1

إسراء شوابكة تبتكر أملاً جديدًا لإنقاذ النساء من سرطان الثدي

من حلم مدرسي إلى براءة اختراع

عبير البرغوثي- في أحد أزقة مخيم الفوار جنوب الخليل، حيث تضيق الإمكانيات وتتسع الأحلام، تجلس الطالبة إسراء شوابكة (18 عاماً) منشغلة بفكرة تؤمن أنها قد تُحدث فرقًا في حياة آلاف النساء. طالبة السنة الأولى في الكلية الجامعية للعلوم التربوية لم تنتظر مختبرًا متطورًا ولا دعمًا سخيًّا لتبدأ رحلتها، بل انطلقت من قناعة بسيطة مفادها أن الإرادة قادرة على صناعة المستحيل، حتى داخل مخيم يفتقر إلى أبسط المقومات العلمية.

بدأ شغف إسراء بالابتكار منذ الصف التاسع في مدرسة بنات الفوار الأساسية الأولى، حين كانت تبحث دائماً عن حلول عملية لمشكلات يعيشها المجتمع، وخصوصاً القضايا الصحية والإنسانية. تستذكر خلال حديث خاص لـ “الحياة الجديدة” بداية الفكرة وتقول: “فكرة اختراع جهاز للكشف المبكر عن سرطان الثدي جاءت بعدما لاحظت حاجة النساء إلى وسيلة بسيطة وآمنة تساعدهن على إجراء الفحص الذاتي بسهولة داخل المنزل، بعيداً عن التعقيدات أو الخوف المرتبط بالإجراءات الطبية التقليدية”.

اختارت إسراء التركيز على سرطان الثدي تحديدًا لأنه، من أكثر الأمراض انتشاراً بين النساء، ولأن الكشف المبكر يرفع بشكل كبير فرص العلاج والشفاء. ومن هنا بدأت رحلة طويلة من البحث والتجارب لتطوير جهاز يعتمد على آلية ضغط تساعد المرأة على اكتشاف أي تغيرات أو كتل غير طبيعية بطريقة أكثر سهولة ودقة أثناء الفحص الذاتي.

وترى الشابة الفلسطينية أن ما يميز ابتكارها أنه لا يعتمد على الأشعة أو الأجهزة المعقدة، بل يقدم وسيلة آمنة وبسيطة يمكن استخدامها في أي وقت ومن أي مكان. وتوضح أن الجهاز يقوم على تصميم ميكانيكي مبتكر، لكنها تسعى حاليًّا إلى تطويره بتقنيات أكثر تقدمًا تتيح مستقبلاً التمييز بين أنواع الكتل المختلفة، بما يساعد النساء على متابعة التغيرات التي قد تطرأ على أجسادهن بصورة شهرية ودقيقة.

وتؤمن إسراء بأن المرأة بحاجة إلى وسائل حديثة أكثر فاعلية للفحص الذاتي، مشيرة إلى أن بعض الدراسات العالمية تحدثت عن محدودية فاعلية الفحص اليدوي التقليدي وحده، وهو ما دفعها للتفكير بجهاز يمنح النساء شعورًا أكبر بالأمان والطمأنينة.

رحلة تطوير المشروع لم تكن سهلة. فقد استغرق تحويل الفكرة إلى نموذج أولي وقتاً طويلاً من البحث والتجريب والتعديل المستمر، ولا تزال التجارب متواصلة حتى اليوم. ورغم أن النتائج الأولية كانت مشجعة، إلا أن الطريق بقي مليئًا بالعقبات، وعلى رأسها نقص الإمكانيات التقنية وصعوبة الوصول إلى المختبرات والأدوات المتخصصة.

وتقول إسراء إن غياب البيئة العلمية المناسبة يشكل عائقًا حقيقيًّا أمام المبتكرين الشباب في فلسطين، لأن كثيرًا من الأفكار تبقى حبيسة الورق بسبب نقص الدعم والتمويل وعدم توفر المختبرات والخبراء القادرين على المساعدة في تحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

لكن الحياة في مخيم الفوار، بكل ما تحمله من تحديات، لم تكن بالنسبة لها سببًا للتراجع، بل شكلت دافعًا إضافيًّا للإصرار على النجاح. وتؤكد أن المخيم علّمها أن الإنسان قادر على الإبداع مهما كانت ظروفه قاسية وإمكاناته محدودة.

ورغم الصعوبات المادية والتقنية، لم تفكر إسراء يومًا في التوقف. تقول بثقة: “أؤمن أن لا شيء مستحيلاً أمام إرادة الإنسان وإيمانه بنفسه”. وتضيف أن دعم عائلتها وبعض معلماتها ومديراتها في المدرسة، إلى جانب عدد من الدكاترة والمهندسين الذين آمنوا بفكرتها، كان له دور كبير في استمرارها.

حصلت إسراء خلال رحلتها على فرص للمشاركة في معارض ومسابقات علمية، كما تمكنت من الحصول على براءة اختراع فلسطينية، فيما تطمح مستقبلاً إلى تسجيل براءة اختراع دولية والعمل على تطوير الجهاز ليصبح جاهزًا للاستخدام الطبي الفعلي.

وتحلم المخترعة الشابة بأن يتحول ابتكارها إلى وسيلة متاحة لكل النساء، تسهم في إنقاذ الأرواح عبر الكشف المبكر عن المرض، مؤكدة أن أكثر لحظة شعرت فيها بالفخر كانت عندما رأت فكرتها تتحول من مجرد حلم صغير إلى مشروع حقيقي يحظى بتقدير وتمثيل دولي في مسابقات علمية مرموقة.

