النساء على متابعة التغيرات التي قد تطرأ على أجسادهن بصورة شهرية ودقيقة.

وتؤمن إسراء بأن المرأة بحاجة إلى وسائل حديثة أكثر فاعلية للفحص الذاتي، مشيرة إلى أن بعض الدراسات العالمية تحدثت عن محدودية فاعلية الفحص اليدوي التقليدي وحده، وهو ما دفعها للتفكير بجهاز يمنح النساء شعورًا أكبر بالأمان والطمأنينة.

رحلة تطوير المشروع لم تكن سهلة. فقد استغرق تحويل الفكرة إلى نموذج أولي وقتاً طويلاً من البحث والتجريب والتعديل المستمر، ولا تزال التجارب متواصلة حتى اليوم. ورغم أن النتائج الأولية كانت مشجعة، إلا أن الطريق بقي مليئًا بالعقبات، وعلى رأسها نقص الإمكانيات التقنية وصعوبة الوصول إلى المختبرات والأدوات المتخصصة.

وتقول إسراء إن غياب البيئة العلمية المناسبة يشكل عائقًا حقيقيًّا أمام المبتكرين الشباب في فلسطين، لأن كثيرًا من الأفكار تبقى حبيسة الورق بسبب نقص الدعم والتمويل وعدم توفر المختبرات والخبراء القادرين على المساعدة في تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

لكن الحياة في مخيم الفوار، بكل ما تحمله من تحديات، لم تكن بالنسبة لها سببًا للتراجع، بل شكلت دافعًا إضافيًّا للإصرار على النجاح. وتؤكد أن المخيم علّمها أن الإنسان قادر على الإبداع مهما كانت ظروفه قاسية وإمكاناته محدودة.

ورغم الصعوبات المادية والتقنية، لم تفكر إسراء يومًا في التوقف. تقول بثقة: “أؤمن أن لا شيء مستحيلاً أمام إرادة الإنسان وإيمانه بنفسه”. وتضيف أن دعم عائلتها وبعض معلماتها ومديراتها في المدرسة، إلى جانب عدد من الدكاترة والمهندسين الذين آمنوا بفكرتها، كان له دور كبير في استمرارها.

حصلت إسراء خلال رحلتها على فرص للمشاركة في معارض ومسابقات علمية، كما تمكنت من الحصول على براءة اختراع فلسطينية، فيما تطمح مستقبلاً إلى تسجيل براءة اختراع دولية والعمل على تطوير الجهاز ليصبح جاهزًا للاستخدام الطبي الفعلي.

وتحلم المخترعة الشابة بأن يتحول ابتكارها إلى وسيلة متاحة لكل النساء، تسهم في إنقاذ الأرواح عبر الكشف المبكر عن المرض، مؤكدة أن أكثر لحظة شعرت فيها بالفخر كانت عندما رأت فكرتها تتحول من مجرد حلم صغير إلى مشروع حقيقي يحظى بتقدير وتمثيل دولي في مسابقات علمية مرموقة.

وتوجه إسراء رسالة إلى الفتيات الفلسطينيات تدعوهن فيها إلى الإيمان بقدراتهن وعدم الخوف من التجربة، قائلة إن النجاح يبدأ حين يصفق الإنسان لنفسه أولاً قبل أن ينتظر تصفيق الآخرين.

في مخيم الفوار، حيث تبدو الحياة أحياناً أثقل من الأحلام، تحاول إسراء شوابكة أن تثبت أن فكرة صغيرة قد تكون بداية حكاية كبيرة، وأن الموهبة حين تقترن بالإصرار قادرة على شق طريقها حتى من أكثر الأماكن بساطة.




بين نوايا العبادة ومرارة العوز: حكايات من سوق الحلال تروي انكسار موسم الأضاحي هذا العام

كيف سحق الركود الاقتصادي فرحة العيد في “سوق الحلال”؟

 ميساء بشارات- بين أزقة قرية “طلوزة” وتلالها، يقف الحاج يحيى مصطفى ياسين (أبو هشام)، الرجل الستيني الذي أفنى 47 عاماً من عمره في تربية المواشي، ليرقب موسما هو الأصعب تاريخيا.

في حديثه، لا يتحدث أبو هشام كتاجر فحسب، بل كخبير يقرأ نبض الشارع الفلسطيني من خلال “جيوب” الزبائن وحركة المزارع التي بدأت تتقلص عاما بعد عام.

