1

إلهام الخطيب.. حين يتحول العلم إلى أثر والوطن إلى اختيار

أكاديمية اختارت أن تعود بما تعلمته إلى وطنها وأن تجعل من المعرفة جسرًا بين فلسطين والعالم

 عبير البرغوثي- لم تبدأ حكاية د. إلهام الخطيب من حلم واضح المعالم، ولم يكن طب الأسنان التخصص الذي رسمته لنفسها منذ البداية. جاءت إلى هذا الطريق في ظروف شخصية صعبة، بعد فقدان شقيقها الطبيب الذي أمضى سنوات عمره في خدمة مجتمعه، ثم احتاجت إلى سنوات من التجربة والعمل حتى تكتشف أن المهنة التي دخلتها من باب لم تخطط له، يمكن أن تصبح مساحة واسعة تجمع بين العلم والتعليم والبحث والعمل المجتمعي والانحياز للإنسان.

اليوم، وبعد تسع سنوات من العمل في الاتحاد العالمي لطب الأسنان، بدأت بعضوية لجنة الصحة العامة، ثم ترأستها لثلاث سنوات، وصولًا إلى عضوية مجلس الاتحاد، تنظر د. إلهام الخطيب إلى العمل الأكاديمي من زاوية مختلفة: الجامعة ليست مكانًا لإنتاج المعرفة فقط، والمنصب الدولي ليس لقبًا يُضاف إلى السيرة المهنية، بل فرصة لتحويل المعرفة إلى سياسات وأدوات وممارسات يستفيد منها الناس.

تتولى أ.د. إلهام الخطيب (أستاذة طب الأسنان المجتمعي والوقائي) عمادة البحث العلمي في جامعة القدس ومن خلال منصبها تشرف على العديد من المختبرات المتخصصة والمراكز البحثية متعددة التخصصات، بالإضافة إلى إصدار المجلات العلمية المحكمة.

في الاتحاد، تقود مشاريع تتعلق بصحة الفم للاجئين والنازحين، والإقلاع عن منتجات التبغ، وتطوير وحدات تعليمية في صحة الفم لمقدمي الرعاية الصحية من تخصصات أخرى.

ومع كل تجربة، ترسخت لديها قناعة بأن قيمة الموقع لا تقاس بما يمنحه لصاحبه، بل بما يتيحه من عمل جماعي يبقى أثره بعد انتهاء المنصب.

وتقول في سياق حديثها لـ “الحياة الجديدة”: إن حضور الفلسطيني في المؤسسات الدولية يمكن أن يكون أكثر من مجرد حضور رمزي؛ فهو مساحة ليعرف العالم فلسطين من خلال علمائها وباحثيها وأكاديمييها.

بالنسبة إليها، حمل فلسطين إلى العالم لا يعني الحديث عنها فقط، بل أن تكون حاضرة في البحث، وفي صياغة السياسات، وفي إنتاج المعرفة، وفي الدفاع عن حق الفئات المهمشة في الرعاية. ومن هذا الإيمان جاء تأسيس القسم الفلسطيني في الجمعية الدولية لأبحاث طب الأسنان، بما يتيح للباحثين الفلسطينيين حضورًا مؤسسيًا ومساحة للمشاركة باسم فلسطين في إنتاج المعرفة وتبادلها.

لكنها لا ترى قيمة الحضور الدولي منفصلة عن الداخل. ما تتعلمه في المنصات العالمية، كما تقول، يجب أن يعود إلى المجتمع الذي انطلقت منه. لذلك تستثمر علاقاتها وخبرتها في بناء تعاون بحثي، وإتاحة فرص التدريب والإشراف المشترك للباحثين الشباب، وربط المؤسسات الفلسطينية بخبرات وشركاء دوليين.

وكان فوز الدكتورة دانيا عام 2025 بالمركز الأول عالميًا في إحدى أهم جوائز البحث العلمي في طب الأسنان، ضمن اللقاء العالمي للجمعية الدولية لأبحاث طب الأسنان (IADR)، من أولى ثمار تأسيس القسم الفلسطيني للجمعية؛ إذ أتاح هذا الحضور المؤسسي فرصًا أوسع لإبراز كفاءات الباحثين والطلاب الفلسطينيين ومواهبهم على المنصات العالمية.

وإلى جانب هذا الإنجاز، أسهمت الشراكات الدولية في إتاحة فرص للتبادل الأكاديمي لطلاب فلسطينيين في الولايات المتحدة واليابان. وبالنسبة إلى الخطيب، تكتمل قيمة هذه النجاحات حين تتحول إلى قدرات محلية مستدامة، وتفتح الطريق أمام أجيال جديدة من الباحثين والطلاب ليشاركوا بمعرفتهم وخبراتهم في العالم.

