1

الحدود البحرية .. المياه الإقليمية والغاز: أين فلسطين؟ ‏

بقلم: د. دلال صائب عريقات ‏
وقعت إسرائيل ولبنان يوم الخميس الماضي اتفاق الحدود البحرية بوساطة الولايات المتحدة، الذي تم التوصل إليه هذا الشهر، مما يفتح ‏الطريق للتنقيب عن الطاقة في البحر حيث أكد وزير البترول والثروة المعدنية المصري، طارق الملا، لوكالة “رويترز” إنه ‏تم التوصل إلى اتفاق لتطوير حقل الغاز الطبيعي البحري قبالة سواحل قطاع غزة، مشيرا إلى أن المحادثات جارية للتوصل ‏إلى اتفاق نهائي.‏
ليس سراً الحديث عن حقول الغاز واستخراجها حيث بدأت المفاوضات المصرية الاسرائيلية منذ سنتين، وتم توقيع اتفاقيات ‏ما بين اسرائيل والدول المحاذية للساحل اي المنطقة الاقتصادية المائية الخاصة ونذكر قبرص واليونان ومصر وتركيا، ‏والآن لبنان. ‏
اقتداءً بالمدرسة البراغماتية، ما يحدث شيء مفهوم جداً، ولكن من نظرة واقعية نتساءل أين الدور الفلسطيني من هذه ‏الاتفاقيات؟ ‏
لقد تم الحديث علناً عن اتفاقية إنتاج الغاز من حقل (غزة مارين)، للعلم هناك في أعماق البحر مليارات الدولارات تستطيع بناء ‏اقتصاد فلسطيني مستقل ومقاوم. ‎
(غزة مارين)، هو أول حقل اكتشف في مياه شرق المتوسط في نهاية التسعينيات، قبل حقول الغاز المصرية والإسرائيلية، ‏وكان دافعا لدول حوض البحر المتوسط الشرقية لتكثيف عمليات التنقيب‎.‎
حاول الفلسطينيون العمل على مشروع الغاز مع البريطانيين والهولنديين، الا ان الاحتلال أعاق ذلك، ولكن مع دخول الطرف ‏المصري هناك مشروع واضح المعالم حيث تحظى جمهورية مصر بـ 45% من المشروع! ‏
يقع حقل الغاز على بعد ٣٦ كم من شواطئ غزة، وهي منطقة تحت السيطرة الإسرائيلية المنفردة الكاملة، أما من ناحية القانون ‏الدولي بما يخص المياه الاقليمية للدول فإن الحق الفلسطيني ثابت تماماً مثل حق اي من الدول التي تتمتع بحدود مياه اقليمية ‏حول هذه المنطقة. ‏

الأطراف المستفيدة من هذا المشروع واضحة، ويقدر احتياطي الغاز في هذا الحقل حوالي 30 مليار متر مكعب، وبمعدل إنتاج ‏مليار ونصف المليار متر مكعب سنويا، سيحقق ارادات بين 6-7 مليارات دولار سنويا. في حال دخول السلطة الفلسطينية ‏كشريك ستحصل على عدد من المليارات لا يقل عن اثنين وهذا جدير بزيادة إيراداتها ودعم موازنتها التي تصل لـ 5 مليارات ‏دولار سنويا، اي ان هذا الدخل سيزيد إيرادات السلطة بما لا يقل عن ٤٠% سنويا، وهذا شيء عظيم اذا ما نظرنا الى اعتماد ‏موازنة السلطة وارتباطها المباشر بالدول المانحة وما سيحققه هذا المشروع من استقلال اقتصادي في حال لعبت السلطة ‏دورها الطبيعي في هذا المشروع. البيانات الرسمية التي وفّرتها وزارة البترول المصرية، تشير بأن مخزون الغاز في غزة ‏مارين يُقدَّر بنحو تريليون قدم مكعّب، فيما تمتدّ طاقته الإنتاجية إلى ما يتراوح بين 10 و12 عاماً، ويُتوقّع أن يدرّ عوائد ‏مرتفعة خلال فترة تشغيله. ‏
المُقلق في الموضوع أنه بينما تظهر اسرائيل كمورد للغاز الطبيعي وتنخرط مع دول الاتحاد الاوروبي لتصدير الغاز كبديل ‏عن مصادر الطاقة، الفلسطينيون ما زالوا منقسمين؛ من وجهة نظر حماس في غزة مصلحتها تكمن في الحصول على كهرباء ‏‏٢٤ ساعة في اليوم لكامل غزة، وهذا مهم جدا لحماس، وبديهي بسبب وجود جهود ومصلحة مصرية وراء هذا المشروع ‏يصعب على حماس لعب دور سلبي في هذا الملف. بينما السلطة حتى اللحظة لم تعبر عن موقف رسمي ولم تقدم معلومات ‏واضحة عن وجودها كطرف أم لا في ظل خروج بعض الاخبار التي تحدثت عن مشاركة صندوق الاستثمار الفلسطيني ‏وشركات خاصة فلسطينية بهذا المشروع، وهذا ما أفادته مجموعة من الدول الاطراف والتي اكدت ان الفلسطينيين طرف في ‏هذه الاتفاقية! ‏
الغاز هو كنز القرن وبالتالي ضروري أن نعرف أين الدور الفلسطيني وكيف نخدم المصلحة الفلسطينية من خلال توظيف ‏الغاز بطريقة براغماتية وطنية. ‏




