1

مكاسب استراتيجية للفلسطينيين

أطلقت تعبيراً مفاده ومضمونه أن الشعب الفلسطيني حقق مكسباً استراتيجياً بفعل عملية 7 أكتوبر 2023 ونتائجها وتداعياتها، باتجاهين:

الاتجاه الأول، هو ازدياد مظاهر التضامن والإنحياز والتعاطف الأوروبي الأميركي لصالح نضاله وعدالة قضيته ومطالبه المشروعة.
والاتجاه الثاني، إنكفاء عن دعم المستعمرة الإسرائيلية، وكشف حقيقتها كمشروع استعماري توسعي عنصري فاشي.
لم يكن هذا التعبير اختراعا لغويا من جانبي، بل مجرد قراءة للمتابعة، ودقة في التوصيف، وحصيلة لما جرى في شوارع أوروبا والولايات المتحدة، وها هي أفعال التظاهر والاحتجاج في الجامعات الأميركية، والاعتصامات في جامعات: هارفارد، وساوث كاليفورنيا، وجورج واشنطن، وكولومبيا، وتكساس، وييل، وكلية ايمرسون، تُعيد التأكيد على هذه القراءة، وهذه النتائج وحصيلتها على الصعيد الشبابي، بمشاركة يهودية بارزة، تكشف عمق الانكفاء الشبابي اليهودي عن المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين.
وهي تبرز بوضوح، حجم التعارض بين موقف الإدارة الأميركية، وموقف الحزبين الديمقراطي الحاكم والجمهوري المعارض والتفاهم الذي وقع بينهما في تقديم الدعم المالي والتسليحي لتقوية المستعمرة واستمرار احتلالها للضفة الفلسطينية وحربها في قطاع غزة، وبين احتجاجات طلبة الجامعات، ضد سياسة واشنطن الداعمة للمستعمرة الإسرائيلية.
ما يجري في الولايات المتحدة من دعم مساند حامي لسياسات المستعمرة، في استعمارها لفلسطين، كل فلسطين، يُماثل ما يجري في بريطانيا التي صنعت المستعمرة وسهلت استعمارها لفلسطين منذ وعد بلفور عام 1917، وتسخير احتلالها البريطاني لفلسطين وتوظيفه لمصلحة استقبال اليهود الأجانب وتوطينهم على أرض الفلسطينيين، تمهيداً لإعلان دولة المستعمرة في 15/5/1948، مترافقاً مع نهاية الانتداب- الاستعمار البريطاني لفلسطين. في هذه البريطانيا، كما في الولايات المتحدة: تجري المظاهرات الضخمة المليونية لصالح شعب أجنبي ولأول مرة، لصالح من؟؟ لصالح الشعب الفلسطيني.
تحولات جوهرية غير مسبوقة لن تتأثر نتائجها وتفرض نفسها على أصحاب القرار وقراراتهم حالياً، إلا ما ندر، ولكن هذه التحولات ستتم لاحقاً، وستنعكس توجهات الشباب الأوروبي والأميركي على سياسات بلادهم مستقبلاً وفي وقت لاحق، نحو المزيد من التعرية والانكشاف لمضمون وحقيقة المستعمرة، باعتبارها مشروعاً استعمارياً إحلالياً، على أرض الفلسطينيين وبلادهم ووطنهم الذي لا وطن ولا أرض لهم غيرها، فلسطين.
تحولات الشارع الأوروبي والأميركي لصالح شعب فلسطين، ثمنها باهظ، قتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، وتدمير البيوت والأملاك والمؤسسات على رؤوس أصحابها، وتحويل قطاع غزة إلى حالة من الخراب والدمار وبيئة غير صالحة للحياة، لن تهز شعب فلسطين، فقد تعرضوا لمثله عام 1948، ونهضوا من الخراب والموت والدمار واللجوء والتشتت، وصنعوا لأنفسهم مكاناً يستحقونه، لأن فلسطين تستحق الحياة، كما قال شاعرهم محمود درويش.




رسالة مساندة من وزارة الصحة إلى مهنيي الصحة النفسية في قطاع غزة

د. سماح جبر، استشارية الطب النفسي، مديرة وحدة الصحة النفسية، وزارة الصحة الفلسطينية

نراقب ما تحدثه آلة الحرب في القطاع ونحاول تصوّر الأثر النفسي البالغ والناتج عن الدمار الهائل والفقدان الصادم. من الطبيعي، بل ومن المقصود، أن يشعرنا هذا الرعب الذي نراه، بالعجز واللا جدوى من أدواتنا وجهودنا كمهنيين في مجال الصحة النفسية، فكيف نفرّ من القصف بتمارين الاسترخاء؟ وكيف نفسح المجال للإسعاف النفسي الأولي في غياب المكان الآمن والماء والطعام؟ وكيف نفعّل شبكات الدعم المجتمعي في ظل انقطاع الاتصالات؟

لكننا   نعلم أن وحشية العدوان صمّمت بشكل متعمّد لتخلق مشاعر العجز والذنب في نفوسنا وتكسر إرادة المجتمع الفلسطيني، ونعلم أيضا أن دور المهنيين في مجال الصحة النفسية يمكن أن يكون حجر الزاوية في بناء الأمل والتعافي في المجتمع بمختلف شرائحه، كما أنه مداد روح النضال لدى المتضامنين في كل أنحاء العالم، لكنّ صمودكم أنتم خاصة هو عماد صمودنا نحن –مهنيي الصحة النفسية- سواء في الوطن أو في كل بقعة تتوق إلى الحرية مثلنا فأنتم بوصلة التائهين ومنارة في ليل الاستبداد.