من كرسي العلاج إلى الصورة الأوسع

في سنوات ممارستها الأولى، رأت د. الخطيب في العيادة أكثر من المرض. رأت ضعف الوعي الصحي، وصعوبة الوصول إلى العلاج، وكلفة الرعاية التي قد تحول دون وصول الإنسان إلى الخدمة أصلًا. وهناك بدأت الأسئلة تتغير: لماذا يصل بعض الناس إلى الرعاية بينما يُحرم منها آخرون؟ وكيف تؤثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئة المحيطة في صحة الإنسان؟

شيئًا فشيئًا، أدركت الخطيب أن كرسي العلاج، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتلبية احتياجات المجتمع. كانت تبحث عن مساحة يتسع فيها أثرها ليصل إلى من لا يستطيعون أصلًا الوصول إلى العيادة، فوجدتها في الصحة العامة والبحث والعمل المجتمعي والتعليم.

وفي التعليم تحديدًا، وجدت فرصة لإعداد جيل جديد من أطباء الأسنان يحمل رؤية أوسع للمهنة، ويُسهم في تطويرها، بحيث يصبح التشخيص والتقييم الشامل والوقاية والمسؤولية المجتمعية ركائز أساسية في الممارسة اليومية. فالمعرفة التي ينقلها الأستاذ إلى طالب، والقيم التي يغرسها فيه، يمكن أن يمتد أثرها لاحقًا إلى مئات المرضى. ومن هنا، تسعى إلى دمج الأنشطة الميدانية والتعلّم القائم على خدمة المجتمع في تعليم طلابها، ليكتسبوا المعرفة والمهارات والقيم التي تمكّنهم من فهم احتياجات الناس والاستجابة لها.

ولهذا أصبحت المدارس والمخيمات والمناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الخدمات جزءًا من تجربتها التعليمية. فهي ترى أن الطالب، حين يخرج من قاعة المحاضرة إلى المجتمع، يتعلّم ما لا يستطيع الكتاب وحده أن يعلّمه: كيف تؤثر كلفة العلاج، والمواصلات، وظروف الأسرة، والخدمات المتاحة في خيارات الإنسان الصحية وقدرته على الحصول على الرعاية. ومن خلال هذه الخبرة، يتعلّم أن يربط قراره السريري بواقع المريض، وأن يرى في خدمة المجتمع مسؤولية أصيلة من مسؤوليات مهنته.

ويمتد هذا الاهتمام باحتياجات الناس إلى رؤيتها للبحث العلمي؛ إذ تسعى الخطيب، من موقعها عميدةً للبحث العلمي وأستاذةً للصحة العامة لطب الأسنان في جامعة القدس، إلى ترسيخ نهج يعزّز إشراك المجتمع والجهات الصحية وصنّاع القرار في مختلف مراحل البحث، بدءًا من صياغة السؤال البحثي، وصولًا إلى تطبيق النتائج وتقييم أثرها. ويشمل ذلك متابعة مدى استفادة الفئات المستهدفة وتحديد ما يحتاج إلى تطوير، ليصبح البحث العلمي أكثر ارتباطًا باحتياجات المجتمع، وأكثر قدرةً على إحداث تغيير ملموس في حياة الناس.

فلسطين.. العودة التي لم تكن سهلة

كان بإمكان الخطيب أن تواصل حياتها في الولايات المتحدة، حيث خاضت تجربة أثْرت تكوينها العلمي والمهني، وفتحت أمامها آفاقًا واسعة من المعرفة والعلاقات والفرص. لكنها، حين فكّرت في المستقبل الذي تتمناه لنفسها ولأسرتها، وجدت أن فلسطين تحتلّ قلب تلك الصورة.

لم تكن العودة قرارًا سهلًا؛ فقد تطلّبت إعادة ترتيب حياة الأسرة ومسارها المهني، والبدء مجددًا في واقع تحيط به التحديات. وعندما سألت نفسها أين تريد أن تكون بعد خمس أو عشر سنوات، رأت نفسها في وطنها، تخدم مجتمعها وتصنع أثرًا فيه، ورأت أبناءها يكبرون قريبين من لغتهم ودينهم وثقافتهم. أحبّت تلك الصورة، وشعرت بأنها تعبّر بصدق عمّا تريده لحياتها. وكان إيمانها بأن الله يوجّه خطواتها ويختار لها الخير يمنحها الطمأنينة للمضيّ، حتى حين لم تكن الطريق واضحة المعالم.

كان الأثر الذي تستطيع أن تصنعه في فلسطين حاضرًا بقوة في قرارها. شعرت بأن مجتمعها يحتاج إلى خبرتها، وأن ما تعلّمته يمكن أن يفتح فرصة لطالب، أو يدعم باحثًا، أو يُسهم في تحسين الرعاية. وجدت في خدمة أهلها ووطنها رضًا عميقًا، وحرصت على أن تبقى صلاتها الدولية مصدرًا لتطوير عملها وإتاحة فرص جديدة للآخرين.

