1

بين الرداء الأبيض وصوت الثورة… قراءة نقدية في رواية «الملاك الثائر» للكاتبة ريتاج إسحق المنسي

تتخذ رواية «الملاك الثائر» للكاتبة ريتاج إسحق المنسي من التوتر بين رسالة الشفاء وواقع العنف مدخلًا إلى حكاية إنسانية تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الذاكرة الوطنية. فمن خلال شخصية الطبيب عبد الله، تفتح الرواية أسئلة تتصل بحدود المهنة أمام الألم، وبقدرة الإنسان على مواصلة حياته حين يجد نفسه في مواجهة تجارب تتجاوز احتماله الشخصي.

منذ عنوانها، تضع الرواية القارئ أمام مفارقة دلالية لافتة؛ فـ«الملاك» يحيل إلى الرحمة والرعاية وتخفيف الألم، فيما تشير «الثورة» إلى الرفض والمواجهة والسعي إلى تغيير الواقع. واجتماع المفردتين لا يقدم شخصية أحادية الملامح، وإنما يفتح مجالًا للتأمل في الإنسان الذي يحمل رسالة إنسانية، ثم يجد نفسه داخل واقع يفرض عليه أسئلة تتجاوز حدود اختصاصه وخياراته الأولى.

تبدأ الحكاية من تفاصيل الحياة اليومية لعبد الله، الطبيب الشاب الذي يستعد لممارسة عمله في المستشفى. وتمنح هذه البداية القارئ فرصة للتعرف إلى محيطه الأسري والاجتماعي، وإلى علاقة الشخصية بالمكان والناس وتفاصيل الحياة الفلسطينية المعتادة. فالبيت، والحقول، وأشجار الزيتون، والسوق، والوجوه التي تمر في الطريق، لا تؤدي وظيفة تزيينية في بناء الرواية؛ إنها ترسم عالماً اجتماعياً له إيقاعه الخاص، قبل أن تتقدم الأحداث لتكشف هشاشة هذا الاستقرار أمام العنف.

وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من كونها تقدم الحياة اليومية في بعدها الإنساني، بعيداً عن اختزال المجتمع في مشاهد المواجهة وحدها. فهناك عمل وعلاقات عائلية وأحلام مهنية وتواصل بين الناس، وهي عناصر تجعل ما يتعرض له هذا العالم لاحقاً أكثر حضورا وتأثيراً.

عبد الله: من رسالة الشفاء إلى اختبار العجز

يشكل عبد الله محوراً أساسياً في تطور الأحداث، وتبرز ملامح تحوله بوضوح في مشهد الطفل الذي يحاول إنقاذه داخل المستشفى. فحين يعجز عن إنقاذه، لا يواجه عبد الله خسارة مريض فحسب، بل يصطدم بحدود قدرته على أداء الرسالة التي اختارها لنفسه.

تكمن أهمية هذا المشهد في انتقال الشخصية من الثقة بقدرتها المهنية إلى اختبار العجز الإنساني. فالطبيب يستطيع أن يمتلك المعرفة والخبرة، لكنه لا يملك دائماً القدرة على منع الموت، ولا يستطيع بمفرده معالجة الأسباب التي تدفع الإنسان إلى مواجهة الألم مرارا.

وهنا تنجح الرواية في نقل الصراع من المجال الخارجي إلى داخل الشخصية؛ إذ يصبح الألم تجربة تعيد تشكيل نظرتها إلى نفسها وإلى العالم المحيط بها. كما يأتي موقف زهراء، حين تحثه على العودة إلى عمله وتذكّره بأن مرضى آخرين يحتاجون إليه، ليؤكد أن العجز في تجربة واحدة لا يعني انتهاء القدرة على الاستمرار.

من هذه الزاوية، لا تبدو شخصية عبد الله مجرد وسيلة لتحريك الأحداث، بل مدخلًا إلى سؤال إنساني أوسع: كيف يحافظ الإنسان على إحساسه بالمسؤولية حين تتكرر أمامه مواقف تعجز قدرته الفردية عن تغيير نتائجها؟

وتتسع دائرة الصراع لاحقاً؛  حين ينتقل عبد الله من موقع الطبيب الذي يتعامل مع المصابين إلى موقع الإنسان الذي يصبح عرضة للمطاردة والاعتقال. ويكشف هذا التحول عن التوتر الذي يقوم عليه العنوان؛ فالشخصية التي ارتبطت منذ البداية بالشفاء تجد نفسها داخل ظروف تفرض عليها مواجهة واقع أكثر تعقيدا من حدود مهنتها.