أستمع الى ردود فعل المصابين والفاقدين في غزة وتذهلني المضامين الوطنية والإيمانية التي يستحضرونها ليحافظوا على تماسكهم وصمودهم في الشدائد.

زملائي الأعزاء: ابنوا دعمكم النفسي  على هذه المفاهيم كلما وجدت، واستخدموا  استراتيجيات العلاج النفسي الجمعي والتحرري  لتعزيز الصمود و إعادة بناء الهوية للمساهمة في التعافي النفسي المجتمعي. فعلى الرغم من حجم الدمار، لا نزال نمتلك القدرة على تقديم التقدير والاهتمام والاستماع المتعاطف لبعضنا البعض.

أعزائي في غزة، يتصل بي زملاء لنا من القدس  والضفة والداخل المحتل ومن خارج فلسطين، عربا وأجانب، بشكل يومي متسائلين كيف نساعد أهل غزه، مدفوعين بالتضامن معكم والتأثر من مصابكم والأمل بنجاتكم وانتصاركم، وما يمنعنا عنكم الآن إلا آلة الحرب التي تقف بيننا، نترقب بفارغ الصبر وقف العدوان لنعاود العمل مع مؤسسات المجتمع المحلي والمنظمات الإنسانية، ولنوفر الدعم والموارد الضرورية لتعزيز الصحة النفسية.

وأخيرا أود أن أذكّركم أعزائي أنكم لستم وحدكم، فكل العيون ترى وجوهكم، وكل الآذان تصغي إلى كلماتكم، وكل القلوب تعيش الآن على نبض غزة، أنتم شهداء وشهود على هذه المرحلة الهامة في التاريخ الفلسطيني والإنساني، فاحفظوا قصص الناس وأحلامهم ووثقوها ما استطعتم، فإن في حفظ قصص الناس وتاريخهم الشخصي ما يحافظ على إنسانيتهم وكرامتهم أمام الامتهان، وما يحفظ التاريخ والحق الفلسطيني أمام الطغيان.

سنراكم قريبا وسنعمل معا كي نبني خدمات صحة نفسية أفضل ونساعد الناس على النهوض من جديد، مؤمنين بأن عملنا كمهنيي صحة نفسية هو مكوّن أساسي في مشروع التحرير الوطني بشقّيه؛تحرير الأرض والإنسان.

مع خالص التقدير، وعلى أمل بفرج قريب

د. سماح جبر، استشارية الطب النفسي، مديرة وحدة الصحة النفسية، وزارة الصحة الفلسطينية




ذكرى النكبة 75: هل بدأ العد العكسي؟

في ذكرى النكبة، لا جديد بالقول إن النكبة ما زالت مستمرة، وإن المشروع الصهيوني قطع شوطًا كبيرًا على طريق تحقيق أهدافه، بدليل إقامة إسرائيل على 78% من فلسطين واحتلال الباقي في العام 1967، والعمل جارٍ على قدم وساق من أجل تهويد الضفة الغربية وضمها، وتهجير قسم كبير من سكانها، وتصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها. ولا شك أن الإنجازَ الأهم للحركة الصهيونية احتواءُ الحركة الوطنية الفلسطينية، كما تحقق في توقيع اتفاق أوسلو، ثم شق الطريق للانقسام الذي حدث في العام 2007، هذا الحدث المشؤوم والمستمر منذ ذلك التاريخ، ويتعمق باستمرار، ويتحول إلى انفصال.

ما زال المشروع الصهيوني على الرغم من ذلك مفتوحًا، ويعمل على استكمال بقية الأهداف بضم بقية الأرض، وتهويدها، وطرد أكبر عدد ممكن من السكان، وإقامة إسرائيل الكبرى من النهر إلى البحر.

إسرائيل في أضعف حالاتها، ولكنها لا تزال قوية وقادرة على العدوان

كانت تبدو إسرائيل في ذكرى النكبة السابقة في أقوى حالاتها، بل تملك فائضًا من القوة يجعلها تتقدم في طريقها من دون عوائق كبرى، وخلقت حقائق على الأرض تجعلها تقترب من استكمال تحقيق أهدافها، وساعدها على ذلك الاتفاقات الإبراهيمية التي جسدت اختراقًا صهيونيًا جديدًا كبيرًا للعرب، ظهر فيه العرب المطبعون وكأنهم تخلوا عن القضية الفلسطينية والفلسطينيين، وحتى عن “مبادرة السلام العربية” التي كانت تنص على انسحاب كامل مقابل سلام كامل، وظهروا كأنهم مستعدين لتجاوز التطبيع البارد وإقامة سلام حار وتحالف عربي إسرائيلي سياسي اقتصادي عسكري في مواجهة الخطر الإيراني.

