1

إسماعيل أبو غالي.. رقم جلوس و”شهادة عليا”

عبد الباسط خلف- يفتح امتحان الثانوية العامة أحزان عائلة إسماعيل أبو غالي، على مصاريعها، وتفعل جلسات “التوجيهي” وجع الأسرة التي فقدت ابنها، ويواصل جيش الاحتلال احتجاز جثمانه منذ نحو 100 يوم.

وتحول ثلاجات القهر دون تمكين صاحب رقم الجلوس 10050691 من إطفاء النار المفتوحة لعائلته، مثلما تمنعه تأدية جلسات “التوجيهي” التي كان ينتظرها بفارغ الصبر، للانتقال إلى تحقيق أحلامه في الدراسة والعمل.

ويرسم إبراهيم، الأخ الأكبر لإسماعيل، لوحة باكية ومتناقضة تعيشها العائلة التي خسرت الابن الرابع فيها، ويجسد ما فعله بها انطلاق الامتحان أول أمس.

أحلام ممنوعة

ويقول بأسى إن شقيقه، الذي ولد في 5 كانون الثاني 2007، تقاسم معه مخططات تدشين ورشة لصيانة المركبات، لإعانة والدهما ولشق طريق حياتهما، لكن كل شيء انتهى فجر 11 آذار الماضي.

ويحتفظ منزل أبو غالي بكراسات الابن الغائب والحاضر في الآن نفسه، فيما يشعل قهر الأسرة رسومات علم الصناعة التي برع في إعدادها، وستكون على موعد ثقيل مع ذكرى ابنها في كل يوم يشهد جلسات للامتحان، وعند ظهور النتائج، ومع بداية العام الجامعي.

ووفق الأخ المكلوم، فإن إسماعيل اختار دراسة التكييف والتبريد، ولتأخره عن التسجيل في المدرسة الصناعية في جنين، التحق بثانوية اليامون.

دموع وعصائر

ويصف بنبرة حزينة أجواء قاعة الامتحان، التي كانت مسكونة بحضور شقيقه، وقد وصلها لتوزيع العصائر والماء وما تيسر عن روحه.

ويختزل وجعه: كانت لحظات قاسية، فالمقعد الأول كان شاغرًا، وبطاقة الجلوس والصورة تخبر من يشاهدها بالغياب الأبدي عن مسرح الحياة.

ويستذكر: كان إسماعيل مولعًا بقيادة الشاحنات، والتصق بوالدي وهو في سن الحادية عشرة، وبرع في قيادة الشاحنات، وعمل فيها رغم صغر سنه، وعدم حصوله على رخصة قيادة.

ويضيف إبراهيم أن شقيقه كان عفويًا وذكيًا وسابقًا لسنه، وعمل حدادًا مساعدًا لأعمامه أحمد ويوسف في صناعة البيوت المتنقلة، وسائق شاحنة مساعدًا لعمه وسيم، وميكانيكي سيارات رفقة عمه محمد، قبيل غيابه الأبدي، كما حافظ على صيام التطوع معظم العام.

ويواصل: كان أخي حنطي البشرة، وطويل القامة، ونحيفًا وهادئًا، وحرص على الالتحاق بألعاب الرياضة وبناء الأجسام، وفقد كثيرًا من رفاق صفه، قضوا برصاص الاحتلال، وظل يتشوق لهم.

يعمل أمجد، والد إسماعيل في قيادة الشاحنات، بينما تمتهن والدته إحسان الصيدلة، وهي الأكثر تأثرًا وصبرًا برحيل فلذة كبدها قبل الأوان، وتحمل مشاعر متناقضة نحو فلذة كبدها الطموح، لكنها قررت توزيع الحلوى مع ظهور نتائج الثانوية العامة، لتيقنها بنجاحه في شهادة أخرى.

