1

في منظومةٍ تعتمد على التسجيل الإلكتروني وبيئة اتصال مضطربة..

غزة.. إقصاءٌ “إغاثي” تصنعه “الرقمنة”!

أم محمد: الروابط كانت تفتح لدقائق ثم تغلق والاتصال ضعيف ومكلف ومتقطع

كمال محمد: حاولت التسجيل مرارًا لكنني لم أصل بسبب ضعف الاتصال وضيق مدة التسجيل

“أمان”: ضعف الإنترنت والاتصالات أثرا في القدرة على متابعة الإعلانات وبالتالي على فرص التسجيل

حنان المهموم: سجلت لدى برنامج الأغذية العالمي لكنني لم أعرف لماذا لم تصلني المساعدة

تماضر طنبورة: لم أتمكن من التسجيل بسبب الضغط على الموقع وضيق المدة المحددة

الفارس الشهم3: البرنامج العام لا يعتمد مدة ثابتة للتسجيل والمبادرات المؤقتة تخضع لشروط خاصة

إسراء جبر: قالوا لي إن المساعدة أُرسلت إلى رقم الهاتف المسجل لكنها لم تصل

برنامج الأغذية العالمي: نظام التسجيل الذاتي يتيح تسجيل غير المتزوجين والأطفال والأزواج بصورة مستقلة

التنمية الاجتماعية: لدينا قاعدة بيانات تضم أكثر من 517 ألف أسرة

حقوقي: توزيع المساعدات يجب أن يستند إلى معايير موضوعية وعادلة وشفافة وأن يراعي درجة الاحتياج والهشاشة

أحمد العرجا وأمل بريكة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

“كانت تفتح لدقائق قليلة ثم تغلق”، قالتها أم محمد عبد الكريم بحسرة وضربت كفًا بكف. كانت تقصد روابط تسجيل المساعدات التي لطالما حاولت الوصول إليها، فيما كان ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء يحولان دون متابعتها في الوقت المناسب.

تمتلك “أم محمد” هاتفًا ذكيًا قديمًا، وتعيش وعائلتها المكونة من ثمانية أفراد، في مخيم الشاطئ الشمالي، فيما تعتمد أسرتها على نقاط الشحن المدفوعة بالطاقة الشمسية، لتزويد هواتفها المحمولة بالشحن يوميًا.

تصف السيدة الإنترنت المتاح لديها بأنه ضعيف ومكلف ومتقطع، وهذا جعل الوصول إلى بعض الروابط التي تابعتها، ومنها روابط مرتبطة بـ”حساء غزة” أمرًا غير مضمون.

لم تعد الطريق إلى المساعدات في قطاع غزة تبدأ من باب مؤسسة أو مركز توزيع، ففي منظومة تعتمد على التسجيل الإلكتروني تبدأ المساعدة من هاتف ورابط تسجيل، ثم استكمال البيانات وتلقي رسالة تحدد موعد ومكان الاستلام.

هذه السلسلة -معظم الأحيان- تعمل في بيئة رقمية مضطربة، يتداخل فيها ضعف الإنترنت وانقطاع الاتصالات والكهرباء مع متطلبات التسجيل والمتابعة، ولذلك قد يتحول الرابط من مجرد وسيلة للتسجيل إلى شروط حتمية للوصول إلى المساعدة.

يتتبع هذا التحقيق تجارب مواطنين، واجهوا عوائق في مراحل مختلفة، ويراجع آليات التسجيل والاستهداف، ودور المؤسسات في ظل واقع الاتصال بغزة؛ للكشف عن مدى تأثير هذه الآليات على فرص الوصول إلى المساعدة.

وتكتسب تجربة “أم محمد” أهمية في ظل تراجع امتلاك الهواتف الذكية في غزة من نحو (58%) عشية الحرب، إلى (35%) خلال 2025م، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.. أي أن النظام الذي يفترض أن يكون الرابط الإلكتروني بوابته الأولى يعمل في بيئة تراجع فيها أصلًا انتشار الأداة التي يعتمد عليها.

    
صورة 1: لقطة شاشة لأحد روابط “حساء غزة” تظهر نشر الرابط وإغلاقه خلال 4 دقائق. صورة 2: نماذج من التعليقات على روابط “حساء غزة”.

ولا تثبت حالة “أم محمد” وحدها الحرمان من المساعدة بسبب “الرقمنة”، لكنها توثق عقبة تسبق تقييم الاستحقاق أصلًا. وهو ما يؤكده “كمال محمد”، شابٌ من ذوي الإعاقة الحركية، متزوج ويعيش في خيمة بمواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، إذ أفاد بأنه حاول التسجيل عبر روابط “حساء غزة” مرارًا، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها بسبب ضعف الإنترنت وضيق فترة التسجيل. وقد رصد التحقيق منشورات وتعليقات لمواطنين تتحدث عن صعوبات مماثلة.

ويدعم الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” هذا الجانب من الصورة، إذ يقول مديرها الإقليمي في قطاع غزة وائل بعلوشة، في رده على معدي التحقيق: “المؤسسة رصدت اعتمادًا مفرطًا على روابط قصيرة المدة، إلى جانب ضعف الإعلان المسبق ومعايير الاختيار وآليات الشكاوى، بما يجعل سرعة الإنترنت والقدرة على متابعة الإعلانات عاملين مؤثرين في فرص التسجيل، خصوصًا لدى كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر التي تعاني من ضعف الكهرباء والاتصالات”.

وحاول معدا التحقيق التواصل مباشرة مع المسؤول عن “حساء غزة” هاني المدهون عبر قنوات الاتصال المتاحة (فيسبوك، والبريد الإلكتروني)، للاستفسار عن مدة فتح الروابط، ومعايير الاختيار، والبدائل المتاحة، ولم يصل رد حتى موعد نشر هذا التحقيق.

لكن الوصول إلى الرابط لم يكن العقبة الوحيدة. فوفق “حنان المهموم” (34 عامًا)، وهي منفصلة نزحت من رفح إلى مواصي خانيونس، فقد واجهت صعوبات متكررة في متابعة روابط التسجيل بسبب ضعف الإنترنت، وتمكّنت من التسجيل لدى برنامج الأغذية العالمي، لكنها لم تعرف سبب عدم حصولها على المساعدة.

أما “تماضر طمبورة”، المقيمة مع والديها المسنين في بيت لاهيا، شمالي القطاع، فتخبرنا أنها لم تتمكن من التسجيل في مشروع للنظارات الطبية تابع لـ”الفارس الشهم 3” بسبب الضغط على الموقع وانتهاء فترة التسجيل.

وهي مشكلة أفاد الصحفي “محمد الجمل” بأنه واجهها أيضًا، إذ لم يسمح له رابط “الفارس الشهم 3” للنظارات الطبية بالتسجيل بسبب ضيق الوقت والضغط على الموقع.

   
صورة 3: لقطة شاشة لإعلان مشروع النظارات الطبية، يوضح أولوية التسجيل والإغلاق التلقائي. صورة 4: عطل تقني يصيب رابط مشروع النظارات الطبية. 

صورة 5: لقطة شاشة من نظام “عملية الفارس الشهم 3” تظهر إغلاق التسجيل.

وتقول لجنة إسناد “الفارس الشهم 3″، في ردها على معدي التحقيق: “إن مشروع النظارات كان محددًا بعشرة آلاف مستفيد، وفُتح ليومين ثم مُدّد”، لكن إعلان المشروع -وفق ما راجعه التحقيق- ربط الاستفادة بأولوية التسجيل، فيما أظهرت لقطات نشرها مواطنون، ورصدها معدا التحقيق، أعطالًا تقنية في الرابط.

وفي المقابل، يوضح د. عزام شعث، الناطق باسم لجنة الإسناد، أن البرنامج العام لا يعتمد مدة ثابتة للتسجيل أو عددًا محددًا للأسر، وأن المبادرات المؤقتة، مثل مشروع النظارات، تخضع لشروط خاصة وتتابعها فرق تقنية.

وتكشف هذه المعطيات أن التسجيل الإلكتروني ليس آلية موحدة، إذ تختلف مدة فتح الروابط، وعدد المستفيدين، وشروط الاختيار، وإمكانية التمديد من برنامج إلى آخر.

لكن في المشاريع ذات النوافذ المحدودة، تتحول هذه الاختلافات إلى عائق عملي أمام من لم يتمكن من رؤية الإعلان أو الوصول إلى الرابط أو واجه خللًا تقنيًا في الوقت المتاح.

وتظهر المشكلة أيضًا بعد إتمام التسجيل، إذ تقول “تماضر”: “إن رسالة مساعدة وصلتها في التاسعة صباحًا، بالتزامن تقريبًا مع موعد التسليم، ولم تتمكن من استلام المساعدة”.

كما تشير “إسراء جبر”، المقيمة في مخيم البريج، إلى أن رسالة تخص مستفيدًا آخر وصلت هاتفها، وأن مؤسسة أبلغتها في حالة أخرى بأن المساعدة أرسلت إلى رقم الهاتف المسجل لديها، لكنها لم تصلها في أي مرة.

   
صورة 6: لقطة شاشة لرسالة الاستلام التي وصلت تماضر في نفس موعد التسليم صورة 7: نموذج رسالة وصلت بالخطأ

وتكشف هذه الحالات أن الوصول إلى المساعدة أصبح سلسلة مترابطة، فالبيانات التي تبدأ بها عملية الاستهداف يجب أن تبقى صحيحة حتى نهاية عملية الصرف، وإلا واجه المواطن عائقًا قد يحول دون حصوله على المساعدة.

ولا تعمل هذه السلسلة في بيئة اتصال مستقرة، إذ يعاني (97%) من مستخدمي الإنترنت من انقطاعات مستمرة في الشبكة، فيما يعاني (77%) من توقف خدمات الهاتف النقال أو ضعفها بما يعيق استخدام الإنترنت، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

الأسرة التي لا يشبهها النموذج

وتظهر طبقة أخرى من المشكلة عندما لا تتطابق بنية الأسرة الواقعية مع النموذج الذي صُمم به نظام التسجيل. تروي “إسراء جبر”، وهي من أسرة متعددة الزوجات، أنها واجهت صعوبة في تسجيل أفراد أسرتها ضمن نظام برنامج الأغذية العالمي، إلى جانب مشكلات في تسجيل بعض أفراد الأسرة ورفع مستندات في روابط أخرى.

في المقابل، توضح رئيسة قسم الاتصالات في “برنامج الأغذية العالمي” في فلسطين كلير نيفل  (Claire Nevill)، في ردها على معدي التحقيق، أن نظام التسجيل الذاتي يتيح تسجيل غير المتزوجين والأطفال والأزواج بصورة مستقلة، ولا يفترض وجود الفرد في أكثر من أسرة، مشيرة إلى تحديثه وإتاحة حذف التسجيل الكامل منذ مارس/آذار 2025م، فضلًا عن بدء تحقق ميداني في فبراير/شباط 2026م، شمل أكثر من (20) موقعًا، وتحقق من أكثر من (102) ألف أسرة حتى موعد ردها.

