1

“الجراح تدلّ علينا” لزياد خداش في “قصيرة” جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية

كتبت بديعة زيدان:

أعلنت جائزة “الملتقى” للقصة القصيرة في الكويت، أمس، عن قائمتها القصيرة للدورة السابعة، وضمت من بين خمس مجموعات قصصية، مجموعة “الجراح تدلّ علينا” للقاص الفلسطيني الزميل زياد خدّاش، والصادرة عن منشورات المتوسط في إيطاليا.
في المجموعة المليئة بالصور البصرية، والمشاهد المرسومة بحرفية كاتب سيناريو، يتابع القارئ حكايات الجميلة الذكية المنكبة على قراءة “اعترافات القديس أوغسطين” في مكتبة بلدية رام الله، أو الغارقين بالضحك رغم المشهد المخيف، أو ذاك الأسد تحت الشرفة، أو الشاعر المحبوب الذي يحضن جوعه ورغبته العارمة بارتشاف فنجان قهوة في حديقته المنعزلة بعد احتفاء كبير به لم يخل من “بقلاوة” و”صفائح لحم وسبانخ”، بعد أن فجع بشرخ كبير في بنطاله، أو “أغاني السماء العالقة”، و”حكاية الحكاية التي طارت”، وغيرها.
وفي القصة التي تحمل المجموعة اسمها، عاد خداش، أو من تلبّسه سرديّاً هذه المرة، إلى جامعة بيرزيت في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، والطالبة الجميلة التي أحب حدّ تغيير تخصصه مرّتين اقتفاء لأثرها، وتقمُص عشق كاذب للسمك الذي لا يحب ليجلس جانبها وهي تلتهم “الدينيس” برفقة صديقتها، قبل أن يعود ليتخيلها أو يراها، لا ندري، تطلب شيكلاً، “بس شيكل” وهي تنقر زجاج السيّارات بأدب.. كان ذلك بعد أربعين عاماً مضت، سافر فيها إلى بلاد كثيرة، وسمن وصار له صلعة خفيفة، وأحبّ نساء كثيرات علناً دون تحوّلات سريّة، كما كان يفعل ملاحقاً إياها في الجامعة.. صار في منتصف الخمسينيات من عمره، وأصدر عشرة كتب، ونسي ما وصفه بالحب الغريب ذاك، كما نسي “طريقة التحوّل”.
وينافس على الجائزة، إضافة إلى خدّاش ومجموعته، مجموعات: “حفيف صندل” للمصري أحمد الخميسي الصادرة عن “كيان” للنشر، و”روزنامة الأغبرة أيام الأمل” للسوري الألماني عبد الرحمن عفيف الصادرة عن منشورات “رامينا”، و”الإشارة الرابعة” للسعودي محمد الراشدي الصادرة عن ” e-Kutub Ltd”، و”كتفاه” للكويتية نجمة إدريس الصادرة عن دار “صوفيا” للنشر والتوزيع.
وقالت الجائزة في بيان، إن لجنة التحكيم برئاسة الروائي السوداني أمير تاج السر، وعضوية كل من الأكاديميين والنقاد: محمد اليحيائي، ونورة القحطاني، وشريف الجيّار، وفهد الهندال، عمِلت وفق معايير خاصّة لهذه الدورة، تمثّلت في التركيز على جدّة بناء النص، ومناسبته لفنّ القص، وتمتع النصّ بالإبداع والقوّة الملهمة الحاضرة، وكذلك ابتكار صيغ لغوية وتراكيب جديدة، وقدرة الرؤية الفنيّة للنص على طرح القيم الإنسانيّة، وحضور تقنيّات القص الحديث، ومحاكاة النصوص للواقع.
وأضافت إن اللجنة عقدت اجتماعات ونقاشات مستفيضة ومداولات متعددة، امتدت طوال الأشهر الماضية، للوصول إلى اختيار ما وصفته بـ”أهم المجاميع القصصيّة في هذه الدورة”، وشكلت القائمة الطويلة الشهر الماضي، قبل أن تنكب، خلال الفترة الماضية، على “تمحيص المجاميع القصصية للوصول إلى القائمة القصيرة، التي تستحق بجدارة أن تُقدّم مشهداً إبداعياً قصصياً عربياً دالّاً على أهمية فن القصة القصيرة العربية، ومعالجته أهم القضايا التي تهم المواطن العربي، ضمن فضاء إبداعي أدبي عالمي”.
وتقام فعالية الإعلان عن جائزة “الملتقى” لهذا العام بالتعاون والشراكة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، لمناسبة اختيار الكويت عاصمة للثقافة العربية والإعلام العربي للعام 2025، بحيث يحتضن المجلس احتفالية الجائزة في الكويت العاصمة، في الفترة بين 18 إلى 21 شباط المقبل.
جدير بالذكر أنه تقدّم للدورة السابعة من جائزة “الملتقى”، وهي الجائزة الأبرز للقصة القصيرة العربية، 133 مجموعة قصصية، من 18 دولة عربية وأجنبية.




الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى يحصل على جائزة الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية

حصل الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى، على جائزة الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية الدولية التي سميت هذا العام بـ”الأميرة العظيمة يليزافيتا فيودورفنا”، ليصبح أول فلسطيني وعربي يحصل عليها.

وفي حفل تسليم الجائزة الذي جرى بحضور حشد كبير من ممثلي الأوساط والمؤسسات المختلفة، تم الإعلان عن تميز الشاعر عيسى في الحركة الشعرية، والإبداعية، وحقل الترجمة، حيث قام بترجمة أعمال العديد من الشعراء والكتّاب الروس، وساهم في تعميق الروابط الثقافية والروحية.

واعتبر الشاعر عيسى أن منحه هذه الجائزة المرموقة، يعد دعما لصمود الشعب الفلسطيني على أرضه المقدسة في مواجهة حرب الإبادة الجماعية والثقافية التي تنتهجها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، ودعما لعدالة قضيته وحقوقه المشروعة بالحرية والعودة والاستقلال.

ويتزامن حصول الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى على الجائزة هذا العام، مع حلول الذكرى الـ142 على تأسيس الجمعية التي يرأسها السياسي المخضرم سيرغي ستيباشين.

يشار إلى أن الأمير سيرغي ألكسندر وفيتش والأميرة يليزافيتا، قد لعبا دورا مهما في تاريخ الجمعية التي تعتبر أقدم جمعية روسية، وكان لها دور في تعميق الاتصالات مع الأراضي المقدسة، بما في ذلك تنظيم موجات الحجيج الروس إلى فلسطين، وتقديم كافة أشكال المساعدات الإنسانية، وفتح المدارس في فلسطين، ثم في سورية ولبنان، وتخرج منها كتّاب ومترجمون أبرزهم: خليل بيدس، وسليم قبعين، وميخائيل نعيمة، وخليل سكاكيني.




الثقافة تُصدر سلسلة “رمال حمراء” بنسختها الإلكترونية

أصدرت وزارة الثقافة سلسلة “رمال حمراء” التي تتناول موضوعات أدبية وفنية مرتبطة بالإبادة الجماعية في غزة.

وقال وزير الثقافة عماد حمدان في بيان صادر عن الوزارة، اليوم الأبعاء: “عام كامل على حرب الإبادة، ولا يزال الألم يتفاقم، مشاهد القتل والدمار تُبثّ بشكل يومي، وكل لحظة تحمل معها معاناة عميقة، بينما تُسمع الصرخات دون انقطاع، هذا الواقع المتأزّم يتجاوز حدود المعقول، ويطرح تساؤلات مُلحّة حول دور الإنسانية في مواجهة مثل هذه الفظائع”.

وأضاف حمدان: “نُطلق سلسلة “رمال حمراء” في خضم هذا المشهد المُعقد، لتقترح عبر صفحاتها رؤى تهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تحمل في طياتها عمق المعاناة والأمل، لتستعرض تجارب الأفراد، وتسلط الضوء على اللحظات الإنسانية التي تُحارب ضد القسوة”.

وأضاف، أن السرد في “رمال حمراء” يأخذ مسارات عديدة تنطوي على إدراكات مُغايرة لما نراه ونشعره في أرض محروقة. فكل تجربة تحمل في ثناياها ألم الفقد، وصرخات الذاكرة، ووجع المعاناة. تتداخل مع الأحداث لخلق صورة معقدة تعكس عمق المأساة، في غزة وكذلك الأمر في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني، تتنقل آلة القتل بحريّة، بينما يُقيّد الإنسان، تتحدث آلة الموت، ويُحظر على الضحية التكلّم، ما يجعل الألم والمعاناة يتصاعدان في صمتٍ مؤلم في عالمٍ يُفترض أن تسود فيه القيم الأخلاقية، لنجد أن الحقائق تُعكس، ويُستبعد صوت الحق.