الرداء الأبيض: من دلالة العلاج إلى دلالة الخطر

يحتل الرداء الأبيض مكانة رمزية في القراءة؛ فهو يرتبط في البداية بالطب والثقة والرعاية، لكنه يكتسب دلالة مختلفة حين يصبح اللباس الأبيض مرتبطا بمشهد المطاردة والبحث عن شخص تلاحقه القوات.

هذا التحول في الدلالة يفتح المجال لقراءة العلاقة بين الرمز والسياق. فالشيء لا يحتفظ دائماً بمعناه الأول حين تتغير الظروف المحيطة به؛ وما كان علامة على الأمان يمكن أن يتحول إلى علامة على الخطر. ومن هنا تتجاوز دلالة الرداء الأبيض حدود المهنة، لتصبح جزءاً من المفارقة التي تنظم مسار الشخصية.

وتبرز قيمة هذا الرمز في أنه يصل بين عالمين متداخلين في الرواية: عالم العلاج الذي يسعى إلى حماية الجسد، وعالم الصراع الذي يضع الجسد نفسه في دائرة التهديد. وبين العالمين يتحرك عبد الله، حاملًا التزامه الإنساني، ومواجهاً التحولات التي تفرضها عليه الأحداث.

رسالة ثورة: الكتابة في مواجهة العزلة

في فصل «رسالة لا تعرف الأسوار»، تنتقل الرواية إلى مساحة مختلفة من التعبير عن الصراع، من خلال رسالة تحاول ثورة إيصالها إلى عبد الله أثناء اعتقاله. وتكتسب الرسالة أهميتها من وظيفتها الإنسانية؛ فهي وسيلة لاستمرار التواصل حين يصبح اللقاء المباشر متعذرا.

لا تزيل الكلمات جدران السجن، لكنها تمنح الأسير صلة بالعالم الخارجي، وتخفف من وطأة العزلة، وتؤكد أن العلاقات الإنسانية قادرة على الاستمرار رغم الحواجز المكانية. وهنا تتحول الكتابة إلى فعل حضور، ويصبح الانتظار جزءاً من التجربة العاطفية والنفسية للشخصيات.

أما بوابة السجن، التي تنتظر عندها ثورة، فتتجاوز كونها مكاناً مادياً، إذ تصبح حداً فاصلًا بين الغياب واللقاء، وبين الأمل في الإفراج واستمرار الانتظار. وبذلك تتصل دلالات المكان بفكرة الزمن، لأن الانتظار لا يقاس بالساعات وحدها، وإنما بما يحمله من ترقب وخوف وأمل.

وتفتح شخصية ثورة مجالًا لنقاش نقدي يتعلق بالأسماء الرمزية في الرواية. فالاسم يحمل دلالة واضحة في سياق العمل، غير أن القيمة الفنية للشخصية تتوقف ايضاً على قدرتها على تجاوز معنى الاسم، واكتساب ملامح إنسانية مستقلة من خلال أفعالها وخياراتها ومخاوفها. فالرمز يصبح أكثر تأثيراً حين لا يلغي الفرد الذي يحمله.

العودة من السجن: الحرية وآثار التجربة

في فصل «باب يفتح… وحياة تتردد»، يعود عبد الله إلى البيت بعد الإفراج عنه، لكنه لا يجد نفسه ببساطة داخل الحياة التي تركها. فالأشياء المألوفة تبدو غريبة، والمكان الذي ارتبط بالألفة يصبح بحاجة إلى إعادة اكتشاف.

تقدم هذه اللحظة بعدا مهما في قراءة الرواية؛ إذ تميز بين الخروج من مكان الاحتجاز واستعادة التوازن النفسي. فالحرية المكانية لا تعني بالضرورة أن آثار التجربة قد انتهت، كما أن العودة إلى البيت لا تعني استعادة العلاقة السابقة بالمكان وبالذات.

وتزداد هذه الدلالة وضوحًا حين يعود عبد الله إلى المستشفى، ثم يواجه مشهد طفل تجبره القوات على ركوب سيارة عسكرية، فتعود إليه ذكريات الألم، ويتجدد الصراع بين ما يحمله من آثار التجربة وما يحاول فعله في الحاضر.