إذا ما قارنا ذكرى النكبة في هذا العام بالعام الماضي، سنجد أن هناك طعمًا مختلفًا تمامًا، فإسرائيل اليوم وبعد تشكيل أكثر حكومة تطرفًا تبنت برنامجًا للضم والتهويد والتهجير، وتسعى إلى تطبيقه بسرعة عن طريق خطة الحسم، وسنجد أنها مع ذلك في أضعف حالاتها وبدأت بالعد العكسي؛ ذلك بسبب تفجر الخلافات الداخلية إلى حد والانقسام بين تياريْن أساسييْن: واحد يريد أن تبقى إسرائيل كما كانت منذ تأسيسها دولة يهودية ديمقراطية، والآخر يريدها أن تتحول إلى دولة الشريعة اليهودية بالكامل.

وبناء عليه، وصلت إسرائيل إلى مأزق عميق بنيوي، كاد أن يصل يوم 27 آذار 2023 إلى عصيان مدني وحرب أهلية، لولا تدخل الدولة العميقة والدولة الأم الولايات المتحدة؛ حيث جُمِّدَتْ خطة الحكومة لإضعاف القضاء لصالح الكنيست والأغلبية في محاولة للتوصل إلى تسوية من الصعب التوصل إليها، فالكثير من الناس في دولة الاحتلال يقولون إنه لا يمكن العودة إلى الوضع قبل الإصلاح القضائي، وإذا جرى التوصل إليها فستكون مؤقتة وقابلة للانقسام في أي وقت لاحق.

المفجر الرئيسي للمأزق الإسرائيلي الحالي داخلي وليس فلسطينيًا أو خارجيًا

لم تستطع الحركة الصهيونية – كما تنبأ بن غوريون وغيره من القادة الصهاينة – أن تصهر اليهود الذي أحضروا من مختلف بقاع وشعوب وقوميات العالم، بل يبدو الآن أنهم أبعد عن الانصهار من أي وقت مضى، ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على تحقيق ذلك أن القضية الفلسطينية وأداتها الحركة الوطنية لم تعد ذلك الخطر الوجودي الذي كانت تمثله؛ لذلك أدى تراجع الخطر الخارجي الذي يهدد وجودها وشرعيتها من الجذور إلى تقدم، بل تفاقم الخلافات والتناقضات الداخلية.

ما سبق يوضح أن المفجر الرئيسي للمأزق الصهيوني الراهن هو الصراعات الداخلية حول هوية إسرائيل ودورها، وعلى من هو اليهودي، وبين المتدنيين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، وليس المقاومة الفلسطينية، فهي الآن – أي المقاومة – ليست في أحسن حالاتها، على الرغم من البطولات والتضحيات الغالية، وظهور جيل المقاومين الجدد، وامتلاك المقاومة الصواريخ وحفرها للأنفاق، وتقدمها في السنتين الأخيرتين.

لقد كانت القضية الفلسطينية في السابق في وضع أفضل، وكانت المقاومة في السبعينيات من القرن الماضي أقوى، لا سيما عندما صنفت الأمم المتحدة الحركة الصهيونية بوصفها شكلًا من أشكال العنصرية والتميز العنصري عام 1975؛ إذ شهدنا في تلك الفترة النهوض الوطني الفلسطيني الذي بدأ باندلاع الثورة الفلسطينية التي حوّلت اللاجئين إلى ثوار، ووحدت الشعب في كيان وطني واحد.

كما كانت المقاومة كذلك أقوى أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية، وأفعل وأحسن وأكثر تأثيرًا مما هي عليه الآن، مع أن صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة والباسلة وبقاء القضية حية من أهم الأسباب والجذور التي أدت إلى ما تعانيه إسرائيل اليوم، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن كون إسرائيل في أضعف حالاتها ومهددة بتحول الانقسام إلى تقسيم؛ لا يعني أنها لم تعد خطرة أو غير قادرة على العدوان، بل يبقى العدوان ضد الفلسطينيين أحد المخارج التي قد تلجأ إليها لتأجيل انفجار مأزقها الداخلي من خلال تصديره إلى الخارج، وشن عدوان أكبر ضد الفلسطينيين بحكم أنهم الحلقة الأضعف في أعداء إسرائيل. لذا، يجب استمرار الحذر والاستعداد لمثل هذا السيناريو، وعدم الاعتماد أكثر ما ينبغي على وحدة الساحات، وتوازن الرعب والردع وقدرات محور الممانعة.