ريشة ولون.. قصة مشروع خزف نسوي صغير يصارع من أجل البقاء

 ميساء بشارات- في قرية عنزة جنوب غربي مدينة جنين، تقع ورشة صغيرة تملأها أدوات الخزف وألوان الصلصال المختلفة، في مشهد يبعث شعورًا بالتحدي والإصرار. هُنا تعمل هَنا براهمة (27 عاما)، خريجة جامعة النجاح الوطنية تخصص فن خزف، في مشروعها الصغير لصناعة الخزف، تصنع تحفًا يدوية بألوان وأشكال متفردة.

حلم هنا بمشروعها الخاص في عالم الخزف جاء بعد تخرجها من الجامعة، حيث كانت تتطلع إلى تحويل شغفها بالفن إلى مصدر رزق يعينها ويمنحها استقلالًا، فبعد أن تخرجت عملت بعدة أماكن ومن المنزل لتجمع مبلغا وتفتتح ورشتها الخاصة بالخزف والتحقت بعدة دورات وحصلت على منح.

وحققت هنا مشروعها وافتتحته قبل أربعة أعوام، وشهدا إقبالًا لافتًا من قبل محبي الفنون اليدوية والهدايا ذات الطابع الخاص، مما شجعها على توسيع نطاق العمل وإضافة منتجات جديدة تلبّي احتياجات الزبائن.

تقول هنا: “كان مشروعي يحمل آمالًا كبيرة، وكنت أنوي تقديم الكثير الكثير من الخزف والأعمال اليدوية، خاصة مع تشجيع الأهل وبعض الزبائن على الاستمرار، وكنت أطمح لأن أوسع مشروعي ليشمل مناطق أخرى في الضفة الغربية.”

لكن حدث ما لم يكن في حسبان هنا وهو تلك التحولات القسرية التي حملت معها تأثيرات اقتحامات الاحتلال لمدينة جنين ومخيمها وما تلاها من الحرب على غزة، ما أثر على الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية بسبب التضييقات والاقتحامات والاغلاقات والحواجز بين مدن الضفة الغربية.

تروي هنا بمرارة: “بعد أن وصلت مبيعاتي الى الحد المرضي عنه، بدأت تتراجع بشكل كبير، وبدأ الزبائن يقلّون تدريجيًا، حتى بات مشروعي مهددًا بالتوقف، فقد اضطررت لتقليص الإنتاج وحتى تقليل حجم المادة المنتجة من أجل خفض سعرها لتناسب وضع الزبائن الاقتصادي.”

وتتابع: “أن ما يميز مشروعها عن غيره أنه المشروع الأول المنفذ في الخزف في مدينة جنين وقراها”.

التحديات الاقتصادية التي فرضها الاحتلال من الاقتحامات والاغلاقات والحواجز في الضفة الغربية، والبطالة التي شهدها عمال إسرائيل البالغ عددهم قبل السابع من أكتوبر 2023، حوالي 177 ألف عامل فلسطيني يعملون في إسرائيل والمستوطنات، واحتجاز أموال المقاصة والتي أثرت على انتظام دفع رواتب الموظفين العموميين، والتي بلغت نحو 7.26 مليار شيكل، أثرت على الوضع الاقتصادي لدى الناس، وجعلت حياة أصحاب المشاريع الصغيرة مثل مشروع هنا أكثر صعوبة.

وبحسب وزارة الاقتصاد الوطني فإن 122 مشروعا نسائيا تضرر من تداعيات العدوان الإسرائيلي استفاد من منحة وزارة الاقتصاد العينية بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة وذلك بتوفير المواد الخام والمستلزمات لتعزيز صمود هذه المشاريع، والمشاريع النسوية تأثرت بشكل كبير بتداعيات العدوان واعتداءات المستوطنين والاغلاقات والاقتحامات التي تنفذها قوات الاحتلال على المدن والبلدات في الضفة الغربية، ما تسبب بإغلاق 29% من المنشآت الاقتصادية بين جزئي وكلي.

تقول هنا: “كنت أتابع أخبار إغلاق المشاريع النسوية، وشعرت بالخوف من أن يأتي الدور على مشروعي، خاصة وأن الضغوط تتزايد يوماً بعد يوم.”

