1

قصرة.. أرواح تحرس التراب في أيام الوجع

 بشار دراغمة- في قصرة، حيث يلامس الجبل السماء كأنه يحاول الفرار من ثقل الأرض، يتواصل الوجع منذ أيام كأنه لا يعرف نهاية، هناك في جبل رأس العين، تحبس عائلات داخل منازلها كأنها حكايات قديمة حبست بين جدران الزمن، والطريق إليها مغلق بخيام المستوطنين وبأوامر جنود الاحتلال، والكهرباء انقطعت، والماء جف، والصوت الوحيد الذي يصل هو صوت الصمت الذي يصرخ.

هكذا تكتب الحكاية في قصرة، منازل تحبس، وعائلات تنظر إلى بيوتها كأنها مرايا بعيدة، ورئيس بلدية يصرخ في الفراغ الدولي، ونساء يحملن الوجع كإرث يومي، وأطفال يتعلمون أن الجدران قد تكون سجنا والطريق قد يكون حلما.

الأرض هناك لا تنسى، والوجع لا ينتهي، والحكاية تستمر، كأنها تنتظر أن يكتب لها فصل آخر من الصمود أو من الرحيل.

بدأت الحكاية الأسبوع الماضي حين أقبل المستوطنون كظلال سوداء على التلة، فنصبوا خيمة في باحة المنازل، وأغلقوا الطريق، وقطعوا ما بقي من حياة.

عدة عائلات، صارت سجينة جدرانها، نحو خمس عشرة نفسا، بينهم طفلان صغيران، ينظرون من النوافذ إلى أرضهم التي صارت أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع.

رقية حسان، التي تترك صوتها يتسلل كريح خفيفة بين الكلمات، تقول وهي تنظر إلى بيتها من بعيد: “البيت هناك أمامي، لكن لا أصله” زوجها يوسف داخل الجدران، وهي خارجها، وجنود الاحتلال يجلسون في بيتها ويحولونه ثكنة، والمستوطنون يدورون حوله كأنهم يرسمون حدودا جديدة للذاكرة.

 تحاول الوصول مرة بعد مرة، مع متضامنين جاءوا يحملون الماء والطعام، فيردون، تقول: “شعور سيئ أن أرى بيتي ولا أستطيع الوصول إليه، بينما من لا حق لهم يجلسون فيه”.

المواطن إبراهيم حسن أحد أبناء العائلات التي طالها الحصار والمضايقات الشديدة قرب جبل رأس العين، وهو يدفع دم قلبه وتعب سنين طويلة على بيته.

ينظر حسن إلى إلى الجدران التي صارت أقرب إلى السجن منها إلى المأوى، ويحكي بصمت الجسد أكثر مما تقوله الكلمات عن سنوات العمر التي ذابت في حجارة هذا المنزل، المشهد لا يحتاج إلى تعليق كثير فهو يلخص وحده كيف يتحول البيت من ملاذ إلى هدف، وكيف يختزل الإنسان إلى شاهد على ما يسلب منه أمام عينيه.

ويتحدث محافظ نابلس غسان دغلس عن قصرة التي تنهش ليل نهار، وعن جالود التي سبقتها، وعن كل زاوية في هذه الأرض التي صارت مسرحا يوميا لتجريف وحرق واقتحام وترويع.

يقول دغلس إن المحتل ومستوطنيه يظنون أن الحصار يخنق الأنفاس والترهيب يكسر العزيمة، لكنهم نسيوا أن فلسطين ليست مدنا وقرى متناثرة، بل جسد واحد يضيء دروب أبنائه بالكرامة.

ويدعو دغلس إلى أن يكون البقاء في الأرض هو المقاومة الحقيقية، وأضاف: “يجب أن نزرع أنفسنا في كل شبر كما تزرع الأشجار في الصخر، وأن نجعل من وحدتنا درعا ومن تكافلنا حضنا لكل متضرر.

ويؤكد أن صاحب الحق لا يهزم، وأن الأرواح في قصرة تحرس التراب وتحرس حلم الأطفال، وأن أبناء هذه المحافظة سيظلون حراسها، لا تراجع في خطوتهم ولا اندثار في حضورهم.