وتوجه إسراء رسالة إلى الفتيات الفلسطينيات تدعوهن فيها إلى الإيمان بقدراتهن وعدم الخوف من التجربة، قائلة إن النجاح يبدأ حين يصفق الإنسان لنفسه أولاً قبل أن ينتظر تصفيق الآخرين.

في مخيم الفوار، حيث تبدو الحياة أحياناً أثقل من الأحلام، تحاول إسراء شوابكة أن تثبت أن فكرة صغيرة قد تكون بداية حكاية كبيرة، وأن الموهبة حين تقترن بالإصرار قادرة على شق طريقها حتى من أكثر الأماكن بساطة.




بين نوايا العبادة ومرارة العوز: حكايات من سوق الحلال تروي انكسار موسم الأضاحي هذا العام

كيف سحق الركود الاقتصادي فرحة العيد في “سوق الحلال”؟

 ميساء بشارات- بين أزقة قرية “طلوزة” وتلالها، يقف الحاج يحيى مصطفى ياسين (أبو هشام)، الرجل الستيني الذي أفنى 47 عاماً من عمره في تربية المواشي، ليرقب موسما هو الأصعب تاريخيا.

في حديثه، لا يتحدث أبو هشام كتاجر فحسب، بل كخبير يقرأ نبض الشارع الفلسطيني من خلال “جيوب” الزبائن وحركة المزارع التي بدأت تتقلص عاما بعد عام.

المفارقة المؤلمة: الأضاحي أرخص.. والقدرة غائبة

يلخص أبو هشام المشهد بجملة تختزل واقعا اقتصاديا مريرا: “الخروف السنة مش غالي، بس القرش (الجيب) مع الناس ضعيف”.

ويشير إلى أن سعر الخروف المذبوح تراجع هذا العام ليصل إلى (47-48) شيكلا للكيلو، مقارنة بـ (50-52) شيكلا العام الماضي، ومع ذلك، فإن غياب السيولة وتوقف العمال وضعف الرواتب جعل “الأرخص” بعيد المنال.

ويضيف بمرارة: “فش عمل، فش شغل، فش مصاري.. الله يعين الناس على التسكيرات والوضع الاقتصادي الصعب”.

هذا الواقع دفع أبو هشام لتوقع تراجع نسبة المضحين بنحو 30% هذا العام؛ فبعد أن كان يذبح في بيته ما بين 40 إلى 50 أضحية سنوياً، تراجع العدد العام الماضي إلى 25، ويتوقع ألا يتجاوز هذا العام 15 أضحية فقط.

أزمات مركبة تلاحق المربي

لا تتوقف معاناة هذا القطاع عند ضعف القدرة الشرائية، بل تمتد لتشمل تكاليف الإنتاج الباهظة. يوضح أبو هشام أن أسعار الأعلاف لم تنخفض رغم تراجع سعر صرف الدولار، مما يضع المربين في مواجهة مباشرة مع غياب الرقابة.

ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 40%، مما أثر على النقل وتكاليف المزارع، فضلا عن تكاليف المياه والمعدات في الأراضي الجبلية التي تضاعفت أعباؤها.

ولم تكن الطبيعة أرحم من الاقتصاد، حيث يروي أبو هشام كيف دمرت “الحمى القلاعية” مزارع بالكامل، في وقت تزايدت فيه اعتداءات المستوطنين وسرقتهم للأغنام، مما دفع ببعض المربين للخروج من السوق نهائيا.

أزمة “السن” والبحث عن البدائل

وفي زاوية تقنية للموسم، يشير أبو هشام إلى شح في المواشي التي تستوفي شروط الأضحية (السن القانوني)؛ حيث ان 30% من الخرفان المتوفرة صغيرة السن ولا تصلح للتضحية، مؤكدا على ان العمر أهم من الوزن، فليس كل خروف يزن 70 أو 80 كيلو يصلح أضحية ما لم يتم “الثنايا” (تبديل الأسنان).

هذا النقص والغلاء دفع الناس للمقارنة بأسعار الدول المجاورة، حيث يشتكي الزبائن من أن الأضحية في فلسطين قد تصل إلى 700 أو 800 دينار، وهو سعر مرتفع جداً مقارنة بالأردن أو السعودية.

نصيحة “أبو هشام” الأخيرة

مع اقتراب فجر العيد، يراقب أبو هشام السوق بحذر، مشيراً إلى أن البعض ينتظر “صباحية العيد” طمعاً في نزول الأسعار، وهو أمر يستبعده حفاظاً على حقوق من اشتروا مبكرا.

ويختم أبو هشام حديثه بدعاء يملؤه الأمل برغم القسوة: “إن شاء الله ربنا بيفرجها على الناس، واللي مقتدر يضحي، واللي مش مقتدر ربنا بيعوضه السنة الجاية”.

هي رسالة صمود من قلب مزارع فلسطيني يرى في “الأضحية” نسكا يتجاوز الحسابات المالية.

غسان السلوادي.. عاد من “الغربة” ليصطدم بواقع “سوق” أرهقه العوز

خلف ضجيج “سوق الحلال” في نابلس، يقف غسان حامد (السلوادي)، الرجل الذي حمل معه خبرة 23 عاما من الاغتراب في الولايات المتحدة ليعود إلى جذوره في تربية المواشي، لكن العودة لم تكن كما رسمتها مخيلته؛ فالمكان الذي كان ينبض بالحياة، بات اليوم شاهدا على انكسار القدرة الشرائية بفعل واقع اقتصادي مرير.