وكانت هنا تتخذ محلا صغيرا لعرض بضائعها في مدينة جنين، لكن بسبب الوضع الاقتصادي والتراجع في المبيعات لديها، ووضع الاحتلال عراقيل لحركة المواطنين والتنقل بين المدن وقراها وبين المحافظات، ما جعلها خالية من المتسوقين، اضطرها لإغلاق المحل توفيرا لإيجاره، والاستغناء عنه بالترويج لإنتاجها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، فأنشأت صفحة خاصة بها باسم “ريشة ولون”.

وبدأت الشابة في عرض أعمالها، وأصبحت قطعها اليدوية تتزين بها البيوت مثل الرسم على الفناجين والسلاسل والصواني المرسومة بعناية وغيرها.

ومع ذلك، ترى هنا أن الاستسلام ليس خيارا، فالفن الذي تقدمه هو جزء من هويتنا ومن المقاومة الصامتة التي تمارسها من خلال كل قطعة خزفية تصنعها بحب. وتتأمل هنا أن تجد الدعم الكافي من المؤسسات التي تهتم بتمكين المرأة في فلسطين، فهي تطمح لاستمرار مشروعها، وأن يكون منارة للإبداع والصمود أمام التحديات الكبيرة التي يواجها الفلسطينيون.

تواجه هنا حاليا أيضا صعوبات في إيجاد المواد الأولية المستخدمة في عملها مثل الطين والألوان المستوردة من اسبانيا والذي أدى لارتفاع أسعارها خاصة مع التضييقات من قبل الاحتلال للاستيراد من الخارج عبر الجسر.

بالإضافة إلى ذلك، تراجع الطلب على منتجاتها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الناس، وكانت هذه التحديات بمثابة اختبار للإرادة والعزيمة.

وتؤمن بأن فنون الخزف ليست مجرد صناعة، بل هي وسيلة للتعبير عن الأمل والصمود والتراث.

 تقول: “أؤمن بأن الفنون يمكن أن تعيد الحياة حتى في أحلك الظروف، وسأواصل العمل على تحويل الطين إلى قطع تحمل قصصنا وأحلامنا حتى الى خارج فلسطين، فأطمح بأن أرى قطع فنيّة من تصميمي في المنازل خارج حدود فلسطين، لأن الفن قادر على تجاوز الحدود ويحمل رسالة وطنية”.

وتختتم هنا حديثها مع الحياة الجديدة، قائلة: “رغم كل شيء، سأبقى هنا، سأصنع من الطين والأمل قصة جديدة”.

وتحاول الآن الحفاظ على مشروعها ولو ببطء، وتبحث عن دعم من جهات محلية ودولية تساعد في تمويل المشاريع الصغيرة المتضررة من الوضع الاقتصادي. كما تأمل في أن تجد وسائل لتسويق منتجاتها عبر الإنترنت لتصل إلى جمهور أوسع في الخارج، بعيداً عن القيود المحلية.

تجسد قصة هنا وغيرها من المشاريع النسوية الصغيرة الإصرار الفلسطيني الذي لا يلين أمام أصعب الظروف، وعلى التمسك بالأحلام، حتى وإن كانت الأحلام تحت الحصار.




“المعضلة الاجتماعية”.. عندما يتحكم خمسون مصمِّماً بمليارَي شخص في العالم!

لا تكاد تمر دقائق على بداية فيلم جيف أورلوفسكي الوثائقي “المعضلة الاجتماعية” (The Social Dilemma)، إلا ويتملكك فزعٌ مما يشرَحُهُ “الـمُنْشَقّون ضميريّاً” من فيسبوك وتويتر وإنستغرام وجوجل وما شابهها من منصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، عن التلاعب في السلوك البشري من أجل الربح.

الوجه الآخر

وبشكلٍ غير تقليديّ، وبما يتوافق ورؤية الفيلم وهدفه الأساسي، بدأ المشاركون في “المعضلة الاجتماعية”، بتعريف أنفسهم عبر وظائفهم السابقة لا بأسمائهم.