تحولات ومتغيرات جديدة في المنطقة من دون انتصار حاسم لمعسكر

لا يزال محور الممانعة على الرغم من التقدم الذي أحرزه يخشى من مواجهة مفتوحة مع دولة الاحتلال؛ خصوصًا أنها ستؤدي إلى مواجهة مع الولايات المتحدة التي لا تزال الدولة الأقوى عسكريًا في العالم، والتي لن تتخلى عن حماية إسرائيل بسهولة وسرعة كما يتخيل البعض، وكما يظهر في الردود الإيرانية والسورية على العمليات التخريبية والعدوان المستمر على أهداف داخل سوريا، وبدرجة أقل داخل إيران، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزه في ميدان الصراع مع إسرائيل، أو في المنطقة بشكل عام، بالمصالحات التي تشهدها المنطقة.

كما أن المصالحات لا تحركها دوافع وأزمات عند فريق فقط، فهناك دوافع وأزمات في دول محور الممانعة تدفعها كذلك نحوها. وهي لا تعني – أي المصالحات – وقف عمل كل طرف لتحقيق أهدافه بوسائل أخرى، فلم يتحقق انتصار حاسم لطرف على آخر، بل هناك معسكر تقدم في بلد أو ملف، وآخر في بلد أو ملف آخر، وهناك صيغة أقرب إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب، أو طرف انتصر بالنقاط وليس بالضربة القاضية.

إسرائيل ستزول لأنها تجسيد لمشروع استعماري ترفضه وستلفظه المنطقة وليس جراء نبوءات أو صراع داخلي

هناك من يسارع ويزف البشرى بأن ما يجري في الكيان يعني قرب زوال إسرائيل، وهناك من حدد مواعيد لهذا الزوال، منها ما فات، مثل نبوءة زوال إسرائيل في العام السابق، ومنها من يقترب، مثل نبوءة زوال إسرائيل عندما يبلغ عمرها 80 عامًا تحقيقًا للعنة الأجيال. ونقول لمن كان يبشر عشرات المرات بأن إسرائيل منذ تأسيسها على وشك الزوال، او حدد موعدًا لزوالها، خلال سنوات قليلة إن إسرائيل ستزول كما زال كل استعمار على مدى التاريخ، ولكن هذا الزوال سيحدث عندما تتوفر أسبابه، وأهمها نهوض فلسطيني وعربي يعرف كيف يسرع لحظة الوصول إلى هذا الزوال، ومن دون هذا الشرط فيمكن أن تعيش إسرائيل 20 أو 50 أو 100 عام، فهي جزء من منظومة عالمية لن تزول إلا بإضعافها، وعدم قدرتها على خدمتها.

وأكبر حجة لدى المتنبئين بزوال إسرائيل ما يقوله الإسرائيليون بأنفسهم؛ إذ كثرت التصريحات والتحليلات بين الإسرائيليين، بمن فيهم قادة سياسيون ودينيون سابقون وحاليون وغيرهم، متناسين أن الهدف الأكبر لدى معظم هؤلاء هو السعي إلى منع زوال إسرائيل، وليس التبشير بزوالها مع أن أي استعمار وأي مجرم يبقى يخشى على مستقبله ما دام ضحيته صامدا وحيا ومقاوما.

أفكار وحلول إسرائيلية لإنقاذ إسرائيل من نفسها: التقسيم والفدرالية مثالًا

لكي أبرهن على ما سبق، أنصح بقراءة مقال لإيتاي مشياش، تحت عنوان “فيدرالية كانتونات، مناطق ذاتية الحكم؟ فجأة الكل، وهو منشور في صحيفة “هآرتس”، يوم 5 أيار 2023، وقدمت له وترجمته الدكتورة غانية ملحيس، ونشرته بالعربية في ملتقى فلسطين.

يتحدث هذا المقال عن تقسيم إسرائيل، ويستعرض الأفكار المتداولة الرامية التي توضح عمق المأزق الوجودي، وتقدم الحلول الرامية إلى بقاء إسرائيل على الرغم مما تعانيه.

ويسلط مشياش في مقاله الضوء على الجدل المتنامي داخل المجتمع الصهيوني، الذي يحفزه أساسًا الإحساس بالخطر الوجودي، والسعي إلى الحفاظ على استمرارية الدولة الصهيونية، وحمايتها من خطر التفكك والاندثار، في ضوء اتساع الفجوات بين مكونات المجمع الاستيطاني الصهيوني.

بات دعاة تقسيم إسرائيل، من خلال اقتراحات بتطبيق الحكم الذاتي، والفصل بين المكونات المختلفة، خصوصًا المتدنيين والليبراليين، وصيغ فدرالية مختلفة وغيرها، أكثر من مجرد أفراد نخبويين، بل أصبحت الآراء التي يطرحونها تلقى اهتمامًا وانتشارًا وتأييدًا ملحوظًا ومتزايدًا، ويرون أنها حلول قد تنقذ إسرائيل من نفسها، ومن مصير ينتظرها إذا لم تعالج مأزقها البنيوي. أما الغائب الأكبر عن هذا الحوار الإسرائيلي فهو الموضوع الفلسطيني؛ إذ لا ينظر المعسكران المتخاصمان إلى أنه يشكل خطرًا جديًا على الأقل في هذه المرحلة.

