1

بين كيسنجر وويتكوف: من دبلوماسية الإعلام إلى الدبلوماسية السرّية

دلال صائب عريقات

سخر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من هنري كيسنجر قائلاً إنّه “كان يسرب المعلومات”، قبل أن يضيف أن ويتكوف “سريّ للغاية”، ترمب لم يكن يكتفي بإطلاق نكتة سياسية خلال خطابه في الكنيست الإسرائيلي قبيل توجهه إلى شرم الشيخ للإعلان عن خطته للسلام في الشرق الأوسط، بل عبّر عن تحوّلٍ عميق في عقل الدبلوماسية الأمريكية بين جيلين. جيلٌ كان يرى في الإعلام والاتصال المفتوح أداة لتليين المواقف وتهيئة الأرضية للاتفاق، وجيلٌ آخر يتعامل مع السرّية بوصفها ضمانة للسيطرة على النتيجة. هذا الفارق ليس مجرد أسلوب، بل فلسفة متكاملة في فهم السياسة والعلاقات الدولية: كيف تُبنى الثقة، وكيف يُدار الصراع، وكيف تُصنع التسويات.

كيسنجر وفي سبعينيات القرن الماضي، ابتكر ما سُمّي “دبلوماسية الذهاب والإياب”، إذ كان يتنقّل بطائرة بين العواصم بعد حرب أكتوبر، محاولًا تثبيت معادلة “السلام الممكن”. لكن ما جعله حالة فريدة في التاريخ الأمريكي لم يكن فقط كثافة تحرّكاته ورحلاته الجوية، بل طريقته في إدارة الرأي العام. كان يؤمن بأن الدبلوماسية لا تُمارَس في الغرف المغلقة فحسب، بل أيضًا في العقول والقلوب عبر الإعلام.

استخدم الصحفيين كأدوات اختبار، فكان يصطحب الصحافيين الكبار على متن طائرته ويُسرب إليهم ما يشاء من أفكار تمهيدية، فيقرأ من خلال ردود الفعل استعداد الأطراف لتنازلات أو قبول حلول وسط. كانت تسريباته المدروسة من خلال الصحافيين بمثابة “استطلاع دبلوماسي” قبل اتخاذ القرار. فهو يختبر المزاج العام محليًا ودوليًا، ليدرك ما يمكن تمريره وما يجب تأجيله. بهذه الطريقة، نجح في تحويل الإعلام من خصمٍ محتمل إلى حليفٍ ذكي، يخدم مشروعه السياسي تحت غطاء الشفافية وقدم في حقل الدبلوماسية نموذج لقيادة الدبلوماسي بتوجيه الاعلام وليس العكس. ورغم الجدل الأخلاقي الذي رافق سياساته، إلا أنّ كيسنجر قدم فهما للدبلوماسية: أنها فن إدارة التناقضات لا إخفائها. كان يعرف أن المصالحة لا تولد من الصمت، بل من حوارٍ متدرّج يوازن بين العلن والسر.

أما ويتكوف، أحد أبرز مهندسي الدبلوماسية في عهد ترمب، فينتمي إلى مدرسة مغايرة تمامًا، مدرسة تقوم على السرّية المطلقة بإطار براغماتي واقعي، حيث تُصاغ السياسات كصفقات على شكل عمليات استخبارية لا كمشروعات تفاوضية. في زمن ويتكوف، تحوّل مفهوم “الصفقة” إلى جوهر السياسة الخارجية الأمريكية. فبدل بناء سردية أو رؤية، كانت الغاية التوصل إلى نتائج سريعة تُعلن بعد إتمامها، دون تمهيد أو مشاركة للرأي العام. في تلك المقاربة، لا مكان لتسريبات كيسنجر ولا لتفاعلات الصحافة. المعلومة ليست أداة اختبار، بل ذخيرة يجب حمايتها حتى لحظة الإعلان.