هنا تصبح الذاكرة عنصرا فاعلًا في بناء الشخصية، لا مجرد استعادة للماضي. فالحدث السابق يستمر في التأثير في الحاضر، وقد تعيد واقعة جديدة فتح الجرح القديم. ومن خلال هذا المسار، تطرح الرواية سؤالًا يتجاوز مصير الشخصية الفردية: كيف يمكن للإنسان أن يبني علاقته بالحياة من جديد بعد تجربة غيرت نظرته إلى نفسه وإلى العالم؟

المكان والزمن في بناء الدلالة

تتوزع الأمكنة في الرواية بين البيت والمستشفى والشارع والمخبأ والسجن. ولكل منها وظيفة تتصل بحركة الشخصية وتطورها. فالبيت يرتبط بالألفة والجذور، والمستشفى يجمع بين الرعاية والعجز، فيما يفرض السجن العزلة والانتظار، وتتحول بوابته إلى مساحة بين الغياب واللقاء.

ولا يقل الزمن أهمية عن المكان. فهناك زمن الحياة اليومية الذي يظهر في تفاصيل العمل والعلاقات، وزمن الصدمة الذي يتكثف في لحظات محاولة الإنقاذ، وزمن الانتظار الذي يتسع خلال الاعتقال، ثم الزمن النفسي الذي يستمر بعد الإفراج. وبهذا المعنى، لا يتحرك الزمن في الرواية وفق ترتيب الأحداث وحده، بل وفق أثرها في الشخصيات أيضاً.

وتساعد هذه البنية المكانية والزمنية على نقل التجربة من مستوى الحدث الخارجي إلى مستوى الإحساس الداخلي، وهو ما يمنح مشاهد الانتظار والعودة دلالات تتجاوز وظيفتها المباشرة في الحكاية.

بين قوة الفكرة ومتطلبات البناء الفني

تمنح الرواية القارئ مادة غنية للتأمل في العلاقة بين التجربة الفردية والسياق الوطني، كما تتيح شخصياتها ومشاهدها قراءة متعددة المستويات. وتبرز قوتها الإنسانية في تقديم شخصية تتعرض للتحول، وفي توظيف مشاهد مثل وفاة الطفل ورسالة ثورة والعودة من السجن لطرح أسئلة تتصل بالألم والذاكرة والقدرة على الاستمرار.

ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي النظر في كيفية بناء هذه المعاني فنياً، لا الاكتفاء بأهميتها الموضوعية. فمن الأسئلة التي تستحق النقاش مدى استقلال الشخصيات الثانوية عن أدوارها في مسار البطل، ومدى نجاح الأسماء الرمزية في الاحتفاظ بتعقيد الشخصية الإنسانية، إضافة إلى التوازن بين التعبير العاطفي المباشر والتكثيف السردي.

إن هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الموضوع الذي تتناوله الرواية، وإنما تنطلق من التمييز بين قوة الفكرة وطريقة صياغتها أدبياً. فقد تكون الفكرة مؤثرة، لكن أثرها في القارئ يتوقف ايضاً على تطور الشخصية، وتماسك المشهد، وقدرة اللغة على إيصال المعنى من دون أن تفسره تفسيرًا زائدًا.

ومن هنا تأتي أهمية الحوار النقدي؛ فهو لا يسعى إلى إصدار حكم نهائي على العمل، وإنما إلى فهم الخيارات الفنية التي اتخذها النص، وتحديد ما تحققه من أثر، وما تفتحه من إمكانات للقراءة والتطوير.

خاتمة: حين يصبح السؤال جزءاً من القراءة

تتيح رواية «الملاك الثائر» قراءة تجربة إنسان يجد نفسه أمام توتر مستمر بين رسالة الشفاء وواقع العنف، وبين الرغبة في استعادة الحياة وآثار التجارب التي تترك بصمتها في الذاكرة.

ومن خلال شخصية عبد الله، ودلالة الرداء الأبيض، ورسالة ثورة، ومشهد العودة من السجن، تتشكل أسئلة تتصل بالإنسان والحرية والعلاقة بين الماضي والحاضر. وهي أسئلة تجعل الرواية مساحة للحوار حول كيفية تحول التجربة الفردية إلى حكاية تحمل أبعاداً اجتماعية ووطنية.

وفي تقديري، فإن القراءة الأكثر إنصافاً للعمل الأدبي هي التي تجمع بين الإصغاء إلى ما ينجح النص في تقديمه، ومساءلة أدواته الفنية، وترك المجال مفتوحاً أمام القارئ كي يشارك في إنتاج المعنى.