لنجعل الذكرى بداية لحملة عالمية لعزل إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها

لنجعل من الذكرى الخامسة والسبعين للنكبة بداية العد العكسي للمشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري الاحتلال الإجلائي، الذي جسدته إسرائيل، من خلال العمل على وقف التعامل الدولي مع إسرائيل بوصفها دولة فوق القانون الدولي، والشروع في حملة عالمية لإسقاط الحكومة الإسرائيلية الحالية، وعزلها، ومحاسبتها، وفرض العقوبات عليها، ومحاكمة إسرائيل على كل الجرائم التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين والعرب منذ تأسيسها وحتى الآن.

تتصور الحكومة الكهانية أنها قادرة – بعد تجاوز المأزق الحالي، أو من أجل التهرب منه وتوحيد الإسرائيليين خلفها – على حسم الصراع بسرعة مع الفلسطينيين، وليس بشكل بطيء، من خلال صيغ خادعة عن إشاعة وهم إمكانية التوصل إلى تسوية تارة، وإدارة الصراع تارة ثانية، وتقليص الصراع تارة ثالثة، وهي كلها صيغ تهدف إلى تحقيق هدف واحد، وهو تصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها وأبعادها. وتراهن حكومة نتنياهو على الوقت وعلى اليمين واليمين المتطرف في الولايات المتحدة، والغرب عمومًا، وعلى المسيحيين الصهاينة، وعلى عودة دونالد ترامب أو رئيس جمهوري آخر في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة في تشرين الثاني من العام 2024 سيسعى إلى تمكين الحكومة الإسرائيلية من تحقيق أهدافها.

إن لدى الفلسطينيين، والعرب، وأنصار الحرية والعدالة والتقدم والديمقراطية في كل العالم، بما في ذلك إسرائيل، فرصة تاريخية في ظل مأزق المشروع الصهيوني والمتغيرات في المنطقة والعالم؛ لفتح طريق جديد قادر على هزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني، وتفكيك نظام الامتيازات العنصري، وإقامة دولة ديمقراطية من دون تمييز بين مواطنيها على أساس الجنس واللون والدين والمعتقد والقومية.




من ايرلندا لفلسطين .. ما بين الإضراب عن الطعام والإضراب عن التعليم

جاء صيف 1981 للإضراب عن الطعام في ايرلندا, لحظة حاسمة للقضية الايرلندية، بقيادة بوبي ساندز وثلاثة آخرين من سجن “ميز”، حيث بدأوا في رفض الطعام حتى بدأت مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا العظمى في ذلك الوقت بالاعتراف بحقوق السجناء “الإرهابيين” كسجناء سياسيين وسمح لهم بـ “مطالبهم الخمسة”. بوبي ساندز هو الريادي التحرري، الذي سُجن بتهمة حيازة سلاح ناري وتفجيرات. وكان أول من فقد حياته بعد 66 يومًا من الإضراب عن الطعام، حيث كان تم انتخابه لمقعد في البرلمان. بعد وفاة ساندز، اندلعت أعمال شغب وحرق حافلات وهجمات على السفارة البريطانية في جمهورية أيرلندا، وكانت هناك مظاهرات حاشدة حول العالم, واندلعت أعمال الشغب والعصيان المدني في جميع شوارع بلفاست. حينها أعرب حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب إفريقيا ونيلسون مانديلا عن دعمهما لـلمضربين عن الطعام (ادعى مانديلا نفسه أنه كان مستوحى بشكل مباشر من Sands لشن إضرابات عن الطعام ضد حكومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا) وكذلك فلسطين ومنظمة التحرير أعلنت عن تأييدها للمضربين عن الطعام وحقوقهم في الجدل ما بين الإرهاب والحقوق السياسية في التحرر. 

لقد حضر أكثر من 100,000 جنازة ساندز، الذي قال ان “انتقامنا سيكون ضحكة أطفالنا.”