يروي السلوادي حكايته بمسحة من الحسرة، مقارنا بين موسم العام الماضي وهذا العام: “في السنة الماضية كان عندي فوق الـ 200 خروف، أما هذه السنة فلا يتجاوز العدد 20 إلى 30 خروفا فقط”. هذا التقلص الحاد في حجم التجارة ليس ناتجا عن نقص في البضاعة، بل عن غياب “الزبون” الذي أثقل كاهله تعطل العمل وغياب الرواتب.

يؤكد غسان أن الإقبال هذا العام لا يتجاوز 20% مقارنة بالأعوام السابقة، واصفا الوضع بأنه “سيئ جدا”، حيث لا شغل ولا عمل يسند المواطن.

الأسعار ثابتة.. ولكن “الجيوب” خاوية

في مفارقة اقتصادية لافتة، يشير السلوادي إلى أن أسعار الأضاحي بقيت مقاربة للعام الماضي، حيث يتراوح سعر الكيلو (قائم) ما بين 45 إلى 50 شيكلاً. ورغم ثبات السعر، إلا أن غياب “السيولة” حال بين الناس والأضاحي. ويضيف السلوادي بعدا آخر للأزمة؛ وهو موسم الزيتون الذي كان يشكل رافعة اقتصادية للفلاحين، حيث كان المزارع يبيع فائض زيته ليشتري أضحيته، أما اليوم، فبالكاد يكفي الإنتاج حاجة البيت الواحد.

دفع ضيق الحال بالناس إلى تغيير عاداتهم؛ فمنهم من اتجه نحو لحم “العجل” كونه أرخص ثمنا (75 شيكلاً للكيلو)، ومنهم من بطل إقامة ولائم الأعراس.

نظرة نحو “الصباحية”

بينما ينتظر التجار “ليلة العيد” أو “الصباحية” لعل الحال يتبدل، يرى السلوادي أن من ينتظر اللحظات الأخيرة قد يضطر لقبول “الموجود” فقط،، مشيرا إلى أن النمط الاستهلاكي اختلف تماما، حيث بات الناس يفضلون الخراف ذات “اللية” الصغيرة (مثل الصنفاوي) للحصول على كمية لحم أكبر وأقل دهون.

التقينا أيضا في سوق الحلال بنابلس، مع المربي لبيب أبو شيخة (المعروف باسم أبو إبراهيم)  من بلدة ميثلون، بينما يعرض مواشيه للبيع. وصف لنا واقع سوق الأضاحي هذا العام بأنه أضعف بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، مرجعا السبب إلى “الوضع الاقتصادي المتردي عند الناس” وارتفاع أسعار الأضاحي وتكاليف الإنتاج.

أبو إبراهيم أشار إلى عوامل تزيد من خسائر مربي الثروة الحيوانية ويضعف إنتاجية المواشي مثل غلاء الأعلاف نتيجة الجفاف، ارتفاع أسعار الولادات والعلاجات، ونقص في الثروة الحيوانية بعد اعتداءات المستوطنين، كما لفت إلى مشكلة عدم توفر اللقاحات مثل طعم الحمى القلاعية مما يزيد من خسائر المربين.

من جهة الأسعار، ذكر أن كيلو لحم الخروف يقارب 10 دنانير (حوالي 43 شيكل)، وأن الكيلو من لحم العجل ارتفع بصورة واضحة مقارنة بالعام الماضي، ما يجعل العجل لا يمثل بديلا أرخص للمستهلكين كما يُظن. أضاف: “لو كان الوضع الاقتصادي كويس الكل بيضحي، لكن الحال سيئ”.

وختم أبو إبراهيم بنداء عملي للحكومة والجهات المعنية لتوفير لقاحات وأدوية فعالة ودعم المربين، محذراً من أن استمرار هذه المعاناة سيزيد من تقلص الثروة الحيوانية ويجعل الأضحية عبئا على الأسر.

سوق الأضاحي على مشارف عيد الأضحى: ركود ضرب الطلب وضغط على المنتجين

قبل أيام من عيد الأضحى، تراءت أمام نقيب اللحامين عمر نخلة النبالي صورة قاتمة لسوق الأضاحي في نابلس: حركة بيع ضعيفة بشكل غير مسبوق، وانخفاض في المعروض المؤهل للأضحية، وتراجع ملموس في دخل العاملين بالمهنة. وفق حديث النبالي، الطلب هذا العام لا يتجاوز نحو 20% من معدلاته الموسمية السابقة، وفي بعض الحالات تشير التقديرات إلى هبوط يصل إلى 80% كحد أدنى مقارنة بالسنوات الماضية.

يقول النبالي: ” العوامل الاقتصادية تظهر كمحرك رئيسي لهذا التراجع. الأوضاع المعيشية المتردية، تأخر الرواتب وارتفاع معدلات البطالة قلصت القوة الشرائية للأسر، حتى ان عددا كبيرا لم يعد قادرا على تأمين كيلو لحم يوميا، فكيف بالقدرة على شراء أضحية كاملة؟ النبالي يؤكد أن الواقع الاقتصادي يدفع المستهلكين إلى تعديل سلوكهم الشرائي: بعض الأسر تتجه للمشاركة في شراء العجول لتقليل التكلفة، وآخرون يفضلون التخلي عن الفكرة تماما.