صورة 8: لقطة شاشة من رسالة “برنامج الغذاء العالمي” للاستدعاء للتحقق

ويمثل هذا الرد دليلًا مهمًا؛ فالبرنامج يقر بأن نظام التسجيل احتاج إلى تحديث معايير التسجيل ومعالجة الازدواجية والتحقق من البيانات، مع الإشارة إلى أن التحقق الميداني يستهدف الأشخاص المسجلين في قاعدة البيانات، ولا يحل مشكلة أولئك الذين لم يتمكنوا من التسجيل.

أما الأسر متعددة الزوجات، فتوضح “نيفيل” أن النظام يتيح تسجيل الزوجة أو الأطفال مع الزوج، أو بصورة منفصلة عند استقلالهم بالسكن؛ بينما تفيد شهادة “إسراء” بأن هذا التمثيل لم يكن ممكنًا بالصورة نفسها عندما حاولت التسجيل، ما يعني أن بعض الأسر متعددة الزوجات قد تواجه صعوبة في تمثيل بنيتها الأسرية ضمن النظام.

ولم يستجب “برنامج الأغذية العالمي” لطلب معدي التحقيق تزويدهم ببيانات تفصيلية حول الحالات التي كشفها نظام التحقق الجديد، تشمل الأسر المسجلة، والتسجيلات المرفوضة أو المعدلة أو المحذوفة، وغير المستوفية للشروط، والشكاوى المتعلقة بالتسجيل وتحديث البيانات، فضلًا عن بيانات الأسر متعددة الزوجات، بما يسمح بمقارنتها ورصد الفجوة بين حجم التسجيل والبنية الفعلية للأسر في البيانات الرسمية.

قاعدة وطنية أم أنظمة متعددة؟

إذا كانت المشكلة تبدأ أحيانًا من الرابط، وتمتد في حالات أخرى إلى البيانات أو الرسائل، فإن تعدد قواعد البيانات يفتح سؤالًا أوسع حول المسار الذي يسلكه المواطن أصلًا للوصول إلى المساعدة.

وتؤكد وزارة التنمية الاجتماعية، على لسان المتحدثة باسمها عزيزة الكحلوت، أن لديها قاعدة بيانات تضم أكثر من (517 ألف) أسرة، و”تحديثها يعتمد على الإنترنت ومراكز خدمات الجمهور والباحثين الاجتماعيين ولجان الأحياء والزيارات الميدانية، مع إتاحة الاستفادة منها للمؤسسات الإغاثية”، مقرةً بأن مؤسسات أخرى تعمل بقواعد بيانات خاصة بها.

وتقدم جمعية البركة الجزائرية نموذجًا مختلفًا، فهي تعتمد رابطًا إلكترونيًا للتسجيل، لكنها تقول في رد دائرتها الإعلامية على معدي التحقيق، “إنها تتيح التسجيل الحضوري لمن لا يستطيع استخدامه”، وتوضح أنها تعاملت مع أكثر من (315 ألف) تسجيل، مع تأكيدها أن تنفيذها بعض المشاريع من خلال “التنمية الاجتماعية” لا يعني اعتماد قاعدة بيانات الوزارة.

أما “الفارس الشهم 3″، فيقول د. شعث إنها وصلت إلى نحو (400 ألف) أسرة في الدورة الرابعة.

وتكشف هذه الأرقام اختلاف نطاق التغطية بين هذه الجهات، فتسجيلات “البركة” تعادل نحو (61%) من عدد الأسر المسجلة في قاعدة بيانات “التنمية”، بفارق يقارب (202 ألف) أسرة، فيما تبلغ الأسر التي تقول “الفارس الشهم 3” إنها وصلت إليها نحو (77%)، بفارق نحو (117 ألف أسرة).

لكن هذه الفوارق لا تكفي وحدها لإثبات أن الأسر غير المشمولة بهذه الأرقام حُرمت من المساعدة، إذ قد تختلف الفترات الزمنية ونطاق التغطية وتعريف “التسجيل” و”الوصول” بين الجهات. وهي، في المقابل، تكشف أن الجهات الإغاثية لا تعمل بالضرورة ضمن قاعدة تغطية موحدة حتى عندما تستهدف الفئة السكانية نفسها.

وهنا تكمن المشكلة التي يكشفها التحقيق: تعدد مسارات التسجيل والاعتماد على الروابط الإلكترونية يخلقان بيئة يصبح فيها احتمال الوصول إلى المساعدة مرتبطًا بعوامل تتجاوز الحاجة نفسها، فضلًا عن غياب مسار واضح للمواطن لمعرفة أي رابط يحدد وضعه، وكيف يصحح بياناته، وأين يعترض إذا لم يظهر فيها.

ويؤكد ائتلاف “أمان” أن ضعف آليات الشكاوى والاعتراض من أبرز الثغرات التي رصدها في منظومة الاستجابة، إلى جانب مشكلات التسجيل والاستهداف والإعلان.

المحفظة.. الباب الأخير للوصول

ولا تنتهي رحلة المساعدات النقدية عند التسجيل. تقول “حنان المهموم” إنها أنشأت محفظة “بال باي” بناءً على طلب “برنامج الأغذية العالمي”، لكنها واجهت لاحقًا مشكلة فيها ولم تجد المساعدة التي كانت تتوقعها بعد إعادة فتحها.

صورة 9: لقطة شاشة لرسالة من برنامج الأغذية العالمي يطلب إنشاء محفظة “بال باي”.

وهنا تبرز المحفظة باعتبارها حلقة أخيرة في سلسلة الوصول؛ فإذا تعذر على المستفيد إنشاؤها، فلن تصل إليه المساعدة حتى لو اجتاز مراحل التسجيل، لكن تحديد المسؤولية يحتاج إلى فصل واضح بين الجهة التي تضع شروط استخدام المحافظ، والمؤسسة التي تختارها قناةً لصرف المساعدة.

وقد وجه معدا التحقيق إلى “سلطة النقد الفلسطينية” أسئلة حول القيود المرتبطة بوثائق الهوية الصادرة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وما إذا كانت أثرت في قدرة بعض المواطنين على الاستفادة من المساعدات النقدية، إضافة إلى بيانات عن الحالات المتأثرة، لكنها لم تجب حتى موعد النشر.

ولا يعفي غياب الرد المؤسسات الإغاثية من المسؤولية عن تصميم مسار الوصول، فحتى إذا لم تكن صاحبة القرار في شروط فتح المحفظة أو التحقق من الهوية، فإن اختيار قناة الصرف يظل جزءًا من منظومة الوصول إلى المساعدة، ويطرح مسؤولية توفير بديل فعّال عند تعذر استخدام القناة المعتمدة.

ما الذي تكشفه الأدلة؟

من هاتف “أم محمد” القديم، إلى رابط “تماضر” الذي أغلق قبل أن تتمكن من التسجيل، ثم رسالة وصلت إلى هاتف مستفيد آخر، وصولًا إلى الأسرة التي تواجه صعوبة في تمثيل بنيتها داخل نموذج إلكتروني، تتكرر المشكلة في مراحل مختلفة من رحلة المساعدة.

الوصول إلى المساعدة في غزة لم يعد مرتبطًا بالحاجة والاستحقاق وحدهما، إذ أصبح المواطن مجبرًا على المرور عبر سلسلة من الخطوات تبدأ بمعرفة الرابط والوصول إليه، ثم التسجيل وتمثيل الأسرة وتحديث البيانات، ومتابعة الإشعارات والوصول إلى نقطة التوزيع، وفي المساعدات النقدية تجاوز القيود وإنشاء محفظة إلكترونية.

وتعمل هذه السلسلة في بيئة غير متكافئة، فبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تظهر أن (29%) من سكان غزة لم يتمكنوا من الوصول إلى الإنترنت مطلقًا، فيما كان اتصال (60%) ممن تمكنوا من الوصول متقطعًا.

ولا تشير الأدلة إلى أن هذه الآليات صُممت بقصد استبعاد فئة بعينها؛ لكنها تكشف تفاوت القدرة على عبورها، وتوضح أن بعض شروط الوصول تفترض امتلاك هاتف واتصالًا بالإنترنت وقدرة على متابعة الرسائل وتحديث البيانات وتمثيل الأسرة والوصول إلى نقطة التوزيع، وهي قدرات لا تتوفر بالتساوي في ظروف الحرب والنزوح.

ويوضح الحقوقي سعيد عبد الله، استنادًا إلى المادة (9) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003م، أن اختيار المستفيدين وتوزيع المساعدات يجب أن يستندا إلى معايير موضوعية وعادلة وشفافة، تراعي درجة الاحتياج والهشاشة، ولا تمنع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر احتياجًا متى استندت إلى معايير واضحة ومعلنة.

ومن ثمّ، فقد تتحول الإجراءات الرقمية إلى بوابة للإقصاء والانحياز عندما ينتج عن تصميم إجراء محايد ظاهريًا أثر غير متكافئ، نتيجة افتراض امتلاك هاتف واتصالًا بالإنترنت وقدرة على متابعة الرسائل وتحديث البيانات وتمثيل الأسرة والوصول إلى نقطة التوزيع.

التحقيق لم يتمكن من تحديد عدد الأسر التي فقدت مساعدات فعلية بسبب هذه العوائق، إذ امتنعت المؤسسات عن تقديم بيانات تفصيلية، لكن الأدلة التي جمعها معدّاه توثق وجود عوائق في مراحل مختلفة من مسار الوصول، وترصد أثرها في فرص التسجيل والاستفادة، كما ترصد محاولات بعض المؤسسات توفير بدائل أو تصحيح ثغرات كشفتها الممارسة.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.




رحلةٌ بلا ضمانات.. في عربات “الجار والمجرور” بغزة!

أحمد عجور- مواطن: “انحشرت قدمي بين مركبتين وأجريت لي عملية لإنقاذها من البتر”

وائل عبد الله- سائق: “بنمشي وإحنا خايفين.. كل قطع غيارها قديمة ومكلفة”

أحمد عطالله- سائق: “أنفقت نحو 15 ألف شيكل على تقوية نقاط الربط واللحام”

حمادة محمد- سائق: “شاهدت عربة ذات عجلتين تنفصل أثناء سيرها وتصطدم بالسيارة التي خلفها”

محمد حمد- حداد: “العربة تُصنع حسب الحديد المتاح وطلب الزبون.. بعضهم لا يولي أولوية للسلامة”

ممدوح الحايك- مهندس ميكانيكي: “أي حملة تفتيش حقيقية ستُسقط جميع المركبات الموجودة في السوق”

أم محمد حلس تحتاج لاستبدالٍ كامل لمفصل الركبة.. لكن العملية غير متاحة بغزة

طبيب بمستشفى “الأقصى”: “نستقبل إصابات عربات الجار والمجرور بشكل شبه يومي.. ونسجل وفيات أيضًا”

المتحدث باسم الشرطة بغزة: “هذه العربات تفتقر إلى عناصر السلامة والمتانة الإنشائية اللازمة”

“النقل والمواصلات”: “قطاع النقل يعمل في ظروف استثنائية وصعبة”

********

جمل إبرازية للنشر في سياق النص بأسلوب تلخيصي:

  • (70%) من مركبات غزة تحولت إلى هياكل معدنية محترقة و(80%) من الطرق متضررة.
  • –     (586) حادث سير.. (36) وفاة و(344) إصابة خلال النصف الأول من 2026م.
  • عربات الجار والمجرور صُممت أصلًا لنقل مواد البناء والبضائع.
  • معظم العربات التي فحصها التحقيق لم تكن مزودة بأحزمة أمان.
  • عربات الجار المجرور لا تملك في الغالب نظام فرامل مستقل وتعتمد على فرامل السيارة التي تجرها.