مسافة للحزن

وتبعًا للعائلة، فإن إسماعيل ارتقى عندما أطلقت عليه وحدات احتلالية خاصة النار من مسافة قصيرة، في الحي الشرقي لجنين، على بعد أمتار من بيت عائلته، وأصيب أمامها داخل قاعة إنترنت مجاورة، وظل يغرق في دمه من الرابعة فجرًا وحتى العاشرة صباحًا، ثم أحضروا جرافة واختطفوا جثمانه، وبقيت مكان استهدافه بقع دماء وحفاية كان يرتديها، والكثير من الأحزان.

بدوره، يؤكد مدير مدرسة اليامون الثانوية، رضوان فريحات، بأن إسماعيل كان صاحب الرقم الأول في سجلات الطلبة من بين 30 اسمًا، وكان له حضوره الخاص والمختلف.




صانور.. وجهة جديدة لاقتحام شامل

 يحصي الشاب أحمد الصانوري حصيلة الساعات الأولى من اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لقريته صانور، جنوب جنين.

ويتتبع الشاب الأربعيني ما حل بقريته المرتبطة بقلعة عتيقة وتاريخ طويل، فيقول إن المقتحمين حولوا أكثر من 20 منزلًا لثكنات عسكرية، وطردوا أصحابها منها، وشرعوا في اقتحامها من بيت إلى بيت.

وتعيش بلدات وقرى كثيرة في محافظة جنين على وقع اقتحام واسع وشامل، منذ أكثر من أسبوع، طال سيريس، وجبع، وميثلون، والفندقومية، وعنزا، وصانور، قباطية، ومركة، وفحمة، وعرابة، ورمانة، وعانين، وتجمعات أخرى.

ويشير الصانوري إلى أن أهداف الاقتحام “استعراضية”، وليست حقيقية، لكنها اعتداءات تسمم حياة الناس وتطرد أعدادًا كبيرة من بيوتهم، وتفتش، وتعتقل، ثم تنتقل إلى قرية أخرى لتكرار العدوان نفسه.

ويفيد سكرتير المجلس القروي، طاهر أبو ليمون، بأن الاحتلال اقتحم صانور مساء السبت، وشرع في تفتش منطقة الحاووز، الأعلى فيها، التي وصلتها دوريات مشاة من قرية عنزا المجاورة، بعد الانتهاء من اقتحام استمر نحو 60 ساعة.

ويؤكد أن الاحتلال لم يبلغ أصحاب البيوت التي احتلها جنوده، بتوقيت الانسحاب الدقيق من القرية، فبعض الأسر أخبرت باقتحام مفتوح، والأخرى بثلاثة أو أربعة أيام، وثالثة بيوم واحد.

ويوضح المواطن بسام العيسة بأن الاحتلال سيطر على قرابة 30 بيتًا، وشن حملة تفتيش طالت عددًا كبيرًا منها في المدخلين الشمالي والجنوبي وحي الزواق، تتبع لعائلاتها الست: عيسة، وحبايبة، وغربية، وأبو علي، وولد علي، وجرار.

ووفق أبو ليمون، فإن الاحتلال اعتقل عددًا من المواطنين، عرف منهم: شحادة حبايبة، وزياد غربية، والدكتور محمد عيسة، وفادي سلامة ونجله ناجح فارس، والطفل عبد الله رائد أبو علي.

وأكد العيسة أن في صانور 5 آلاف مواطن، ينتشرون في أكثر ألف من بيت، تضررت أعمالهم في الزراعة والوظيفة العمومية والتجارة منذ مساء أول أمس.

ويتكهن أهالي القرية، التي يذيع صيتها خلال موسم الشتاء، بفعل سهلها الذي يصير بحيرة، أسباب الاقتحام الطويل، ويربطونه بالحرب الدائرة مع إيران وإخلاء المستعمرات، ومخططات عودة الاحتلال إلى “صانور” و”حومش” المجاورتين، ومحاولات إرضاء المستعمرين.

بدوره، يلخص رئيس مجلس عنزا المجاورة لصانور، تيسير صدقة، آثار اقتحام قريته، الذي استمر قرابة 60 ساعة، وسيطر المقتحمون خلاله على 25 بيتًا، وفتش قرابة 700 منزل.

ويؤكد أن جنود الاحتلال عبثوا بمقتنيات المواطنين، وأتلفوا قسمًا منها، وتعمدوا تخريب أثاث وتحطيم أبواب.