المفارقة المؤلمة: الأضاحي أرخص.. والقدرة غائبة

يلخص أبو هشام المشهد بجملة تختزل واقعا اقتصاديا مريرا: “الخروف السنة مش غالي، بس القرش (الجيب) مع الناس ضعيف”.

ويشير إلى أن سعر الخروف المذبوح تراجع هذا العام ليصل إلى (47-48) شيكلا للكيلو، مقارنة بـ (50-52) شيكلا العام الماضي، ومع ذلك، فإن غياب السيولة وتوقف العمال وضعف الرواتب جعل “الأرخص” بعيد المنال.

ويضيف بمرارة: “فش عمل، فش شغل، فش مصاري.. الله يعين الناس على التسكيرات والوضع الاقتصادي الصعب”.

هذا الواقع دفع أبو هشام لتوقع تراجع نسبة المضحين بنحو 30% هذا العام؛ فبعد أن كان يذبح في بيته ما بين 40 إلى 50 أضحية سنوياً، تراجع العدد العام الماضي إلى 25، ويتوقع ألا يتجاوز هذا العام 15 أضحية فقط.

أزمات مركبة تلاحق المربي

لا تتوقف معاناة هذا القطاع عند ضعف القدرة الشرائية، بل تمتد لتشمل تكاليف الإنتاج الباهظة. يوضح أبو هشام أن أسعار الأعلاف لم تنخفض رغم تراجع سعر صرف الدولار، مما يضع المربين في مواجهة مباشرة مع غياب الرقابة.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 40%، مما أثر على النقل وتكاليف المزارع، فضلا عن تكاليف المياه والمعدات في الأراضي الجبلية التي تضاعفت أعباؤها.

ولم تكن الطبيعة أرحم من الاقتصاد، حيث يروي أبو هشام كيف دمرت “الحمى القلاعية” مزارع بالكامل، في وقت تزايدت فيه اعتداءات المستوطنين وسرقتهم للأغنام، مما دفع ببعض المربين للخروج من السوق نهائيا.

أزمة “السن” والبحث عن البدائل

وفي زاوية تقنية للموسم، يشير أبو هشام إلى شح في المواشي التي تستوفي شروط الأضحية (السن القانوني)؛ حيث ان 30% من الخرفان المتوفرة صغيرة السن ولا تصلح للتضحية، مؤكدا على ان العمر أهم من الوزن، فليس كل خروف يزن 70 أو 80 كيلو يصلح أضحية ما لم يتم “الثنايا” (تبديل الأسنان).

هذا النقص والغلاء دفع الناس للمقارنة بأسعار الدول المجاورة، حيث يشتكي الزبائن من أن الأضحية في فلسطين قد تصل إلى 700 أو 800 دينار، وهو سعر مرتفع جداً مقارنة بالأردن أو السعودية.

نصيحة “أبو هشام” الأخيرة

مع اقتراب فجر العيد، يراقب أبو هشام السوق بحذر، مشيراً إلى أن البعض ينتظر “صباحية العيد” طمعاً في نزول الأسعار، وهو أمر يستبعده حفاظاً على حقوق من اشتروا مبكرا.

ويختم أبو هشام حديثه بدعاء يملؤه الأمل برغم القسوة: “إن شاء الله ربنا بيفرجها على الناس، واللي مقتدر يضحي، واللي مش مقتدر ربنا بيعوضه السنة الجاية”.

هي رسالة صمود من قلب مزارع فلسطيني يرى في “الأضحية” نسكا يتجاوز الحسابات المالية.

غسان السلوادي.. عاد من “الغربة” ليصطدم بواقع “سوق” أرهقه العوز

خلف ضجيج “سوق الحلال” في نابلس، يقف غسان حامد (السلوادي)، الرجل الذي حمل معه خبرة 23 عاما من الاغتراب في الولايات المتحدة ليعود إلى جذوره في تربية المواشي، لكن العودة لم تكن كما رسمتها مخيلته؛ فالمكان الذي كان ينبض بالحياة، بات اليوم شاهدا على انكسار القدرة الشرائية بفعل واقع اقتصادي مرير.

يروي السلوادي حكايته بمسحة من الحسرة، مقارنا بين موسم العام الماضي وهذا العام: “في السنة الماضية كان عندي فوق الـ 200 خروف، أما هذه السنة فلا يتجاوز العدد 20 إلى 30 خروفا فقط”. هذا التقلص الحاد في حجم التجارة ليس ناتجا عن نقص في البضاعة، بل عن غياب “الزبون” الذي أثقل كاهله تعطل العمل وغياب الرواتب.