الأول نائب الرئيس السابق للهندسة في “تويتر”؛ يشرح كيف أن الأدوات التي ساهموا في تطويرها لهذه المنصّات انتهى بها الأمر إلى أن “تصبح وحشاً لا يمكن ترويضه”. أما الثاني فكان رئيس “بينتريست”، وقبلها كان مدير تحقيق الدخل في “فيسبوك” لخمس سنوات، فكشف أن “نموذج العمل لدى هذه الشركات يقوم على إبقاء الناس على مواقعها.. المهم هو كيف نضمن أكبر قدرٍ من أوقات المُستخدِمين، وكم من حيواتهم يمكننا أن نجعلهم يقدمونها لنا”!

الثالث عَمِلَ في منصة X (تويتر) عدة سنوات، وتحديداً في إدارة تطوير مَنَصَّتِهم، ثم أصبح رئيس قسم منتجات المستهلك، وعلَّقَ قائلاً: “من السهل اليوم أن ننسى حقيقة أن هذه الأدوات قد صَنَعَت في الحقيقة أشياء رائعةً في العالم، لقد جَمَعَتْ شَمْلَ أفراد عائلاتِ مفقودين، وأوجَدَتَ متبرّعين بالأعضاء، كانت هناك تغييراتٌ ذات مغزى ونظامية تحدث في جميع أنحاء العالم بسبب تلك المنصّات التي كانت إيجابيةً، أظن أننا كنا نجهل بسذاجة وجهة النظر الأخرى للموضوع”. 

الرابع كان المخترع المشترك لـ “جوجل درايف” و”جي ميل تشات” وصفحات “فيسبوك” وزر “الإعجاب” في فيسبوك، وهو الذي شدّد “أومِنُ بشدّة أنه لم يَقْصِد أحدٌ حدوثَ مثل هذه العواقب”، قبل أن يُضيف “أنا قَلِقٌ للغاية، قَلِقٌ للغاية”، بينما ترك الخامس العمل في “جوجل” في حزيران (يونيو) 2017، بسبب “مخاوف أخلاقية”، وليس في “جوجل” فحسب، بل في المجال بِرمَّتِه.

ماهية المشكلة

وعند الإجابة عن سؤالٍ مفادُهُ “ما هي المشكلة؟!”.. كان الوجوم سيّدَ الموقف لبعض الوقت، قبل أن يقول أحدهم: “هناك عدّة مشاكل وليس مشكلةً واحدةً.. من الصعب إعطاء فكرةٍ مختصرةٍ واحدة”.

ولكونِهِ من الصعب تقديم فكرةٍ مختصرةٍ أحادية الجانب لشرح المشكلة أو المشاكل المتشابكة، كان يتخلل الفيلم مقابلات ومقاطع من أرشيف القنوات الإخبارية وأخرى تمثيلية لعائلةٍ تُعاني من عواقب إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، حيث العشاء الصامت، وكلٌ منشغلٌ بإشعارات هاتفه الذكيّ.. الابنة المراهقة تعاني من مشاكل تتعلق بصورتها الشخصية، وشقيقها الذي يكبُرُها بقليلٍ تتملَّكُهُ حالةٌ ما من التطرف الأيديولوجي جرّاء “توصيات يوتيوب”.

هذه المزاوجة ما بين الوثائقي وبعض المشاهد الروائية، ساهَمَتْ أو سَعَتْ لتوضيح فكرة الفيلم بشكلٍ أكثر سلاسة للمتلقي أمام شاشة تلفازه أو حاسوبه الثابت أو المتنقل أو حتى هاتفه النّقّال الذي لا تنفك الإشعارات تحُولُ بينه وبين متابعةٍ غير مشوّشةٍ للفيلم. هذه المزاوجة الذكية كان مردّها باعتقادي، لذكاء القائمين على الفيلم، والذين يُدْرِكون أن التفاعل عادةً ما يكون أكثر في حال تجسيد المَشاهِد من التعاطي مع مادةٍ بحثيةٍ صِرْفَة، وتنظيرٍ مهما بلغت أهميتُهُ وخطورتُهُ، لا سيّما في التعامل مع موضوعٍ متخصصٍ ومتشعبٍ ومثيرٍ للجدل كهذا، وهو ما ساهم بالفعل في جعل الفيلم أكثر قُرباً من متابعيه.