ويشير النبالي انه من جانب العرض، يواجه القطاع الحيواني تراجع سنوي في الثروة الحيوانية نتيجة شح المياه، تقلص الأراضي الرعوية، وارتفاع تكاليف الإنتاج. تكلفة تربية النعجة أو الاعتناء بالمواشي والولادات باتت باهظة؛ الأعلاف وعلاجات الحيوانات، والرسوم الجمركية كلها تضاعف كلفة الإنتاج دون أن تصاحبها سياسات داعمة من الجهات الرسمية.

يرى النبالي أن تقصيرا في مسؤولية وزارة الزراعة يفاقم النقص الحاد في رؤوس الماشية المؤهلة للأضحية: الحاجة التقديرية لفلسطين نحو 100,000 رأس بينما المتوفر المؤهل لا يتجاوز نحو 20,000 رأس فقط.

ويصف النبالي أسعار اللحوم الحالية بأنها غير معقولة مقارنةً بالدخل الفلسطيني، ومذكرا بأن الأسواق الفلسطينية مرتبطة وتعتمد على السوق الإسرائيلي؛ فبينما يتقاضى المستهلك الإسرائيلي دخلا أعلى بكثير، فإن الأسعار المحلية تقارب مثيلاتها خارجيا مما يضاعف العبء على المواطن..

ويتابع النبالي ان انعكاسات الركود امتدت لتطال محلات الجزارة نفسها؛ فقد شهدت محلات لحامين انخفاض مبيعات حاد، وبدل من بيع عشرات الرؤوس أسبوعيا قد لا تباع سوى رؤوس قليلة، ما أدى إلى تراكم الديون وتهديد العديد من المحلات بالإغلاق ما لم تتوفر بدائل للعمل.

ويوضح أن بعض الجزارين يفكرون في إغلاق محلاتهم إذا ما توفرت فرص أخرى، لكن غياب هذه الفرص يجعلهم عالقين في حالة اقتصادية صعبة.

كما ان القيود المفروضة بفعل الحواجز والإغلاقات ترفع كلفة نقل المواشي واللحوم ويعقد سلاسل الإمداد.

ويصف نقيب اللحامين الوضع بأنه يحتاج إلى حل جذري من الجهات المختصة، ولا سيما وزارة الزراعة، التي تقع على عاتقها مسؤولية وضع خطط إنقاذية لوقف تدهور الثروة الحيوانية ودعم المنتج المحلي.

في نهاية المطاف، لا يبدو مشهد “سوق الحلال” هذا العام مجرد عملية بيع وشراء متعثرة، بل هو مرآة تعكس عمق الأزمة التي يرزح تحتها المواطن والمربي الفلسطيني على حد سواء.




أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا

في مخيمات بلاطة والعين وعسكر بشقيه القديم والجديد، لا تكبر البيوت كما تكبر مدينة نابلس، بل تتكاثر كما تتكاثر الأحزان.

هي مخيمات لا يولد فيها الأطفال وفي ذاكرتهم مشهد البحر، ولا يعرفون كيف تبدو البيارات التي بكى أجدادهم عليها طويلا، ولا يملكون من فلسطين التاريخية سوى أسماء تتكرر في أحاديث الجدات كصلوات قديمة.

لاجئون يكبرون مثقلين بشيء لم يروه قط، يجدون أنفسهم في غرفة فوق غرفة، وسقف يعلو سقفا، حتى صار المخيم يشبه قلبا فلسطينيا قديما، ضاق بكل ما فيه من الفقد ولم يمت.

هنا، لا أحد يرى السماء كاملة، إنما أجزاء غير منتظمة منها.

في مخيم بلاطة شرق نابلس الأسلاك تعبر السماء كندوب سوداء، والجدران المتقابلة تتنفس في وجوه بعضها من شدة القرب، حتى بدت البيوت وكأنها جاءت لتعتذر لبعضها عن ضيق المكان.

أما الأطفال، أولئك الذين ولدوا بعد النكبة بعقود، فيركضون داخل أزقة لم تعرف يوما معنى الاتساع، ويحفظون أسماء قرى لم يروها، كما يحفظ الأيتام ملامح آبائهم من الصور.

ثمانية وسبعون عاما مرت، والمخيم لا يزال يحاول أن يمد قدميه في مساحة لا تكفي لحزن واحد.

الأجداد الذين خرجوا حاملين مفاتيح البيوت، مات كثير منهم وهم يظنون أن الغياب مؤقت، أما الأحفاد، فقد وُلدوا داخل هذا الغياب نفسه، حتى صار الوطن بالنسبة إليهم حكاية تُروى أكثر مما يُرى، وذاكرة أثقل من أعمارهم الصغيرة.

في زقاق ضيق داخل مخيم بلاطة حيث تكاد الجدران تتكئ على بعضها من شدة التعب، كان الطفل محمد حشاش يركض مع أطفال آخرين خلف كرة مهترئة، كما لو أنه يركض خلف طفولة تحاول النجاة من ضيق المكان.

لم يكن محمد يعرف من فلسطين سوى ما تخبئه جدته في صوتها حين تذكر اسم القرية.

كان يسمع أسماء المدن البعيدة كما يسمع الأطفال أسماء الكواكب، أماكن موجودة لكنها أبعد من أن تُرى.

ولد محمد بعد عقود طويلة من النكبة، لكنه ورثها كما يرث الأطفال لون أعين آبائهم.