يؤكد غسان أن الإقبال هذا العام لا يتجاوز 20% مقارنة بالأعوام السابقة، واصفا الوضع بأنه “سيئ جدا”، حيث لا شغل ولا عمل يسند المواطن.

الأسعار ثابتة.. ولكن “الجيوب” خاوية

في مفارقة اقتصادية لافتة، يشير السلوادي إلى أن أسعار الأضاحي بقيت مقاربة للعام الماضي، حيث يتراوح سعر الكيلو (قائم) ما بين 45 إلى 50 شيكلاً. ورغم ثبات السعر، إلا أن غياب “السيولة” حال بين الناس والأضاحي. ويضيف السلوادي بعدا آخر للأزمة؛ وهو موسم الزيتون الذي كان يشكل رافعة اقتصادية للفلاحين، حيث كان المزارع يبيع فائض زيته ليشتري أضحيته، أما اليوم، فبالكاد يكفي الإنتاج حاجة البيت الواحد.

دفع ضيق الحال بالناس إلى تغيير عاداتهم؛ فمنهم من اتجه نحو لحم “العجل” كونه أرخص ثمنا (75 شيكلاً للكيلو)، ومنهم من بطل إقامة ولائم الأعراس.

نظرة نحو “الصباحية”

بينما ينتظر التجار “ليلة العيد” أو “الصباحية” لعل الحال يتبدل، يرى السلوادي أن من ينتظر اللحظات الأخيرة قد يضطر لقبول “الموجود” فقط،، مشيرا إلى أن النمط الاستهلاكي اختلف تماما، حيث بات الناس يفضلون الخراف ذات “اللية” الصغيرة (مثل الصنفاوي) للحصول على كمية لحم أكبر وأقل دهون.

التقينا أيضا في سوق الحلال بنابلس، مع المربي لبيب أبو شيخة (المعروف باسم أبو إبراهيم)  من بلدة ميثلون، بينما يعرض مواشيه للبيع. وصف لنا واقع سوق الأضاحي هذا العام بأنه أضعف بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، مرجعا السبب إلى “الوضع الاقتصادي المتردي عند الناس” وارتفاع أسعار الأضاحي وتكاليف الإنتاج.

أبو إبراهيم أشار إلى عوامل تزيد من خسائر مربي الثروة الحيوانية ويضعف إنتاجية المواشي مثل غلاء الأعلاف نتيجة الجفاف، ارتفاع أسعار الولادات والعلاجات، ونقص في الثروة الحيوانية بعد اعتداءات المستوطنين، كما لفت إلى مشكلة عدم توفر اللقاحات مثل طعم الحمى القلاعية مما يزيد من خسائر المربين.

من جهة الأسعار، ذكر أن كيلو لحم الخروف يقارب 10 دنانير (حوالي 43 شيكل)، وأن الكيلو من لحم العجل ارتفع بصورة واضحة مقارنة بالعام الماضي، ما يجعل العجل لا يمثل بديلا أرخص للمستهلكين كما يُظن. أضاف: “لو كان الوضع الاقتصادي كويس الكل بيضحي، لكن الحال سيئ”.

وختم أبو إبراهيم بنداء عملي للحكومة والجهات المعنية لتوفير لقاحات وأدوية فعالة ودعم المربين، محذراً من أن استمرار هذه المعاناة سيزيد من تقلص الثروة الحيوانية ويجعل الأضحية عبئا على الأسر.

سوق الأضاحي على مشارف عيد الأضحى: ركود ضرب الطلب وضغط على المنتجين

قبل أيام من عيد الأضحى، تراءت أمام نقيب اللحامين عمر نخلة النبالي صورة قاتمة لسوق الأضاحي في نابلس: حركة بيع ضعيفة بشكل غير مسبوق، وانخفاض في المعروض المؤهل للأضحية، وتراجع ملموس في دخل العاملين بالمهنة. وفق حديث النبالي، الطلب هذا العام لا يتجاوز نحو 20% من معدلاته الموسمية السابقة، وفي بعض الحالات تشير التقديرات إلى هبوط يصل إلى 80% كحد أدنى مقارنة بالسنوات الماضية.

يقول النبالي: ” العوامل الاقتصادية تظهر كمحرك رئيسي لهذا التراجع. الأوضاع المعيشية المتردية، تأخر الرواتب وارتفاع معدلات البطالة قلصت القوة الشرائية للأسر، حتى ان عددا كبيرا لم يعد قادرا على تأمين كيلو لحم يوميا، فكيف بالقدرة على شراء أضحية كاملة؟ النبالي يؤكد أن الواقع الاقتصادي يدفع المستهلكين إلى تعديل سلوكهم الشرائي: بعض الأسر تتجه للمشاركة في شراء العجول لتقليل التكلفة، وآخرون يفضلون التخلي عن الفكرة تماما.