أما رئيس البلدية عبد العظيم الوادي، فيقف كشاهد على الحكاية كلها، صوته لا يرتفع كثيرا، لكنه يثقل الكلمات بوزن الحقيقة، يقول إن الاحتلال بمئات الجنود، فرض قيودا على الحركة، وأخلى نحو عشر عائلات أو أكثر، واستولى على عدة منازل وحولها إلى ثكنات عسكرية. مضيفا “المستوطنون يجولون في المنطقة بينما أصحاب الأرض طردوا”.

يطالب الوادي بتدخل دولي عاجل، ويحمل الاحتلال المسؤولية القانونية والجنائية الكاملة، مضيفا “يكفي صمتا”. ويصف الوضع بأنه حالة طوارئ، والبلدية عاجزة عن توفير الدواء والماء والغذاء كما يجب.

ويحذر من أن التصعيد يهدف إلى التوسع الاستيطاني على حساب الأرض، وأن جيش الاحتلال “يقتل الوقت لصالح المستوطنين” بينما يستطيع إنهاء الأمر في ربع ساعة لو أراد. ويذكر بأن قصرة فقدت شهداء، وأن العائلات المحاصرة محرومة من أبسط الخدمات، وأن الطريق الوحيد مغلق.

وفي مفارقة غريبة تلخص المأساة كلها، تصل وفود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمتطوعين إلى أطراف المكان المحاصر، يحملون زجاجات الماء وعلب الطعام كأنها حلول عاجلة لجوع مؤقت. يقفون على بعد خطوات من المنازل، يمدون أيديهم بالإغاثة، بينما أصوات المحاصرين لا تطلب شربة ماء، بل تطلب رحيل المستوطنين أنفسهم.

ويرى أهالي قصرة أن الإغاثة تأتي كضمادة على جرح مفتوح، أما المطلب الحقيقي فهو أن ترفع اليد التي تمسك بالسكين، فالناس هنا لا يسألون عن لقمة تمنح، بل عن حق يستعاد.




من عكبر النحل إلى كريم طبيعي.. ثلاث طالبات ينسجن أملاً جديدًا لمرضى الإكزيما

في مختبر جامعي، بدأت الحكاية بفكرة بحثية حول مرض جلدي شائع، وانتهت بتركيبة أولية لكريم موضعي تسعى ثلاث طالبات فلسطينيات إلى تطويرها لتصبح منتجًا يمكن أن يجد طريقه إلى السوق. وبين الفكرة والتجربة، خضن رحلة امتدت فصلًا دراسيًا، بحثن خلالها في خصائص البروبوليس، أو “عكبر النحل”، وطرق استخلاصه، قبل أن يصلن إلى تركيبة اختبرنها على عدد من المصابين بالإكزيما، وسجلن نتائج أولية مشجعة.

وتقول الطالبات من الجامعة العربية الأمريكية لـ “الحياة الجديدة”: إن الفكرة انطلقت أساسًا من مشروع أكاديمي وبحث جامعي، لكنها ارتبطت منذ البداية بمشكلة صحية تمس حياة كثير من المواطنين، وهي الإكزيما بما تسببه من جفاف وتهيج وحكة ومظاهر جلدية تؤثر في راحة المرضى وجودة حياتهم.

وتوضح الطالبة تالا يوسف أن البحث بدأ بمحاولة العثور على مادة طبيعية يمكن أن تسهم في تهدئة البشرة ودعم ترطيبها، لافتة إلى أن البروبوليس جذب اهتمام الفريق لما يحتويه من مركبات نشطة، من بينها المركبات الفينولية، ولما يتمتع به من خصائص مضادة للالتهاب والأكسدة والميكروبات.

وتضيف أن اختيار البروبوليس لم يكن نهاية البحث، بل كان بداية لسلسلة من التجارب للوصول إلى تركيبة مناسبة. فقد بدأت الطالبات بدراسة الإكزيما والبروبوليس والاطلاع على الأبحاث السابقة، ثم بحثن في أفضل طرق استخلاص المادة الطبيعية والمكونات التي يمكن دمجها معها، قبل تحضير عينات تجريبية وإجراء تعديلات متتالية على التركيبة إلى أن وصلن إلى الصيغة الحالية.

واستغرقت رحلة التطوير فصلًا دراسيًا كاملًا، شملت البحث النظري، ودراسة طرق الاستخلاص، واختيار المكونات، وتحضير التركيبات واختبارها، وصولًا إلى إعداد الكريم وإجراء التقييمات اللازمة.