فالأدب لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة، وإنما يستمر في الأسئلة التي يتركها فينا؛ والأسئلة التي تطرحها هذه الرواية تدعونا إلى التفكير في قدرة الإنسان على مواصلة الحياة بعد الألم، وفي دور الذاكرة والعلاقات الإنسانية في استعادة الذات، وفي الكيفية التي يستطيع بها السرد أن يحول التجربة الفردية إلى مساحة مشتركة للتأمل.




فلسطين تحضر في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب ثقافة وهوية ورواية وطن

 لم تكن المشاركة الفلسطينية في معرض بيروت الدولي للكتاب مجرد حضور ثقافي عابر بل شكلت مساحة لتأكيد الهوية الوطنية الفلسطينية واستحضار الذاكرة والرواية الفلسطينية وإبراز دور الثقافة والأدب في حماية الهوية وتعزيز الانتماء الوطني في مواجهة محاولات الطمس والتزييف .. فمن خلال الكتب والإصدارات واللقاءات الثقافية حضرت فلسطين بتاريخها وتراثها وتنوعها الديني والفكري لتؤكد أن الثقافة الفلسطينية جزء أصيل من المشهد الثقافي العربي.  

وفي مقابلة أجرتها «الحياة الجديدة» مع رئيس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين فرع لبنان محمد سرور أكد أن الاتحاد، رغم حداثة تأسيسه وعدم مضي شهرين على انطلاقته استطاع بجهود الزميلات والزملاء وبرعاية الأمانة العامة للاتحاد تحقيق إنجازات مهمة على صعيد العمل الثقافي والتنظيمي وفي إطار المشاركة الفلسطينية في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب.

وأوضح سرور أن المشاركة جاءت في ظل فترة زمنية قصيرة لم تتح إتمام التحضيرات إلا في وقت ضيق إلا أن الاتحاد نجح في إقامة جناح فلسطيني مميز استقطب كثافة ملحوظة من الزوار ولفت الأنظار رغم محدودية المساحة المخصصة له مشيراً إلى أن عدد الإصدارات والموسوعات المعروضة كان مقبولاً مع تطلع الاتحاد إلى توسيع المشاركة مستقبلاً وإغنائها بتشكيلة أكبر وأكثر تنوعاً من الكتب والإصدارات.

وأشار إلى أن الجناح الفلسطيني تميز بتصميمه الذي جمع علم الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين والعلمين اللبناني والفلسطيني إلى جانب مجموعة من الإصدارات التي توزعت على ثلاثة أقسام رئيسية شملت إصدارات الزميلات والزملاء أعضاء الاتحاد والإصدارات التي وصلت من فلسطين عبر الأمين العام للاتحاد الأستاذ مراد السوداني إضافة إلى الإصدارات التي قدمتها سفارة دولة فلسطين في بيروت بما عكس تكامل الجهود الثقافية والوطنية لإنجاح هذه المشاركة.

وشدد سرور على أن ما ميز المشاركة الفلسطينية هو المكانة التي تحتلها فلسطين في وجدان الكتاب والمثقفين مؤكداً أن متابعة حركة الزوار واهتماماتهم عكست بوضوح حضور فلسطين بوصفها عنواناً للهوية والانتماء المشترك لدى شريحة واسعة من المفكرين والمثقفين العرب.

وقال سرور إن فلسطين تشكل قبلة ثقافية ووطنية وهوية جامعة تتجاوز الحدود مضيفاً أن حضورها يمنح المعارض والفعاليات الثقافية بعداً يتصل بالحرية والذاكرة والانتماء وأن نجاح الجناح الفلسطيني وتميزه يعكسان عمق ارتباط المثقفين بالقضية الفلسطينية وحرصهم على إبقائها حاضرة في المشهد الثقافي العربي.

وأعرب عن اعتزاز الاتحاد بهذه المشاركة موجهاً الشكر إلى كل من أسهم في إنجاحها من الأمانة العامة للاتحاد إلى الزميلات والزملاء وسفارة دولة فلسطين في بيروت وسائر الجهات والشخصيات الداعمة لافتا إلى أن الجناح الفلسطيني يشهد يومياً تنظيم حفلات توقيع للكتب على مدار اليوم في خطوة تسهم في تنشيط الحركة الثقافية وزيادة تفاعل الزوار مع الإصدارات والكتاب الفلسطينيين وتعزز حضور الاتحاد بوصفه مساحة للتواصل بين المبدعين والجمهور ومنبراً ثقافياً يحمل القضية الفلسطينية ويؤكد مكانتها في الوعي العربي.