بريطانيا وفلسطين: من وعد بلفور إلى وعد ترامب‎ ‎

بقلم: د. دلال صائب عريقات ‏

من حق المملكة المتحدة أن تحدد علاقاتها مع حكومات العالم وحركاته، ولكن تأتي نية رئيسة وزراء ‏بريطانيا الجديدة ليز تراس لنقل السفارة الى القدس بشكل غير مبرر بعد ان عبرت عن هذه النية خلال ‏لقائها رئيس وزراء دولة الاحتلال يائير لابيد على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك. ‏اتخاذ بريطانيا هذا المنحى ليس مفاجئًا ولكنه مُؤسف ومخالف للقانون الدولي، سبق ان اتخذت المملكة عدة قرارات مُجحفة ‏بحق الفلسطينين، نذكر منها: ‏

ملف وعد بلفور .. ‏
الشهر القادم، يوافق ذكرى وعد بلفور، ١٩١٧/١١/٢ ، ذكرى مرور ١٠٥ أعوام. حيث‎ ‎أعطى من لا يملك حقاً لمن لا ‏يستحق. طالب الفلسطينيون الحكومة البريطانية باعتذار ولم يُستجاب لطلبنا، علينا أن نكرر الطلب مراراً وعلينا مطالبة ‏بريطانيا بالاعتذار والاعتراف بالدولة الفلسطينية. كما علينا مخاطبة بريطانيا رسمياً ومطالبتها بالرجوع عن وعدها لرئيس ‏الوزراء الاسرائيلي بخصوص القدس‎.‎
يجب ألا نغفل أن وعد بلفور تضمن وعداً آخر بأن لا يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع ‏بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، وهذا كلام خطير جداً ويعكس ما نواجهه الْيَوْم من عنصرية تجاه الشعب ‏الفلسطيني، حيث تنظر دولة الاحتلال الْيَوْم لنا فعلاً كأقليات غير يهودية وتوجت سياساتها وممارساتها العنصرية من خلال ‏قانون القومية الأخير، فالسياسات العنصرية واضحة ضد كل من هو ليس يهودياً! الحديث عن نقل السفارة الى القدس هو ‏أكبر دليل على أن بريطانيا تنظر للشعب الفلسطيني كطوائف وكأقليات وليس كشعب يتمتع بحق تقرير المصير وتتغنى ‏بتوفير خدمات مدنية ودينية لتُخفي حقيقتها العنصرية.‏
قرار ترامب المتعلق بالقدس وما تبعه من سياسات عنصرية وإلغاء الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني والتهجير القسري ‏هي أساساً امتداد لوعد بلفور العنصري الذي أسس للدولة الإسرائيلية لليهود والذي منذ مئة عام اعتبر كل من هو ليس يهودياً ‏كأقلية لا تتمتع بالحقوق الكاملة كالمواطن اليهودي. ‏

ملف المحكمة الجنائية الدولية ..
رفضت المملكة المتحدة إعلان المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق في ‏جرائم حرب التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفضت اعتبار الأراضي الفلسطينية المحتلة ‏ضمن اختصاص المحكمة. الأجدر بالمملكة المتحدة احترام عمل وولاية واستقلالية المحكمة الجنائية الدولية ‏لضمان تحقيق عادل ضد أي من يرتكب جرائم خاصة انه منذ 12 فبراير 2021، تم انتخاب كريم خان ‏البريطاني الجنسية رئيسًا للادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية.‏