وكان الوصول إلى تركيبة مستقرة ومتجانسة من أبرز التحديات التي واجهت الفريق.

وتقول تلال: إن الصعوبات تمثلت خصوصًا في اختيار الطريقة الأنسب لاستخلاص البروبوليس، وتحديد المكونات والنسب المناسبة، وضبط القوام والثبات، إلى جانب التحديات المرتبطة بتحضير العينات وإجراء الاختبارات. إلا أن التجربة والتعديل المستمر ساهما في تجاوز تلك العقبات.

رحلة العكبر من الخلية إلى الكريم

وتشرح تالا لـ “الحياة الجديدة” أن تحضير مستخلص البروبوليس بدأ بتقطيعه وتجميده ثم طحنه، قبل نقعه في الإيثانول بتركيز 70% ووضعه على جهاز الرج لمدة 72 ساعة، مع استمرار التحريك. وبعد ترشيح المستخلص وتبخير الإيثانول، جرى الحصول على مستخلص البروبوليس، الذي أضيف لاحقًا إلى تركيبة الكريم خلال مرحلة التبريد، بعد تحضير الطورين الزيتي والمائي ودمجهما.

ولا يقوم الكريم على البروبوليس وحده، إذ يضم زيت اللوز الحلو للمساعدة في ترطيب البشرة وتنعيمها، والجلسرين لجذب الماء والاحتفاظ به في الجلد، والبانثينول لتهدئة البشرة ودعم ترطيبها، إلى جانب شمع العسل والسيتيل الكحول لتحسين القوام والثبات، ومواد مساعدة على تكوين المستحلب واستقراره، فضلًا عن فيتامين «E» ومادة حافظة للحفاظ على سلامة المستحضر.

من المختبر إلى التجربة البشرية

بعد التأكد من الخصائص الأساسية للتركيبة، انتقل الفريق إلى مرحلة التقييم على عدد من المشاركين المصابين بالأكزيما.

وتوضح الطالبة بيان بزور لـ “الحياة الجديدة” أن الاختبارات مرت بمرحلتين؛ الأولى ركزت على خصائص الكريم نفسه، مثل الشكل واللون والرائحة ودرجة الحموضة والتجانس وقابلية الفرد والثبات، فيما تمثلت المرحلة الثانية في متابعة التغيرات في أعراض الإكزيما لدى المشاركين قبل استخدام الكريم وبعده.

وشملت المتابعة أعراضًا مثل الاحمرار والحكة والجفاف والتشققات والمظهر العام للجلد، إلى جانب رصد أي آثار جانبية أو شعور بعدم الارتياح.

وتقول بيان إن الفريق لاحظ “تحسنًا ملحوظًا” لدى معظم المشاركين، خصوصًا في انخفاض الحكة والاحمرار وتحسن جفاف الجلد والتشققات والمظهر العام للمناطق المصابة.

لكن الطالبات يتعاملن مع هذه النتائج بحذر علمي، ويؤكدن أنها نتائج أولية لا تكفي وحدها لإثبات فاعلية الكريم على نطاق واسع.

وتوضح بيان أن المشروع أعطى مؤشرًا مشجعًا على إمكانية الاستفادة من البروبوليس في المستحضرات الموضعية، لكنه يحتاج إلى دراسات أكبر وأكثر شمولًا.

ولم تسجل خلال فترة التقييم آثار جانبية خطيرة، حسب الطالبات، فيما لم يظهر لدى معظم المشاركين تحسس واضح من الكريم. إلا أن إحدى الحالات شعرت بحرقة عند وضعه على منطقة فيها جروح، وهو ما دفع الفريق إلى التأكيد على أهمية توسيع اختبارات السلامة قبل التفكير في أي استخدام واسع للمنتج.

اللحظة التي تحولت فيها الفكرة إلى مشروع

أما الطالبة راما عيسة، فتصف لـ “الحياة الجديدة” اللحظة التي بدأت فيها الطالبات يشعرن بأن مشروعهن تجاوز حدود الواجب الجامعي.

وتقول: إن ذلك حدث عندما وصلن إلى التركيبة النهائية، التي أظهرت خصائص فيزيائية مناسبة من حيث القوام والتجانس وسهولة الفرد، فيما بلغ الرقم الهيدروجيني نحو 5.5، وهو قريب من الرقم الهيدروجيني الطبيعي للبشرة.