  • القانون لا يذكر “الجار والمجرور” بالاسم لكنه ينظم المركبات المستخدمة في نقل الركاب ومواصفاتها وترخيصها.
  • لا تتوفر بيانات رسمية منفصلة عن حوادث عربات الجار والمجرور بغزة.

لميس الهمص

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة والنصف مساءً، وفي ذروة الازدحام المروري، كان أحمد عجور متشبثًا بالحافة الخلفية لـ”عربة جار ومجرور” تسحبها سيارة، فيما يتكدس داخلها ما لا يقل عن 15 شخصًا.

لم يكن أحمد يعلم أن الرحلة التي بدأها بحثًا عن وسيلة نقل ستنتهي في المستشفى، حيث اصطدمت سيارة أخرى بالعربة من الخلف، في النقطة التي كان يقف عندها عجور.

انحشرت قدمه بين الهيكلين المعدنيين، والتوت عظام مفصل ساقه السفلي وتحطمت، بينما فرّ سائق السيارة التي صدمته من المكان.

أصبح أمام عجور خيار واحد لإنقاذ قدمه من البتر، وهو الخضوع لعملية تثبيت العظام بواسطة الصفائح المعدنية، وانتظار نجاحها في إعادة القدم إلى وضعها الطبيعي.

لم تكن إصابة عجور حادثًا معزولًا عن وسيلة نقل فرضت نفسها في شوارع غزة، بعد تدمير أعداد كبيرة من المركبات والطرق خلال الإبادة، فـ”عربات الجار والمجرور”، وهي مقطورات بدائية تُربط بمؤخرة السيارات لنقل الأشخاص والبضائع، أصبحت مشهدًا متكررًا في شوارع القطاع، رغم أن تصميم معظمها لم يكن مخصصًا لنقل البشر أصلًا.

وتشير بيانات حديثة لوزارة النقل والمواصلات إلى أن نحو (70%) من مركبات غزة تحولت إلى هياكل معدنية محترقة، فيما تعرض نحو (80%) من الطرق للحفر والركام.

وفي رصد ميداني أُجري على مدار ثلاثة أيام عند مفترق المجلس التشريعي غربي مدينة غزة، أحصت معدّة التحقيق 10 مركبات تُجر “عربات الجار والمجرور”، مقابل مركبة أجرة تقليدية واحدة. ولا يمثل هذا الرصد نسبة انتشار لهذه الوسيلة في القطاع، لكنه يعكس حضورها اللافت في أحد شوارع المدينة الحيوية.

وتشير وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، عبر موقعها الإلكتروني، إلى ارتفاع حوادث السير بصورة مقلقة منذ اندلاع الإبادة، ما أدى إلى مئات الوفيات والإصابات.

“وسيلة رزق”

بالنسبة إلى وائل عبد الله (40 عامًا)، لم تكن عربة الجار والمجرور خيارًا مهنيًا بقدر ما كانت وسيلة للبقاء، فقد تحولت سيارته القديمة إلى مصدر دخله الوحيد بعد تدميرها، ولم يجد أمامه سوى تعديلها لعربة جر لنقل الركاب.

يقول: “هذه الوسيلة تشكل خطرًا كبيرًا”، موضحًا أن العربات المستخدمة تفتقر في الغالب إلى إطارات جديدة، فيما أصبحت قطع غيارها القديمة مكلفة ونادرة.

ورغم ذلك، يواصل عمله، الذي يصفه بالمرهق، مضيفًا: “بنمشي وإحنا خايفين”. ويزيد: “السائقون يحاولون اتخاذ إجراءات احترازية لحماية الركاب، من بينها تخفيف السرعة والسير بحذر”.

أما أحمد عطا الله (28 عامًا)، فيرى أن العربة التي يستخدمها أكثر أمانًا من غيرها، بعدما أدخل عليها تعديلات وعمليات تدعيم، ويقول: “أنفقتُ نحو 15 ألف شيكل على تقوية نقاط الربط واللحام فيها”.

لكن حمادة محمد (32 عامًا)، الذي يقود عربةً أخرى، يرى أن مستوى الأمان يختلف من عربة إلى أخرى، بحسب طريقة تصنيعها وعدد عجلاتها. ويتذكر حادثة انفصلت فيها عربة ذات عجلتين عن السيارة أثناء سيرها، واصطدمت بمركبة السحب.

ويؤكد أنه أجرى بدوره تعديلات على عربته، لكن عندما سألته معدة التحقيق عما إذا كانت هناك جهة حكومية أو شرطة مرور تراقب هذه العربات، أجاب بوضوح: “ما في أي رقابة حاليًا”.

وخلال الاستماع الميداني إلى أكثر من 100 راكب من مستخدمي هذه الوسيلة في رحلات ذهاب وإياب، عبّر نحو (90%) منهم عن غضبهم من غياب الرقابة ومخاوفهم المتعلقة بالسلامة، بينما قال نحو (10%) إنهم يستخدمونها اضطرارًا لعدم وجود بدائل متاحة.

تُصنع بحسب المتاح!

في إحدى ورش الحدادة، يعمل محمد حمد على تصنيع عربات الجار والمجرور التي تستخدم لنقل الأشخاص والبضائع.

ويخبرنا أن العربة تتكون في الأساس من صندوق حديدي تُثبت به العجلات، ثم تُربط بالمركبة التي تجرها، مشيرًا إلى أن ارتفاع سعر الحديد منذ بداية الإبادة وصل إلى نحو (80%) للمتر الواحد.

ولا تتشابه العربات في تصميمها، فبعضها لا يحتوي على نظام تعليق، بينما تستخدم أخرى النوابض -وفق حمد- الذي يؤكد أن الثانية أكثر أمانًا وراحة أثناء الحركة، لكنها أقل طلبًا من الزبائن.

ويقول: “بعض الزبائن لا يضعون السلامة على رأس أولوياتهم، كما أن شكل العربة ومواصفاتها يتحددان إلى حد كبير وفق مقاسات الحديد المتوفرة وطلب الزبون”.

ويتراوح سعر تصنيع العربة -بحسبه- حول (17) ألف شيكل، فيما تبدأ تكاليف صيانتها المتكررة من نحو 300 شيكل.

وخلال زيارة ميدانية إلى عدد من العربات برفقة حمد، فحصت معدة التحقيق مدى ملاءمتها لنقل الركاب، ولاحظت غياب أحزمة الأمان عن العربات التي جرى تفقدها، حتى تلك التي استقلّتها خلال الرصد الميداني، ما يعني أن الراكب قد يجد نفسه عرضة للقذف خارجها عند التوقف المفاجئ أو وقوع اصطدام.

لم تُصمّم لنقل البشر!

تتجاوز المشكلة غياب حزام الأمان، بحسب المهندس الميكانيكي ممدوح الحايك، المحاضر في هندسة السيارات والرئيس السابق لورشة “يوكاس” في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.

ويقول: “معظم عربات الجار والمجرور تفتقر إلى أنظمة أساسية للفرامل والتعليق والحماية”، فالعربة في الغالب لا تمتلك فرامل مستقلة، وتعتمد في إيقافها على فرامل السيارة التي تجرها.

ويتابع: “عند التوقف المفاجئ أو الاصطدام، تندفع كتلة الركاب إلى الأمام بفعل القصور الذاتي، بينما لا توفر المقاعد غير المجهزة أو غياب الأحزمة ما يكفي لحمايتهم”.

ويحذر الحايك من أن انفصال العربة عن المركبة أثناء الحركة قد يؤدي إلى إصابات بالغة، بينها كسور في الأطراف السفلية وقد تصل إلى البتر.

وتزداد المشكلة مع الحمولة، فإذا حملت العربة (20) شخصًا بمتوسط وزن (70) كيلوغرامًا للفرد، فإن الحمولة الإضافية تتجاوز (500) كيلوغرام، فيما تكون السيارة التي تجرها في الأساس سيارة ركوب عادية صُممت لنقل عدد محدود من الأشخاص، وليس لتحمل قوة السحب والوزن الإضافي.

ويشرح أن العربات المستخدمة اليوم صُممت أصلًا لنقل مواد البناء والأخشاب والبضائع، لا البشر، ولذلك فإن المقاعد الموجودة فيها “غير مهيأة إطلاقًا” لنقل الركاب، وهو ما يزيد المخاطر على الأشخاص الذين يعانون أصلًا من إصابات في العمود الفقري أو الرقبة أو الأطراف.

وبحسب الحايك، لا يمكن ترك تصنيع هذه العربات لطلبات الزبائن وقدرات ورش الحدادة وحدها، بل يجب أن تستند إلى مخطط هندسي معتمد يحدد الأبعاد ونوع الحديد ونقاط الربط والحمولة ونظام التعليق والفرامل، على غرار المقطورات الحديثة التي تعمل فراملها بصورة متزامنة مع المركبة الساحبة.

ويضع الحايك الخطر في صورة أكثر وضوحًا بقوله: “أي حملة تفتيش حقيقية من وزارة النقل والمواصلات تُسقط جميع المركبات الموجودة في السوق المحلي دون استثناء”.

إصابات تتكرر..

ولا يتوقف الخطر عند احتمالات الاصطدام أو انقلاب العربة، حيث أصيبت الخمسينية أم محمد حلس، أثناء نزولها من إحدى هذه العربات.

وبحسب رواية ابنتها، “لم يمنحها السائق وقتًا كافيًا للنزول، فسقطت قبل أن تمر عجلات العربة فوق قدمها”.

تهشمت ركبتها وتفتت العظم، وأصبحت بحاجة إلى استبدالٍ كاملٍ للمفصل، وهي عملية لم تكن متاحة في غزة.

تقدمت الأسرة بطلب لتحويلها للعلاج في مصر قبل نحو عام، لكن التحويل لم يُفعّل حتى وقت إجراء هذه المقابلة.

وفي السادس والعشرين من تموز/ يوليو الماضي، انقلبت إحدى عربات الجار والمجرور قرب مقر مجلس الوزراء، مقابل ملعب الوحدة بمدينة غزة.

وانتشر تسجيلٌ مصورٌ للحادثة عبر وسائل الإعلام، فيما نُقل ثلاثة مصابين إلى مستشفى القدس، من بينهم مصاب تعرض لبتر كامل في إحدى يديه.

وفي مستشفى شهداء الأقصى، الذي استقبل عددًا من هذه الإصابات، يقول طبيبٌ طلب عدم ذكر اسمه: “إصابات حوادث عربات الجار والمجرور تصل إلى المستشفى بصورة شبه يومية”، مشيرًا إلى تسجيل وفيات أيضًا.