وفي لفتة تعكس أهمية الحضور الفلسطيني في المشهد الثقافي اللبناني زار رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور نواف سلام وعقيلته السفيرة سحر بعاصيري جناح دولة فلسطين خلال افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، حيث كان في استقبالهما سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد الذي رحب بهما وقدم شرحاً حول أبرز الكتب والإصدارات المعروضة مثمناً الدور الثقافي لبيروت ومكانتها التاريخية مركزاً للفكر والإبداع والإشعاع الحضاري والثقافي.

كما شهد الجناح الفلسطيني زيارات لعدد من الشخصيات السياسية والوطنية من بينهم رئيسا الحكومة السابقان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة إلى جانب عدد من الوزراء والنواب والشخصيات الثقافية والفكرية في مشهد عكس الاهتمام بالحضور الفلسطيني ودوره في تعزيز العلاقات الثقافية والأخوية بين الشعبين الفلسطيني واللبناني.  

وفي إطار الفعاليات الثقافية الفلسطينية شهد المعرض توقيع الأرشمندريت أغابيوس أبو سعدى كتابه «اليوم الثالث ـ قراءة في الهوية المسيحية الفلسطينية»، الصادر عن دار سائر المشرق، برعاية سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد ،  وسلط الكتاب الضوء على الهوية المسيحية الفلسطينية ودور أبناء الشعب الفلسطيني من المسيحيين في مسيرة النضال الوطني وإسهاماتهم في الحياة الثقافية والوطنية .

وفي حديث لتلفزيون فلسطين وقناة فلسطيننا، أشاد السفير محمد الأسعد بالدور الثقافي والأدبي للأرشمندريت أبو سعدى في تسليط الضوء على أبناء الشعب الفلسطيني من المسيحيين وعلى دورهم الريادي في مسيرة النضال الوطني وإسهاماتهم في تعزيز الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية الزائفة 

وأكد الأسعد إيمان الرئيس محمود عباس بالتعددية الدينية والفكرية في فلسطين التي ستبقى مهد الديانات السماوية ومهبط الرسالات . 

ويواصل معرض بيروت الدولي للكتاب استقبال زواره واحتضان الفعاليات الثقافية والأدبية التي تشكل مساحة للتلاقي بين الكتاب والمثقفين ودور النشر فيما يواصل الحضور الفلسطيني تأكيد مكانته في المشهد الثقافي العربي وتبقى الكلمة الفلسطينية  شاهدة على تاريخ شعبها وحقه في الحرية والاستقلال.