وفي الوقت نفسه، أرادت لأبنائها أن يعرفوا فلسطين معرفة حيّة، تنمو من اللغة والعائلة والمجتمع والذاكرة. كانت تؤمن بأن الثقافة تُكتسب حين تُعاش في تفاصيل الأيام؛ في المدرسة، ومعهد الموسيقى، والتدريب الرياضي، وفي رائحة الخبز صباحًا، وشوارع البلدة القديمة، والريف، والناس الذين يمنحون المكان ألفته ومعناه.

لكن الأمومة في فلسطين لم تكن يومًا تجربة عادية.

كانت ترسل أبناءها إلى المدرسة وهي تحمل قلقًا دائمًا من الحواجز والأحداث العنيفة، وتذكر اتصالات المدرسة التي كانت تخبرها بانتهاء الدوام مبكرًا، واضطرارها إلى عبور الحواجز للوصول إليهم. وكانت تخاف عليهم حين يطال الاعتقال أو القتل أصدقاءهم أو أفرادًا من عائلاتهم. وحين تستعيد هذه الذكريات، تدرك بتواضع أن ما عاشته من قلق لا يُقارن بما تعيشه أمهات كثيرات في فلسطين من فقد ونزوح وخوف يومي على حياة أبنائهن. كانت تستطيع أن تحتضن ابنيها وتطمئن إلى وجودهما بجانبها، وهي نعمة تحمد الله عليها، وتفكّر بوجع في كل أم حُرمت منها أو ما زالت تنتظر عودة ابنها. وتحمل لهؤلاء الأمهات محبة واحترامًا عميقين، وتتمنى لهن الأمان والسند، وحقّهن في أن يرين أبناءهن يكبرون بسلام.

وسط هذا الواقع، حاولت أن تعلّم ابنيها حب الحياة، وأن تمنحهما جذورًا راسخة وثقة تمكّنهما من الانفتاح على العالم. أرادت أن يكونا مستعدَّين لاغتنام فرص الدراسة والعمل حيث تتاح، وأن تبقى فلسطين حاضرة في قلبيهما، وفي القيم التي يحملانها وما يقدمانه للآخرين.

واليوم، وهما في الولايات المتحدة بين الدراسة والعمل، تسمع منهما الامتنان للسنوات التي عاشاها في فلسطين، ولما منحتهما من تعليم وفن ورياضة وصداقات وتجارب. وحين يستعيدان تفاصيلها بمحبة، ترى كيف أسهمت تلك الحياة في تشكيل الشخصين اللذين تعتزّ بهما اليوم، وكيف أصبح الوطن جزءًا من نظرتهما إلى نفسيهما وإلى العالم، يرافقهما أينما ذهبا.

“الشغف والأثر”.. تعريف آخر للنجاح

منذ طفولتها، جمعت الخطيب بين التفوق في الدراسة وحب الكتابة والرياضة والعمل التطوعي. كان فضولها يدفعها إلى التعلّم والتجربة والمشاركة، وهي ملامح ما زالت ترى امتدادها في شخصيتها اليوم. ومع السنوات، اتّسع معنى التفوق لديها؛ فأصبح يتجسّد في طالب يكتشف قدرته ويثق بها، وفكرة تنمو لتصبح عملًا نافعًا، وفرصة تفتح أمام إنسان أفقًا لم يكن يراه ممكنًا. بقي الطموح حاضرًا، واتّسعت دائرة من تتمنى أن يصل إليهم أثره.

وتختصر ما يحركها بكلمتين: الشغف والأثر. يمنحها الشغف طاقة العمل والتعلّم، ويدفعها إلى الإتقان وتطوير معرفتها ومهاراتها. أما الأثر، فيمنح هذا الجهد اتجاهه، ويعيدها دائمًا إلى سؤالها الأهم: ما الذي تغيّر بفضل ما فعلت؟ مَن استفاد، وأيّ فرصة أصبحت أقرب، وأيّ جانب من حياة الناس صار أفضل؟ بهذا المعنى، يرتبط رضاها عن مسيرتها بما تتركه من فائدة في عملها الأكاديمي والمجتمعي والتطوعي.

ويبدو شغفها المبكر بالصحافة والكتابة جزءًا متصلًا بهذه الرحلة. فقد عملت في مرحلة من حياتها محررة طبية في قناة تلفزيونية، وبقيت الكتابة حاضرة في طريقة تفكيرها وصياغتها للأسئلة.

ترى أن الباحث والصحفي يلتقيان في الفضول، وحسن الإصغاء، والانتباه إلى ما يحتاج إلى تفسير، والقدرة على طرح سؤال يستحق البحث عن إجابته. وكلاهما يتحمّل مسؤولية فهم المعلومة بدقة وإيصالها بوضوح، مع الحفاظ على أمانتها ومعناها الإنساني.

ومن هنا، تنظر إلى البحث بوصفه رحلة تبدأ بحاجة تستحق الفهم أو فجوة تستدعي الإجابة، وتمتد إلى تحويل المعرفة إلى فائدة تصل إلى الناس. قد تتخذ هذه الفائدة شكل سياسة، أو إرشاد مهني، أو ممارسة أفضل، أو وعي يساعد الإنسان على اتخاذ قرار يخص صحته وحياته. فالكتابة، كما البحث والتعليم، تمنحها وسيلة لفهم الواقع والمشاركة في تحسينه؛ وتكتمل قيمة المعرفة لديها حين تجد طريقها إلى من يحتاجها، وتترك في حياته أثرًا.