ويوضح صدقة، لـ”الحياة الجديدة” بأن حظر التجوال رفع عند السابعة من صباح أول أمس السبت، مع البقاء داخل البيوت، التي تحولت إلى ثكنات عسكرية.

ويشير إلى أن المجلس يعكف على إعداد تقرير مصور يلخص ويوثق حجم التخريب، الذي طال منازل المواطنين خلال الاقتحام.

ويبين بأن الجنود منعوا مراقبي امتحانات الثانوية العامة من الوصول إلى القرية من مدخلها الرئيس، وأجبرهم على سلوك طرق بديلة. كما سهل المجلس عقد الامتحان للطلبة الذين استولى الاحتلال على منازلهم، وأخرج الطالب سامر محرز عطياني من بيته، بعد منعه من الجنود المقتحمين.




طواحين وادي الفارعة “تبكي” حارسها الأخير

عبد الباسط خلف- استفاقت طواحين وادي الفارعة صباح الجمعة الماضي على رحيل حارسها الأخير علي مثقال الحمود، الذي ظل يسكنه الشوق طوال حياته لطواحين قريته الوادعة، فقد عاصرها قبل أفول نجمها، وكان أحد عناوين فلاحة أرضها.

وبكت وادي الفارعة بطواحينها وشيبها وشبابها في أول نهارات عيد الأضحى المبارك الحاج أبو مازن، الذي قضى جراء مضاعفات حادث سيرقبل نحو شهر.

وتستذكر “الحياة الجديدة” رواية الحمود التي باح بها قبل سنوات من توقف قلبه عن عشق قريته، واستعاد فيها شباب ينابيع الفارعة التي كانت تتدفق في الوادي بقوة، وأقيمت على حوافها 12 مطحنة قمح تعمل بالماء، وبقيت 3 منها تدور حتى عام 1972، وهي: الدبورية، والزكية، والمشاقية.

وظل الحمود، 79 عاما، يتذكر جيدا جمعه ورفاقه للأسماك من محيط عيون الفارعة، ولم تسقط من ذاكرته حكاية أمه عن أخه الأكبر أحمد الذي توفي بعدما غرق في إحدى الطواحين لشدة تدفق الماء.

ماء و”مندلينا”

ومما باح به المرحوم: كنا نمشي في “طريق تركيا” كل يوم من وادي الربيعية، ونصل بقايا جسر عثماني قديم، ثم نشاهد القادمين على الخيول والدواب، الذين يحملون القمح لطحنه.

وحسب شهادة الحمود، فقد اختفت طواحين الوادي: الميثلونية، والدبورية، والربيعية، والمشاقية، والطوباسية، والطمونية، والزكية، وأخواتها، وبقيت أطلال بعضها، وذكريات شفوية للذين شاهدوها، وهي تعمل بكل طاقتها أيام الحكم العثماني، ثم عاصرها الجيل التالي، فكان أصحاب الطواحين يجمعون الماء في خرطوم خشبي، ويدفعون به إلى حوض في أسفل البناء، وحين يصب الماء على الحجر المربوط بالأنبوب العلوي، يدور دولاب الطاحونة بقوة كبيرة.

ومما قاله الحاج أبو مازن إنه كان أساس الطواحين العمود الخشبي الذي يشبه محرك الجرار الزراعي الذي يشغل الأدوات الزراعية، فهو مربوط بحجر كبير في الأعلى، وحين يتحرك يبدأ طحن الحبوب، وإن أراد إيقاف الدولاب، يقترب من طاقة علوية مربوط فيها ألواح خشبية عريضة كان يسميها الأطفال “مندلينا”، حين تسحب يتوقف تدفق الماء عن فراشات المحرك، وإن أراد إعادة تشغيلها يسحب نحوه في جهة معاكسة. فيما كانت أسفل قناطير الطاحونة تسمى “النذر”، وهي منطقة مرتفعة تجري في داخلها المياه، وتحتها حوض الطاحونة في الأسفل.