وتضيف أن ثبات الكريم وعدم انفصال مكوناته أو حدوث تغير واضح في لونه أو رائحته، إلى جانب ظهور نتائج أولية خلال فترة قصيرة لدى بعض الحالات، جعل الفريق يشعر بأن الفكرة أصبحت أقرب إلى منتج قابل للتطوير، وليس مجرد تجربة داخل المختبر.

وتصف راما الانتقال من الجانب النظري إلى الجانب العملي بأنه كان الأصعب، خصوصًا خلال تحضير مستخلص البروبوليس والوصول إلى تركيبة متجانسة ومستقرة. لكن رؤية تحسن الحكة والاحمرار وترطيب الجلد والتئام بعض المناطق المصابة كانت، كما تقول، من أكثر اللحظات التي شعرن فيها بأن الجهد الذي بذلنه بدأ يؤتي ثماره.

تسع حالات.. ونتائج أولية تحتاج إلى مزيد من البحث

وحسب راما، وصل المشروع حاليًّا إلى مرحلة تطوير تركيبة ناجحة من كريم البروبوليس وإجراء تقييم أولي لخصائصه الفيزيائية والثبات، إلى جانب تطبيقه على تسع حالات مصابة بالإكزيما ومتابعة التغيرات في الأعراض.

وتشير إلى أن التحسن لوحظ لدى معظم الحالات في الحكة والاحمرار والجفاف وتشقق الجلد، لكنها تشدد على أن هذه النتائج “أولية”، وأن المشروع يحتاج إلى عدد أكبر من المشاركين، وفترة متابعة أطول، وتحضير عينات إضافية، وإجراء اختبارات أوسع قبل الوصول إلى استنتاجات أقوى بشأن الفاعلية والأمان.

ولهذا، لا تزال الطالبات بعيدات عن اعتبار الكريم منتجًا تجاريًّا جاهزًا؛ إذ لم يصل المشروع حتى الآن إلى مرحلة تسجيل براءة اختراع أو الحصول على اعتماد رسمي.

وتقول راما: إن الأولوية في المرحلة المقبلة هي توسيع الاختبارات، وزيادة عدد المشاركين، وإطالة مدة الدراسة، وإجراء مقارنات مع مستحضرات متوفرة في السوق، إلى جانب تقييم السلامة والفعالية بصورة أكثر شمولًا.

من مورد محلي إلى فرصة صناعية

وترى الطالبات أن أحد الجوانب المهمة في المشروع يتمثل في إمكانية الاستفادة من مواد متوفرة محليًا، وفي مقدمتها البروبوليس. وتقول بيان: إن الاعتماد على موارد محلية كان جزءًا من فكرة المشروع، انطلاقًا من قناعة بأن البحث العلمي يمكن أن يبدأ من مواد بسيطة ومتاحة، ثم تحويلها عبر المعرفة والتجربة إلى منتج ذي قيمة صحية وعلمية.

وتشير إلى أن البروبوليس مادة طبيعية متوفرة، ما قد يفتح مستقبلًا المجال أمام تطوير مستحضرات بتكلفة مناسبة، خصوصًا في حال الاعتماد على مصادر محلية، لكنها تؤكد أن تحديد التكلفة بدقة يحتاج إلى دراسة اقتصادية متكاملة تشمل المواد الخام والتصنيع والتعبئة والإنتاج على نطاق تجاري.

ومن حيث المبدأ، ترى الطالبات أن إنتاج الكريم داخل فلسطين ممكن، لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب المرور بسلسلة من الخطوات، من بينها إجراء دراسات سريرية أوسع، واختبارات أكثر شمولًا للثبات والأمان، وتوحيد جودة المستخلص، واستكمال الموافقات والتراخيص اللازمة.

مشروع جماعي ورسالة لطلبة فلسطين

وتؤكد الطالبات أن العمل الجماعي كان عنصرًا أساسيًّا في إنجاز المشروع. فقد توزعت الأدوار بين البحث العلمي وتحضير المستخلص وتجهيز التركيبة وإجراء الاختبارات، إلى جانب متابعة المشاركين وتسجيل النتائج وتحليلها، مع مراجعة كل خطوة ومناقشتها بصورة جماعية.