رأسمالية المراقبة

يشرح “المنشَقّون” آليات التلاعب بسلوكك/سلوكنا، من خلال “الذكاء الاصطناعي التنبُّئي”، وجذب انتباهك بالتمرير اللانهائي وإرسال الإشعارات لإبقائك لأطول فترةٍ ممكنةٍ على هذه المنصّات، وجمع بياناتك وبيعها لمن يدفع أكثر، وهي طرقٌ تجعل من البضائع والمُعلِنين هم العملاء، فالأمر ليس مجرد مصالح تجارية، بل إن الأمر يصل إلى حدّ نَشْر الفوضى وزعزعة استقرار المجتمعات في جميع أنحاء العالم.

وهنا يُشير الفيلم أيضاً إلى الانتشار المتزايد للتضليل، وارتفاع منسوب التطرف في الشرق الأوسط، أو لدى العنصريين البِيض في الولايات المتحدة، علاوةً على دَور هذه المنصات والمواقع والشركات والشبكات في تعزيز الاستقطاب السياسي، وحتى الأنظمة الاستبدادية، كما في ميانمار، والفلبين، أو في حالة “داعش” بالعراق وسوريا، على سبيل المثال لا الحصر، ودون إغفالٍ للانتخابات الأمريكية، والزمن الكُوروني. فحسبَ هؤلاء “المنشقين”، تم تصميم هذه المنصات لخلق التبعية والإدمان في خدمة “رأسمالية المراقبة” (Surveillance Capitalism).

وعن “رأسمالية المراقبة”، قالت البروفيسورة شوشانا زوبوف، الأستاذة الفخرية في جامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب “عصر رأسمالية المراقبة”: حلم كلّ عملٍ أن يحظى بضمان النجاح، وهنا يأتي دور الإعلانات عبر منصّات ومواقع التواصل الإجتماعي والبحث في الترويج الزائف لفكرة اليقين.. أو بمعنى أدق “بَيع اليقين” (certainty)، ومن أجل النجاح في هذه المهمة يجب أن تحظى الشركات المُروِّجَة وصاحبة “المنتج” بتوقعاتٍ كبيرةٍ، والتوقعات الكبيرة تبدأ بحتميةٍ واحدةٍ، وهي “الكثير من البيانات”.

وأضافت زوبوف: “هذا نوعٌ جديدٌ من السوق؛ سوق لم تكن موجودة من قبل، وهي سوقٌ تتاجر بشكلٍ حصريٍّ في العقود الآجلة للبشر. نعم بات لدينا الآن أسواقٌ تتاجر في العقود الآجلة للبشر بصورةٍ كبيرةٍ، جَنَتْ تلك الأسواق “تريليونات” الدولارات، ما جعل من شركات الإنترنت أغنى الشركات في تاريخ البشرية”.

تريستان هاريس، عالم أخلاقيات التصميم السابق في جوجل والمؤسس المشارك لمركز التكنولوجيا الإنسانية، قال عن “رأسمالية المراقبة”: “تستفيد هذه الرأسمالية من التَّتَبُّع اللانهائي لكل مكانٍ يذهب إليه الجميع من قِبَل شركات التكنولوجيا الكبيرة، التي يتمثل نموذجُ عملها في التأكد من نجاح الدعاية قدر الإمكان”.

وفي الاتجاه ذاته يقول جيف سيبرت، رجل الأعمال التنفيذي السابق في مجال التكنولوجيا، والخبير التقني: “أريد أن يعرف الناس أن كل شيءٍ يفعلونه على الإنترنت، يُراقَب ويتم تعقُّبُهُ ويُقاس.. كل إجراءٍ تتخذونه يُراقب ويُسَجّل بدِقّة. الصورة التي تقفون وتنظرون إليها بالضبط ومدة رؤيتكم إياها، وغير ذلك الكثير”.

نحت التركيبة الاجتماعية

وينقلنا “تشامات بالياباتيا” نائب الرئيس السابق للنمو في “فيسبوك”، إلى فكرةٍ فائقة الأهمية والحساسية، وذات بُعْدٍ سيكولوجيٍّ، بِقَوْلِهِ: “نُنَظِّم حياتنا حول هذا الإحساس بالكمال، حيث نُكَافأ بتلك الرموز التعبيرية على المدى القصير، مثل رمز “القلب” أو “القبول”، ونخلط ذلك بالقيمة وبالحقيقة. وبدلاً من اعتبارها حقّاً -وكما هي- رموزاً زائفةً وشعبيةً هشّةً، فهي قصيرة المدى، لكنها مع الوقت تصبح معياراً للتفوق أو التميز، ودونها يشعر الفرد -اعتَرِفوا بذلك- بالخواء والفراغ.