ملف حماس ..
قامت المملكة المتحدة بوسم حماس بـ “الإرهاب”، وهذا لن يخدم الاستقرار في المنطقة، بل ‏سيشتت الجهود لأي تقدم باتجاه المصالحة والسلام وبناء الثقة. كان الأجدر ببريطانيا ان تتعلم من تجربتها ‏في شمال أيرلندا، حيث أنها وبهدف الوصول لاتفاقية “الجمعة العظيمة” وتحقيق نتيجة غير صفرية، تبنت ‏عملية مفاوضات ضمت كافة الحركات وممثلي الشعب حتى حركة الشين فين وجناحها العسكري المتمثل ‏بالجيش الجمهوري الايرلندي برغم اعتباره “ارهابي”، كان الأجدر بالمملكة المتحدة النظر في عملية أكثر ‏شمولاً لـخدمة الاستقرار السياسي وعملية السلام في الشرق الاوسط.‏
الأجدر بالمملكة المتحدة اليوم احتراماً لشعوبها ومكانتها السياسية الدولية أن تطبق التزاماتها الاخلاقية بتوفير ‏الحماية للشعب الفلسطيني بدلاً من تشتيت الجهود والضياع في تفاصيل، على بريطانيا الاعتذار عن وعد ‏بلفور، على بريطانيا مباشرة العمل لإنهاء الاحتلال، على بريطانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية وترسيم ‏حدود دولة الاحتلال، على بريطانيا احترام التزاماتها القانونية  (أي قرار لنقل السفارة يخالف قرارات ‏مجلس الأمن الدولي التي تضمن حق الفلسطينيين في أراضي عام 1967 والقدس الشرقية: 242 ، 253 ‏، 267 ، 298 ، 476 ، 478 ، 2334) على بريطانيا عدم إعاقة عمل المحكمة الجنائية الدولية الكفيلة ‏بتعريف المجرمين والإرهابيين ومحاسبتهم، على بريطانيا المحافظة على الوضع القانوني التاريخي للقدس ‏وإبقاء القنصلية العامة البريطانية في القدس. ‏
‏– دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية ‏الأمريكية.‏




غزة أكبر من ملف إنساني !

بقلم: د. دلال صائب عريقات
نتناول اليوم السياسة الداخلية للقطاع والسياسة الإسرائيلية والمسؤولية الفلسطينية والاقليمية والدولية تجاه غزة.
صحيح أن إسرائيل انسحبت من غزة وأعادت نشر 9000 مستوطن حول القطاع لكن في صلب الحقيقة، غزة لم تتحرر، قطاع غزة بقي تحت السيطرة الكاملة لسلطات الاحتلال الإسرائيلي. لم يكن الهدف من الانسحاب عن غزة منح غزة الحرية، وكما أوضح مساعد أرييل شارون، دوف فايسجلاس “فك الارتباط هو في الواقع الفورمالديهايد” فهو يوفر كمية الامداد اللازمة للحاجات الأساسية حتى يتجنبوا أي عملية سياسية مع الفلسطينيين”، وهذا ما يتم تنفيذه اليوم تحت إطار “تقليص الصراع” على صورة تصاريح وهويات وتسهيلات سواء في قطاع غزة او في الضفة.
من جانب آخر لقد تم الانسحاب الإسرائيلي من غزة من جانب واحد ولم يتم التنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية او م ت ف، مما أدى إلى الانقسام المؤسسي والسياسي منذ 16 عاماً. حماس التي احتفلت بالمقاومة والتحرر، في نفس الوقت، فهمت الدوافع الإسرائيلية وراء الانسحاب. اليوم إسرائيل تستخدم حماس والمقاومة المشروعة كذريعة لوسم غزة ب “الإرهاب” كما تروج أمام المجتمع الدولي انها منحت قطاع غزة التحرر بمحاولة منها لتقول أن الفلسطينيين منقسمين وفشلوا في ادارة القطاع نحو الازدهار متجاهلة لأثر حقيقة الحصار والاحتلال المستمر على سماء وبحر وارض غزة! الانقسام يمكن الوضع الراهن باحتواء حماس في قطاع غزة لتجد إسرائيل ذريعة تضفي الشرعية على عدوانها وسياستها. تعمل إسرائيل على إبقاء حماس ضعيفة بما يكفي كي لا تقاوم وأن تكون مستقرة بما يكفي للسيطرة على قوة الجماعات الاخرى في غزة وتحقيق التوازن.