وتقول راما: إن التجربة علمتهن أن البحث العلمي لا يقوم على المعلومات النظرية وحدها، بل يحتاج إلى الصبر والدقة والتعاون والقدرة على مواجهة المشكلات والبحث عن حلول لها، فضلًا عن الالتزام والاستمرار في تطوير الفكرة.

وفي نهاية رحلتهن البحثية، توجه الطالبات – عبر “الحياة الجديدة”- رسالة إلى الطلبة الفلسطينيين الذين يمتلكون أفكارًا علمية ولا يجدون طريقًا لتحويلها إلى مشاريع، ويؤكدن أن الفكرة لا تحتاج بالضرورة إلى إمكانات كبيرة في بدايتها بقدر حاجتها إلى الإصرار والإيمان بها والبحث عن الأشخاص والجهات القادرة على دعمها.

وتقول راما: “لا تتركوا أفكاركم مجرد أفكار؛ ابدأوا بخطوة صغيرة، فربما تكون هذه الخطوة بداية لابتكار حقيقي يخدم مجتمعنا ويصنع فرقًا”.

بين عكبر النحل الذي جاء من الطبيعة، والمختبر الذي احتضن التجربة، وتسع حالات شاركت في التقييم الأولي، تبدو قصة الطالبات الثلاث نموذجًا لما يمكن أن يفعله البحث الجامعي حين يخرج من حدود القاعات الدراسية، ويحاول الاقتراب من احتياجات الناس. فالكريم لا يزال في مرحلة البحث والتطوير، لكن الرحلة نفسها تفتح بابًا لابتكار فلسطيني يبدأ من الجامعة، ويطمح إلى الوصول يومًا إلى رفوف الصيدليات.




تحذيرات أمنية من انفجار وشيك في الضفة الغربية جراء تصاعد إرهاب المستوطنين

أطلقت مصادر أمنية وعسكرية رفيعة المستوى تحذيرات شديدة اللهجة من تدهور الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أنها باتت تقف على صفيح ساخن قد يؤدي إلى انفجار شامل في أي لحظة. وأوضحت المصادر أن تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين وأعمال الشغب المنظمة بحق المواطنين الفلسطينيين، لا سيما في مناطق جنوب نابلس، يدفع المنطقة نحو حافة الهاوية بشكل غير مسبوق.

ونقلت تقارير صحفية عن مسؤول أمني قوله إن الضفة الغربية تحولت إلى ما يشبه ‘برميل بارود’ جاهز للاشتعال، مشيراً إلى أن هجمات المستوطنين المتكررة تسببت في استنزاف قدرات جيش الاحتلال إلى أقصى حد. وأضاف المصدر أن هناك حالة من الشلل والعجز المتعمد تسود أوساط القيادة العسكرية، التي تتجنب اتخاذ قرارات حازمة ضد المعتدين خشية التأثير على مستقبلهم المهني أو اتهامهم بتبني مواقف سياسية.

وعلى الصعيد الدولي، أثارت هذه التطورات موجة غضب واسعة داخل الإدارة الأمريكية، حيث طالبت واشنطن تل أبيب بتقديم توضيحات فورية وعاجلة حول الجرائم التي يرتكبها المستوطنون في بلدة قصرة. وأفادت مصادر مطلعة بأن مسؤولين مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعربوا عن صدمتهم من غياب سلطة القانون، متسائلين عن سبب وقوف الجيش متفرجاً أمام التنكيل بالفلسطينيين.

ميدانياً، لا تزال ثلاث عائلات فلسطينية في بلدة قصرة تعاني من حصار مشدد يفرضه المستوطنون لليوم الثالث على التوالي، حيث تم إغلاق كافة الطرق المؤدية إلى منازلهم ونصب خيام استيطانية في محيطها. ويهدف هذا الحصار إلى ترهيب السكان وإجبارهم على ترك أراضيهم ومنازلهم قسراً، في ظل حماية وتواطؤ واضح من قوات الاحتلال المتواجدة في المنطقة.

الضفة الغربية بأكملها تقف على برميل بارود، وهجمات المستوطنين ترهق قوات الجيش وتكشف عن عجز متعمد في صفوف القيادة العسكرية.