اهتمامٌ نقديّ

ويكشف الفيلم، ويُعرَض حالياً على منصة “نتفليكس” (Netflix) الرقمية، الجهة المنتجة، وعبر هؤلاء المُنْشَقّين، ضرر إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على تنوّعها وزيف تلك الادّعاءات بأن الإدمان وانتهاك الخصوصية هي ميزاتٌ، وليست أخطاءً كبرى ومأساوية.

ومنذ إطلاق الفيلم قبل أسابيع قليلة، يحظى بمتابعةٍ نقديَّةٍ كبيرةٍ عبر أبرز الصحف والمواقع الإلكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، حيث خرجت العديد من المراجعات عنه بأقلام كبار النُّقّاد والإعلاميين، فحسب “لوس أنجليس تايمز” فإن فيلم “المعضلة الاجتماعية” قد يكون “أهم فيلمٍ وثائقيٍّ تراهُ هذا العام”.

ويقتحم هذا الفيلم الاستثنائي عوالم أقل ما يمكن وصْفُها به أنّها “سرّيَّة” و”مرعبة”، وهذا ما عبَّرَ عنه صراحةً “هاريس”، بِقَوْلِهِ: “لم يحدث من قبل في التاريخ أن اتَّخَذَ خمسون مصمِّماً بِيضَ البشرة، من كاليفورنيا، قراراتٍ من شأنها أن تؤثر على ملياريّ شخص”.

 وفصَّلَ: “سيحظى مليارا شخصٍ بأفكارٍ ما كانوا ليُفَكِّروا فيها لأن مُصَمِّماً لدى “جوجل” قال، هكذا تعمل الإشعارات على الشاشة التي تفتحونها في الصباح، ونتحمل مسؤوليةً أخلاقيةً بصفتنا “جوجل” لحل هذه المشكلة”.

ووفقاً لجارون لانير، الأب المؤسس لعالم كمبيوتر الواقع الافتراضي، لا يمكن أن تكون مخاطر الإصلاح أكبر، بقولِهِ: “إذا تراجعنا عن الوضع الراهن، فلنَقُل عشرين عاماً أخرى، ربما ندمّر حضارتنا من خلال الجهل المتعمد، كأن نفشل في مواجهة التحدي المتمثل في تغيُّر المناخ، أو أن نضرب ديمقراطيات العالم في مقتلٍ حتى تقع في نوعٍ من الخلل الاستبداديّ، أو حتى نُدَمِّر الاقتصاد العالمي.. ربما لا ننجو. أنا أرى الأمر حقّاً باعتباره مسألة وجودية”.

متشائلون!

وعلى الرغم من انتقاداتهم الشديدة، فإن الأشخاص الذين تَمَّتْ مقابلتهم في الفيلم ليسوا كلهم متشائمين، يقترح الكثيرون منهم البحث عما أسْمَوه “تغييرات صحيحة”، يمكننا إنقاذ وسائل التواصل الاجتماعي، لكن حقيبة الحلول الشخصية والسياسية التي يُقَدِّمُونها في الفيلم تخلط بين هدفين مختلفين: التكنولوجيا التي تسبب السلوكيات المدمِّرَة، وثقافة الرأسمالية غير المنضبطة التي تُنْتِجُها.

جديرٌ بالإشارة أن الفيلم يحتوي على بعض الاقتراحات المثيرة للاهتمام، بما في ذلك فرض ضرائب على “أصول البيانات” لشركات التواصل الاجتماعي، والتأكُّد من الاستمرار في الاطّلاع على الاعتمادات لبعض القواعد الواضحة والبسيطة التي يمكن للآباء تَبَنّيها. 

ويبقى الدرس الأكثر أهميةً من “المعضلة الاجتماعية” هو أننا يجب أن نتساءل عن كل ما نقرَأهُ على الإنترنت، خاصةً إذا ما تمَّ تقديمُهُ لنا بطريقةٍ تعْكِسُ فهماً مفصّلاً لميولنا وتفضيلاتنا، وأنه يجب علينا أن نُقاوم “نموذج جذب الانتباه” الذي يجعل وسائل التواصل الاجتماعي تبدو ودّيَّةً، أو أن نحذفها، إن تمكّنا، حسب نصيحة أحد “المنشَقّين الأخلاقيين” من حيواتنا، وقبلها من هواتفنا بطبيعة الحال.