واستنادا إلى إفادة الراوي الراحل، فإن طواحين الفارعة كلها كانت تسير بالتتابع، فحين يصل الماء لأول الطواحين وتدور رحاها، تنتقل المياه بسرعة إلى الطاحونة التالية، وهكذا وصولا إلى الطاحونة الأخيرة، عند جسر الملاقي (الذي يجمع وادي الفارعة بوادي الباذان)، وكلها في خط سير الوادي ذاته.

أجور وطحين

وحسب الحمود، فقد كان بعض أصحاب الطواحين يتقاضون ربع الدقيق بدل طحن الحبوب، وبعضهم يأخذ ثلث الطحين، ولم تكن النقود دارجة حتى توقفها عام 1972، ولم تجف ينابيع الوادي طوال عمل الطواحين، فقد كانت الأمطار غزيرة دائما.

وأضاف: كنت أزرع البطيخ والبندورة والخيار والفستق والشمام في الأراضي الوعرة فوق الوادي، وكنا نسحب الماء من آبار عديدة قبل جفافها، وفي مواسم المطر الجيدة كان الوادي يجمع كميات كبيرة من المطر ثم تشربها الأرض، أو تظل تجري حتى جسر الملاقي وتصل نهر الأردن. أما هذه الأيام فمياه الأمطار تتوقف فترة قصيرة، ثم تشربها الأرض، وقد بدأنا نعاني جفاف الآبار منذ بداية الثمانينيات.

اسـتأجر الحمود 30 دونما في المنطقة قبل عام 1967 بـ 60 دينارا لعشر سنوات، وكان يسحب المياه من المنطقة إلى سهل سميط، وحتى في الأراضي الوعرية كان وزن البطيخة الواحدة يفوق 20 كيلوغراما.

وحسب الراوي، فقد جفت بساتين الحمضيات في الوادي وينابيعه، ولم يتبق من طواحين الهواء إلا بعض الآثار المتداعية، وصارت بعض أماكن الطواحين مكرهة تجمع الخنازير، وتجمع ماء المجاري، وتلفظ مطاحن الحبوب آخر أنفاسها، بسبب انتشار المخابز الآلية، وتوقف معظم الناس عن صناعة خبزهم بأنفسهم.

وشيع أهالي وادي الفارعة الحاج الحمود، وفتح رحيله وجع ذكرياتهم على مصراعيها، فقد كان بكوفيته الحمراء وعكازه الأصفر، أحد رجالات القرية وأقدم مزارعيها، ومن أواخر حراس ذكريات طواحينها، التي اندثرت قبل نحو 50 عاما.

سيرة ومطاردة

ويقول ابنه البكر إن والده أبصر النور عام 1946، وتعلم حتى السادس الأساسي في قرية طلوزة، والتصق بالأرض وفلاحتها في سن مبكر، وتعرض لملاحقة جيش الاحتلال بعد وقت قصير من النكسة، ومنع من الحصول على رخصة قيادة.

ورزق الحمود بـ 5 أولاد و4 بنات، وله 70 حفيدا، وتعرض لحادث سير صعب خلال تحضير لزفاف حفيده الذي يحمل اسمه، وفصل لهذا الفرح المؤجل 3 بذلات رسمية، لكنهه رحل دون أن يرتديها.




الزحف الاستيطاني يخنق قرى غرب رام الله ويهدد الوجود الفلسطيني

حنين خالد- تشهد قرى غرب رام الله سعاراً استيطانياً قد يكون غير مسبوق في مشهد يبدو وكأنه لإعادة لرسم الجغرافيا الفلسطينية، أو ضم صامت يقضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً، ويحول الضفة إلى جزر معزولة، ضمن مشروع يهدد بإفشال أي أفق لحل سياسي عادل، كما وصفه مدير عام مديرية الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا.