واجهت غزة غارات وتوغلات عسكرية كبيرة مستمرة منذ عام 2007، واستخدمت إسرائيل القوة المميتة لتقليل روح المقاومة وأخشى أننا شهدنا النتائج الناجحة خلال الهجوم الأخير.

طالما اعتمدت حماس على إطلاق الصواريخ كتكتيك تفاوضي للضغط على إسرائيل وتحصيل بعض التسهيلات تحت الحصار، من ناحية أخرى، تستخدم إسرائيل القوة العسكرية لردع حماس وقد مكنت تكتيكات حماس وإسرائيل على المدى القصير انتصارات لكليهما على حساب حل طويل الأمد.

طالما رفضت الحركة أدوات الدبلوماسية والمفاوضات باعتبارها تتعارض مع أيديولوجيتها. بدلاً من ذلك تم تعريف الجهاد ليس كتكتيك بل كاستراتيجية شاملة وفعالة تجاه التطلعات الفلسطينية. الدبلوماسية كانت مخالفة لايديولوجية الحركة، اليوم الوضع مختلف!

غزة تواجه أزمة إنسانية غير مسبوقة، وفوق كل شيء، يسود فقدان الأمل، هناك معاناة في صمت، ضروري ضمان دعم مشاريع الطاقة الشمسية وتأمين إمدادات الكهرباء والمياه والانترنت والبضائع بالإضافة إلى منح المواطنين الحماية ولكن مع كل الاحترام للمساعدات والمشاريع والاموال والجهود المبذولة من قبل الاطراف الاقليمية والدولية والتزام الاونروا للتعامل مع غزة من منظور إنساني، حان الوقت لنتساءل:

– ألا يوفر هذا النهج الانساني غطاءً لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي؟

– ألا يحرم توفير الاحتياجات الانسانية غزة من الحل الدائم!؟

التعامل مع القطاع من منظور انساني جعل غزة تحدياً للمجتمع الدولي حيث باتت منفصلة سياسياً ومؤسساتياً عن الضفة الغربية بينما تحافظ إسرائيل على احتلال بدون تكلفة مع السيادة اليهودية على الأرض بأكملها. تحقيق الأمن المستدام يتطلب رفع الحصار والاحتلال غير القانوني لغزة فهذا الحصار يمثل شكلا من أشكال العنف البنيوي والعقاب الجماعي الذي يرتقي لمستوى جريمة حرب لا يمكن تجاهله.

لا يمكن أن يكون هناك نهج فعال أو طويل الأمد لغزة في عزلة تحت إطار إنساني، الوضع في غزة يتطلب التدخل الفلسطيني الفوري، على الفلسطينيين أن يدركوا عمقهم الاستراتيجي الحيوي وحقوقهم في موارد المنطقة الاقتصادية الخالصة، ضروري للفلسطينيين الاستنتاج الجماعي بأن غزة تستضيف الموارد الطبيعية والبشرية الفلسطينية وهي تمثل جوهر الحل في بناء الاقتصاد الفلسطيني.

التجديد السياسي الفلسطيني والمصالحة الداخلية والتغلب على الانقسامات وكذلك الحاجة الدولية لإشراك جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة دون تطبيق شروط مسبقة غير واقعية وانتقائية هي عوامل النجاح الاولى.

من الضروري التعامل مع غزة كجزء من فلسطين، لا دولة بدون غزة ولا دولة في غزة، لا بد من التحقيق والمساءلة في الجرائم الاسرائيلية وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني ولكن قبل كل شيء، يجب ألا نتشتت عن ضرورة البدء بإنهاء الانقسام والمطالبة برفع الحصار وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

دلال عريقات: استاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الامريكية.