ماذا يقول القانون؟

رغم أن “عربات الجار والمجرور” لم تكن حاضرةً بالاسم في قانون المرور الفلسطيني رقم (5) لسنة 2000م، فإن استخدامها لنقل الركاب مقابل أجر لا يخرج تلقائيًا عن الإطار القانوني المنظم للنقل.

فالقانون يشترط ترخيص المركبات المستخدمة في نقل الركاب، كما تتطلب خطوط النقل العام ترخيصًا، وتنص اللائحة التنفيذية على ارتباط عدد المقاعد والركاب ومواصفات المركبة بما هو محدد في الترخيص، وتحظر نقل الركاب مقابل أجر في مركبات غير مخصصة لهذا الغرض.

كما تحظر المادة (24) تغيير قياسات المركبة أو وزنها أو حمولتها، أو إضافة تجهيزات إلى الهيكل أو “الشاسيه”، إلا بعد الحصول على موافقة جهة الترخيص المختصة.

وبذلك، فإن الضرورة التي فرضتها الحرب لا تعني تلقائيًا أن أي تعديل على المركبات أو استخدامها لنقل الركاب يصبح مستوفيًا لشروط الترخيص والسلامة، إذ تبقى المواصفات الفنية وإجراءات الترخيص والحمولة جزءًا من الإطار القانوني.

وتكشف أرقام شرطة المرور عن تسجيل (586) حادث سير خلال النصف الأول من عام 2026م، أسفرت عن وفاة (36) شخصًا وإصابة (344) آخرين.

وسجلت محافظة خان يونس، جنوبي القطاع (279) حادثًا، مقابل (162) في مدينة غزة، و(129) في المنطقة الوسطى، بينما سجلت مدينة غزة العدد الأعلى من الوفيات.

لكن هذه الأرقام لا تقدم رقمًا مستقلًا لحوادث عربات الجار والمجرور، إذ أبلغ مركز المعلومات بوزارة الصحة معدّة التحقيق بعدم توفر بيانات منفصلة لهذه الحوادث، وتُدرج الإصابات الناتجة عنها ضمن إجمالي حوادث المرور.

كما أن الأرقام الرسمية لا تعكس بالضرورة جميع الحوادث، إذ لا تُسجَّل كل الوقائع رسميًا، ولا يصل جميع المصابين إلى المستشفيات.

من المسؤول عن الرقابة؟

ومع اتساع استخدام عربات الجار والمجرور، تتقاطع مسؤولية مراقبتها بين شرطة المرور ووزارة النقل والمواصلات. ويقول العقيد محمد الزرقة، المتحدث باسم الشرطة بغزة: “إن استمرار النزوح وتكدس السكان في مساحات محدودة من أبرز أسباب زيادة الحوادث، إلى جانب السرعة وعدم الحذر والحفر والركام في الطرق”.

ويضع الزرقة عربات الجار والمجرور ضمن الأسباب الرئيسة للحوادث، ويقر بأنها تفتقر إلى عناصر السلامة والمتانة الإنشائية اللازمة، مشيرًا إلى أن الخطر لا يقتصر على انقلابها أو انفصالها عن المركبة، وإنما يشمل أيضًا سقوط الركاب منها أثناء الحركة.

ويؤكد أن الشرطة نفذت جولات ميدانية مشتركة مع وزارة النقل والمواصلات للتوعية بالسلامة، وعملت على تحديث إشارات المرور وفتح بعض الطرق، إلى جانب تنفيذ خطط هندسية في المناطق الجنوبية.

كما رفعت الشرطة توصيات باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين والعمل على تنظيم أوضاع السائقين والمركبات، في ظل استمرار الحاجة إلى معالجة الوضع القانوني والفني لهذه الوسيلة.

وتأخر الحصول على إفادة رسمية من الشرطة لنحو شهرين، في ظل ملاحقة الاحتلال الإسرائيلي لأفراد الشرطة واستهدافهم، الأمر الذي جعل التنسيق والحركة الميدانية أكثر حذرًا وتأخرًا.

من جهته، يقول أنيس عرافات المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات: “قطاع النقل يعمل في ظروف استثنائية وصعبة، نتيجة الحصار وشح قطع الغيار وارتفاع أسعار الوقود، ما أدى إلى ظهور وسائل نقل اضطرارية مثل التوك توك وعربات الجار والمجرور”.

ويقر عرافات بأن معظم هذه العربات لا تستوفي الحد الأدنى من معايير السلامة والأمان، لكنه يربط ظهورها بالدمار الذي أصاب المركبات والطرق وإشارات المرور، وبصعوبة إدخال المركبات الجديدة وقطع الغيار إلى القطاع.

وتعمل الوزارة -وفقًا له- على خطة مؤقتة للتعامل مع هذه الوسيلة، تتضمن فحصًا فنيًا أساسيًا للفرامل والإطارات، والتحقق من المواصفات والأوزان، ووضع دليل فني مؤقت يفرض وجود إضاءة ليلية وعواكس ضوئية وفرامل مزدوجة ومقاعد ثابتة.

لكن تنفيذ الخطة يواجه صعوبات مرتبطة بمنع إدخال قطع الغيار، وتدهور الوضع الاقتصادي والطرقات، إضافة إلى حساسية اتخاذ إجراءات عقابية بحق سائقين يعتمدون على هذه الوسيلة مصدرًا لدخلهم.

ويرى عرافات أن الحل الجذري لأزمة النقل يكمن في إعادة تشغيل نظام الحافلات العامة، وهو أمر يرتبط بفتح المعابر، ولا يقع بمجمله ضمن القرار المحلي.

تقف عربات الجار والمجرور بغزة في منطقة رمادية.. وسيلة نقل فرضتها الحاجة، لكنها تحمل ركابًا في هياكل لم تُصمم أصلًا لحمايتهم.

وبينما تقر الجهات الرسمية وجود مخاطر، وتعلن عن خطة مؤقتة لتنظيمها، تبقى الأسئلة الأهم معلقة: كم عربة خضعت فعلًا للفحص؟ وما الذي جرى بحق العربات غير المستوفية للشروط؟ ومتى تتحول المواصفات المعلنة إلى إجراءات على الشارع؟

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.




“يكشيلي عليك يا زيتونة”

الحاجة محفوظة اشتية تستحضر وجع الموسم

 بتساؤل موجع، وصوت تختلط فيه الدهشة بالحسرة، تابعت الحاجة محفوظة اشتية، من بلدة سالم شرق نابلس، مقطعاً مصورا متداولا عبر منصات التواصل الاجتماعي، يظهر مستوطنين يسرقون ثمار أشجار الزيتون، ويقطفونها بضرب الأغصان بالعصي.

لم تكن تسأل عن هوية المعتدين بقدر ما كانت تستنكر ما تراه عيناها، كيف يمكن لإنسان أن يتعامل مع شجرة الزيتون بهذه القسوة، فيضرب أغصانها ويسلب ثمارها، دون أن يرى فيها حياة أو تعبا أو ذاكرة.

“يكشيلي عليك يا زيتونة”، عبارة خرجت من قلب يعرف جيدا معنى أن تُجرح شجرة زيتون، وأن يُنتزع من الأرض شيء لا يمكن تعويضه بسهولة.

فالحاجة محفوظة صاحبة صورة شهيرة تختصر حكاية شعب بأكمله، صورة احتضنت فيها زيتونة في أرضها، بعدما قطعها المستوطنون قبل نحو عقدين ونصف، وكأنها تحتضن إنسانا عزيزا فقدته.

في تلك الصورة، لم تكن الحاجة محفوظة تحتضن جذع شجرة مقطوعة فحسب، بل كانت تعانق ما تبقى من عمرها وذاكرتها، في مشهد تحول إلى رمز للعلاقة الوجدانية العميقة بين الفلسطيني وأرضه.

يومها، كانت الزيتونة المقطوعة شاهدة على اعتداء طال شجرة ارتبطت بحياة صاحبتها، فيما جسّد احتضان محفوظة لها وجعا يتجاوز خسارة شجرة أو موسم من الثمار.

وبعد نحو خمسة وعشرين عاما، لا تزال المشاهد تتكرر، وإن اختلفت تفاصيلها، أشجار تُقطع، وأخرى تُقتلع من جذورها، وثالثة تُحرق أو تُخرب، فيما تتعرض ثمار الزيتون للسرقة والنهب، في اعتداءات تطال المزارعين الفلسطينيين ومصدر رزقهم وارتباطهم بأرضهم.

الزيتونة مثل الأم

ترتبط الحاجة محفوظة اشتية بشجرة الزيتون بعلاقة تتجاوز حدود الأرض والمحصول، فهي بالنسبة إليها رمز للحياة والصمود، ورفيقة درب لا تنفصل عن ذاكرة الفلسطينيين ووجدانهم.

وفي سياق حديثها لـ “الحياة الجديدة” شبهت محفوظة شجرة الزيتون بالأم الفلسطينية التي تمنح بلا مقابل، وتصبر على قسوة الظروف، وتتشبث بالحياة لأجل أبنائها.

ولذلك، فإن مشهد ضرب الأشجار بالعصي وسرقة ثمارها في الفيديو الذي شاهدته لم يكن بالنسبة إليها مشهدا عابرا، بل وجعا أصاب شيئاً عزيزا على قلبها، وكأن الاعتداء طال جزءا من روحها.

كانت كلماتها أقرب إلى مناجاة شجرة تعرفها وتحبها، لا إلى تعليق على مقطع عابر في فضاء التواصل الاجتماعي.

فالزيتونة بالنسبة إليها ليست خشبا وأوراقا وثمارا، بل رفيقة عمر، وذاكرة مواسم، وشاهدة على حكايات العائلة والأرض.

ومن هنا، بدا تساؤلها “مستوطنين إلي بجدو ولا عرب” تعبيراً عفوياً عن استغرابها من قسوة المشهد.

وجع محفوظة، وجع نساء فلسطين

تحمل الحاجة محفوظة اشتية في حكايتها ملامح نساء فلسطين اللواتي ارتبطن بالأرض جيلا بعد جيل، وعرفن أن الزيتونة ليست محصولا موسميا فحسب، بل جزء من الهوية والذاكرة والكرامة.

نساء رافقن مواسم القطاف، وحملن الثمار إلى المعاصر، وانتظرن بركة الزيت في البيوت، وورّثن أبناءهن حب الشجرة والتمسك بالأرض.

ولذلك، فإن مشهد زيتونة تُقطع أو تُحرق أو تُنهب ثمارها لا يمر على قلوبهن كخبر عابر، إنه وجع شخصي، يشبه رؤية فرد من العائلة يتعرض للأذى.

وبين صورة محفوظة وهي تحتضن زيتونتها المقطوعة قبل نحو ربع قرن، وصوتها اليوم وهي تشاهد المستوطنين يضربون الأشجار بالعصي، تمتد حكاية امرأة لم يتغير حبها للأرض، وستظل جذورها ممتدة وحاضرة في الذاكرة والوجدان.