ويؤكد الخواجا في حديث لـ “الحياة الجديدة”، أن التوسع الاستيطاني في هذه المناطق هو الأخطر منذ عام 1967، نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي قرب الخط الأخضر، الذي يجعلها نقطة وصل رئيسية بين شمال الضفة وجنوبها. وأوضح أن مستوطنة “كريات سيفر” التي تضم أكثر من 100 ألف مستوطن، تُستخدم كنقطة انطلاق لربطها بمستوطنة “جفعات زئيف” ومعسكر عوفر، من خلال شبكة من الطرق الالتفافية، أبرزها شارع 443، ما يكرّس عزل قرى مثل بلعين وكفر نعمة وصفا وبيت عور.

وأشار الخواجا إلى وجود “إصبع استيطاني” جديد يعمل على ربط بؤر غير شرعية في عين كينيا والجانية وحلميش، بهدف خلق تواصل استيطاني مستمر وفرض واقع ديموغرافي يصعب تغييره لاحقاً.

واعتبر أن الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بأربع بؤر استيطانية جديدة في المنطقة، يمثل تهديداً مباشراً لمشروع الدولة الفلسطينية. مضيفاً: “ما يجري ليس توسعاً عشوائياً، بل خطة مدروسة لفرض نظام أبارتهايد فعلي على الأرض”.

وأوضح الخواجا أن قرى مثل نعلين وبلعين وبدرس كانت في طليعة المواجهة مع الجدار العنصري، واستطاعت عبر النضال الشعبي استرجاع آلاف الدونمات، خاصة بعد فتوى محكمة لاهاي عام 2004 التي أدانت الجدار واعتبرته غير قانوني. لكن الاحتلال يواصل استخدام أدوات قانونية زائفة مثل تصنيف الأراضي كمناطق أمنية أو أراضٍ متروكة، لتبرير المصادرة والضم.

بيتللو.. محاصرة بالاستيطان

وأكد نصر رضوان، رئيس مجلس بلدي بيتللو، أن البلدة تعاني من تصاعد غير مسبوق في الاستيطان، حيث تقع نحو 90% من أراضيها ضمن المناطق المصنفة (ج). وأوضح أن نحو 6000 دونم من أراضي بيتللو تتعرض لاعتداءات شبه يومية من المستوطنين، خاصة بعد إقامة بؤر استيطانية لا تبعد أكثر من 300 متر عن المستوطنات القائمة.

ومن بين الانتهاكات التي سردها رضوان في سياق حديثه لـ “الحياة الجديدة”: الاعتداء على المواطنين والاستيلاء على الموارد الطبيعية كمحاولة السيطرة على أكثر من 100 نبعة ماء غنية في بيتلاو، وعرقلة إقامة منشآت زراعية وتجارية، ومنع شق الطرق واستصلاح الأراضي.

وأشار إلى جهود المجلس المحلي في تعزيز صمود الأهالي من خلال تنفيذ مشاريع في المناطق المصنفة (ج)، مثل إنشاء حدائق عامة وملاعب، والتعاون مع المؤسسات القانونية لتقديم شكاوى ضد المستوطنين، وتفعيل لجنة طوارئ لمساندة المتضررين.

بيت لقيا.. الأرض والكرامة في مرمى الاستيطان

وحذّرت أريج عاصي، رئيسة بلدية بيت لقيا، من التهديدات المتزايدة التي تطال البلدة وسائر قرى غرب رام الله. وأكدت أن ما يجري هو جزء من خطة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى السيطرة على المناطق المصنفة (ج)، وتمزيق الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية.

ولخصت عاصي أبرز الانتهاكات في مصادرة الأراضي الخاصة وشق طرق استيطانية، وتدمير الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إليها، وفرض قيود على الحركة عبر الحواجز العسكرية، وتصاعد العنف من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال.

وأكدت أن البلدية تواصل جهودها لتوثيق الانتهاكات، وتقديم اعتراضات قانونية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأسر المتضررة، بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار ومؤسسات حقوقية.

وأوضحت عاصي أن الوضع الاقتصادي في بيت لقيا يتدهور بشكل متسارع نتيجة الاعتداءات، مع ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الزراعي، وأشارت إلى مشاريع تنموية جارية لتحسين البنية التحتية وتعزيز الصمود، رغم التحديات الهائلة.