“الثوب الفلسطيني حكاية هوية نسيج وطن”.. ذاكرة شعب لا تزال حاضرة

يمثل التراث الفلسطيني أحد أكثر عناصر الهوية الوطنية رسوخًا واستمرارية، إذ لا ينظر إليه بوصفه بقايا زمن مضى، بل باعتباره ممارسة ثقافية حيّة تتجدد عبر تفاصيل الحياة اليومية. ويحتل الزي الشعبي، ولا سيما الملابس الشعبية النسائية، مكانة خاصة ضمن هذا التراث، بوصفه شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي للشعب الفلسطيني، وحاملًا لمعانٍ تتجاوز الوظيفة المادية إلى التعبير عن الانتماء والخصوصية والهوية.
في هذا الإطار، صدر كتاب «الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن» للباحثة والكاتبة الدكتورة سارة محمد الشماس، ليقدّم دراسة أكاديمية متخصصة توثق التراث الملبسي الفلسطيني وتبحث في علاقته بالهوية الوطنية. يقع الكتاب في 171 صفحة، وصدر عن دار الشامل للنشر والتوزيع، وجرى إطلاقه رسميًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في أول عرض له ضمن المعارض العربية، حيث حظي باهتمام الأوساط الثقافية والبحثية المعنية بقضايا التراث والهوية، كما شهد جناح دار الشامل توقيع الكتاب بحضور نخبة من المثقفين والأدباء من مختلف أنحاء الوطن العربي، الذين أشادوا بقيمته العلمية وأهميته الثقافية.
يعتمد الكتاب مقاربة علمية تنظر إلى الملابس الشعبية بوصفها نتاجًا اجتماعيًا وثقافيًا تشكل عبر مسار تاريخي طويل، لا مجرد لباس تقليدي أو عنصر جمالي. فالهوية الوطنية، كما يبين الكتاب، لا تختزل في مفاهيم نظرية أو شعارات عامة، بل تتجسد في الممارسات اليومية، وكان الزي الشعبي أحد أهم هذه الممارسات التي عبرت عن ارتباط الفلسطيني بأرضه ومجتمعه وقيمه.
يتناول الكتاب في فصوله الأولى المفاهيم الأساسية المرتبطة بالملابس الشعبية والهوية والهوية الوطنية، موضحًا العلاقة بين الزي الشعبي والانتماء الوطني. يبرز هذا التحليل كيف أدت الملابس دورًا اجتماعيًا واضحًا، إذ حملت دلالات تتعلق بالعمر، والحالة الاجتماعية، والمناسبة، والمكانة داخل المجتمع، ما جعلها وسيلة تواصل غير مباشرة مفهومة ضمن السياق الثقافي العام.
   يتناول الكتاب نشأة الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية وتطورها التاريخي، متوقفًا عند أوجه التشابه بينها وبين ملابس بعض المناطق المجاورة، مع التأكيد على خصوصيتها الفلسطينية. يظهر في هذا السياق التنوع الواضح في طبيعة الملابس الشعبية بين المناطق الفلسطينية المختلفة، وهو تنوع تأثر بعوامل البيئة والمناخ وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، رغم المساحة الجغرافية المحدودة لفلسطين. انعكس هذا التنوع في شكل الثوب، ونوعية القماش، وأساليب الحياكة، وحضور الزخارف التي منحت كل منطقة طابعها المميز ضمن إطار ثقافي عام.
يوضح الكتاب أن الزخارف المصاحبة للملابس الشعبية النسائية شكلت جزءًا من البناء التعبيري للثوب، وأسهمت في إبراز خصوصيته وتمييزه، دون أن تكون عنصرًا شكليًا منفصلًا عن سياقه الاجتماعي والثقافي. ارتبط حضور هذه الزخارف بوظيفة الثوب ودلالته الاجتماعية، وبالمناسبة التي يرتدى فيها، ما يعكس وعيًا ثقافيًا متراكمًا لدى المجتمع الفلسطيني.
يسلط الكتاب الضوء على الوظائف الاجتماعية للملابس الشعبية النسائية، مبرزًا دورها في تنظيم العلاقات الاجتماعية وضبط السلوكيات ضمن منظومة ثقافية غير مكتوبة. شكل اختلاف اللباس بين المناسبات الاجتماعية المختلفة، أو بين الحياة اليومية والمناسبات الخاصة، عنصرًا مفهومًا ضمنيًا داخل المجتمع الفلسطيني، بما يدل على عمق الوعي الجمعي الذي حكم ملامح الحياة الاجتماعية التقليدية.
يخصص الكتاب مساحة لدراسة أنواع الملابس الشعبية النسائية الفلسطينية بحسب المناسبات الاجتماعية والدينية واليومية، مبينًا أن لكل مناسبة لباسها الخاص ودلالتها الاجتماعية. يعكس هذا التصنيف نظامًا ثقافيًا متماسكًا كانت المرأة الفلسطينية عنصرًا أساسيًا في بنائه واستمراره عبر الأجيال.
يناقش الكتاب التحديات التي تواجه الحفاظ على التراث الملبسي الفلسطيني في العصر الحديث، ويتصدر هذه التحديات ما يتعرض له التراث من سرقة وتزييف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومحاولات نسبه إلى روايات مصطنعة ضمن سياسة ممنهجة تستهدف طمس الهوية الفلسطينية. يتناول الكتاب كذلك آثار تشتت الهوية لدى فلسطينيي الداخل، وتأثيرات العولمة التي أسهمت في إضعاف الارتباط بالتراث وتحويل بعض عناصره إلى منتجات استهلاكية منفصلة عن سياقها الثقافي. يؤكد هذا الطرح أن التوثيق العلمي بات ضرورة وطنية لحماية الذاكرة الجمعية من التزييف والاندثار.
يحمل غلاف الكتاب دلالة خاصة، إذ جاءت لوحة الغلاف لتجسد المؤلفة وهي ترتدي الثوب الفلسطيني، في تعبير بصري منسجم مع موضوع الكتاب دون بعد ذاتي، بل بوصفه تمثيلًا رمزيًا لعلاقة الباحثة بموضوع دراستها. نفذت اللوحة بريشة الدكتور جمال بدوان، سفير الفن الفلسطيني في العالم، لتشكل مدخلًا بصريًا هادئًا يعكس حضور الثوب الفلسطيني بوصفه عنصرًا حيًّا من الهوية الوطنية.
ترافق صدور الكتاب مع عدد من الفعاليات الثقافية، كان من أبرزها المشاركة في اليوم الثقافي الذي نظمته سفارة دولة فلسطين في جمهورية مصر، حيث جرى توقيع الكتاب في مكتبة السفارة وإدراج نسخة منه ضمن مقتنياتها الثقافية، بحضور سعادة المستشار الثقافي ناجي الناجي، إلى جانب نخبة من المثقفين والأدباء المبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي. كما جاءت مشاركة الدكتورة سارة محمد الشماس ضمن المشاركين في فعالية ثقافية نظمها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية – فرع مصر، خُصصت للاحتفاء بالكتاب وتسليط الضوء على أهميته في توثيق التراث النسائي الفلسطيني ودوره في صون الذاكرة الثقافية، وذلك بحضور مديرة اللجنة الثقافية سونيا عباس، ومديرة اللجنة التراثية نادية الآغا، وبمشاركة نخبة من المثقفين المبدعين والأدباء، وحضور ثقافي نوعي عكس التقدير لقيمة الجهد البحثي ومكانة الإصدار في المشهد الثقافي الفلسطيني.
يشكل كتاب “الثوب الفلسطيني.. حكاية هوية نسيج وطن” إضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية والعربية، لما يقدمه من دراسة توثيقية أكاديمية تسهم في سد فجوة بحثية واضحة في مجال دراسة التراث الملبسي الفلسطيني.
يؤكد الكتاب في مجمله أن الزي الشعبي الفلسطيني ليس مجرد موروث من الماضي، بل جزء أصيل من الهوية الوطنية وذاكرة شعب ما زالت حاضرة، وتستحق الحفظ والتوثيق بوصفها شاهدًا على التاريخ الاجتماعي والثقافي لفلسطين.