خبز “الغذاء العالمي” في “كرش” السوق السوداء.. تتبعٌ يكشف الطريق

خبز “الغذاء العالمي” في “كرش” السوق السوداء.. تتبعٌ يكشف الطريق

الطفل علي: أصطف بالطابور لساعات يوميًا وأحيانًا أعود بلا خبز

الطفل روحي: أكرر دوري فأجمع رزمًا كثيرة لغرض البيع.. أحيانًا أغير ملابسي للتمويه

أم محمد: أشتريها بستة شواكل.. لا أستطيع أن أعود إلى خيمتي بلا خبز

عودة: ليس من العدل أن يحصل شخص على عشر ربطات ويحرم آخر منها

جمعية “المخابز”: رقابتنا تنتهي عند نقطة التوزيع.. وهناك تبدأ مشكلة السوق السوداء

“حماية المستهلك”: مهمتنا مراقبة السعر.. أما اختيار نقاط التوزيع فمسؤولية البرنامج

مفتش في “حماية المستهلك”: أحيانًا نغضّ الطرف لأن نقاط التوزيع بعيدة عن الناس

“أمان”: السعر المعلن هو مفتاح المساءلة القانونية

مستشار قانوني: إذا أُعلن السعر للمستهلك فالمزود ملزم بإعلانه على وحدة البيع

استبانة إلكترونية وزّعتها “نوى”:

(78.6%): لا أحد يسجل أسماءنا عند استلام الخبز

(70%): لا أحد يتأكد أننا لم نستلم من نقطة أخرى

(65.1%): منظومة التوزيع عاجزة عن منع تكرار الاستلام

(60%) رأوا المشترين المتكررين

(5.71%) فقط حصلوا على حصتهم كاملة خلال أسبوع

(84.6%) اشتروا الخبز بأكثر من سعره المدعوم

(72%) لا يثقون بعدالة توزيع الخبز

(95%): نقص الخبز يغيّر طعام الأسرة

ظريفة أبو قورة وعلاء الهجين

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عند الخامسة والنصف صباحًا، يخرج علي محمد من خيمته في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، مرتديًا ملابسه وحذاءه، ويقطع أكثر من نصف كيلومتر ليحجز لنفسه مكانًا متقدمًا في طابور يضم أكثر من 100 شخص، ينتظرون وصول شاحنة الخبز المدعوم من برنامج الأغذية العالمي.

يحمل علي، البالغ من العمر (13 عامًا)، مهمةً لا يُفترض أن يحملها طفل في مثل سنه، فمنذ استشهاد والده خلال الحرب، ترسله والدته بشكلٍ شبه يومي لشراء ربطة الخبز التي تزن كيلوين، بسعر 3 شواكل، لأسرة مكونة من خمسة أفراد.

لكن وصول علي إلى الطابور لا يعني بالضرورة عودته بالخبز، فبمجرد وصول الشاحنة، تتحول نقطة التوزيع إلى ساحة من التزاحم والفوضى، ويندفع المتجمعون للحصول على الربطات قبل نفادها.

وفي مرات عدة، وصل الدور إلى علي ليجد أن الخبز قد نفد، رغم أنه من سكان المنطقة نفسها، فيعود إلى خيمته خالي الوفاض، أو يضطر إلى شراء الربطة من الباعة بـ(6) إلى (8) شواكل.

وعلي ليس حالة فردية، فقد أكد (39.7%) ممن شملتهم استبانة وزّعها معدا التحقيق، أنهم واجهوا المشكلة نفسها: نفاد الخبز قبل وصول دورهم.

لكن تتبع ما يحدث داخل نقاط البيع كشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المتاحة، بل بثغرة في آلية التوزيع تتيح لبعض الأشخاص الحصول على الربطة أكثر من مرة، ثم نقلها إلى السوق السوداء وبيعها بضعف السعر.

من الطابور إلى المفترق

رافق معدا التحقيق علي إلى نقطة التوزيع في مواصي خانيونس، ولاحظا تكرار الأشخاص أنفسهم، وبينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عامًا، في الطابور أكثر من مرة.

كان بعضهم يحصل على عدة ربطات، وصلت في حالات إلى (15) ربطة، ثم يحملونها إلى منطقة “الكنيس” في شارع العطار، على بعد أمتار من نقطة التوزيع، حيث يتحول الخبز المدعوم إلى سلعة تباع بأسعار مضاعفة.

وبمتوسط (10) ربطات يحصل عليها بعض هؤلاء، فإن عشرات الأسر تُحرم من شراء الخبز بالسعر المدعوم، وتضطر إلى اللجوء إلى السوق السوداء.

وعلى مدار (20) يومًا، رصد معدا التحقيق أسعار الخبز في المفترقات، فبدأت من (5) ووصلت إلى (8) شواكل، فيما كشفت استبانة إلكترونية وزعاها عبر مجموعات “واتساب” اجتماعية وإعلامية متخصصة في نشر أخبار المساعدات، فجوةً بين حجم الإنتاج المعلن وبين انتظام وصول الخبز إلى الأسر.

ووفق نتائج الاستبانة التي قام بتعبئتها (350) مستفيدًا ورب أسرة في غزة والنصيرات ودير البلح وخانيونس، بالتوازي مع زيارات ميدانية، فإن (29.6%) من الأسر تشترى الربطة بـ(6) شواكل، أي ضعف السعر المدعوم.

لكن كيف يحصل الباعة على هذه الكميات؟ الإجابة جاءت من أحدهم..

“روحي” والطابور المتكرر

بعد أيامٍ من البحث، قابل معدا التحقيق الفتى روحي “ع”، البالغ من العمر (17 عامًا)، الذي كشف لهما آلية حصوله على (7) إلى (11) ربطة خبز يوميًا وإعادة بيعها.

يخبرنا روحي أنه يقف في نقطة البيع منذ السادسة صباحًا وحتى انتهاء التوزيع، فيستلم ربطة، ثم يعود إلى الطابور ويأخذ بطاقةً أخرى ليستلم ربطة جديدة، ويكرر العملية مرات عدة.

“نشتري من الطابور المخصص للكاش، ثم ننتقل إلى التطبيق، وهكذا”، يقول، موضحًا أنهم يبيعون الربطة بـ(7) شواكل عبر التطبيق، و(6) شواكل نقدًا، رغم أن سعرها المحدد من البرنامج هو (3) شواكل فقط.

ولا يقتصر الأمر على نقطةٍ واحدة، إذ ينتشر روحي مع أصدقائه وأقاربه في أكثر من نقطة توزيع، بهدف جمع أكبر كمية ممكنة من الخبز وبيعها في السوق.

وفي مدينة غزة، رصد الصحفيان نمطًا مشابهًا: طفلٌ يزاحم على الطابور، ثم يسلّم الربطات إلى طفلٍ آخر شريك له، فيضعها داخل كيس دقيق، وبعد أن اكتشف البائع الأمر ومنعه من الاستلام، لجأ إلى شراء الخبز من المستفيدين بـ(5) شواكل للربطة، وبعد امتلاء كيس كان قد أعده مسبقًا بنحو (15) ربطة، غادر الطفلان المنطقة باتجاه السوق لبيعها بسعر أعلى.

هذه الوقائع تضع سؤال الرقابة في قلب القضية: إذا كانت الكمية تخرج من المخبز وتصل إلى نقطة التوزيع، فمن يتابع إلى أين تذهب بعد ذلك؟

أين تتوقف الرقابة؟

بحسب تقرير للأمم المتحدة صادر في 23 يوليو/تموز 2026م، تدعم الجهات الإنسانية حاليًا إنتاج نحو 300 طن من الخبز يوميًا، بما يغطي قرابة (36%) من الاحتياجات الغذائية المقدرة في قطاع غزة.

ووفق التقرير، ينتج 28 مخبزًا مدعومًا نحو 110 آلاف رزمة يوميًا، وزن كل منها كيلوغرامين، بينما يُباع نحو (80%) من هذه الكمية عبر أكثر من 150 تاجرًا متعاقدًا بسعر مدعوم يبلغ 3 شواكل، أي (0.93) دولار أمريكي، فيما توزع الـ20% المتبقية مجانًا على نحو 320 مركز إيواء وموقعًا مجتمعيًا.

الاستبانة كشفت فجوة بين حجم الإنتاج وانتظام وصول الخبز إلى العائلات في قطاع غزة، فــ(5.71%) فقط من المشاركين قالوا إنهم حصلوا على الخبز 7 مرات أسبوعيًا خلال الأسبوع السابق لتعبئة الاستبانة، ولفهم هذه الفجوة، تتبع معدا التحقيق سلسلة توريد الخبز من المخبز حتى نقطة البيع.

أحد أعضاء الهيئة الإدارية في أحد المخابز، ورفض الكشف عن اسمه أو اسم المخبز، قال: “المخابز تتلقى الدقيق والسولار مقابل إنتاج كمية محددة، ثم تسلم الخبز صباحًا إلى نقاط التوزيع بحضور مراقب من البرنامج لإحصاء العدد، بهدف منع السرقة والتلاعب بالكميات.

وأكدت إحدى نقاط التوزيع المتعاقدة مع البرنامج أنها ترسل رسالة إلى المنظمة تتضمن عدد الرزم التي تستلمها يوميًا من المخبز، لكنها رفضت تقديم إثبات على ذلك.

هنا، يبدو أن الرقابة موجودة عند نقطة التسليم، لكنها لا تمتد بالقدر نفسه إلى ما يحدث بعده. فبحسب (78.6%) من المشاركين في الاستبانة، لا يتم تسجيل أسمائهم عند استلام الخبز، في حين قال (70%) منهم إنه “لا توجد آلية للتحقق من حصول الشخص نفسه على الخبز من نقطة أخرى في اليوم ذاته”، بينما أكد (65.1%) أن النظام الحالي غير قادر إطلاقًا على منع الازدواجية.

وفي المقابل، أكد (60%) أنهم شاهدوا أشخاصًا يشترون الخبز بشكل متكرر. “روحي” نفسه أكد أن تكرار الاستلام لا يتطلب سوى تغيير المظهر أحيانًا، “إذا شعر البائع أنه حفظني، أخرج قبعة وأرتديها وأعود إلى المكان نفسه” يضيف.

كما أفاد المشتركون بأن مفتشي برنامج الأغذية العالمي يتواجدون في بعض نقاط البيع ليومين فقط في الأسبوع، وبصورةٍ غير مستمرة.

أسر تبحث عن ربطة.. وسوق يرفع السعر

أم محمد شبات واحدة من المتضررات، وهي ضمن (84.6%) من المشاركين الذين أكدوا لـ”نوى” أنهم اشتروا الخبز بسعرٍ أعلى من 3 شواكل من مصدر غير متعاقد.

قد يمر أسبوع كامل دون أن تتمكن السيدة الستينية من شراء الربطة بالسعر المدعوم، فتدفع 6 شواكل للحصول عليها.

تعيش أم محمد مع ابنها الضرير داخل خيمة في مواصي خانيونس بعد نزوحها من رفح، ولا تملك مصدر دخل ثابت، وتقول: “أمنيتي أن يتم وضع رابط أو نظام للخبز، على غرار آلية تعبئة غاز الطهي، بحيث تضمن الأسرة حصتها دون الوقوف في طوابير لا تضمن الحصول على شيء”.