امرأة وأم وأكاديمية

في حديثها لـ “الحياة الجديدة”، تتحفظ الخطيب على فكرة “التوازن الكامل”؛ فالحياة المهنية والعائلية تمر بمراحل تتبدّل فيها الأولويات، وقد حاولت دائمًا أن يبقى ابناها في مقدمتها. وتستعيد بحنان كيف كانت تتدرّب على محاضراتها أمام ابنيها سامي وسيف، فيستمعان إليها ويشجعانها ويساعدانها. كانا شريكين في رحلتها، كما حرصت على أن تكون حاضرة في تفاصيل حياتهما.

ولا تقدّم تجربتها وصفةً للكمال؛ فهي تؤمن بأن الاستمرار يحتاج إلى المرونة وتقاسم المسؤوليات والدعم والرحمة بالنفس، بقدر حاجته إلى الطموح والانضباط.

وتستذكر مواقف شعرت فيها بالتمييز لكونها فلسطينية وامرأة وأكاديمية محجبة، لكنها تتذكر مواقف أكثر وجدت فيها الدعم والتشجيع والاعتزاز بها لهذه الأسباب نفسها. وتحمل امتنانًا عميقًا لمن رأوا في هويتها وتجربتها قيمةً تستحق المساندة، وآمنوا بقدرتها على الإسهام والقيادة. ومن هنا، ترى أن تمكين النساء يبدأ بفرص عادلة وتقدير منصف لعملهن، وبمساندة تحترم اختياراتهن وتتيح لهن التطور، دون أن يُطالَبن بتحمّل كل شيء وحدهن.

“لا وقت”.. حين يصبح الفقد درسًا في الحياة

ربما كان الفقد أكثر ما عمّق إحساس الخطيب بقيمة الوقت. فقدان شقيقها في عمر مبكر ترك لديها وعيًا بأن الحياة قد تتغيّر فجأة، وأن ما نؤجله إلى الغد قد لا ينتظرنا. ثم فقدت والدها بعد اثنين وعشرين عامًا، وبعد أربع سنوات فقدت شقيقها الآخر. لكل غياب وجعه ومكانه في قلبها، ومع توالي الفقد، ازدادت حرصًا على أن تمنح وقتها لما يستحق، وأن تعبّر عن محبتها ما دام اللقاء ممكنًا.

ومع التجربة، اتّسع معنى النجاح لديها ليشمل ما تقدّمه للناس، والعلاقات التي ترعاها، والمحبة التي تمنحها في وقتها. وتقول الخطيب لـ “الحياة الجديدة” أن السؤال الذي يرافقها لم يعد: كم أنجزت؟ بل: كيف منحت وقتي لما أؤمن به، ولمن أحب؟ وما الأثر الطيب الذي أتركه في حياتهم؟

من فلسطين إلى العالم.. ومن العالم إلى فلسطين

تبدو رحلة إلهام الخطيب، أقل ارتباطًا بالمناصب وأكثر ارتباطًا بالمعنى. من طفلة تحب الكتابة والمشاركة، إلى طالبة دخلت طب الأسنان في ظروف لم تخطّط لها، ثم طبيبة وجدت في الصحة العامة مساحة تشبهها، وباحثة وأستاذة حملت خبرتها إلى المؤسسات الدولية، وقائدة لمشاريع صحة الفم للاجئين والنازحين، ومؤسِّسة لحضور فلسطيني على إحدى أبرز منصات البحث العلمي العالمية، وأم اختارت العودة إلى وطنها؛

في كل محطة، كانت تبحث عن السؤال نفسه: ما الأثر الذي يمكن أن أتركه؟

ولهذا لا ترى حضورها الدولي نهاية للرحلة، بل وسيلة لفتح طرق جديدة أمام آخرين. ولا ترى العودة إلى فلسطين تضحية ، بل اختيارًا أعطاها معنى مختلفًا لحياتها وعملها.

وفي عالم تقاس فيه النجاحات غالبًا بالألقاب والمناصب، تبدو فلسفتها أكثر بساطة وعمقًا: أن تكون المعرفة نافعة، وأن يتحول الموقع إلى فرصة لغيرها، وأن يعود ما تتعلمه من العالم إلى الناس الذين بدأت منهم الحكاية.

وربما لهذا، حين تُسأل عن الإنسانة التي تختبئ خلف الطبيبة والأكاديمية، لا تبحث عن إجابة كبيرة. تتحدث عن العائلة والأصدقاء والمشي والأماكن الجميلة، وعن لحظة هادئة خارج جدول الالتزامات، وعن قدرتها على التوقف أمام منظر جميل أو تفصيل صغير، والقول ببساطة وصدق ودهشة: ما أجمل هذا!