ورغم الادعاءات الرسمية بإخلاء بعض البؤر الاستيطانية العشوائية، إلا أن المستوطنين عادوا لفرض سيطرتهم على المنطقة بمشاركة أعداد كبيرة من المتطرفين وبدعم ميداني. وفي خطوة تعكس حجم التصعيد، وجهت رئاسة أركان جيش الاحتلال بنشر كتيبة مشاة نظامية في المنطقة، دون أن يؤدي ذلك إلى لجم اعتداءات المستوطنين أو تأمين الحماية للفلسطينيين المحاصرين.

وكشفت تقارير حقوقية عن رصد مستوطنين يرتدون الزي العسكري الرسمي لجيش الاحتلال ويشاركون بشكل مباشر في عمليات حصار المنازل الفلسطينية وترهيب سكانها. هذا التداخل بين المستوطنين والجيش يعزز المخاوف من تحول المجموعات الاستيطانية إلى ميليشيات مسلحة تعمل تحت غطاء رسمي لتنفيذ مخططات التهجير والسيطرة على الأراضي في عمق الضفة الغربية.

من جانبها، حذرت منظمة ‘بتسيليم’ الحقوقية من أن ما يحدث في بلدة قصرة وقرية جالود المجاورة يندرج ضمن حملة ‘تطهير عرقي’ واسعة النطاق تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين. وأشارت المنظمة إلى أن سياسة الاستيلاء على المنازل، كما حدث مع عائلة الطوباسي في يوليو الماضي، أصبحت نهجاً ثابتاً تتبعه المجموعات الاستيطانية بدعم من الحكومة اليمينية المتطرفة.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن المنظمات الدولية والحقوقية إلى أن سلطات الاحتلال والمستوطنين نجحوا في تهجير نحو 64 تجمعاً فلسطينياً بالكامل منذ أكتوبر 2023. وقد طالت عمليات التهجير القسري أكثر من 4800 مواطن فلسطيني، بينهم ما يزيد عن 2300 قاصر، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها الضفة الغربية بالتزامن مع استمرار العدوان على قطاع غزة.




“مجزرة” هدم تضرب عابا الشرقية

عبد الباسط خلف- تستفيق عابا الشرقية، شرق جنين، على وقع أصوات آليات الاحتلال، وهي تفتك بـ 27 منشأة، كانت تمثل رئة أهالي القرية الصغيرة.

ويسرد رئيس المجلس القروي، برهان عزامطة لـ”الحياة الجديدة” تفاصيل أكبر عملية تشهدها عابا الشرقية منذ إقامتها.

ويقول بحسرة إن 5 جرافات للاحتلال بدأت قرابة الثامنة صباح الأربعاء في هدم منشآت ومتاجر، أقيمت على طول قرابة 1000 متر، على الشارع الرابط بالقرية.

ويعدد لائحة المتضررين من الهدم، التي تضم الأشقاء الخمسة: باسم ومؤيد وثائر، ووائل، وحسام عبد الرحيم صالح عزامطة، الذين خسروا لوحدهم 12 منشأة تجاوزت مساحتها 5000 متر مربع.

ويشير إلى خسارة أحمد محمد عزامطة لمقهى بمساحة 400 متر، وجهاد رضا عزامطة لمتجر بيع مواد بناء وغسيل معدات تجاوز 400 متر مربع، مثلما فقد فيصل عباس الدمج مصنع رخام  كام يمتد فوق 700 متر مربع.

ويواصل عزامطة: كما هدمت الجرافات كراج سيارات بنحو 300 متر مربع لبلال طموح هنداوي، ومنشأة لسليمان طاهر العزامطة بـ 250 مترًا مربعًا، وأرضية إسمنت لخالد ناجح عزامطة ممتدة على 300 متر مربع.

ويتطرق لخسارته الشخصية لمتجر بمساحة 100 متر، أجبر على نقل بضاعته إلى شقة سكنية قبل أيام.

ويقدر عدد الأسر التي فقدت مصادر زرقها بنحو 120 عائلة، لكن من أقسى القصص التي تلخص القهر حالة المواطن أحمد عزامطة، الذي خسر كل يملك، بعد هدم القهوة الكبيرة التي شيدها، إضافة إلى حسام عزامطة، الذي كان يعيش من مغسلة سيارات، لكنهما أصبحا بلا عمل.

ويقول أهالي القرية إن الهدم استمر قرابة 5 ساعات، وخلف مشاهد قاسية، لـكنه أقفل مصادر أرزاق عشرات العائلات، دشنت متاجرها قبل 21 عامًا، عقب إخلاء الاحتلال لمستوطنتي “جانيم” و”كاديم”.