تضامنا مع القضية الفلسطينية.. مجموعة الصايغ تدعم إنتاج الفيلم الفلسطيني “فلسطين 36”

أعلنت مجموعة الصايغ، برئاسة السيد ميشيل الصايغ، والمدير التنفيذي لمجموعة رؤيا الإعلامية السيد فارس الصايغ، عن دعمها لتمويل فيلم “فلسطين 36″، الذي يسلط الضوء على ثورة فلسطين عام 1936 التي قادها الفلاحون ضد الحكم الاستعماري البريطاني. يأتي هذا الدعم في إطار جهود المجموعة لتعزيز الثقافة الفلسطينية والتأكيد على أهمية الفن في نقل الرسائل الوطنية.

الفيلم، من إخراج المخرجة الفلسطينية العالمية آن ماري جاسر، يتناول ملحمة تاريخية عن الانتفاضة التي اندلعت على مشارف القدس، وتم قمعها بواسطة 20 ألف جندي بريطاني. ويعد “فلسطين 36” من أبرز أعمال جاسر، التي تعتبر من أهم المخرجات الفلسطينيات والعالميات، حيث عرضت أفلامها في مهرجانات مرموقة مثل كان وبرلين والبندقية ولوكارنو وتورنتو.

وكان من المقرر تصوير الفيلم في فلسطين بداية من أكتوبر 2023، إلا أن الأوضاع السياسية غير المستقرة بسبب العدوان الإسرائيلي على فلسطين أدت إلى إجلاء الطاقم والممثلين، ونقل موقع التصوير إلى الأردن. يشارك في العمل نخبة من الممثلين العرب والبريطانيين، منهم ظافر العابدين، هيام عباس، والفائز بجائزة الأوسكار جيريمي إيرونز.

تُعد جاسر من أبرز مخرجي السينما الفلسطينية، حيث حققت نجاحات كبيرة، منها فيلم “ملح هذا البحر” الذي نال استحسان النقاد، وشارك في مهرجان كان، وفيلم “لما شفتك” الذي فاز بجائزة أفضل فيلم آسيوي في برلين، وفيلم “واجب” الذي حصد 36 جائزة دولية. دعم مجموعة الصايغ يأتي كجزء من التزامها المستمر بتعزيز الفن الفلسطيني وإبراز قصصه على الساحة العالمية.