ربما وجد ويتكوف في ذلك ضمانًا للإنجاز وحماية للمسار من الضغوط، لكن النتيجة كانت اتفاقات تفتقر إلى العمق والشرعية المجتمعية. ما يميز ويتكوف هو الكفاءة التقنية والقدرة على ضبط الملفات، لكنه يفتقد إلى الحسّ التاريخي الذي يجعل الدبلوماسية أكثر من مجرد تفاوض بين مصالح- يجعلها مشروعًا لبناء الثقة وإعادة تعريف العلاقات الإنسانية بين الشعوب والعلاقات الدولية بين الحدود على أسس العمل الدولي.

في المقارنة بين كيسنجر وويتكوف، يبدو الفرق بين من يبني الجسور ومن يشيّد الجدران.

الأول استثمر في الفهم، والثاني في السيطرة. كيسنجر زرع أسئلة ستظلّ حاضرة لعقود: كيف يمكن تحويل الصراع إلى حوار؟ كيف نصنع سلامًا واقعيًا دون أن نفقد المبادئ؟ أما ويتكوف، فقد مثّل عصرًا يتعامل مع السياسة بوصفها “صفقة تجارية” مقدما المصالح على أي قيم ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ العالم اليوم يعيش لحظة تحتاج إلى شيء من الواقعية التي جمعت بين الاثنين: حكمة كيسنجر في قراءة المزاج العالمي، ودقة ويتكوف في إدارة التعقيدات خلف الكواليس.

في منطقتنا، حيث تُختبر الدبلوماسية يوميًا بين الحرب واللاعدالة، تبقى العبرة في المزج بين الحذر والأمل.

فلا نملك ترف المثالية المطلقة، ولا يجوز أن نستسلم لواقعية باردة تنزع السياسة من بعدها الإنساني الحقوقي والقانوني.

ما نحتاجه هو دبلوماسية شجاعة وذكية تتفوق فيها القوة الناعمة، تُصغي إلى الشعوب بقدر ما تتفاوض باسمها، وتفهم أن الصفقات العابرة لا تصنع استقرارًا، وأن التسويات الدائمة لا تُبنى على الصمت بل على المصارحة المدروسة.

ليس من الممكن اكتمال التحليل دون النظر الى تغير النظام العالمي من ثنائي القطبية وقت كيسنجر إلى أُحادي القطبية في عهد ويتكوف واهمية ان الأيديولوجية النيوليبرالية السائدة اليوم تقدم الفرد والربح على أي اعتبار آخر، مثل القيم أو الحقوق أو التوازن ما بين القطبين في عهد كيسنجر.

في النهاية، التاريخ لا يتذكر من أخفى الأسرار، بل من سطر الرواية.. الدبلوماسية التي يحتاجها عالم اليوم هي تلك التي تجمع بين الفهم العميق للمصالح، والإيمان الصادق بالإنسان. وبين الذهاب والإياب، ومن كيسنجر لويتكوف هناك فرصة بأن نعيد صياغة السياسة بما يمنح الأمل دون أن نفقد الواقعية، وأن نؤمن أن طريق السلام يبدأ من الشجاعة والحكمة والعدالة.




ميدان الدولة وسط طوباس في عين العدوان

عبد الباسط خلف- تلملم المواطنة أمل دراغمة ذكرياتها مع ميدان الدولة، وسط طوباس، إثر عدوان جرافات الاحتلال عليه فجر أمس الأحد.

وتؤكد الشابة الأربعينية أنها شاركت قبل تقاعدها في احتفالات ووقفات وطنية، احتضنها الميدان، الذي أصبح أثرًا بعد عين، وصار كومة من ركام. وتصف ما حل بالمكان بـ”استهداف لكل شيء”، ومحاولة لتسميم حياة الناس، وتدمير مصادر رزقهم، وإعادتهم إلى “عصور ما قبل تعبيد الشوارع”.