ويؤكد رئيس المجلس القروي أن أهالي القرية ينتظرون بقلق كبير 27 آب الحالي، الذي ستنتهي معه مهلة الاحتلال لعشرة منازل بالهدم، بدعوى البناء دون ترخيص.

ويقف فتية وشبان بالقرب من ركام المقهى الذي كانوا يرتادونه، ويؤكدون لـ”الحياة الجديدة” أنه يعني لهم ذكريات جميلة، لكنها اليوم ضاعت مع الهدم.

ويقول إبراهيم الشيخ، الذي كان من رواد المقهى، بألم واضح: لا ندري ما الذنب الذي يمكن لمقهى على شارع جانبي أن يقترفه، حتى يجري هدمه في وضح النهار، وبمشاركة 5 آليات دفعة واحدة.

ويشير إلى أن جنين تحولت إلى منطقة منكوبة بفعل العدوان والمستوطنات التي صارت تطبق الخناق على المدينة وريفها، وتخلق واقعًا صعبًا على الأهالي.

ويحتفظ رئيس المجلس القروي بصور إخطارات المباني على هاتفه، ويتمنى أن تبطل محاكم الاحتلال القرار الجائر.

لكن أهالي القرية يتوقفون مطولًا مع قصص الإخوة الخمسة: باسم ومؤيد وثائر، ووائل، وحسام عبد الرحيم صالح عزامطة، الذين هدم الاحتلال متاجرهم، وجعل مستقبل أولادهم في نفق مظلم وطويل، كما يصف إبراهيم الشيخ.

ويعود الاستيطان إلى جنين من جهات عديدة، شرق المدينة وجنوبها، ليضرب بكل قوة، منذ الربيع الماضي، فلم يكتف الاحتلال بالعودة إلى 4 مستوطنات، بل أقام مستوطنات وبؤرًا رعوية ومعسكرات، أحدها في حي الجابريات، بقلب جنين.




عنزا.. موعد جديد مع الركام

عبد الباسط خلف- تلاحق جرافات الاحتلال، مباني قرية عنزا، جنوب جنين، في جولة تدمير جديدة، تطال هذه المرة 12 متجرًا دفعة واحدة، دون سابق إنذار، ومن غير أن تسمح لأصحابها بإخراج معدات صناعية منها، أو إزالة تقوية شبكة إنترنت محلية من سطحها.

ويؤكد رئيس المجلس القروي، هشام صدقة لـ”الحياة الجديدة” بصوت متعب أن المبنى الذي تحول إلى كومة ركام، يعود للمواطن أيسر خليل عمور، وأقيم قبل نحو 5 سنوات، ويمتد فوق 600 متر، بتكلفة فاقت مليون ونصف المليون شيقل.

ويشير إلى أن المخازن المستهدفة كانت مشغولة قبل إخطار المالك والمستأجرين بقرار الهدم، ما دفعهم للانتقال إلى مواقع بديلة.

ويشبه ما يحدث في القرية بـ”مسلسل متواصل” من أعمال التدمير والهدم، وقرارات المصادرة، وحملات التجريف، ومشاهد الاقتحامات، لا ينفصل عما يحدث في جنين وريفها منذ كانون الثاني 2025، وعودة المستوطنات والمعسكرات المخلاة إلى المنطقة، وإقامة نقاط جديدة.

ووفق صدقة، فقد كان الشارع الرئيس ينبض بالحياة، لكنه اليوم يضم أكثر من 14 موقعًا لمتاجر وبيوت ومنشآت تجارية، تحولت كلها إلى أثر بعد عين، وانضمت إلى المباني المدمرة الأخرى.

وتوزعت المخازن المستهدفة، صباح أمس، على سوبرماركت كبير، ومشغل للمركبات، وأدوات كهربائية ورياضية، ومعرض للسيارات، كلفت مالكها أكثر من مليون ونصف المليون شيقل لتدشينها، عدا عن خسائر المستأجرين عنده.

وكان الاحتلال سلم المواطن عمور إخطارا في آب 2025 بالهدم، فتوجه للاعتراض أمام محاكم الاحتلال، التي لم تصدر قرارات نهائية حولها، لكن المستأجرين أخلوها بعد قرابة شهرين من الإخطار.