محمد الذي يسكن في بيت صغير فوق بيت آخر، في بناية، تشبه المخيم كله، ترتفع إلى الأعلى كلما ضاقت الأرض قال وهو يمسح العرق عن جبينه الصغير.

“نفسي ألعب بملعب كبير، ملعب ما يكون فيه حيطان قريبة”.

وفي الطابق الرابع من بناية إسمنتية متعبة داخل مخيم عسكر القديم، كان الطفل آدم يقف قرب نافذة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.

أزاح الستارة قليلا، ثم مد رأسه نحو الخارج محاولا أن يرى السماء كاملة، لكنه لم يستطع، 

فالبيوت هنا متقابلة أكثر مما ينبغي، حتى إن الجيران يستطيعون سماع سعالك قبل أن تشرح لهم أنك مريض.

قال آدم وهو يحدق بين الأسطح المكتظة “نفسي أشوف الغروب مرة بدون بنايات”.

كان في العاشرة من عمره، لكنه يتحدث أحيانا كمن كبر أسرع مما يجب.

جدته، لا تتعب من الحديث عن القرية، تقول إن بيتهم القديم في يافا كان له فناء واسع، وإن الريح كانت تدخل من النوافذ دون استئذان، وإن الأطفال كانوا يركضون حتى يتعب النهار منهم.

أما آدم، فلم يعرف من الاتساع سوى الحكايات.

حين ينتهي من واجباته المدرسية، يصعد إلى السطح.

هناك فقط يشعر أن الهواء أقل اختناقا قليلا.

وفي مخيم عسكر الجديد، لا يحتاج الطفل كريم عامر إلى ساعة ليعرف أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

هناك علامة واحدة تكفي، صوت آليات الاحتلال وهي تدخل المخيم ببطء ثقيل، كأن الليل نفسه صار يرتدي خوذة عسكرية.

يقول كريم، اقتحامات يومية، أغلب الأحيان تحدث ليلا، لكن حتى النهار لم يعد آمنا فالاقتحامات في كل هذا الضيق لا تتوقف.

كان كريم يجلس على درج إسمنتي قديم أمام المنزل، يراقب أطفال الحارة وهم يركضون بين الأزقة الضيقة، لم يكن يتحدث كثيرا في البداية، لكنه حين سألنها عن أكثر شيء يكرهه، رفع عينيه سريعا وقال “الاقتحامات”.

ثم صمت قليلا، كأنه يحاول أن يشرح شيئا صار أكبر من الكلمات.

قال “إحنا هون بنعرف الجيش من الصوت… حتى قبل ما يوصل”

يضيف “إحنا حفظنا كل الأصوات”.

يعرف صوت الرصاص، وصوت قنابل الغاز، وحتى صوت الجيب العسكري حين يصعد من الشارع القريب.

أشياء لا يفترض بطفل أن يحفظها، لكنها أصبحت جزءا من حياته اليومية.وهكذا، بينما يواصل الكبار عد السنوات منذ النكبة، يبدو أن أطفال المخيمات لا يعدون سوى أشياء أصغر بكثير، عدد الاقتحامات هذا الأسبوع، عدد المرات التي استيقظوا فيها ليلا على أصوات الرصاص.

ثمانية وسبعون عاما مرّت، لكن المخيمات لم تكبر نحو الحياة، بل نحو المزيد من الضيق.




سموتريتش يطالب بتوسيع حدود إسرائيل ويصف الفلسطينيين بـ ‘محور الشر’

أطلق وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تصريحات مثيرة للجدل طالب فيها بضرورة توسيع حدود إسرائيل الجغرافية لتشمل مناطق أوسع في قطاع غزة ولبنان وسوريا. وزعم سموتريتش أن هذه الخطوة ضرورية لتوفير حدود قابلة للدفاع عنها من الناحية الأمنية والتضاريسية، معتبراً أن الخطوط الحالية لا تلبي الاحتياجات الاستراتيجية للدولة العبرية.

وفي حوار مع صحيفة جيروزاليم بوست، وصف الوزير اليميني المتطرف الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بأنهم جزء لا يتجزأ مما أسماه ‘محور الشر الإيراني’. وشدد على أن حدود عام 1967 تفتقر إلى العمق الجغرافي اللازم، مما يجعلها غير صالحة لحماية أمن إسرائيل في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.

ودافع سموتريتش بشدة عن المستوطنين في الضفة الغربية، واصفاً إياهم بأنهم من ‘أقل الشعوب عنفاً’، ومعتبراً أن التقارير الدولية التي تتحدث عن اعتداءاتهم هي مجرد حملات تضليلية. وأكد أن كافة التحركات الاستيطانية في الأراضي المحتلة تتم بتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية، مشيراً إلى وجود تفاهمات مستمرة بهذا الشأن.

وأوضح وزير المالية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يدعم بشكل كامل خطط توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، لافتاً إلى أن الحكومة تواصل نشاطها الاستيطاني بوتيرة متصاعدة. وأعرب عن أمله في أن تنجح إسرائيل مستقبلاً في إقناع إدارة الرئيس دونالد ترامب بضرورة تطبيق السيادة الإسرائيلية الكاملة على أراضي الضفة.

حدود عام 1967 غير قابلة للدفاع، وإسرائيل بحاجة إلى حدود أوسع في غزة ولبنان وسوريا لمواجهة التهديدات.