ويشير مدير عام بلدية طوباس، حسام أبو عليان، إلى أن الميدان المدمر كان يمتد على 1200 متر، وارتبط بالتاسع والعشرين من تشرين الثاني 2012، عندما غيرت الجمعية العامة للأم المتحدة مكانة فلسطين إلى “دولة مراقبة غير عضو”، وهو القرار الذي دعمته 138 دولة، واعترضت عليه 9، وامتنعت 41 عن التصويت. ويبين أن الميدان شهد احتفالات بتغيير صفة فلسطين إلى دولة، وفعاليات وطنية ومسيرات، وتحول إلى أحد معالم المدينة. ووفق أبو عليان، فإن 6 أكشاك على ألقل، تعرضت للتدمير، وتكبد أصحابها خسائر باهظة.

ويؤكد رئيس البلدية، محمود دراغمة لـ”الحياة الجديدة” أن جيش الاحتلال اقتحم المدينة قرابة التاسعة مساء السبت، بأكثر من 100 آلية وجرافات D10، ودمروا ميدان الدولة بشكل كبير. كما أغلقوا بسواتر ترابية، الطريق الرابط معه نابلس، بجوار مفرق طمون. ويصف ما حدث بـ”عقوبات جماعية” تستهدف المواطنين وتطال مصادر رزقهم وتخرب طرقاتهم وبناهم التحتية.

ويفيد دراغمة بأن الأضرار التي تسبب بها العدوان، على مدى 10 ساعات، يحتاج إصلاحه رفقة مفترق طمون إلى قرابة 300 ألف شيقل.

ويذكر بأن طواقم البلدية ووزارتي الحكم المحلي والأشغال العامة والإسكان، سارعوا إلى حصر الأضرار، لرفعه إلى اللجنة الوزارية؛ تمهيدًا لإصلاحه.

وتشمل الخسائر الأرصفة والمتاجر الصغيرة والإسفلت والأشجار، عدا عن إزالة الركام.

وحسب دراغمة، لم يكتف الاحتلال بتدمير الميدان والشارع الرابط مع نابلس، لكنه فجر شقة في بناية سكنية مستأجرة للمواطن فواز أبو زايدة.

ويسترد الأكاديمي والناشط المجتمعي سائد مسلماني، الذكريات العديدة للميدان، فقد نظمت فعاليات إسناد اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين، وإحياء ذكرى النكبة والانطلاقة ويوم الأسير ومناسبات أخرى. ويقول إن المسيرات كانت تنطلق من دوار البلدية وصولًا إلى الميدان المدمر، الذي يستوعب أعدادًا هائلة من المواطنين، الذين سيتحسرون على المكان اليوم، فقد كان حافلًا بالقصص والمواقف.

ويخشى مسلماني من تفاقم معاناة المواطنين، عقب تدمير الميدان، وبخاصة مع اقتراب الشتاء وتحول الردم والركام إلى وحل ينتشر في أرجاء المدينة، وتعجز جهات الاختصاص الآن عن حل سريع له.

ويوثق المصور المختص بالحياة البرية، محمد ضبابات، ما حل بالميدان، ويشير إلى أنه كان يرصد مظاهر الحياة فيه، لكنه اليوم ينقل مشاهد الدمار التي حلت به تحت جنح الظلام، وبعمق 3 أمتار تقريبًا.

ويرى بأن مدينته خسرت أحد معالهما البارزة، الذي ارتبط اسمها بمناسبات وطنية عديدة أقيمت فيه خلال 13 عامًا، وبأنشطة اقتصادية وباعة وموقف للحافلات التي تقصد بلدات مجاورة.

ويوضح ضبابات بأن الميدان كان رئة لمدينته، التي تتعرض لتصعيد إسرائيلي، مثلما يصعد المستعمرون منذ عامين هجماتهم محمومة في أغوارها الشمالية والتجمعات البدوية التابعة لها.