كما دعت إلى توثيق دولي للانتهاكات وتوسيع علاقات التوأمة مع بلديات عالمية، بهدف نقل صوت الفلسطينيين إلى الخارج وتجسيد التضامن العالمي بمشاريع حقيقية.

المشهد في غرب رام الله ينذر بكارثة ديموغرافية وجغرافية حقيقية، إذ يحكم الاحتلال قبضته على الأرض عبر بؤر استيطانية متسارعة وجدار عنصري خانق، إلى جانب الاعتداءات اليومية على المواطنين والموارد.

صفا.. التوسع الاستيطاني قنبلة موقوتة تهدد الجغرافيا الفلسطينية

ويقول جمال فلنة، رئيس مجلس قروي صفا خلال حديثه لـ “الحياة الجديدة”: “أُميط اللثام عن تفاصيل مقلقة تتعلق بموجة استيطانية إسرائيلية غير مسبوقة تضرب قرى غرب رام الله.

ما يجري على الأرض وفق فلنة، ليس مجرد توسع استيطاني تقليدي، بل هجمة ممنهجة ومتصاعدة؛ وتفكيك كامل للامتداد الجغرافي الفلسطيني، هدفها النهائي إجهاض الحلم الفلسطيني وإفشال أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى جزر محاصرة.

ويؤكد فلنة أن ما يحدث غرب رام الله هو ترجمة فعلية للاتفاقات الداخلية في حكومة الاحتلال التي يهيمن عليها اليمين المتطرف. ويضيف: “الهدف الاستراتيجي لحكومة الاحتلال إحباط أي فرصة مستقبلية لقيام دولة فلسطينية. فالتوسع الاستيطاني هو أداة تنفيذية لمخطط الضم التدريجي”.

لم يعد المواطن في هذه المناطق يعيش حياة طبيعية. يقول فلتة: “نحن نعيش تحت حصار داخلي. المواطن اليوم أصبح أسيراً في منزله محاصرا داخل قريته، ممنوع من الوصول إلى أرضه، وحتى لو وصل، فإنه يبقى مهدداً بالطرد والهدم؛ جيش الاحتلال والمستوطنون يتصرفون وكأنهم أصحاب الأرض، بينما نحن غرباء فيها”.

ويرى فلنة أن الاعتداءات الاستيطانية لا تقتصر على مصادرة الأراضي فحسب؛ بل تشمل سياسة هدم المنازل والمنشآت الزراعية والصناعية بحجج واهية، وبذريعة البناء دون تراخيص، أو التواجد في مناطق مصنفة “ج”، أو وجود المنطقة في نطاق عسكري.

ويؤكد فلنة؛ أنّ كل عملية هدم ليست فقط جريمة، بل ضربة قاضية لاقتصاد الأسر الفلسطينية. عائلة بأكملها تصبح بلا مأوى، ومزارع يخسر مصدر رزقه الوحيد. إنها نكبة متكررة بحجج باطلة.

وحول ردود الفعل الفلسطينية، أوضح فلنة أن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تتابع القضايا من الناحية القانونية عبر محامين متخصصين، وتسعى لوقف أوامر الهدم والمصادرة من خلال الطعن في المحاكم الاسرائيلية، لكن النتائج غير مضمونة في ظل سيطرة القضاء الإسرائيلي المنحاز. كما يسعى مجلس قروي صفّا، رغم محدودية موارده، يعمل على تحفيز أصحاب الأراضي على عدم الاستسلام، وتقديم الدعم الفني واللوجستي لزراعة الأرض وحمايتها قدر الإمكان.

من أخطر المشاريع الحالية؛ التي كشف عنها فلنة هو المشروع الاستيطاني في منطقة “جريوت”، الذي يشمل شق طريق جديد يخترق أراضي عدة قرى وبلدات فلسطينية جنوب غرب رام الله، أبرزها: صفّا، دير إبزيع، بيتونيا، كفر نعمة، بيت عور، بلعين، عين عريك، وغيرها.