أكثر من مليون امرأة في الضفة دون الحد الأدنى للمياه

 أصدر الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه بيانا مشتركا بمناسبة يوم المياه العالمي، عرضا فيه مؤشرات رقمية تعكس واقع أزمة المياه في فلسطين، وتأثيراتها الواسعة على السكان، خاصة النساء والفتيات، إذ يسلط البيان هذا العام الضوء على العلاقة بين المياه والنوع الاجتماعي.

وتشير البيانات إلى أن الإناث يشكلن نحو 49% من إجمالي السكان، فيما يتأثر أكثر من مليوني امرأة وفتاة بأزمة المياه الناتجة عن محدودية الوصول إلى الموارد المائية.

وتوضح الأرقام الواردة في البيان، أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية في الأحواض الرئيسية في الضفة الغربية، ما يحد من قدرة الفلسطينيين على تطوير مصادرهم المائية أو الوصول إلى حصص عادلة منها.

وفي الضفة الغربية، تعيش نحو 1.014 مليون أنثى، أي ما نسبته 61.5%- من إجمالي الإناث، في مناطق لا تصل فيها حصة الفرد اليومية من المياه إلى الحد الأدنى الموصى به عالميا والبالغ 100 لتر للفرد يوميا.

كما تُقدّر كميات مياه الأمطار السنوية في الضفة الغربية بأكثر من 165 مليون متر مكعب، إلا أن جزءا كبيرا منها يُفقد دون استغلال، نتيجة القيود المفروضة على إنشاء مرافق تخزين المياه في المناطق المصنفة “ج”.

وعلى المستوى السكاني، يُظهر التركيب العمري أن الأطفال دون 15 عاما يشكلون نحو 34.5% من السكان (1.18 مليون)، فيما تبلغ نسبة النساء في سن الإنجاب 24% (823 ألفا)، وذوي الإعاقة 5.8% (نحو 199 ألفا)، والمزارعات والنساء الريفيات 13% (نحو 446 ألفا)، وكبار السن 3.7% (127 ألفا)، ما يزيد الطلب على خدمات المياه والصرف الصحي.

وفيما يتعلق بالنزوح، تشير التقديرات إلى نزوح ما لا يقل عن 31,919 مواطنا من مخيمات شمال الضفة الغربية حتى أيلول 2025، ما زاد الضغط على خدمات المياه في مناطق الاستقبال.

أما في قطاع غزة، فتظهر البيانات تراجعا حادا في إمدادات المياه، حيث انخفضت إلى ما بين 3–5 لترات للفرد يوميا خلال فترات العدوان، مقارنة بالحد الأدنى الإنساني البالغ 15 لترا. ورغم تحسنها لاحقا إلى نحو 21 لترا للفرد يوميا، إلا أنها ما زالت غير مستقرة.

وبلغ إجمالي كميات المياه المنتجة في قطاع غزة نحو 111,697 مترا مكعبا يوميا، في حين لا يصل للسكان سوى 44,944 مترا مكعبا يوميا، أي بمعدل استهلاك يقارب 21.2 لترا للفرد يوميا.

كما أظهر التقييم أن 77% من الأسر في غزة تعتمد على صهاريج نقل المياه كمصدر رئيسي، بينما تعتمد 15% من الأسر على الأطفال في جمع المياه.

وفي قطاع الصرف الصحي، تشير التقديرات إلى تضرر أكثر من 85% من المرافق، مع تعرض نحو 57% من السكان لمياه الصرف الصحي على مسافة تقل عن 10 أمتار من مساكنهم، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الأمراض، خاصة بين الأطفال الذين يشكلون نحو 39% من سكان القطاع.

وتواجه نحو 700 ألف امرأة وفتاة في غزة صعوبات في إدارة النظافة الشخصية بسبب نقص المياه والمواد الأساسية.

وعلى صعيد سوق العمل، لا تتجاوز نسبة تمثيل النساء في مؤسسات قطاع المياه 18%، وفق بيانات مسح شمل 64 مؤسسة، ما يعكس فجوة واضحة في المشاركة المؤسسية.

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وإمكانيات الوصول إلى المياه، في ظل تزايد الطلب وتراجع الموارد المتاحة.




مسعدة في كفر مالك.. من مسار إبراهيم الخليل إلى بيت الرواية الفلسطينية

حنين خالد- في قرية كفر مالك شمال رام الله، ينبض منزل قديم بروحٍ جديدة. بيت فلسطيني عتيق، تقف مسعدة معدي مثالا على الإبداع والإصرار في تحويل التراث إلى مشروع حي يروي حكاية المكان والإنسان الفلسطيني. فمنذ عام 2012، قررت مسعدة أن تعيد الحياة إلى بيت العائلة القديم، وتحوله إلى مشروع سياحي صغير يستقبل الزوار من داخل فلسطين وخارجها، بهدف إحياء التراث المحلي وتعزيز السياحة المجتمعية؛ ليصبح عنوانا للأصالة الفلسطينية والتبادل الثقافي.