ما بعد الرؤية الترمبية .. القضية الفلسطينية برعاية عربية إسلامية

د. دلال صائب عريقات

النقاش يعود حول طبيعة الطرح السياسي الجديد تجاه القضية الفلسطينية. هل نحن أمام تحوّل حقيقي من إدارة السلام إلى صناعته، أم أمام إعادة تدوير للأزمة بصيغة أكثر براغماتية، وأقل التزاماً بالقانون الدولي والحقوق التاريخية؟
إن قراءة رؤية ترمب لا يمكن أن تكون سطحية أو انفعالية، فهو لا يتحدث بلغة الشعارات، بل بلغة المصالح. هذه هي خطورة الطرح وجاذبيته في آن واحد؛ فهو يُقدّم نفسه كمهندس صفقة، لا كراعٍ لمسار سياسي، وهذا فيه انحراف وسياسة مد وجزر ما بين جهود المملكة السعودية وفرنسا بإطار التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين من جهة، وأحلام ترمب الإبراهيمية مع كبرى الدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية وتركيا وإيران وإندونيسيا وباكستان من جهة أُخرى.
ملامح الرؤية الترمبية تنحصر بصفقة مصالح بلا بوصلة عدالة: طرح ترمب لا يستخدم لغة السلام التقليدية، بل لغة الاستثمار في “حل”، يتعامل من منظور إنساني وأمني واقتصادي، لا سياسي ولا حقوقي. في خطابه لم يأتِ على ذكر الدولة الفلسطينية، ولا حق تقرير المصير، ولا حلّ الدولتين. غابت المرجعيات الدولية، وحضرت معادلة “الصفقة” وأموال الدول العربية بكل ما تحمله من مقايضات. مصطلح “الشعب الفلسطيني” تراجع لصالح “سكان غزة”، ما يشير إلى منهجية خطيرة: تجزئة الجغرافيا وتفتيت الهوية في تعريف المنطقة بعيداً عن منطق الدولة القومية والحدود. هذه ليست زلة لغوية، بل مقصودة. إن اختزال القضية في بُعَديها الإنساني والأمني يعني إخراجها من بعدها التحرري والسياسي. فترمب لا يقترح تسوية سياسية، بل صفقة عقارية: الإرهاب مقابل الاستثمار، من خلال احتواء الفواعل غير الرسمية، القضية الفلسطينية، في رؤيته، ليست قضية تحرر وطني، بل قابلة للإدارة من خلال تقاسم السلطة والأرباح.
فلسطينياً، علينا أن ندرك أن الزخم الدبلوماسي ليس بديلاً عن الحقوق، وبالرغم من كل المخاطر، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الحضور الدولي في شرم الشيخ، وعودة الملف الفلسطيني إلى طاولة القوى الكبرى، يشكلان لحظة سياسية نادرة. دخول الأمم المتحدة، ووساطة دول مثل قطر ومصر وتركيا، قد يفتحان نافذة لإعادة تشكيل مسار دولي للقضية إذا ما استغل الفلسطينيون فرصة الزخم الدبلوماسي لإعادة تدويل القضية على أساس الحقوق الراسخة، حيث إن جود أطراف متعددة يعني الاعتراف بأن القضية لم تعد قابلة للإقصاء أو التجاهل، خاصة ببُعديها العربي والإسلامي.
التوقيع من قبل الوسطاء لا الأطراف المتنازعة، كما حدث في شرم الشيخ، يمثل سابقة في عالم المفاوضات، تفتح الباب نحو نموذج دولي أشبه بضمانات جماعية إذا ما ارتبط بآليات تنفيذ ومحاسبة. لكن الحذر واجب: إن تحويل هذا الزخم إلى مجرد ترتيبات إنسانية دون جذور سياسية سيحوّله إلى فخّ، لا فرصة.