ويشير النبالي انه من جانب العرض، يواجه القطاع الحيواني تراجع سنوي في الثروة الحيوانية نتيجة شح المياه، تقلص الأراضي الرعوية، وارتفاع تكاليف الإنتاج. تكلفة تربية النعجة أو الاعتناء بالمواشي والولادات باتت باهظة؛ الأعلاف وعلاجات الحيوانات، والرسوم الجمركية كلها تضاعف كلفة الإنتاج دون أن تصاحبها سياسات داعمة من الجهات الرسمية.

يرى النبالي أن تقصيرا في مسؤولية وزارة الزراعة يفاقم النقص الحاد في رؤوس الماشية المؤهلة للأضحية: الحاجة التقديرية لفلسطين نحو 100,000 رأس بينما المتوفر المؤهل لا يتجاوز نحو 20,000 رأس فقط.

ويصف النبالي أسعار اللحوم الحالية بأنها غير معقولة مقارنةً بالدخل الفلسطيني، ومذكرا بأن الأسواق الفلسطينية مرتبطة وتعتمد على السوق الإسرائيلي؛ فبينما يتقاضى المستهلك الإسرائيلي دخلا أعلى بكثير، فإن الأسعار المحلية تقارب مثيلاتها خارجيا مما يضاعف العبء على المواطن..

ويتابع النبالي ان انعكاسات الركود امتدت لتطال محلات الجزارة نفسها؛ فقد شهدت محلات لحامين انخفاض مبيعات حاد، وبدل من بيع عشرات الرؤوس أسبوعيا قد لا تباع سوى رؤوس قليلة، ما أدى إلى تراكم الديون وتهديد العديد من المحلات بالإغلاق ما لم تتوفر بدائل للعمل.

ويوضح أن بعض الجزارين يفكرون في إغلاق محلاتهم إذا ما توفرت فرص أخرى، لكن غياب هذه الفرص يجعلهم عالقين في حالة اقتصادية صعبة.

كما ان القيود المفروضة بفعل الحواجز والإغلاقات ترفع كلفة نقل المواشي واللحوم ويعقد سلاسل الإمداد.

ويصف نقيب اللحامين الوضع بأنه يحتاج إلى حل جذري من الجهات المختصة، ولا سيما وزارة الزراعة، التي تقع على عاتقها مسؤولية وضع خطط إنقاذية لوقف تدهور الثروة الحيوانية ودعم المنتج المحلي.

في نهاية المطاف، لا يبدو مشهد “سوق الحلال” هذا العام مجرد عملية بيع وشراء متعثرة، بل هو مرآة تعكس عمق الأزمة التي يرزح تحتها المواطن والمربي الفلسطيني على حد سواء.




أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا

في مخيمات بلاطة والعين وعسكر بشقيه القديم والجديد، لا تكبر البيوت كما تكبر مدينة نابلس، بل تتكاثر كما تتكاثر الأحزان.

هي مخيمات لا يولد فيها الأطفال وفي ذاكرتهم مشهد البحر، ولا يعرفون كيف تبدو البيارات التي بكى أجدادهم عليها طويلا، ولا يملكون من فلسطين التاريخية سوى أسماء تتكرر في أحاديث الجدات كصلوات قديمة.

لاجئون يكبرون مثقلين بشيء لم يروه قط، يجدون أنفسهم في غرفة فوق غرفة، وسقف يعلو سقفا، حتى صار المخيم يشبه قلبا فلسطينيا قديما، ضاق بكل ما فيه من الفقد ولم يمت.

هنا، لا أحد يرى السماء كاملة، إنما أجزاء غير منتظمة منها.

في مخيم بلاطة شرق نابلس الأسلاك تعبر السماء كندوب سوداء، والجدران المتقابلة تتنفس في وجوه بعضها من شدة القرب، حتى بدت البيوت وكأنها جاءت لتعتذر لبعضها عن ضيق المكان.

أما الأطفال، أولئك الذين ولدوا بعد النكبة بعقود، فيركضون داخل أزقة لم تعرف يوما معنى الاتساع، ويحفظون أسماء قرى لم يروها، كما يحفظ الأيتام ملامح آبائهم من الصور.