أم محمد واحدة أيضًا من (95%) قالوا :”إن نقص الخبز أثر على كمية الطعام الكلية لأسرهم، واضطروا إلى استبداله بالأرز والمعلبات”.

أما هي، فلا تستطيع شراء الحطب أو إشعال النار بسبب أزمات صحية ألمت بها، كما لا تستطيع شراء الخبز المدعوم من مخابز أخرى، بسعرٍ يتراوح بين 6 و8 شواكل.

ويؤكد عبد اللطيف عودة (38 عامًا)، من حي الزيتون غربي مدينة غزة، وأب لثلاثة أطفال أكبرهم عمره 10 سنوات، أنه يعجز مرارًا عن الحصول على خبز الغذاء العالمي بالسعر المدعوم بسبب نفاده السريع.

ويقول: “أرى أطفالًا لا تتجاوز أعمارهم 13 عامًا يزاحمون الجميع، يشترون الربطات ثم يهربونها إلى مكان ما، ويعودون إلى الطابور حتى يجمعوا كميات كبيرة، ثم يبيعونها في الأسواق والمفترقات بسعر مضاعف”.

ويطالب عودة بالسماح لكل عائلة بربطة واحدة، حتى لا يحصل شخص على 10 ربطات بينما تعود عائلات أخرى من دون خبز.

السعر يرتفع مع الوقت

لم يكن السعر في السوق السوداء ثابتًا، حيث أظهرت نتائج الاستبانة أنه يصل أحيانًا إلى 10 شواكل! وبناءً على شكاوى وصلت عبر الاستبانة، في بندٍ يتيح كتابة التجربة، نزل معدّا التحقيق ميدانيًا في أوقات مختلفة، ليتبين أن سعر الربطة يتغير خلال اليوم.

في الصباح، تراوح بين 5 شواكل نقدًا و6 شواكل عبر التطبيق، ثم ارتفع إلى 7 شواكل في الظهيرة، وبدأ بالارتفاع تدريجيًا بعد الساعة الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساء، مستفيدًا من أن توزيع الخبز المدعوم يتم أساسًا بين السادسة والنصف والثامنة صباحًا.

ووصلت إلى معدّي التحقيق (234) شكوى من أصل (350) مشاركًا، تناولت جودة الخبز والأسعار ونظام التوزيع وغياب العدالة ونقص التغطية الجغرافية.

إحدى المشتكيات، وهي أم لخمسة أفراد تقيم في خيمة غربي مدينة غزة، طلبت وجود نظام يتيح لأبنائها استلام الخبز نيابة عنها، لأنها لا تستطيع الذهاب أحيانًا لعدم وجود زوجها الذي اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.

وفي شكوى أخرى، قال رجل يبلغ من العمر (70 عامًا) من شمالي غزة، ويعيل أسرة من سبعة أفراد بينهم أربعة أطفال: “لم أعد قادرًا على الذهاب يوميًا للحصول على ربطة الخبز”.

وتكشف هذه الشكاوى أن مشكلة التوزيع لا تضرب الأسر بالطريقة نفسها، بل تجعل الأطفال وكبار السن والنساء والأسر التي تعيلها امرأة أكثر عرضة لفقدان حصتهم.

ربطة واحدة لا تكفي

وهناك مشكلة أخرى تتعلق بغياب معيار واضح لكمية الخبز التي تحتاجها الأسرة، فقد أجاب (67%) من المشاركين عن سؤال معرفتهم بالمعيار المحدد لحصة الأسرة اليومية بإحدى الإجابات الثلاث: “لا أعرف”، أو “كمية ثابتة بغض النظر عن العدد”، أو “لا، لا يوجد معيار واضح”.

أما الرصد الميداني فأظهر أن الشخص الواقف في الطابور يحصل على ربطة واحدة وزنها 2 كيلوغرام، بغض النظر عن عدد أفراد أسرته.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ متوسط حجم الأسرة في قطاع غزة (5.3) فردًا. وقد أظهرت الاستبانة أن الأسرة المكونة من (4) إلى (5) أفراد تحتاج في المتوسط إلى (1.35) ربطة يوميًا، بينما يرتفع الاحتياج لدى الأسر المكونة من 6 أفراد فأكثر إلى (1.76) ربطة يوميًا.

وبما أن الربطة لا تُشترى مجزأة، فإن الأسرة المتوسطة أو الكبيرة تحتاج عمليًا إلى ربطتين يوميًا، بينما لا تتيح لها نقطة التوزيع سوى ربطة واحدة للشخص الذي يقف في الطابور.

وهكذا، تضطر الأسرة المكونة من 6 أفراد إلى شراء الربطة الثانية من السوق السوداء، بما يتراوح سعرها بين 5 و7 شواكل، أي إن كلفة احتياجها الأدنى تصل إلى مبلغ يتراوح بين 10 و14 شيكلًا يوميًا.

ويضع سامي العمصي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في غزة، هذه الكلفة في سياق اقتصادي أشد قسوة، إذ يقول: “نسبة الفقر تجاوزت 90%، بينما يبلغ متوسط دخل الفرد في القطاع 17 شيكلًا يوميًا”.

وبذلك، فإن شراء الخبز من السوق السوداء قد يستهلك نحو (82%) من دخل الفرد اليومي، بينما كان يمكن أن تنخفض النسبة إلى (35.29%) لو تمكنت الأسرة من الحصول على ربطتين بالسعر المدعوم البالغ 6 شواكل.

من يتحمل المسؤولية؟

رئيس جمعية المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، يقر بوجود تلاعب وتجاوزات في بيع الخبز المدعوم.

ويقول: “إن برنامج الأغذية العالمي يبيع الربطة لنقطة التوزيع بـشيكلين، ثم تبيعها النقطة للمستفيد بـثلاثة شواكل”، مؤكدًا أن الرقابة على النقاط لا تزال غير كافية.

“إذا استلمت النقطة 500 ربطة، يفترض أن توزعها على 500 عائلة، لا أن تبيع 200 منها لتجار أو باعة بـ4 شواكل، ليبيعها هؤلاء للمواطنين بـ6 شواكل”، يقول العجرمي، عادًا أن مثل هذه الممارسات ترتقي إلى شبهات فساد.

ويضيف: “بعض نقاط البيع متورطة في تهريب كميات كبيرة إلى التجار، بهدف تحقيق ربحٍ أكبر، وأن ذلك يحدث “بمعرفة مالك النقطة”.

وتتوافق هذه الشهادة مع نتائج الاستبانة، إذ بيّن (62.6%) من المشاركين أنهم سمعوا عن بيع تجار جزءًا من حصتهم بسعر أعلى، فيما أشار مصدر في وزارة الاقتصاد طلب عدم ذكر اسمه،إلى أن الوزارة سبق أن ضبطت بعض نقاط التوزيع.

لكن دور الجهات الرسمية لا يمتد إلى كل حلقات السلسلة. المهندس عماد الحوراني، مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة، يقول: “إن طواقم الوزارة تراقب جودة الخبز ووزنه خلال الجولات العامة على الأسواق، فيما لا تتولى اختيار نقاط البيع، لأن ذلك من اختصاص برنامج الأغذية العالمي”.

وأكد أن دور الوزارة داخل نقاط البيع يتعلق بالتزامها بالسعر، غير أن أحد عناصر التفتيش في الدائرة، ورفض الكشف عن اسمه، أشار إلى أنهم “يغضون الطرف أحيانًا عن بعض باعة الخبز على المفترقات، خصوصًا في إحدى مناطق مواصي رفح، لأن التوزيع الجغرافي لنقاط البيع “غير سليم”، ولأن المواطن قد يضطر إلى دفع أجرة مواصلات تعادل ما سيدفعه لشراء الخبز من السوق السوداء”.

ماذا يقول برنامج الأغذية العالمي؟

برنامج الأغذية العالمي، أجاب عبر البريد الإلكتروني على أسئلة معدَّي التحقيق بقوله “إن البرنامج يتعاقد حاليًا مع 28 مخبزًا في شمال ووسط وجنوب قطاع غزة ضمن “نموذج التحول”، ويوفر لها دقيق القمح والديزل فقط لإنتاج الخبز المدعوم.

وأوضح أن اختيار المخابز تم عبر عملية تنافسية من قائمة مختصرة مؤهلة مسبقًا، وأن الطاقة الإنتاجية اليومية للمخابز الـ(28) تبلغ 100 ألف حزمة، وزن كل منها 2 كيلوغرام، أي 200 ألف كيلوغرام من الخبز أو قرابة (2.2 مليون رغيف) يوميًا، يستفيد منها نحو 500 ألف شخص.

وبحسب البرنامج، يشتري تجار التجزئة الحزمة بشيكلَين، ويسمح لهم بإعادة بيعها بثلاثة شواكل، فيما يشتري البرنامج جزءًا من الإنتاج لتوزيعه مجانًا ضمن برنامج الوجبات الساخنة، خصوصًا في المناطق النائية.

لكن البرنامج لم يجب عن سؤال مباشر حول وجود رقابة كاملة على نقاط بيع الخبز المدعوم، وفي الوقت نفسه، أوصى الحوراني بضرورة زيادة عدد نقاط التوزيع وتغطيتها جغرافيًا، حتى لا يتحول بُعد المسافة نفسه إلى وسيلة استغلال للمواطنين.

هل رفع السعر مخالفة قانونية؟

ويضع المدير الإقليمي لائتلاف “أمان” في غزة، وائل بعلوشة، المسألة أمام احتمالين قانونيين: إذا كان سعر الـثلاثة شواكل مقررًا بقرار أو تعليمات رسمية فلسطينية، فإن تجاوزه يمثل مخالفة للتسعيرة، وقد تنطبق عليه أحكام قانون حماية المستهلك.

ويشير بعلوشة إلى القرار الوزاري رقم (1) لسنة 2010م بشأن إشهار الأسعار، والقرار الوزاري رقم (6) لسنة 2010م بشأن تحديد سقف سعر بيع كيلوغرام الخبز، مع التأكيد أن القرار القديم لا يثبت وحده أن سعر الثلاثة شواكل هو السعر الرسمي النافذ حاليًا.

أما إذا كان السعر ناتجًا عن اتفاق تعاقدي بين برنامج الأغذية العالمي ونقاط البيع، فإن الالتزام يكون في الأصل تعاقديًا.

ويؤكد المستشار القانوني محمد عبد القادر أبو علوان أن بيع الربطة بـ 6 أو7 شواكل، إذا كان عقد النقطة يلزمها ببيعها بـ 3 شواكل، يمكن أن يؤدي إلى فسخ العقد أو وقف التوريد أو الاستبعاد والمطالبة بالتعويض.

لكن الأمر يصبح أكثر وضوحًا إذا كان سعر الثلاثة شواكل معلنًا للمستهلك، فالمادة (17) من قانون حماية المستهلك تلزم المزود بإعلان السعر بالعملة المتداولة على وحدة البيع، فيما تحظر المادة (22/7) بيع السلعة بسعر أعلى من السعر المعلن.

وبحسب أبو علوان، فإن مخالفة المادة (22/7) قد تصل عقوبتها إلى الحبس من ستة أشهر إلى سنة، وغرامة من (1000) إلى (10,000) دينار أردني أو ما يعادلها.