واستخدم هذا الأسلوب من الاضراب الجمهوريون الإيرلنديون في العام 1917 وأيضاً خلال الحرب الإنجليزية-الإيرلندية، وأول إضراب عن الطعام قام به الجمهوريون أدى لاستشهاد اثني عشر سجيناً كان أولهم “توماس آش” في سجن “مونتجوي”، ووصل استخدام الاضراب في ايرلندا ذروته عام 1981 عندما خاض السجناء من الجيش الأيرلندي ما عرف بالاحتجاج الشامل اعتراضًا على تحويل توصيفهم من سجناء حرب إلى سجناء جنائيين، وبعد استشهاد المناضل الإيرلندي بوبي ساندز بسبب تعنت رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر حظي الإضراب السياسي عن الطعام بدعاية ضخمة في تاريخ النضال ضد الاحتلال وتحقيق الحقوق. وورد في كتاب “جينيس” للأرقام القياسية الرقم القياسي العالمي في الإضراب عن الطعام بدون إطعام قسري بالقوة لمدة 94 يوماً عام 1920 قام به كل من “جون وبيتر كراولي”، و”توماس دونوفان”، و”مايكل بورك”، “ومايكل اوريلي”، و”كريستوفر ابتون”، و”جون باور”، و”جوزيف كيني”، و”شين هينيسي” في سجن مدينة كورك، وتعدى ذلك الرقم الأسير الفلسطيني سامر العيساوي صاحب أطول إضراب مفتوح عن الطعام في التاريخ واستمر تسعة أشهر وانتهى باتفاق مع إدارة السجون يقضى بالتحرر، وإضراب الأسير أيمن الشراونة واستمر 260 يوماً وانتهى بالتحرر، والاسيرة هناء الشلبي التي أضربت 43 يوماً ، وقبلها الأسيرة عطاف عليان والتى أضربت 40 يوما متواصلة، وإضراب الأسير أيمن طبيش لأكثر من 4 شهور وعشرات الأسماء التي انتصرت على السجان وفاقت إضرابات عالمية مفتوحة عن الطعام.

خضر عدنان, أب لتسعة أبناء، فقد حياته في الثاني من أيار الجاري خلال إضرابه الخامس عن الطعام بعد اليوم الـ٨٦ . عندما سئل عدنان من أين يحصل على قوته، أجاب: من ايمانه بالله، ايمانه بقضيتنا العادلة ومن زوجته المحبة “رندة” التي يمكنه الاعتماد عليها بأي شيء! بلغ عدنان من العمر 44 عامًا فقط، وهو إنسان حارب من أجل الحرية ووثقها إلى الأبد في تاريخ النضال الفلسطيني.

أنا متأكدة أن الشعب الفلسطيني يشعر مع الأسرى ويتألم لمعاناتهم، فالإضراب عن الطعام هو الوسيلة الأكثر سلمية والأكبر ألماً التي قد يلجأ إليها الإنسان لاستخدام جسده للمطالبة بحقوقه عندما لا تنفع كل الطرق الأخرى. 
خاض عدنان اضرابات عدة:

2012 خاض اضرابًا لمدة 66 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2015 خاض اضرابًا لمدة 52 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال 

2018 خاض اضرابًا لمدة 59 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2021 خاض اضرابًا لمدة 25 يومًا، وانتزع فيه حريته من الاحتلال

2023 خاض اضرابًا مفتوحًا عن الطعام لمدة 86 يومًا، وارتقى شهيدًا معلنا عن حريته الأبدية.

لا بد لي من الوقوف عند بعض مظاهر تضامننا مع الأسرى، ففي الإعلان عن الاضراب الشامل, تصطدم بالحجارة والعجلات المطاطية المُلقاة على الشوارع والنيران المُشتعلة في وسط الطريق ومحاولات عدة لإغلاق الطرق الفلسطينية الداخلية، هذه مشاهد مؤلمة وسلبية بالتأكيد فلا يختلف اثنان أن هذه الأدوات لا تفيد الأسرى ولا بأي شكل ولا توثر على الاحتلال الإسرائيلي إلا أنها تنشر ثقافة الفوضى والتخريب وعدم المسؤولية التي لن تنفع ولن تُعجب الأسرى الأبطال، وأكثر ما يؤلمني هو قضاء آلاف المواطنين وطلبة المدارس ليوم الإضراب الشامل في بيوتهم.

ضروري الحفاظ على خيمة الاعتصام التي تمثل نقابات ومؤسسات مختلفة, ضروري حمل اليافطات والعبارات تعبيرا عن التضامن مع الأسرى والتأكيد أن الحرية قادمة لا محالة، لكن قطار الحرية بهذا الشكل يقف على جزيرة الطريق دون حراك. من يقف في المسيرة او يعتصم في الخيمة هم المواطنون أهالي الأسرى الذين يمارسون التضحية والمقاومة ويحلمون بالتحرر باسمنا جميعاً. 

نحن بحاجة لتوظيف العقل والأفكار المعاصرة لتشكيل ردود فعل تتناسب مع لغة العصر والتكنولوجيا وحقنا في المقاومة بكافة اشكالها، مع التأكيد ان التعليم هو حق وهو أداة مقاومة مشرفة واستراتيجية لا بد من حمايتها والتأكيد عليها. برنامج التعبئة الوطنية حول قضية الأسرى وشهداء الحركة الأسيرة يجب ان يشمل البناء والاستثمار في قرابة المليون طالب في المدارس الفلسطينية لتزويد الجيل الجديد بالمعرفة والثقافة حول هذه القضية الإنسانية وكيفية المطالبة بالحقوق. 