الفلسطينيون أمام مخاطر عميقة، تتكرر محاولات التغييب والإقصاء أو التهميش لفصل غزة، وتحويل القضية إلى ملف إنساني. الخطر الأكبر في رؤية ترمب يتمثل في محاولة فصل غزة عن مجمل القضية الفلسطينية بتحويل القطاع إلى كيان قائمٍ بذاته، يخضع لصفقات تهدئة وتنمية، بينما تُدفن قضايا القدس واللاجئين والأسرى والضفة، فتغييب القدس من إطار الحل، مع إعادة تثبيتها عاصمة لإسرائيل، يكرس واقع الضمّ والتعامل مع الفلسطينيين كمجموعة سكانية “أقلية”، لا كشعب صاحب حق في تقرير المصير واستبدال المرجعية القانونية الدولية بمنطق “التفاهمات الربحية” (Neoliberal pragmatism)، والانتقال من الشرعية الدولية إلى شرعية الصفقات، ومن العدالة إلى معادلة الربح والخسارة.
ماذا يفعل الفلسطينيون؟
إدراك أن الحل يبدأ من الداخل بحوار وطني وصياغة مبادرة فلسطينية، لا الاكتفاء برد الفعل: طرح خارطة طريق فلسطينية، مع أهمية البدء بإنهاء الاحتلال. بين البراغماتية الواقعية والعدالة… رؤية ترمب أعادت القضية إلى الطاولة، لكنها تحاول أن تغير شكل الطاولة بين منطق الصفقة ومنطق العدالة، هناك مساحة يمكن للفلسطيني أن يفرض فيها سرديته إذا امتلك الجرأة على الفعل لا الرد، وعلى المبادرة لا الانتظار، وهذا يحتاج للقيادة التي تتبنى الأدوات والعقول التي تومن أن القضية الفلسطينية هي قضية تحرر وطني وحقوق راسخة دون الاكتفاء بالرمزيات.
العودة إلى القانون الدولي كمرجعية غير قابلة للمساومة لإعادة تثبيت: حق تقرير المصير، الدولة، القدس، الأسرى، اللاجئين.
استخدام الزخم الدولي بدل مقاومته: التعامل الذكي مع الوسطاء الدوليين، لا بوصفهم بدائل عن الطرف الفلسطيني، بل كضامنين لمسار يخدم العدالة. الاستثمار في الدبلوماسية متعددة الأطراف، وتفعيل الأدوار: العربي والإسلامي والأوروبي والأممي، لبناء تحالف دولي يمنع تحويل القضية إلى ملف إنساني مؤجل.
ترمب يريد “صنع السلام”، ولكن إنكار الحقائق لا يلغي وجودها، فلا سلام دون اعترافٍ بشعب، ولا صفقة دون دولة، ولا مستقبل دون عدالة، ولا شرق أوسط مستقراً دون إنهاء الاحتلال، وغير ذلك سنعود للدوران في حلقات مفرغة من عملية مفاوضات ومؤتمرات إعادة اعمار وحشد أموال، قد تعيدنا إلى بداية التسعينيات والمشاريع وتحسين حياة الأفراد والانتعاش، ولكن كل هذه التنمية والازدهار والإعمار لا يمكن أن تُستدام دون الرجوع إلى جذر الصراع، وهنا لا خلاف بأن الاحتلال العسكري والمشروع الاستيطاني هما العائق الأول أمام أي سلام وازدهار مستدام.
المشهد الترمبي أعاد القضية الفلسطينية بعد سنواتٍ من حصرها في البُعد الحمساوي- الإسرائيلي إلى بُعدها الفلسطيني العربي الإسلامي- الإسرائيلي، بوجود كلٍّ من تركيا وقطر ومصر كوسطاء وضامنين للاتفاق. هناك أهداف “إبراهيمية” واضحة لترمب مع مجموعة الدول الإسلامية من السعودية إلى إيران وباكستان وإندونيسيا وتركيا، وهذه حقيقة يجب أن يبني عليها الفلسطينيون.