ويقول فلنة: “اذا تم تنفيذ هذا الطريق؛ ستحوّل قرانا إلى كنتونات مغلقة أشبه بالسجون، ويعزل السكان عن مدينة رام الله، ما يعمّق أزمة الحركة والاقتصاد والتعليم والصحة”، وهذا المشروع يهدد مستقبل المنطقة بالكامل”.

في مواجهة التحديات، كشف فلنة أن المجالس القروية في المنطقة بدأت بالتنسيق وتنظيم اجتماعات طارئة لتوحيد الجهود، لاسيما مع ازدياد التهديدات التي تطال أراضي قرى بيت لقيا، الطيرة، خربثا المصباح، بيت سيرا وغيرها، التي قد تُعزل بالكامل في حال استمرار المشروع الاستيطاني.




قتلة ولصوص في وضح النهار

بشار دراغمة- في لحظة، حول الاحتلال صباح نابلس الذي بدا عاديا في مطلعه إلى جنازة، مبددا نهار المدينة التي طوت ليلتها متأهبة كعادتها، واستعدت ليوم جديد من حياة تقبع على حافة الترقب.

في طرفة رعب، انقلب صباح نابلس من رائحة الخبز التي بدأت تشق طريقها في أزقة البلدة القديمة إلى رائحة الدم التي فاحت مع اقتحام جديد لقوات الاحتلال تركز في منطقة السوق التجاري.

في مدخل بناية تجارية، احتمى محمود الخراز مع مجموعة من المواطنين، يهرع العشرات عند مدخل تلك البناية بعد أن اقتربت منهم آلية احتلالية، ينجو البعض ويسقط محمود مصابا برصاصة في رقبته وفق روايات متطابقة لشهود عيان.

يصل مسعفون إلى المكان، يحملون محمود المصاب بينما نزيف الدم يتناثر من رقبته، لحظات ويعلن الأطباء في مستشفى رفيديا استشهاده بفعل تلك الرصاصة التي انفلتت من أصابع اعتادت على القتل واستسهلت الضغط على الزناد.

في مستشفى رفيديا، حيث يسجى الجثمان على السرير، كانت الدموع لا تذرف فقط، بل تنزف، والأهل لا يبكونه وحسب، بل يودعون قطعة من أعمارهم سرقت في وضح الدم.

الأصدقاء هناك واقفون كجبال من وجع، كل نظرة منهم تقول ما لم تعد اللغة قادرة على حمله، في عيون الحاضرين كان السؤال المعلق: إلى متى كل هذا القتل؟

لم يكن الاحتلال يكتفي بالقتل، فالسرقة في عرفه جزء من ممارسة معتادة.. تقدمت قواته نحو قلب السوق، هناك حيث الذهب يباع ويشترى، يتم اقتحام عدة محال ومصادرة ما فيها، ليتكرر الأمر ذاته في منطقة أخرى غرب المدينة مع محل للصرافة.

شهود رصدوا جنود الاحتلال وهم يحملون المحتويات النفيسة في صناديق، ويضعونها في آلياتهم العسكرية.

لم يكن الهواء في نابلس عاديا، كان سحبا كثيفة من الكراهية معلبة في عبوات غاز.. انسحب الأوكسجين من الأزقة، وامتلأت الرئات بما يكفي من الغصة لخنق الحناجر.

اختنق المسنون في عتبات بيوتهم، وسقط الأطفال على الأرصفة كأنهم أوراق خريف باغتها السم.

في وجه الرصاص المدرب، وقف الشبان بسلاح الأرض الحجارة.. لم تكن أيديهم تحملها فقط، بل كانت أرواحهم هي التي تقذف بها.. كل حجر يطير كان يشبه القلب، نابضا وغاضبا.

يقول أحد الشبان الذي امتشق لتوه حجرا: “لا نواجه الاحتلال لنكسب المعركة، بل لنعلن أننا أحياء رغم كل ما يراد لنا من موت”.

كان الغضب أكبر من الخوف، وكانت حجارة نابلس أثقل من رصاصهم، لأنها تحمل في صمتها تاريخا من وجع لا يهزم، هي قناعة شبان المدينة الذين هبوا مرددين عبارات رفض المحتل، ورسائل يبعثونها على شكل حجارة.