من فكرة عائلية إلى حلمٍ وطني

تقول مسعدة بابتسامة تعبق بالذكريات: “بدأت الفكرة حين رممنا المنزل القديم الذي ورثناه عن أجدادنا، وكنا نسكن فيه بالفعل. ومع توسع العائلة بنينا طابقا جديدا فوق البيت، لكننا حرصنا على الحفاظ على الطابع التراثي، مستخدمين الممرات الحجرية القديمة وتفاصيل البناء الأصيلة”.

كانت البداية بسيطة، لكن النظرة الثاقبة لمسعدة جعلت من هذا القرار خطوة أولى نحو مشروعٍ رائد في السياحة المجتمعية.

الزوار الأوائل.. وميلاد التجربة

كان المشروع في بدايته يستقبل زوار مسار إبراهيم الخليل، المعروف اليوم بـ “مسار فلسطين التراثي”، وهو طريق يربط شمال فلسطين بجنوبها مرورا بالجبال والقرى. كان الزوار يتوقفون في كفر مالك لتناول وجبة الغداء في مقر الجمعية النسوية، ثم تطور الأمر ليطلبوا المبيت في منزل عائلة معدي. ومن هنا، بدأت فكرة تحويل المنزل إلى بيت ضيافة تراثي يقدم تجربة فلسطينية أصيلة.

منزل يتحول إلى فندق صغير

مع مرور الوقت، تضيف مسعدة: “وسعنا المكان ليستوعب مزيدا من الضيوف، وأضفنا غرفا جديدة وحمامات حديثة، دون المساس بجمال الحجر القديم ورائحة الماضي”.

تستذكر مسعدة: “صار بيتنا أشبه بفندق صغير، فيه 15 سريرا وغرفة مجهزة وحمامات مناسبة. كان الضيوف يقضون الليلة عندنا، خاصة طلاب الجامعات والشباب الأجانب، يتناولون العشاء والفطور، ليعيشوا معنا تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية ثم يواصلون رحلتهم على المسار”.

تنوع الزوار وتنوع الحكايات

استقبلت مسعدة زوارا من فرنسا، وإيطاليا، ةألمانيا، وأميركا، وحتى البرازيل. لم يكن المشروع تجاريا بحتا، بل رسالة ثقافية وإنسانية، مع رمزية رسوم الإقامة (بين 50 و70 دولارا للشخص)، أما الهدف الأسمى فكان تبادل الثقافات، ونقل الصورة الحقيقية عن الشعب الفلسطيني وحياة المرأة الفلسطينية.

“كنا نريد أن نقدم الصورة الحقيقية لفلسطين والمرأة الفلسطينية، بعيدا عن الأخبار والمشاهد النمطية. كثير من الزوار عادوا لبلادهم يحملون قصة شعبٍ يحب الحياة رغم التحديات”، تقول مسعدة.

بيت يحتضن التراث بعناصره الأصيلة

في داخل المنزل، تحتفظ مسعدة بعناصر تراثية تعبق بالماضي: الموقدة التي تستخدم للطهي والتدفئة، وشبابيك صغيرة تطل على الحديقة، ومساحات مخصصة للجلوس والنقاش.

لم تكتف مسعدة بالإقامة فقط، بل أضافت أنشطة تعليمية مميزة للزوار: تعليم الأكلات الشعبية الفلسطينية، عرض الحرف اليدوية النسوية، وجلسات حوارية مع شباب البلدة وطلاب الجامعات لتبادل الثقافات والتجارب، وتؤكد: “كنا نريدهم أن يروا فلسطين كما نعيشها، لا كما يسمعون عنها”.

تحديات وإصرار.. نحو المستقبل

لم يكن الطريق سهلا، فقد واجهت العائلة تحديات أثناء الترميم، خاصة في الحفاظ على الطابع الفلسطيني الأصيل. ومع ذلك، شاركت نساء البلدة في دعم المشروع بكل قوة من خلال إعداد المأكولات، وبيع منتجات يدوية والإكسسوارات التراثية البسيطة، لتوفير دخل إضافي يعزز استقلاليتهن.

لكن مع تفشي جائحة كورونا ثم اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، اضطر المشروع إلى التوقف مؤقتا. تقول مسعدة: “توقف العمل بسبب الظروف الصعبة، لكننا مصممون على إعادة فتح البيت بعد انتهاء الحرب. نريد أن نطور المشروع أكثر، نرمم الغرف، ونشجع على السياحة الداخلية”. لكنها تؤكد أن الهدف سيبقى كما هو: “كل مرة تتوقف فيها الحياة، نعيد إحياءها من جديد. هذا البيت لا يعرف الاستسلام”.

تختم مسعدة حديثها لـ “الحياة الجديدة” بالقول: “الحفاظ على التراث الفلسطيني هو حفاظ على هويتنا وتاريخنا. هذه البيوت القديمة ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة أجدادنا وجزء من روح فلسطين. علينا دعم المشاريع الصغيرة مثل هذا المشروع لتبقى الحكاية مستمرة”.