أما الحصول على عدة ربطات وإعادة بيعها، فلا يمثل تلقائيًا جريمة، إذ يفرق بعلوشة وأبو علوان بين تكرار الاستفادة، وإعادة البيع، ودور صاحب نقطة التوزيع.

فإذا استخدم الشخص بيانات الغير أو مستندات غير صحيحة أو انتحل صفة للحصول على كمية إضافية، فقد تدخل الواقعة في نطاق الاحتيال إذا توافرت عناصر الجريمة، أما مجرد الوقوف في الطابور أكثر من مرة، فلا يكفي وحده للإدانة إذا لم يكن هناك نظام واضح يمنع التكرار.

وفي حال تحول بيع الخبز إلى نشاط متكرر ومنظم، فقد ينطبق على البائع تعريف “المزود” الوارد في القانون، خاصة إذا كان يعيد البيع بسعر أعلى من السعر المعلن.

أما الحالة الأخطر فتتعلق بصاحب نقطة البيع الذي يسلّم عمدًا كميات كبيرة إلى شخص يعرف أنه سيعيد بيعها، إذ يمكن عندها بحث مخالفته لشروط عقد برنامج الأغذية العالمي وقواعد التوزيع والسعر، وربما مسؤوليته عن الاشتراك أو المساعدة إذا ثبت العلم، فيما تصبح سجلات الدفع وكميات البيع اليومية والفروق بين الكميات المصروفة والمفترض بيعها أدلة أساسية.

ثغرة تبدأ من الطابور

وبينما يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن (28) مخبزًا تنتج 100 ألف حزمة يوميًا، ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى إنتاج يقارب (110) آلاف رزمة مدعومة يوميًا ضمن إجمالي إنتاج إنساني يقارب (300) طن، تكشف البيانات الميدانية عن مشكلة لا تتعلق فقط بكمية الخبز المنتجة، بل بما يحدث بعد خروجها من المخبز.

فالرقابة على الكمية والجودة لا تعني بالضرورة الرقابة على المستفيد النهائي، وفي غياب تسجيل الأسماء، وغياب آلية تمنع الازدواجية بين نقاط التوزيع، وعدم وجود معيار واضح لحصة الأسرة، يجد بعض الباعة مساحة للحصول على ربطات متعددة، فيما تضطر أسر أخرى إلى شرائها بسعر يصل إلى 10 شواكل.

وبينما قال (72%) من المشاركين إن ثقتهم منخفضة في عدالة توزيع الخبز بين الأسر المستحقة، قالت ما نسبته (84.6%) إنهم اشتروا خبزًا بأعلى من السعر المدعوم من مصادر غير متعاقدة، فيما رأى (95%) أن نقص الخبز أثر على كمية الطعام في أسرهم.

هنا لا تعود ربطة الخبز مجرد سلعة رخيصة في طابورٍ مزدحم، بل تصبح اختبارًا لمنظومة المساعدات نفسها.. من يحدد الكمية؟ ومن يتأكد من المستفيد؟ ومن يراقب النقطة بعد تسلمها الخبز؟ ومن يحاسب من يحول الدعم إلى تجارة؟

حتى الآن، تتوزع المسؤولية بين برنامج الأغذية العالمي الذي يراقب إنتاج الخبز وجودته وتسليمه، ووزارة الاقتصاد التي تراقب الوزن والسعر ضمن جولات الأسواق، ونقاط بيع تفتقر إلى نظام واضح لمنع الازدواجية، فيما تبقى السوق السوداء مستعدة لابتلاع كل ربطة خبز لا تصل إلى مستحقها.

ورغم أن الخبز المدعوم يُنتج يوميًا بمئات الأطنان، فإن المشكلة التي كشفتها هذه المتابعة ليست في كمية الخبز فقط، وإنما في الطريق الذي يسلكه من المخبز إلى يد المواطن.. طريقٌ يمكن أن تضيع فيه حصة أسرة كاملة بين طابور يتكرر، ونقطة لا تسجل الأسماء، وسوق سوداء ترفع السعر، ورقابة تتوقف قبل أن تصل الربطة إلى فم من يحتاجها.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.




تحت وطأة الإبادة.. قفزة في عدد الوفيات والتشوهات الخلقية

أجنّة غزة.. صرخاتٌ مشوّهة

الجرو: “مات أحد توأمَي ووُلدت الأخرى بتشوهاتٍ حادة”

أبو معروف: “وُلدت طفلتي بلا جمجمة وفارقت الحياة فورًا”

دوّاس: “أبصرَت طفلتي النور بغيابٍ كامل لعظمة الفخذ”

بهار: “ولدتُ توأمًا وسط الركام أحدهما مصاب باستسقاء الدماغ”

د. الوحيدي: “بياناتنا الرسمية تؤكد تضاعف معدل تشوهات الأجنة”

د. جندية: “عيوب القلب الخلقية تصدّرت التشوهات داخل الأقسام”

د. القرشالي: “نرصد ميدانيًا طفرة بالولادات المبكرة منخفضة الأوزان”

د. حمد: “النزوح المتكرر دمّر انتظام المتابعة الطبية للحوامل”

د. الفرا: “تحديد أسباب التشوهات بدقة يحتاج فحوصات غير متوفرة حاليًا بغزة”

العكلوك: “مخلفات الركام والصرف الصحي تحمل مخاطر طويلة الأمد”

د. حسان: “الحرب قطعت مخزون المكملات والفيتامينات لفترات طويلة”

زغرة: “غياب حمض الفوليك يهدد نمو الأنبوب العصبي”

نغم كراجة وأروى عاشور

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن القصف وحده ما أثقل حمل وردة الجرو (27 عامًا)، الذي اكتشفته منتصف عام 2025م، بينما كانت نازحة منذ أكثر من عام ونصف في منزل متصدع وسط مقبرة شمالي مدينة غزة.

لقد أمضت الأشهر الستة الأولى من حملها بتوأميها من دون متابعة طبية منتظمة، في حين لم تُتح لها الفرصة لإجراء صورة “سونار” إلا في الشهر السابع.

تقول لـ”نوى”: “لم أجد عيادة أتابع فيها حملي، وعندما تمكنت أخيرًا من إجراء صورة للجنين كانت الصدمة: أحد التوأمين توفي، فيما أخبرني الأطباء أن الجنين الآخر يعاني تشوهات”.

في الثاني من شباط/ فبراير 2026م، وضعت الجرو طفلتها “مسك”، التي شُخّصت بإصابة في مفصل الحوض، وتشوهٍ في القدم، وإصابة في الضفيرة العصبية بالكتفين، وانحناء والتواء في اليدين والقدمين.

تستعيد وردة تلك الفترة بقولها: “كنت أعيش تحت القصف بشكل متواصل، وامتلأ المكان بالدخان والغبار بعد استهداف المنزل المقابل قرب المستشفى المعمداني، لكنني لم أتخيل أنني سألد طفلة تبدأ رحلة علاجٍ صعبة في يومها الأول”.

منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تعرض النظام الصحي لانهيارٍ واسع، تزامن مع موجات نزوح متكررة، ونقص حاد في الأدوية والمكملات الغذائية، وتراجعٍ في خدمات متابعة الحمل.

وبهذا لم يعد القلق الذي يرافق رحلة الحمل هناك مرتبطًا فقط بالخوف من القصف أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات، بل بسؤالٍ أكثر إيلامًا: هل تركت الحرب آثارًا جديدة على صحة الأجنة؟

وسط الخوف والركام

لم تكن وردة وحدها التي بدأت رحلة الأمومة في ظروف استثنائية، فـ”بركة بهار” (32 عامًا)، وهي أم لخمسة أطفال، كانت حاملًا بتوأم أيضًا حين اضطرت للنزوح من شرقي حي التفاح إلى تل الهوى غربي مدينة غزة.

تخبرنا: “كنتُ أخشى أن أصل إلى موعد الولادة دون متابعة طبية، ولم أتوقع أن تبدأ معاناة طفليّ منذ لحظة ولادتهما”.

في منتصف آب/ أغسطس 2025م، أنجبت توأميها مصعب وصهيب، قبل أن تكشف الفحوصات إصابة أحدهما باستسقاء في الدماغ.

ورصدت معدّتا التحقيق حالات فقدت مواليدها خلال الساعات الأولى من الحياة بسبب تشوهات خلقية حادة، في ظل ظروف حمل استثنائية فرضتها الحرب.

هناء أبو معروف (26 عامًا) إحداها، إذ لم تعرف بمشكلة طفلتها “نورة” إلا بعد ولادتها قيصريًا في مجمع ناصر الطبي جنوبي غزة، حين أظهر التقييم عدم اكتمال الجمجمة وثقبًا في القلب، قبل أن تفارق الطفلة الحياة بعد ساعات.

تقول هناء: “عشت شهور حملي وسط القصف، وتعرض منزلنا في دير البلح خلال مايو/أيار 2024م للقصف وانتشر الدخان والغبار، ونزحت أكثر من سبع مرات سيرًا على الأقدام وأنا حامل في شهري السادس. لم أكن أعلم أن طفلتي تعاني تشوهات إلا بعد ولادتها”.

وتضيف بنبرة أسف وانكسار: “كنت أنتظر أن أسمع صوتها وأحملها، لكنني تلقيت خبرًا لم أكن مستعدة له”.

اكتشاف التشوه في منظومة متهالكة..

وفي السابع من شباط/ فبراير 2026م، وُلدت الطفلة وتين صابر دواس في مستشفى القدس غربي مدينة غزة، وبعد ساعات من ولادتها أظهرت الفحوصات إصابتها بتشوه خلقي في ساقها اليمنى، تمثل في غياب الجزء العلوي من عظمة الفخذ.

يقول والدها صابر دواس (40 عامًا): “زوجتي ناهد (33 عامًا) عاشت حملها في ظروف استثنائية، ولم تتمكن خلال الأشهر الأولى من الحصول بصورة منتظمة على حمض الفوليك والفيتامينات الضرورية، بسبب نقص الأدوية وتدهور الظروف المعيشية والمجاعة”.

ويضيف: “كانت تعاني فقر الدم، وفي كثير من الأيام كانت تعتمد على الخبز فقط، لأنها لم تكن قادرة على توفير غذاء متوازن يساعدها خلال فترة الحمل”.

ولا تبدأ معاناة الأطفال عند اكتشاف التشوهات، بل تمتد إلى منظومة الرعاية الصحية التي تراجعت قدرتها على متابعة الحمل ورعاية حديثي الولادة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م.

وبحسب رئيسة قسم الحضانة في مستشفى النصر للأطفال، ميادة جندية فإن أكثر التشوهات الخلقية التي تصل إلى الأقسام الطبية تتمثل في عيوب القلب الخلقية، “فيما لوحظ ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية للأجنة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة” تقول.

وتوضح جندية أن مقارنة أعداد الحالات الحالية بما قبل الإبادة لا تعكس الواقع بدقة، بسبب تغير التوزيع السكاني وانتقال المرضى بين مناطق ومستشفيات مختلفة.