وكان سموتريتش قد جدد دعواته العلنية لإعادة الاحتلال الكامل لقطاع غزة وإقامة تجمعات استيطانية داخله، وذلك خلال فعالية رسمية شارك فيها وزير الدفاع يسرائيل كاتس. وتأتي هذه الدعوات في سياق سياسة حكومية تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في المناطق التي تصنفها الأمم المتحدة أراضي محتلة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية قد وصل إلى نحو 750 ألف شخص، يتوزعون على مئات المستوطنات والبؤر الرعوية. وتؤكد تقارير حقوقية أن هذه التوسعات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرياً وتقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.

ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة العمليات العسكرية واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق. وأفادت مصادر طبية وحقوقية باستشهاد ما لا يقل عن 1150 فلسطينياً وإصابة آلاف آخرين، في ظل حملات اعتقال واسعة طالت نحو 22 ألف مواطن فلسطيني.

وتعكس تصريحات سموتريتش التوجهات اليمينية المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تولت مهامها في نهاية عام 2022. وتواجه هذه السياسات إدانات دولية واسعة، حيث تعتبرها معظم دول العالم والمنظمات الدولية خرقاً صارخاً للقانون الدولي وعائقاً أساسياً أمام تحقيق السلام في المنطقة.




“الإحصاء” في يوم الصحة العالمي: القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة وقاهرة