رتيبة النتشة: البطالة في صفوف النساء وصلت إلى 60%

مراد ياسين -اعتبرت رتيبة النتشة عضو المكتب السياسي لحزب فدا، وعضو الهيئة الإدارية في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في القدس، أن البطالة في صفوف النساء تتجاوز حدود الاقتصاد لتصل إلى عمق البنية الاجتماعية والتعليمية، مؤكدة على ضرورة وضع خطة وطنية شاملة لتمكين المرأة وربط التعليم بسوق العمل.

قالت النتشة إن بيانات دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني تشير إلى أن نسبة البطالة بين صفوف النساء بلغت في عام 2024 نحو 30.1% في الضفة، بينما تجاوزت 64% في قطاع غزة.

وأضافت أن هذه النسب ارتفعت بشكل كبير بعد السابع من أكتوبر، حيث وصلت البطالة بين النساء في الضفة إلى أكثر من 60%، الأمر الذي يعكس “الواقع الصعب الذي تعيشه المرأة الفلسطينية، ودورها المتزايد في إعالة الأسر في ظل غياب المعيل أو تدهور الأوضاع الاقتصادية”.

وأكدت النتشة أن المرأة الفلسطينية لم تعد مجرد متضررة من الأوضاع، بل أصبحت “شريكا فاعلا في الصمود والمقاومة المجتمعية”، مشيرة إلى أن ارتفاع البطالة بين النساء “يهدد النسيج الاجتماعي ويضعف قدرة الأسر على الاستمرار في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام فرص العمل”.

دور الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية

وتحدثت النتشة عن جهود الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي يعمل من خلال برنامج كفالة الأيتام وإسناد الأسر الفقيرة على تخفيف معاناة العائلات المحتاجة، عبر آليات تكافلية تربط بين العائلات الميسورة وتلك الأكثر فقرا.

وأوضحت أن البرنامج واجه صعوبات كبيرة خلال الحرب على غزة بسبب تعطل التحويلات المالية عبر البنوك، “لكننا اليوم نعمل على استعادة نشاطه بشكل كامل لخدمة النساء الفلسطينيات في الوطن والشتات على حد سواء”. وأضافت أن الاتحاد نفذ عدة حملات استجابة طارئة للنازحات من مخيمات شمال الضفة الغربية، بالتنسيق مع المؤسسات النسوية والوزارات المختصة، لتوفير فرص تمكين اقتصادي للنساء ودمجهن في مؤسسات المجتمع المحلي.

الفجوة بين التعليم وسوق العمل

وأشارت النتشة إلى أن أحد أبرز أسباب تفاقم البطالة بين النساء هو الفجوة الكبيرة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، موضحة أن “نسبا كبيرة من الفتيات يتوجهن إلى تخصصات تقليدية كالتعليم والصحة، بينما يندر التحاقهن بالتخصصات الإنتاجية والمهنية التي يحتاجها السوق فعليا”.

وتابعت: “رغم أن نسبة التعليم الأكاديمي بين الإناث أعلى من الذكور، إلا أن ذلك لا ينعكس على مستوى التشغيل، بل على العكس، يفاقم الأزمة في ظل محدودية فرص العمل في المجالات النظرية”.

رؤية نحو تمكين النساء اقتصاديا

وأكدت النتشة أن تمكين المرأة الفلسطينية يتطلب “منظومة متكاملة” تبدأ من إصلاح التعليم وإدماج التوجيه المهني في المناهج، مرورا بتغيير الصور النمطية عن أدوار النساء في سوق العمل، وصولا إلى إقرار تشريعات تضمن بيئة عمل آمنة وعادلة خالية من التمييز والاستغلال.

وشددت على أن “أي جهود في هذا الاتجاه لن تنجح ما لم يتم تحويل الاقتصاد الفلسطيني من اقتصاد استهلاكي إلى إنتاجي، ما يفتح آفاقا أوسع للتشغيل ويعزز مشاركة النساء في العملية الاقتصادية”.




من أبو قش إلى منصات “فوج”.. أماني عطاري تحيك أحلامها بخيوط فلسطينية

عبير البرغوثي- في قرية أبو قش شمال رام الله، وُلدت حكاية مختلفة لامرأة لم تؤمن يومًا بالمستحيل. امرأة آمنت أن الخيوط الصغيرة قادرة على أن تصنع ثوبًا بحجم الحلم. أماني عطاري، الأم لأربعة أبناء، والمصممة التي لم تستسلم لثقل الظروف، حملت حلمها المؤجل سنوات طويلة، قبل أن تفتحه من جديد لتصل به إلى أرقى منصات الأزياء العالمية، ومنها منصات مجلة “فوج”.

منذ طفولتها، كانت أماني مختلفة. تبتسم وهي تستعيد بداياتها: “أمي كانت تقول دائمًا إنني وُلدت مع حب الأزياء. كنت في الرابعة أفتّش في خزائنها، أدمج الملابس مع الحقائب وأصنع إطلالات خاصة. كنت أعرف أن هذا عالمي منذ البداية”.