وتكشف بيانات حصلت عليها معدّتا التحقيق من وزارة الصحة في قطاع غزة، أن عدد حالات التشوهات الخلقية المسجلة بلغ (322) حالة خلال عام 2025م، مقابل (184) حالة في عام 2022م، وهو آخر عام توفرت فيه بيانات كاملة قبل بدء الإبادة.

ولا تقف الزيادة عند عدد الحالات، إذ ارتفع معدل التشوهات الخلقية بين المواليد من (32) حالة لكل عشرة آلاف مولود حي عام 2022م إلى (64) حالة عام 2025م، أي أن المعدل تضاعف.

ويؤكد مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة، زاهر الوحيدي، تسجيل (100) حالة تشوهات خلقية منذ بداية عام 2026م وحتى نهاية يونيو/حزيران، موضحًا أن الوزارة لا تملك تقارير سنوية مكتملة لعامي 2023م و2024م، بعد انهيار جزء من الأنظمة المحوسبة وفقدان قواعد البيانات، قبل استعادة العمل بالنظام الصحي المعلوماتي عام 2025م.

ويشير الوحيدي إلى أن عدد مراكز الرعاية الأولية خلال فترات من عام 2024م لم يتجاوز (16) مركزًا، من أصل (160) إلى (167) مركزًا قبل الإبادة، رغم دورها الأساسي في متابعة الحمل وتوفير المكملات.

“الظاهرة لا تختزل في عامل واحد”

وفي ظل غياب البيانات الرسمية الكاملة، أجرت معدّتا التحقيق استطلاعًا شمل (40) سيدة خضن تجربة الحمل خلال عام 2024م.

وأظهرت النتائج أن نصفهن لم يحصلن مطلقًا على مكمل حمض الفوليك خلال الأشهر الأولى، فيما أفادت (19) سيدة، بنسبة (47.5%)، بأن أطفالهن ولدوا بتشوهات خلقية أو مشكلات صحية.

ولا تعني هذه النتيجة، وفق المعطيات الطبية الواردة في التحقيق، إثبات علاقة مباشرة بين نقص الفوليك والتشوهات، إذ يحذر الوحيدي من اختزال الظاهرة في عامل واحد، موضحًا أن نقص حمض الفوليك يأتي ضمن مجموعة من العوامل، بينها سوء التغذية وفقر الدم.

ووفق بيانات الوزارة، كانت (57%) من الحوامل اللواتي خضعن للفحص خلال الثلث الأول من الحمل عام 2025م مصابات بفقر الدم.

ورغم ارتفاع مؤشرات التشوهات الخلقية والمضاعفات الصحية، يؤكد المختصون استحالة تحديد سبب مباشر واحد في ظل غياب الدراسات الوبائية ونقص أدوات تحليل الملوثات وقياس آثارها.

ويتفق الأطباء الذين استطلعت آراءهم معدتا التحقيق على أن الأزمة نتاج تداخل عوامل عدة، على رأسها: سوء التغذية، ونقص “حمض الفوليك”، وتلوث المياه والهواء، ومخلفات الدمار.

ويوضح الوحيدي أن سوء التغذية قد يؤدي إلى اضطرابات في المشيمة ونقص وصول الأكسجين إلى الجنين، بما قد يرفع احتمالات التشوهات الخلقية والإجهاض والولادة المبكرة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية، في بيانها الصادر في 27 تموز/ يوليو 2025م، أن سوء التغذية في غزة وصل مستويات “خطيرة”، وأنه يطال النساء الحوامل والأطفال بشكل خاص، مع تسجيل ارتفاع في الوفيات المرتبطة به، مؤكدة أن منع وصول الغذاء والرعاية الصحية أدى لتدهور غير مسبوق في الوضع الصحي.

وفي السياق، كان بيان مشترك لوكالات الأمم المتحدة الأربع: (WHO – UNICEF – WFP – FAO)، نُشر في الثاني والعشرين من آب/أغسطس 2025م، أعلن أن المجاعة أصبحت مؤكدة في أجزاء من قطاع غزة، “فقد تضاعف عدد النساء الحوامل والمرضعات المتوقع إصابتهن بسوء تغذية حاد من 17 ألفًا إلى 55 ألف امرأة”.

دراسات “غير متوفرة” حاليًا

بدوره، يؤكد القائم على أعمال فرعين لإحدى صيدليات غزة، الدكتور إحسان حسان، أن الإبادة تسببت في نقصٍ حادٍ في مخزون الأدوية والمكملات، وأن حمض الفوليك لم يتوفر بانتظام لفترات طويلة، فيما تؤكد الصيدلانية بتول زغرة أهميته بالنسبة نمو الجنين وتقليل خطر بعض التشوهات، وخاصة عيوب الأنبوب العصبي.

ويشير أطباء قابلتهم معدتا التحقيق إلى تداخل عوامل عدة في صحة الأجنة، بينها سوء التغذية ونقص المكملات الغذائية والضغط النفسي والخوف المستمر، إلى جانب تلوث المياه والهواء ومخلفات الدمار.

ويقول طبيب الأطفال أحمد الفرا: “التشخيص الدقيق للتشوهات يحتاج إلى فحوصات ودراسات غير متوفرة حاليًا في غزة”، مشيرًا إلى أن سوء التغذية الحاد أثناء الحمل يضاعف مخاطر انخفاض وزن المواليد ومشكلاتهم الصحية، ويؤثر في المشيمة وتغذية الجنين.

وفي السياق ذاته، يؤكد استشاري أمراض النساء والولادة بوزارة الصحة الدكتور ناجي القرشالي وجود مؤشرات داخل المستشفيات على ارتفاع التشوهات الخلقية والولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد وحالات الحمل عالي الخطورة، لكنه يشدد على أن تحديد سبب كل حالة يتطلب دراسات متخصصة غير متوفرة في غزة.

وتؤكد مديرة صحة الأم والطفل بوزارة الصحة الدكتورة خلود حمد، أن عوامل الخطر تتداخل لدى الأمهات، من سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة الحصول على الفيتامينات إلى تعطل متابعة الحمل بسبب النزوح المتكرر وصعوبة الوصول إلى الخدمات، لكنها تقول: “السجلات الطبية المتاحة حاليًا لا تسمح لنا بتحديد عامل واحد بعينه بوصفه المسبب الأكثر تكرارًا بصورة علمية وحاسمة لحالات العيوب الخلقية أو الإجهاض”.

ولا يقتصر القلق على الغذاء والرعاية الصحية إذ يحذر الخبير البيئي سعيد العكلوك من المخاطر طويلة الأمد للملوثات الناتجة عن القصف والركام وتراكم النفايات ومياه الصرف وتلوث الهواء، في ظل غياب فحوصات شاملة.

ويقول العكلوك: “هذه الظروف قد تعرض الحوامل للبكتيريا والفيروسات والطفيليات، كما قد تنتقل بعض الملوثات عبر السلسلة الغذائية من التربة الزراعية ومياه البحر إلى الخضار والأسماك”، مشيرًا إلى وجود مواد كيميائية ومعادن ثقيلة ناتجة عن حرب الإبادة لم تُقَس بعد في القطاع.

ويشدد على أن تحديد وجود مواد مشعة أو معادن ثقيلة وتأثيرها يتطلب قياسات ودراسات علمية دقيقة.

موقف القانون الدولي

وكانت دراسة إيطالية قادتها الباحثة باولا ماندوكا بالتعاون مع وزارة الصحة عام 2020م، ربطت ارتفاع معدلات العيوب الخلقية بعد حرب 2014م بالتعرض لملوثات كيميائية ومعادن ثقيلة أثرت في المادة الوراثية.

ويؤكد الطبيب نبيل البرقوني، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، أن تراكم معادن ثقيلة مثل الزئبق واليورانيوم والكوبالت والكادميوم في أجساد الحوامل يمثل مصدر قلق صحي، مرجحًا أن الدمار الهائل واستنشاق النساء لمخلفات القصف ورائحة البارود قد يكونان من العوامل المرتبطة بارتفاع المعدل الحالي.

في الوقت ذاته، يؤكد العكلوك أن تحديد أثر المعادن الثقيلة أو المواد المشعة على الأجنة في غزة يحتاج إلى قياسات مباشرة ودراسات متخصصة.

ويبقى السؤال الأهم: “هل ترقى هذه المخاطر إلى انتهاكات يجرمها القانون الدولي؟”. يمنح القانون الدولي الإنساني النساء الحوامل حماية خاصة، فالمادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على “حماية واحترام خاصين” لهن، فيما تلزم المادة (56) الاحتلال بالحفاظ على المنشآت الطبية وشبكات المياه والصرف.

ويشكل تدمير المستشفيات ومرافق الولادة انتهاكًا محتملًا، لكن توصيفه كجريمة يتطلب إثبات الرابطة السببية بين الفعل والضرر.

وتؤكد الخبيرة في القانون الدولي رندا قدادة، أنه “لا يكفي رصد ارتفاع التشوهات أو الإجهاض لإثبات الانتهاك، بل يجب ربط الفعل العسكري بالضرر الصحي”.

وتضيف: “السجلات الطبية وتقارير الإجهاض وعينات المياه والتربة وشهادات الأمهات تمثل أدلة مهمة إذا أُرشفت علميًا”، ملفتةً إلى أن المادة (75) من نظام روما، تتيح جبر الضرر بالتعويض وإعادة التأهيل حتى لو ظهرت الأضرار بعد سنوات.

وبين طفلة تولد بتشوه خلقي، وأم حملت وسط القصف والمجاعة، وبيانات ترصد تغيرات مقلقة في صحة المواليد، تبدو آثار الإبادة أكبير بكثيرٍ من لحظة القصف، وإثبات ما إذا كانت حرب الإبادة قد تسببت مباشرة في ارتفاع التشوهات، يحتاج إلى ما هو أبعد من الشهادات والأرقام.. تحتاج إلى دراسات علمية تحفظ الدليل قبل أن يضيع.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.

المصادر المفتوحة:

1-     منظمة الصحة العالمية تحذر من وصول معدلات سوء التغذية في غزة إلى مستويات كارثية

رابط البيان: https://www.who.int/ar/news/item/02-02-1447-malnutrition-rates-reach-alarming-levels-in-gaza–who-warns

2-     بيان مشترك: المجاعة تصبح حقيقةً مؤكدةً لأول مرة في غزة

رابط البيان: https://www.who.int/ar/news/item/28-02-1447-famine-confirmed-for-first-time-in-gaza

3-     تقرير لليونيسيف حول المجاعة وسوء التغذية وأثرها على النساء والحوامل والأطفال في غزة خلال عام 2025.

رابط التقرير: https://www.unicef.org/media/180616/file/State-of-Palestine-Humanitarian-Situation-Report-No.46-%28End-of-Year%29%2C31-December-2025.pdf.pdf?utm_source=chatgpt.com

4-     المخاطر طويلة الأمد على صحة حديثي الولادة الناتجة عن التعرض للحرب: دراسة استقصائية امتدت لتسع سنوات حول الصحة الإنجابية والتلوث بالمعادن الثقيلة المنقولة عبر الأسلحة في غزة، فلسطين.

رابط الدراسة: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7177220