شلل تام في منظومة غزة الصحية: دمار طال 94% من المستشفيات ونفاد نصف الأدوية 37 ألف امرأة حامل ومرضع و31 ألف طفل يواجهون خطر سوء التغذية والموت البطيء قيود الاحتلال تعرقل وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية في الضفة رام الله   الحياة الجديدة- أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بيانا صحفيا، لمناسبة يوم الصحة العالمي 2026، الذي يأتي هذا العام تحت شعار “معاً من أجل الصحة: لنقف مع العلم”، مستعرضاً واقع النظام الصحي في فلسطين في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة، خاصة في قطاع غزة. وأوضح “الإحصاء” أن القطاع الصحي الفلسطيني يواجه تحديات متفاقمة نتيجة استمرار العدوان والحصار، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المعايير الصحية الإنسانية والواقع المعيشي، في وقت يشهد فيه العالم تقدماً متسارعاً في مجالات الطب والرعاية الصحية. وأشار إلى أن البيانات المحدّثة حتى آذار 2026 تُظهر وصول المنظومة الصحية في قطاع غزة إلى حالة انهيار حاد، حيث طال الدمار 94% من المستشفيات، ما أدى إلى خروج المستشفيات الـ 36 كافة عن طاقتها التشغيلية الكاملة، فيما يعمل 18 مستشفى بشكل جزئي فقط.  كما سجلت خدمات الرعاية الصحية الأولية تراجعاً كارثياً في أدائها، انخفض إلى أقل من نصف قدرتها التشغيلية، حيث لا يعمل سوى 1.5% منها بكامل طاقتها.   وتزداد حدة الأزمة مع نفاد 51% من الأدوية الأساسية التي وصلت “رصيد صفر” في المستودعات، ما يضع آلاف المرضى، لا سيما ذوي الأمراض المزمنة، أمام عجز حاد في الحصول على العلاج المنتظم، ويجعل المنظومة الصحية في حالة شلل شبه تام يضع حياة السكان على المحك. ونوه إلى أن هذا التدهور لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد أيضا إلى الضفة الغربية، حيث تؤثر القيود على الحركة بشكل متزايد على إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية. فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الحوادث التي استهدفت الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، ما أدى إلى تعطّل العديد من الخدمات، بما في ذلك العيادات المتنقلة.  وتشير التقديرات إلى أن واحدة من كل خمس أسر أفادت بعدم قدرة أطفالها على الوصول إلى الرعاية الصحية، أو الحصول على الأدوية اللازمة نتيجة الإغلاقات المتكررة. ووفقاً لتقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC) للفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2025 حتى نيسان/أبريل 2026، شهد قطاع غزة خلال الفترة بين 16 تشرين الأول/أكتوبر إلى 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، حيث ما زال نحو 1.6 مليون شخص (77% من السكان الذين شملهم التحليل) يواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.   وعلى الرغم من التحسن النسبي المحدود بعد وقف إطلاق النار، فإن تدمير 96% من الأراضي الزراعية، وارتفاع البطالة إلى 80%، وافتقار 47% من السكان للمرافق الصحية الأساسية، يجعل هذا التحسن هشّاً للغاية؛ ما يبقي خطر المجاعة قائماً في حال توقف المساعدات أو تجدد الأعمال العدائية. ويواجه الأطفال والنساء أوضاعاً تغذوية مقلقة في قطاع غزة؛ حيث أشارت التقديرات حتى منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2026 في تقرير “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، إلى أزمة سوء تغذية حادة تهدد حياة 101,000 طفل (من سن 6 أشهر إلى59 شهراً)، من بينهم 31,000 حالة ستعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم الذي يضع حياتهم على المحك.  وفي السياق، من المتوقع أن تعاني نحو 37,000 امرأة حامل ومرضع من سوء تغذية حاد، في حين تظل عشرات الآلاف من النساء الأخريات عرضة لمخاطر صحية وتغذوية مرتفعة.   وقد انعكس هذا الواقع، بشكل كارثي، على صحة المواليد، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في معدلات الولادة المبكرة، بحيث يحتاج واحد من كل خمسة مواليد جدد إلى رعاية مكثفة، بالتوازي مع زيادة حادة في حالات الإجهاض والمضاعفات الصحية المرتبطة بنقص المتطلبات الغذائية الأساسية. الأمراض تلتهم مراكز النزوح وسط عجز حاد في الخدمات الصحية واستنادا إلى لوحة مراقبة الأمراض الموحدة لنظام التحذير والاستجابة المبكر (EWARS)، التي تجمع بيانات أسبوعية صادرة عن المرافق الصحية، يُظهر عبء الأمراض المعدية في قطاع غزة أعداداً مرتفعة بشكل غير مسبوق من الحالات التنفسية وأمراض الجلد والطفيليات المسجلة.  وصل الوضع الصحي في قطاع غزة إلى مستوى حرج غير مسبوق، حيث شكلت الأمراض السارية ما يقارب ربع إجمالي الاستشارات الطبية (23.3%) منذ بداية العام 2026 وحتى نهاية شهر شباط/ فبراير، في ظل عجز وانهيار فعلي لقدرة النظام الصحي على الاستجابة. وسجلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة أعلى نسبة بين الأمراض المعدية المشخصة، إذ بلغت 68% خلال الشهرين الأولين من العام 2026، مع تسجيل أكثر من 1.9 مليون إصابة تراكمية.   وعلى الرغم من تسجيل تراجع نسبي في عدد الإصابات مؤخراً، فإن تسجيل 17 حالة وفاة خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، يعكس تفاقم خطورة الوضع وحدة المرض الناتجة عن البرد القارس في ظل الاكتظاظ الحاد داخل مراكز النزوح التي تجاوزت قدرتها الاستيعابية بأكثر من أربعة أضعاف، إلى جانب انعدام التدفئة والتهوية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية. أما الإسهال المائي الحاد، فقد شكل ثاني أكثر الحالات المرضية إبلاغاً بنسبة 16%؛ إذ تم تسجيل نحو 81 ألف حالة خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير، فقط، من العام 2026، من بينها أكثر من 36 ألف إصابة بين الأطفال دون سن الخامسة.   في حين سجلت أكثر من 496,000 حالة إسهال مائي حاد خلال العام 2025، 47% منهم بين الأطفال دون سن الخامسة.  ويُعزى هذا الارتفاع الحاد -الذي يزيد بنحو 20 ضعفاً مقارنة بفترة ما قبل الحرب- إلى تدهور جودة المياه، وانهيار أنظمة الصرف الصحي، حيث تشير التقديرات إلى أن 97% من المياه في القطاع غير صالحة للاستهلاك.  فيما انتشرت الأمراض الجلدية مثل الجرب والقمل بنسبة 15%، لتطال نحو 75 ألف شخص، في ظل غياب شبه كامل لمرافق النظافة الشخصية. كما تفاقمت معاناة المصابين بالأمراض المزمنة نتيجة تعطل الخدمات التشخيصية والعلاجية، ونفاد 70% من الأدوية الأساسية؛ ويقدّر عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة بنحو 1,100 مريض، في حين لا يتلقى العلاج سوى نحو 600–700 مريض فقط، في ظل تدمير واسع للبنية التحتية الصحية، وتعطل معظم مراكز غسيل الكلى، ما يضع حياة المرضى في خطر شديد.   