تبتسم أماني وهي تستعيد ذكريات طفولتها: “أمي كانت تقول دائمًا إنني وُلدت مع حب الأزياء، منذ الرابعة وأنا أفتّش في خزائنها لأمزج الملابس والحقائب وأصنع إطلالات خاصة. كنت أعرف أن هذا عالمي منذ البداية.”

لكن الطريق إلى تحقيق هذا الشغف لم يكن سهلًا. التحقت عطاري بجامعة بيرزيت عام 2001 لدراسة إدارة الأعمال، بينما ظل قلبها مع التصميم. سرعان ما وجدت نفسها أمام مسؤوليات قاسية؛ أم لطفلتين، وزوجة تعبر حاجز سردا يوميًا .

لم تصمد أكثر من عام واحد، لتنسحب وهي تشعر أن الحلم يُطوى قبل أن يُولد. تسرد: “كنتُ أمًا وزوجة، وكان عبور حاجز سردا يوميًا مع طفلتيّ أشبه بمعركة، لم يكن بوسعي الاستمرار في تخصص لم أحبه أصلًا”.

لكن الحلم بقي حيًّا، بعد 14 عامًا، قررت أماني العودة من جديد. التحقت عام 2018 بكلية الفنون والموسيقى والتصميم في الجامعة نفسها، وتخرجت عام 2022 بامتياز. تقول بثقة: “العودة بعد كل هذه السنوات لم يكن مسموحًا أن تُتوَّج بعلامات عادية. كنتُ أعرف أن عليّ أن أكون مميزة.”

هذه العودة لم تكن مجرد استكمال للدراسة، بل كانت استعادة لهوية ضاعت وسط الظروف، وإعلانًا أن الأحلام المؤجلة يمكن أن تزهر متى ما قرر صاحبها أن يمنحها الحياة من جديد.

رحلتها العملية لم تقل صعوبة. فغياب خبرات الخياطة الاحترافية في فلسطين ونقص المواد الخام دفعاها إلى السفر أحيانًا لدبي وإيطاليا لتنفيذ تصاميمها. ومع ذلك، أصرت على أن تحمل كل قطعة من مجموعاتها عبارة “صُنع في فلسطين”.

وتوضح: “كنت أرفض أن تُنتَزع هويتي من تصاميمي. فلسطين هي أساس كل قطعة أصنعها.”

الانطلاقة العالمية جاءت من دبي، حين شاركت في واحدة من أكبر مسابقات الأزياء بالشرق الأوسط، وقدمت مجموعة مستوحاة من البيئة الفلسطينية ورواية جبران خليل جبران الحقيقة العارية. “لم أذهب لأشارك فقط، كنت واثقة أنني ذاهبة للفوز. لا أحد يتحمّل كل هذا العناء إلا إذا كان مؤمنًا بعمله.” تقول بكلمات كلها ثقة وإصرار.

ولم تتوقف الإنجازات عند ذلك. تصاميمها ظهرت لاحقًا على منصة “فوتوفوج” التابعة لمجلة “فوج” العالمية. بالنسبة لها، كان ذلك رسالة بأن المصمم الفلسطيني قادر على المنافسة عالميًا: “كنا نحتاج فقط إلى الفرصة. لطالما تميزنا بفنوننا وجمالياتنا.”

وجدت أماني في التصميم مساحة لإظهار شغفها ورؤيتها الخاصة للجمال، معتبرة أن كل ما خلقه الله جميل إذا ما نظرنا إليه من زاوية مختلفة.

لكن أماني لا ترى في تصميم الأزياء مجرد مهنة، بل رسالة. تقول: “رسالتي هي أن الاحتشام لا يتعارض مع الأناقة. الملكات والأميرات لا يرتدين إلا اللباس المحتشم، لأنه رمز الرقي والجمال الحقيقي.”

رحلة عطاري تعكس قناعة راسخة: أن الفشل كلمة لا مكان لها في قاموسها. رحلتها المليئة بالمنعطفات لم تُفقدها الثقة، بل زادت من صلابتها. تؤكد: كلمة الفشل سقطت من قاموسي. وكل من لديه حلم يجب أن يحاول تحقيقه، حتى لو لم ينجح، يكفيه شرف المحاولة.”

اليوم، أماني عطاري لم تعد مجرد مصممة أزياء فلسطينية، بل أيقونة تلهم جيلًا كاملًا. قصتها تقول إن الحلم يمكن أن يتأخر، لكنه لا يموت. بل ينضج ويزهر في اللحظة التي يؤمن فيها صاحبه أن الطريق وإن طال، فإنه يقود حتمًا إلى الوصول.

من أبو قش الصغيرة، إلى “فوج” العالمية، تحيك أماني عطاري حكاية فلسطين بلغة الخيط والإبرة، وتثبت أن الإبداع الفلسطيني قادر على أن يكتب حضوره أينما كان.