ثمانية وسبعون عاما مرت، والمخيم لا يزال يحاول أن يمد قدميه في مساحة لا تكفي لحزن واحد.

الأجداد الذين خرجوا حاملين مفاتيح البيوت، مات كثير منهم وهم يظنون أن الغياب مؤقت، أما الأحفاد، فقد وُلدوا داخل هذا الغياب نفسه، حتى صار الوطن بالنسبة إليهم حكاية تُروى أكثر مما يُرى، وذاكرة أثقل من أعمارهم الصغيرة.

في زقاق ضيق داخل مخيم بلاطة حيث تكاد الجدران تتكئ على بعضها من شدة التعب، كان الطفل محمد حشاش يركض مع أطفال آخرين خلف كرة مهترئة، كما لو أنه يركض خلف طفولة تحاول النجاة من ضيق المكان.

لم يكن محمد يعرف من فلسطين سوى ما تخبئه جدته في صوتها حين تذكر اسم القرية.

كان يسمع أسماء المدن البعيدة كما يسمع الأطفال أسماء الكواكب، أماكن موجودة لكنها أبعد من أن تُرى.

ولد محمد بعد عقود طويلة من النكبة، لكنه ورثها كما يرث الأطفال لون أعين آبائهم.

محمد الذي يسكن في بيت صغير فوق بيت آخر، في بناية، تشبه المخيم كله، ترتفع إلى الأعلى كلما ضاقت الأرض قال وهو يمسح العرق عن جبينه الصغير.

“نفسي ألعب بملعب كبير، ملعب ما يكون فيه حيطان قريبة”.

وفي الطابق الرابع من بناية إسمنتية متعبة داخل مخيم عسكر القديم، كان الطفل آدم يقف قرب نافذة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.

أزاح الستارة قليلا، ثم مد رأسه نحو الخارج محاولا أن يرى السماء كاملة، لكنه لم يستطع، 

فالبيوت هنا متقابلة أكثر مما ينبغي، حتى إن الجيران يستطيعون سماع سعالك قبل أن تشرح لهم أنك مريض.

قال آدم وهو يحدق بين الأسطح المكتظة “نفسي أشوف الغروب مرة بدون بنايات”.

كان في العاشرة من عمره، لكنه يتحدث أحيانا كمن كبر أسرع مما يجب.

جدته، لا تتعب من الحديث عن القرية، تقول إن بيتهم القديم في يافا كان له فناء واسع، وإن الريح كانت تدخل من النوافذ دون استئذان، وإن الأطفال كانوا يركضون حتى يتعب النهار منهم.

أما آدم، فلم يعرف من الاتساع سوى الحكايات.

حين ينتهي من واجباته المدرسية، يصعد إلى السطح.

هناك فقط يشعر أن الهواء أقل اختناقا قليلا.

وفي مخيم عسكر الجديد، لا يحتاج الطفل كريم عامر إلى ساعة ليعرف أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

هناك علامة واحدة تكفي، صوت آليات الاحتلال وهي تدخل المخيم ببطء ثقيل، كأن الليل نفسه صار يرتدي خوذة عسكرية.

يقول كريم، اقتحامات يومية، أغلب الأحيان تحدث ليلا، لكن حتى النهار لم يعد آمنا فالاقتحامات في كل هذا الضيق لا تتوقف.

كان كريم يجلس على درج إسمنتي قديم أمام المنزل، يراقب أطفال الحارة وهم يركضون بين الأزقة الضيقة، لم يكن يتحدث كثيرا في البداية، لكنه حين سألنها عن أكثر شيء يكرهه، رفع عينيه سريعا وقال “الاقتحامات”.

ثم صمت قليلا، كأنه يحاول أن يشرح شيئا صار أكبر من الكلمات.

قال “إحنا هون بنعرف الجيش من الصوت… حتى قبل ما يوصل”

يضيف “إحنا حفظنا كل الأصوات”.

يعرف صوت الرصاص، وصوت قنابل الغاز، وحتى صوت الجيب العسكري حين يصعد من الشارع القريب.

أشياء لا يفترض بطفل أن يحفظها، لكنها أصبحت جزءا من حياته اليومية.وهكذا، بينما يواصل الكبار عد السنوات منذ النكبة، يبدو أن أطفال المخيمات لا يعدون سوى أشياء أصغر بكثير، عدد الاقتحامات هذا الأسبوع، عدد المرات التي استيقظوا فيها ليلا على أصوات الرصاص.

ثمانية وسبعون عاما مرّت، لكن المخيمات لم تكبر نحو الحياة، بل نحو المزيد من الضيق.