ويتكرر السؤال كيف ندعم قضية الاسرى؟ ماذا نعلّم الجيل الجديد حول الأسرى والأسرى الأطفال والحركة الأسيرة وشهداء الحركة الأسيرة؟ عن الشهيد خضر عدنان, عدد الاضرابات التي خاضها وهدفها, في الفن, في المسرح, في أغانٍ حول قضية الأسرى في السجون, في أفكار ومبادرات وطنية تدعم قضية الأسرى, في إطلاق حملات الكترونية معاصرة إبداعية تظهر قضيتهم للعالم. كيف نستعمل وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الألم والتضامن أو نصور فيديوهات ونطلق هاشتاجات لإضراب الأسرى والحرية والكرامة، مِنَا من هو فنان فترى لوحات جميلة تعبر عن الأسرى ومعاناتهم، ومِنا من يهوى الموسيقى ويقدم واجبه مِن خلالها، وتارة أخرى نعلن الإضراب العام والشامل ونتوقف عن العمل ونغلق المحال التجارية وتتوقف المدارس والمؤسسات الإنتاجية والدراسية. أؤكد هنا أن الأسرى بحاجة لمساندة ودعم الشعب لمعركة صمودهم داخل السجون الإسرائيلية وأتفهم مدى تأثير أخبار المساندة والدعم التي تأتي الأسرى من الخارج، على نفسياتهم وصمودهم واستمرار مقاومتهم. علينا جميعاً كل من موقعه نصرة الأسرى، وعلى القيادة وضع حرية الأسرى في أعلى سلم الأولويات، وعلى كل أم وأب يحتفلون هذا الشهر بتخريج أبنائهم أن يشعروا بمعاناة غيرهم ممن يتخرجون ويتزوجون وينجبون أثناء وجود آبائهم في السجون. هؤلاء يضحون ويقاومون عنا وباسمنا جميعاً من أجل فلسطين والحريّة. 

إلى أن يتحقق الإفراج عن الأسرى، لنعمل من أجل حرية هؤلاء الأبطال ولتكن ردود أفعالنا وأنشطتنا ذات معنى ومغزى، فبدلاً من إغلاق المدارس، علينا تخصيص ساعة مدرسية للحديث والكتابة عن الأسرى، وبدلاً من إيقاف العمل العام ومنع الموظفين من الوصول لمكاتبهم وخسارة التاجر لدخل بيته لذلك اليوم، علينا أن نعمل وننتج ونقدّم للأسرى وذويهم.

 مبارك هذا النصر للأسرى وعائلاتهم الصابرة، فليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى. 

التعليم هو حق ،، التعليم هو مقاومة ،، التعليم استراتيجية للتحرر.

د. دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي, كلية الدراسات العليا, الجامعة العربية الأمريكية.




حول ماذا أكتب ولماذا أكتب‎‎؟

أمر بحالة تدهمني ما بين مدة زمنية وأخرى يدور فيها في ذهني أسئلة من نوع حول ماذا أكتب، فهناك الكثير الكثير الكثير من المواضيع المهمة، وكيف أختار الأكثر أهمية الذي له أولوية؟

في العادة، أقوم أو أحاول جهدي المزاوجة ما بين الموضوع الذي سأكتبه، ومدى أهميته مع مدى قدرتي على الكتابة عنه، فأنا لست خبيرًا في كل شيء، وحتى في المواضيع القليلة التي أعدّ فيها خبيرًا علي مواكبة المستجدات والكتابات حولها، حتى أحافظ على خبرتي في عصر الذكاء الصناعي، الذي أصبح يوفر أدوات تجعل من يستخدمها كاتبًا متميزًا، مع أن لا علاقة له بالثقافة والكتابة، وأخشى في فلسطين والبلدان التي تسمى “نامية” وهي في الحقيقة متخلفة، إذا لم يحدث التوازن في استخدام هذه الأدوات، أن يتم القضاء على ما بقي من ثقافة ومهارات شخصية.

كما يدور في ذهني سؤال “لماذا أكتب؟” جراء الأثر الذي تحدثه الكتابة، مع أنني لا أشكو على الإطلاق من قلة القراء، فأنا وبكل تواضع مقالاتي مقروءة، أو الأصح يطلع عليها عدد كبير، فهي تنشر في حوالي عشرين موقعًا، من ضمنها موقع مركز مسارات، وتوزع إلى آلاف الإيميلات، وتتم ترجمة العديد منها إلى اللغة الإنجليزية، وتتم استضافتي في مقابلات إذاعية وتلفزيونية وفضائية بالاستناد إليها، وأسمع من أشخاص ليس لهم مصلحة بأنهم يعدّون مقالاتي مادة لا يمكن الاستغناء عنها لمعرفة التطورات الخاصة بالقضية الفلسطينية.

على الرغم من كل ذلك، لا يزال السؤال مطروحًا مع إدراكي أن الكاتب والمثقف على وجه العموم حتى إذا كان مثقفًا عضويًا لا يحدث بمقالاته وثقافته الثورة والتغيير ، وليس مطلوبًا منه ولا هو قادر على ذلك، بل أقصى ما يمكن أن يفعله المساهمة في توفير البنية التحتية الفكرية والسياساتية اللازمة للثورة والتغيير. طبعًا، يمكن أن يكون المثقف فاعلًا، أو الأصح مناضلًا سياسيًا مباشرًا، وهذا يجعله من أدوات الثورة وصانعيها المباشرين.