رواية “اذهب حيث يقودك قلبك” .. ثلاث نساء وصمت طويل: تأملات في الحب والخذلان”

مهيب الب

1تعتبر في إيطاليا رواية “اذهب حيث يقودك قلبك”من أبرز الأعمال الأدبية المعاصرة التي لاقت انتشارًا عالميًا واسعًا منذ صدورها عام 1994. كتبتها الكاتبة الإيطالية سوزانا تامارو بأسلوب بسيط وشفاف، لكنّه يفيض عمقًا وتأملًا، وتُرجمت إلى العديد من اللغات، منها العربية، حيث لامست قلوب القرّاء عبر سردٍ حميميّ يحاكي الأحاسيس الإنسانية الكبرى: الحب، الخوف، الفقد، والندم.

تحاول الكاتبة أن تضع الرواية من الصفحة الاولى ضمن تصنيف السيرة الذاتية لتضع خلاصة رحلتها ورؤيتها للحياة من وجهة نظر مغايرة . تحاول الجدة أن تظهر سر النخبة وصراع القوى البرجوازية من خلال الرسائل التي تبعثها معتبرة أنها نوع من أنواع التمرد على الطبيعة،تلك الطبيعة التي فرضت الكثير من الحواجز الاجتماعية حيث على الكثير من الناس إخفاء الكثير من حياتهم وعدم مواجهةمشاعرهم أو إظهارها.

تطرح الرواية قضية صراع الأجيال بالطريقة التقليدية الرسائل المتبادلة

عتبة الرواية

تدور أحداث الرواية على شكل رسائل تكتبها جدة تُدعى “أولغا” لحفيدتها “مارتي”، التي غادرت إلى أمريكا إثر خلافات عائلية وصراعات داخلية. وبين طيات هذه الرسائل، تسرد الجدة ماضيها، وتعترف بأخطائها، وتعيد قراءة حياتها من منظور الندم والحكمة المتأخرة، محاولة أن تمنح حفيدتها ميراثًا غير مادي: وصايا القلب، ودفء التجربة.

تحكي الرواية عن علاقات متشابكة وممزقة بين ثلاثة أجيال من النساء، عاشت كل منهن صراعاتها بين الواجب الاجتماعي والصوت الداخلي للقلب. تحاول الجدة أن تُخرج مكنونات نفسها وتُكفّر عن صمتها الطويل، وأن تبوح بحقيقتها بعد سنوات من الكبت والخذلان والخوف من الحب الحقيقي.

ثيمات الرواية                               

– الاعتراف والتطهير الروحي:

 تمثل الرسائل وسيلة تطهير للجدة، إذ تكشف عن الماضي بحلوه ومرارته، وتعترف بأخطائها في التربية والعاطفة

– الفجوة بين الأجيال:

ترسم الرواية بحساسية العلاقة المتوترة بين الأجيال الثلاثة من النساء، وتُظهر كيف يُمكن للصمت أن يكون أكثر قسوة من الكلمات الجارحة.

– صوت القلب مقابل صوت العقل:

 العنوان نفسه يحمل رسالة الرواية الأساسية، بأن الإنسان لا يجب أن يخاف من اتباع قلبه، رغم العواقب، لأن الحياة الحقيقية تكمن في الشجاعة العاطفية.

– الخسارة والندم:

 الموت، الرحيل، والأخطاء غير المغتفرة تتكرر في الرواية، لكن مع بصيص أمل دائم في الغفران والتصالح.

– الأسلوب واللغة

اعتمدت سوزانا تامارو على أسلوب الرسائل الذاتية، ما يمنح الرواية طابعًا حميميًا وصادقًا. اللغة شاعرية دون تكلّف، شفافة لكن عميقة، وهي تستدعي القارئ للتأمل في ذاته وعلاقاته الإنسانية. لا توجد حبكة درامية تقليدية، بل سيرة عاطفية تُروى ببطء، كأنها صلاة مكتوبة بعناية.

أهمية الرواية

أثرت الرواية في ملايين القرّاء حول العالم، واعتبرها كثيرون “كتاب الحياة” لما فيها من صدق وجداني ونفاذ إلى جوهر العلاقات الإنسانية. كما أنها تسلط الضوء على أهمية الإفصاح عن المشاعر، وعدم تأجيل الحب أو الاعتذار أو الغفران.

خاتمة

“اذهب حيث يقودك قلبك” ليست مجرد قصة عائلية، بل هي رحلة داخل الإنسان، داخل القلب، داخل الندم والمصالحة. وهي تذكرة مؤلمة ورقيقة في آنٍ معًا بأنّ الحياة قصيرة، وأن أكثر ما يؤلمنا ليس ما فعلناه، بل ما لم نفعله.

رغوثي