هذا ويعاني مرضى الأورام والسرطان، الذين يُقدّر عددهم بنحو 10–12 ألف مريض، من انهيار شبه كامل في منظومة العلاج، في ظل نقص حاد في الأدوية الكيماوية، وتعطل خدمات التشخيص المتقدمة، بما في ذلك الأشعة المقطعية، إلى جانب القيود الشديدة على التحويلات الطبية خارج القطاع، ما يجعل الحصول على بروتوكولات علاجية متكاملة أمراً بالغ الصعوبة.   ويمتد هذا التدهور ليشمل مئات الآلاف من ذوي الأمراض المزمنة، في ظل نفاد نسبة كبيرة من الأدوية الأساسية، الأمر الذي يزيد من خطر المضاعفات والوفيات المرتبطة بأمراض كان بالإمكان السيطرة عليها في الظروف الطبيعية. ولا تقتصر الأزمة على الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، حيث يعاني أكثر من مليون طفل في قطاع غزة من آثار نفسية حادة، بما في ذلك القلق واضطرابات ما بعد الصدمة، في ظل غياب شبه كامل لخدمات الدعم النفسي المتخصصة. وفي رصد مأساوي لحجم الإبادة والنزيف البشري المستمر، تشير المعطيات إلى أن العدوان المستمر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أسفر حتى آذار/مارس 2026، عن أكثر من 72,280 شهيداً، إضافة إلى ما يزيد على 172,000 جريحاً، يُقدّر أن نحو ربعهم يعانون من إصابات دائمة تتطلب خدمات إعادة تأهيل طويلة الأمد.  وتشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من 21000 طفل من بين الضحايا، إضافة إلى ما يزيد على 11,000 طفل يعانون من إعاقات دائمة وإصابات غيرت مجرى حياتهم، وهم بحاجة ماسة إلى برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد غير متوفرة في ظل الظروف الحالية. ويتطلب حجم الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة تحركاً دولياً فورياً وفعالاً، ورفع القيود المفروضة على إدخال المعدات والتجهيزات الطبية الحساسة، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات الصحية المنقذة للحياة.  وتشير البيانات إلى أن أكثر من 18,500 مريض بحاجة إلى الإخلاء الطبي الفوري، من بينهم 3,800 طفل ممن يحتاجون إلى تدخلات علاجية متقدمة خارج فلسطين. المنظومة الصحية في الضفة الغربية قائمة تحت الضغط تعتمد منظومة الرعاية الصحية في الضفة الغربية على شبكة واسعة من الخدمات، حيث في العالم 2024 تم تقديم الرعاية الأولية من خلال 608 مراكز صحية، إضافة إلى 60 مستشفى توفر ما يقارب 13.4 سرير لكل 10,000 من السكان وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ حوالي 30 سريراً.  كما بلغت كثافة الكوادر الصحية 21.9 طبيب عام و43.6 ممرض لكل 10,000 من السكان، وهو ما يعكس توفر الموارد البشرية، مع استمرار الحاجة إلى تحسين توزيعها وكفاءتها لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات الصحية. وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يمكن فصل الوضع الصحي عن القيود المفروضة، حيث تؤثر الإجراءات الإسرائيلية، بشكل مباشر، على كفاءة الخدمات الصحية في الضفة الغربية واستمراريتها؛ إذ تعيق الحواجز والقيود على الحركة، وصول المرضى، وبخاصة الحالات الطارئة، إلى المستشفيات في الوقت المناسب، كما تحدّ من قدرة الكوادر الصحية على التنقل، وتؤثر على توريد الأدوية والمستلزمات الطبية. وتنعكس هذه التحديات سلباً على جودة الرعاية الصحية واستمراريتها، ما يشكل ضغطاً إضافياً على النظام الصحي، ويهدد المكاسب المحققة. انخفاض وفيات الأمهات والأطفال في الضفة الغربية تعكس المؤشرات الصحية في الضفة الغربية تقدماً تدريجياً في خفض وفيات الأمهات والأطفال؛ إذ بلغ معدل وفيات الأمهات 22.2 لكل 100,000 مولود حي، وهو أدنى بكثير من السقف الذي حددته منظمة الصحة العالمية ضمن أهداف التنمية المستدامة (أقل من 70 حالة).  كما سجلت وفيات الرضع 8.5 لكل 1,000 مولود حي، ووفيات الأطفال دون الخامسة 10.1 لكل 1,000 في العام 2024، وهي مستويات ضمن الحدود العالمية المستهدفة. وعند مقارنتها بنتائج المسح الفلسطيني العنقودي متعدد المؤشرات 2020، يتضح مسار تحسن واضح؛ إذ بلغت وفيات الرضع نحو 14 لكل 1,000، ووفيات الأطفال دون الخامسة حوالي 26 لكل 1,000 مولود حي.  ويعكس هذا الانخفاض تحسناً في فعالية خدمات الرعاية الصحية الأولية والتدخلات الوقائية.  ويُعد الوصول شبه الكامل للولادات المؤسسية، بنسبة 99.9%، من أبرز النجاحات في النظام الصحي، لما له من دور حاسم في خفض المخاطر الصحية على الأمهات والمواليد. عبء الأمراض في الضفة الغربية تشير بيانات وزارة الصحة في الضفة الغربية للعام 2024، إلى تباين واضح في نمط الأمراض، حيث تُعد الأمراض غير السارية التحدي الأبرز أمام الصحة العامة؛ إذ تهيمن على أسباب الوفاة بشكل كبير.  وتتصدر أمراض القلب الإقفارية (أمراض القلب الناتجة عن انسداد الشرايين) قائمة المسببات بنسبة 24.7% من إجمالي الوفيات، تليها الأورام السرطانية بنسبة 18.2%، ثم مضاعفات داء السكري بنسبة 14.5%.  كما يبلغ معدل حدوث السرطان نحو 130.8 حالة لكل 100,000 من السكان، وهو أقل من المتوسط العالمي، إلا أنه يُعد مرتفعًا نسبيًا مقارنة بالعديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ويقع ضمن الحدود العليا للمعدلات المسجلة إقليميًا، ما يعكس عبئاً صحياً متزايداً يتطلب تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر، إلى جانب تحسين خدمات التشخيص والعلاج. وفي المقابل، لا تزال الأمراض السارية تحت السيطرة نسبياً، حيث تسجل معدلات إصابة منخفضة؛ إذ بلغ معدل الإصابة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) حوالي 5.23 لكل 100,000 من السكان، بينما سجل السل الرئوي معدلاً منخفضاً جداً بلغ 0.23 لكل 100,000.  ويُعد خلو الضفة الغربية من حالات شلل الأطفال والحصبة خلال العام 2024 مؤشراً إيجابياً يعكس فعالية برامج التطعيم، ونظم الترصد الوبائي، على الرغم من استمرار التحديات الصحية القائمة. الإنفاق المباشر للأسر المعيشية على الصحة: عبء مالي إضافي بلغ إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في فلسطين العام 2024 نحو 1,793.9 مليون دولار أمريكي، ويشكل حوالي 11.2% من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل نصيب للفرد 351.7 دولار سنوياً.   ويعتمد النظام الصحي، بشكل كبير، على التمويل الحكومي 41.7%، بينما تشكل الأسر المعيشية ثاني أكبر وكيل تمويل للصحة في فلسطين، حيث بلغت نسبة مساهمتها 44.9% من إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة في العام 2024.   وهذا يعكس عبئاً مالياً مباشراً مرتفعاً على الأسر، قد يحدّ من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى، ويزيد من مخاطر التعرض لضغوط اقتصادية