وتثار دائمًا تساؤلات وأحيانًا انتقادات تتعلق بطول مقالاتي، وإجابتي عنها بأن مقالي ليس في الغالب مقالًا بالمعنى الحرفي للكلمة، فهو يتناول موضوعًا من مجالات وجوانب عدة، ويواكب المستجدات حوله، وهو يكون تقدير موقف حينًا وتقديرًا إستراتيجييًا حينًا وتحليل وضع سياسي حينًا ثالثًا، أو يتناول مواضيع عدة، وأحاول أن أسهل على القارئ بتقسيمه إلى أقسام ووضع عناوين جاذبة.

الأمر الذي يحز في نفسي كثيرًا وأعتقد في نفس الكتاب الجادين الذين لديهم ما يقولونه غير صف الكلام أو التسحيج لهذا الطرف أو ذاك، هو عدم وجود فضاء سياسي يستقبل ويتفاعل مع ما يكتبه الكتاب. فلا علاقة لصانع القرار بما يكتب وما تنتجه مراكز الأبحاث ومجموعات التفكير ، كما أن هناك غيابًا للمؤسسات، خصوصًا التمثيلية، فالمؤسسات إما تم حلها مثل المجلس التشريعي، وتحويل صلاحياته للمجلس المركزي لمنظمة التحرير، وهو غير منتخب ولا متوافق عليه وطنيًا، وهناك معارضة سياسية جماهيرية كبيرة لجلسته الأخيرة التي تعدّ غير قانونية ولا معترف بها، ولا أقول إن المجلس المركزي غير قانوني ولا شرعي، وإنما جلسته الأخيرة وتفويضه كذلك بصلاحيات المجلس الوطني بصورة انفرادية وغير قانونية، وتقضي عمليًا عليه، وهو المرجعية العليا للمنظمة التي هي الممثل الشرعي الوحيد، ولكنها قزمت وغيبت منذ أوسلو، ويتم القضاء عليها عمليًا منذ تحويل صلاحيات الوطني للمركزي؛ ما يعكس نوايا لكي يكون هو الذي يتولى الفترة الانتقالية في حالة حدوث فراغ في منصب الرئيس لأسباب تتعلق بالوفاة، أو بعدم القدرة على ممارسة العمل بسبب المرض، وذلك من خلال تعيين رئيس للسلطة من دون انتخابات، بحجة عدم سماح الاحتلال للانتخابات في القدس، وأنه سيكون مؤقتًا، وخشية من الفراغ وأضراره، وسيتم اختيار رئيس للجنة التنفيذية من لجنة تنفيذية لا تمثل في الحقيقة خريطة القوى الفعلية، ولا تقوم سوى بدور استشاري متراجع هو الآخر، ولعل الجدال الأخير بين أعضائها حول إقرار أو عدم إقرار المشاركة بلقاء العقبة الأمني الزاحف والبائس والمغطى بغطاء سياسي لدليل حي على ذلك.

إن الإقدام على مثل هذه الخطوات الفورية غير الديمقراطية ولا الموافقة عليها في حالة حدوث فراغ بالرئاسة هو الذي ينذر بتقدم سيناريو الفوضى والاقتتال وتعددية القيادات والمرجعيات والسلطات وضياع كل شيء.

ما قالته رئيسة المفوضية الأوروبية ليس جهلًا وإنما عداء وانحياز

أخيرًا، كلمة بخصوص ما تحدثت به أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بمناسبة ذكرى تأسيس إسرائيل، متناسية أنها ذكرى النكبة بالنسبة إلى الفلسطينيين، أصحاب الأرض والحقوق الأصليين، فالأمر لا يعود إلى الجهل وقلة المعرفة بالتاريخ والجغرافيا، وإنما بالانحياز الأيديولوجي والسياسي لطرف مستعمر استيطاني عنصري إحلالي إجلائي احتلالي، يدخل الآن في أخطر مراحل تطرفه وإجرامه عندما تتصور حكومته الحالية أنها قادرة على حسم الصراع مع الفلسطينيين بشكل فوري وعنيف، وليس متدرجًا مثلما كانت تعتقد وفعلت الحكومات الإسرائيلية السابقة، وهذا أدى إلى أزمة عميقة وغير مسبوقة في إسرائيل، ولم تجد رئيسة المفوضية الأوروبية ما يستحق التوقف عنده.

إن ما قالته، إذا لم تتم استقالتها أو إقالتها أو الاعتذار عنه على الأقل، يستوجب ردًا فلسطينيًا وعربيًا بمستوى الانحدار السياسي والأخلاقي الذي انحدرت إليه، وكذلك ردًا دوليًا وأوروبيًا، (فهناك الكثير من الأوروبيين لم يعجبهم ما قالته ولا يعبر عنهم).