عبدالهادي راجي المجالي

سعد يابن دمي

كنت في جنازة المناضل سعد المجالي (ابن عمي)… والذي غادر الحياة فجأة وعلى عجل… سعد كان شخصية فريدة غريبة وعجيبة، فكل الناس هنا يقال عنهم (أردني من أصل فلسطيني) إلا سعد كان (الفلسطيني من أصل أردني)… وقد عاش ومات وهو يحمل قلق فلسطين وهمها، وترابها وذكريات (سعد صايل)، والسفر الطويل والترحال، وما تركه (الختيار أبو عمار) من تفاصيل عذبة، ومن مواقف خالدة، ومن عواصم استقبلته وأخرى أدارت وجهها..، عاش ومات وفيا لـ (فتح) وللثورة التي أفنى شبابه وشيبه في سبيلها.

في الجنازة حضرت الكرك وحضرت فلسطين فقط، جاءت أريحا بكل نخلها وحرها وبكل ما علق من بقايا الحناء على تفاصيل وجه صبية لوحت شمس الغور وجهها، جاءت كي تودع المحافظ السابق لها، وكي تودع من خدم فيها ومد بين الهوى والوطن جسرا من تفاصيل الكرك، جاءت كسيرة حزينة.. على من ترك الأهل والبلد وترك ذكريات الطفولة وكل الحياة، والتحق طائعا بركب السرايا التي قاتلت في بيروت.. وبيروت في ذاكرة البنادق ستبقى التفاحة في حين أن القلب لم يذبل.

يا ابن دمي تعجلت في الرحيل، وتركت لكبدي النازف أن يخط فيك من دم فلسطين ودمعها ما يخط… هي الكرك وحدها من تنتج رجلا بسجاياك، هي وحدها.. من قالت لفتيتها ذات ضحى وعلى تهدج شيخ يقرأ في الهزيع الأخير من ليل الشقاء: (والضحى والليل إذا سجى).. هي من قالت لفتيتها: كونوا رصاصا في بنادق الحرية، وكونوا بحجم الأرض وبحجم الدم.. وإذا أردتم الموت فإياكم أن يكون موتكم عاديا، بل اجعلوا النخل يدمع والزيتون ينزف دما بدلا من الزيت..

يا ابن دمي تعجلت في الرحيل، وكنت أقرأ الأرض في تفاصيل وجه خالد رمضان وخليل عطية.. نعم الأرض تقرأ، وقد وجدت سطورها في وجوههم دمعا وليس لغة، حين هموا بإدخالك القبر.. فقد أيقنوا وأيقنا معهم، أن فلسطين قد فقدت مقاتلا شرسا، وثوريا يجيد لثم الجرح.. ويجيد أكثر تقبيله، حين يكون دربه الشقاء.. وحين تكون بوصلته تشير إلى اتجاه واحد وهو فلسطين. شكرا يا كرك على ما أنجبت، شكرا للتراب.. شكرا لحجارة القلعة، شكرا للعقال والشيخ والقبيلة.. شكرا لكل وردة نبتت على كتفيك، وشكرا للصبايا اللواتي نزفن دمعا على سعد، شكرا للشيح والقمح والبيوت القديمة، شكرا للعجائز اللواتي صامت عيونهن عن الدمع.. وتركن للقلب أن يبكي.. شكرا يا كرك على الصهيل والتاريخ والحكايا.. شكرا لأن فلسطين تأتيك سيرا على الأقدام وتودع في ترابك أعز أولادها، وجذوة ثورتها، ومن احترفوا دروبها ولم يعرفوا غير تلك الدروب.. شكرا للتاريخ… وشكرا للصمت الذي تحترفينه خوفا على البلد، شكرا للأهداب وللكحل وللعيون التي تشبه ذبول قمر في سويعات مساء لطيف..

يا ابن دمي في جنازتك احتار قلبي وتوحدت الجغرافيا، ولم أعرف الفارق أبدا بين تراب الخليل وبين تراب الكرك، كأن الجنازة في الكرك والقبر في الخليل.. أو أن فلسطين هنا ونحن هناك.. هذا ليس التباس الجغرافيا أبدا، ولكنه كان رسالة لمن التبسوا في فهم الكرك…

على كل حال نسيت أن أقول شكرا للدولة، هي الأخرى حضرت ولكن على عجل…




الرئيس بايدن عندنا… وليس عندنا

بقلم : نبيل عمرو
عنوان قدر ما يبدو غريبا الا ان فيه ما يكفي من الحقيقة، ذلك بالمقارنة مع اهداف زياراته للمحطات الأخرى.