ويراقب أهالي القرية الصغيرة، المبنية على تلال مشرفة على الشارع الرابط بين جنين ونابلس، جرافتين احتلاليتين قدمتا مطلع النهار، وراحتا تمارسان التدمير بكل هدوء.

ويشيرون إلى أن المخازن كانت تحتوي على معدات ومواد مملوكة لمصنع كرتون في القرية، لم يسمح جيش الاحتلال لأصحابها بإخلائها.

ويحصي صدقة 8 منشآت ومتاجر هدمتها الجرافات خلال أقل من عام، بينما أجبرت 6 مواطنين على هدم مخازنهم ومصادر رزقهم بأيديهم، فيما ينتظر 6 من أبناء القرية المصير ذاته.

ويسرد رئيس المجلس قائمة طويلة من مواطنين هدمت جرافات الاحتلال بيوتهم ومشاريعهم ومتاجرهم من قريته ومستثمرين من بلدات مجاورة: ناصر عواد عبيد، وحافظ أبو قياص، ومصعب الغول، وهشام الحنتولي، وأيسر عمور، وجمال أبو الوفا، ومواطن من عائلة أبو العطا من قرية عجة المجاورة، ولمواطن من سيلة الظهر.

ويتطرق إلى لائحة أخرى من الذين أجبروا على هدم بيوتهم بأيديهم، خشية دفع غرامات لجرافات الاحتلال وجيشها: سليمان عبيد، وكمال حمدان، ومنجرة لحمد عباس، وكراج سيارات لشاب من عائلة خليلية من جبع المجاورة، ومغسلة مركبات للمواطن عثمان الغول، ومقص رخام لشاب من عائلة الشيخ إبراهيم من كفر راعي.

ويقول إن الاحتلال وزع خلال الهدم إخطارات لكشك قهوة صغير، وسوبرماركت، ومخازن، ومبنى لمالك براهمة، ومخازن لعبد الرحيم خضر، إضافة إلى منزلين وساحة حديد للمواطن مفيد قطمش من سيلة الظهر.

وليس ببعيد عن الركام، تختزل ملامح المزارع أحمد إبراهيم قصة قهر أخرى، يقول صاحبها إنها لاقتلاع أشجار زيتون من أراضي القرية، على طول الشارع الرئيس، أخطر الاحتلال بتنفيذها قبل أيام.

ويفيد بحسرة أن الأراضي ممتدة على نحو 36 دونمًا من أراضي قريته المتداخلة مع قرية عجة المجاورة، وسيجري اقتلاعها، وفق إنذارات الاحتلال.

ويرسم أحمد لـ”الحياة الجديدة” صورة أوضاع بلدته، التي تعد كل يوم حصيلة خسائر جولة جديدة من عدوان الاحتلال.

ويقول: تصور أن المخازن التي هدمت أمس الثلاثاء، كانت مشروعاً استثمارياً للمواطن أيسر عمور، الذي يعمل في السعودية، لكنه خسرها دفعة واحدة، بعد أن تكبد العديد من المستأجرين خسائر باهظة.

ويعيش في عنزا قرابة 2300 مواطن، يشاهدون كل يوم شكلًا جديدًا من العدوان على القرية، التي لم تنفعها محاكم الاحتلال في وقف هدم متاجرها، وعدم اقتلاع زيتونها.

والمفارقة، وفق رئيس المجلس، أن جنود الاحتلال وزعوا خلال هدم المخازن إخطارات، لهدم دفعة جديدة من المخازن، خلال 7 أيام بالذرائع نفسها: عدم الترخيص، أو التواجد في منطقة عسكرية.

ويضع المواطنون أيديهم على قلوبهم من 18 آب المقبل، الذي أعلن الاحتلال عنه كموعد أخير لاستئناف عمليات التخريب.

يتابع أحمد، وهو يضرب أخماسًا بأسداس: كنا نحلم بشارع تجاري وحركة نشط أمام قريتنا، لكن كل شيء يتحول في لحظات إلى ركام.

ويتوافد أهالي القرية، في يوم صيفي شديد الحر إلى المنطقة المنكوبة للتضامن مع صاحبها، بعد انسحاب جيش الاحتلال وجرافاته منها، لكن سخونة الركام ترتفع أكثر، كما يصف أحمد.