المحطة الأولى هي الحتمية كلما قرر رئيس امريكي زيارة الشرق الأوسط، إسرائيل هي البداية دائما والهدف أولا وأخيرا، ذلك ان الرئيس بايدن الذي يعاني من تدهور شعبيته في بلاده، يتطلع الى الرافعة اليهودية ذات القدرات الهامة في الانتخابات الامريكية على كل مستوياتها، فضلا عن انه لا يستطيع تجاهل التشويش الإسرائيلي على سياسته تجاه المشروع النووي الإيراني، فالطمأنة ضرورية ويحتاجها الطرفان، كما ان إسرائيل وبالمنظور الاستراتيجي تقع في قلب الهدف، الذي هو دمجها في الشرق الأوسط وتطوير حضورها الذي تبلور في اتفاقات “ابراهام” التي ما تزال ناقصة بغياب الحلقة الأهم وهي العربية السعودية بما لها من مكانة مميزة وقدرات تأثير عالية إقليميا ودوليا.

المحطة الثانية التي هي بيت لحم، وهي الاسهل والاقرب والاقل كلفة من باقي المحطات، واذا كنا حددنا حيثيات المحطة الأولى إسرائيل، فلن نجد الكثير لنحدد بما يخص المحطة الثانية، ذلك ان الإدارة الديموقراطية التي وعدت الفلسطينيين بالكثير ولم تف حتى بالقليل، تعتبر احتفاظها بعلاقة مع السلطة الفلسطينية بعد انقلاب ترمب عليها ميزة يتعين على السلطة ان تحتفي بها، ولكي تعطي لهذه العلاقة بعض المزايا تواصل الإدارة المناداة بحل الدولتين وانتقاد الاستيطان مع انعدام الجهد في تفعيل هذه المواقف مستعيضة عنه بتقديم مساعدات وان كان الفلسطينيون بحاجة اليها الا انها لا ترقى الى الحد الأدنى مما يحتاجون على الصعيد السياسي، اذا هي محطة مجاملة وتنقيط دعم بالحد الأدنى وبوسعنا تحديد أهميتها الفعلية بحجم أهمية واوزان المحطتين الأولى والثالثة.

المحطة الثالثة ذات الوزن النوعي والملح هي محطة جدة، حيث للمكان والتوقيت والمشاركين مدلولات بالغة الأهمية فالذين سيلتقيهم هناك هم زبدة الوضع العربي المسمى بمعسكر الاعتدال ولكل جالس على المقعد حول المائدة الكبرى رصيد ثمين يضعه امام الرئيس الأمريكي المحتاج بشدة لكل طرف وما يملك، الخليج بكل إمكاناته ومكانته التي تضاعفت زمن حرب أوكرانيا، ومصر الدولة المحورية في المنطقة كيفما كانت احوالها وازماتها، والأردن الجغرافيا الثمينة الواقعة على خط التماس مع كل البؤر الخطرة في المنطقة، والعراق المتنازع عليه حاضرا ومصيرا، غير ان هويته العربية تظل هي الاعمق والأكثر وضوحا.

الرئيس المحتفى به في جدة يسعى لادخال إسرائيل الى هذا المنتدى العربي كعضو دائم العضوية فيه، غير انه ليس متأكدا بعد من نجاحه اذ اكتفى اوليا من الغنيمة بالسفر المباشر من إسرائيل الى السعودية وهذا لا يكفي كانجاز تاريخي نوعي يغير سياسيات ومعادلات.

عودة الى العنوان الذي يبدو غريبا بايدن عندنا وليس عندنا، هو عندنا في زيارة المكان واللقاء مع الرئيس الفلسطيني وعندنا حين يزور مستشفى في القدس الشرقية متجردا من المرافقة الإسرائيلية، وعندنا حين يضع مالا في جيبنا تحت مسميات إنسانية غير انه ليس عندنا في الامر الأساس الذي نحتاجه وهو فتح الملف السياسي على افق محدد يجري العمل المباشر عليه ويرى فيه الفلسطيني فرصة للخلاص من الاحتلال وتقدما ملموسا نحو هدفه الدائم في الحرية والاستقلال.

أخيرا… عندنا وليس عندنا هذه حالة نحن فقط من يملك تغيرها بتغيير أشياء كثيرة فينا، اما لو بقي الحال عندنا على ما هو عليه الان فسوف تظل زيارتنا بالنسبة لبايدن وغيره مجرد مجاملة واسترضاء.