facebook sharing button
twitter sharing button
snapchat sharing button
whatsapp sharing button



الاعتراف بفلسطين اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي

شهد اليومان المنصرمان تطورًا لافتًا في الموقف الدولي، حيث أعلنت العديد من دول العالم اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، لتنضم بذلك إلى قائمة متزايدة من الدول التي اختارت أن تقف إلى جانب العدالة والشرعية الدولية. هذه الاعترافات، بما تحمله من ثقل سياسي وقانوني، لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد خطوات رمزية أو بيانات إنشائية، بل تمثل معيارًا لمصداقية النظام الدولي نفسه وقدرته على تطبيق مبادئه دون ازدواجية أو انتقائية.

لا يكفي أن يتباكى العالم على صور ضحايا حرب الإبادة في غزة أو مشاهد اعتداءات المستوطنين واقتحامات جيش الاحتلال غ في الضفة الغربية، ما لم يتحول الموقف الدولي إلى فعل سياسي وقانوني يغير الواقع. هنا تبرز أهمية اعتراف الدول الوازنة بدولة فلسطين، ليس باعتباره خطوة رمزية أو بيانًا إنشائيًا، بل معيارًا لمصداقية النظام الدولي نفسه وقدرته على تطبيق مبادئه دون ازدواجية أو انتقائية.

فالاعتراف بفلسطين يعني أن القضية لم تعد تُختزل في مفاوضات عبثية تحت رعاية أطراف غير نزيهة، بل باتت قضية تحرر وحق تقرير مصير محمية بالقانون الدولي. وكلما اتسع نطاق الاعتراف، ضاقت مساحة الذرائع الإسرائيلية التي تروّج أن الاحتلال مجرد “نزاع” قابل للتفاوض. ومن خلال هذا الاعتراف، تكتسب فلسطين قوة مضاعفة في المحافل الدولية، من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويُوضَع الاحتلال الإسرائيلي أمام مأزق قانوني وأخلاقي بوصفه قوة استعمارية تفرض نظام فصل عنصري يشبه إلى حد بعيد ما كان قائمًا في جنوب أفريقيا.

وقد نجحت الدبلوماسية الفلسطينية، رغم الظروف الصعبة والقيود المفروضة والحصار الظالم في حصد المزيد من الاعترافات الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد بادرت دول من أوروبا الغربية وأخرى من أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا إلى الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في المجتمع الدولي، وهو ما يعكس صمود السردية الفلسطينية أمام محاولات التهميش والطمس، ويؤكد أن القضية ما زالت حيّة في ضمير الشعوب. وكلما ارتفع عدد الدول المعترفة، ازدادت عزلة إسرائيل السياسية، وازداد الضغط على امريكا القوة الوحيدة التي ما زالت تقف سوية مع إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال في وجه العالم الذي يسعى لتطبيق حل الدولتين. وهنا تكمن أهمية الاعتراف من قبل دول وازنة، إذ لا يقتصر أثره على الجانب الرمزي، بل يترتب عليه تبعات سياسية واقتصادية وقانونية تفرض نفسها على النظام الدولي بأسره.

لكن الاعتراف لا يتوقف عند الجانب الرمزي أو السياسي كما يروج له البعض، بل يحمل معه مسؤوليات قانونية واضحة لا يمكن التنصل منها. فمحكمة العدل الدولية أكدت في فتواها الصادرة عام 2004 بشأن جدار الفصل العنصري أن على الدول التزامًا مزدوجًا يتمثل في عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال أو أي وضع ينشأ عنه، وعدم تقديم أي شكل من أشكال العون لاستمراره. هذا يعني أن صفقات السلاح، الاستثمارات في المستوطنات، أو حتى الحماية السياسية في مجلس الأمن، جميعها تُعد تواطؤًا صريحًا مع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. فالمسألة ليست مجرد تضامن سياسي أو موقف أخلاقي، بل التزام قانوني يقع على عاتق كل دولة تعلن اعترافها بدولة فلسطين، وهو التزام يستند إلى قواعد راسخة في القانون الدولي العرفي والاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف.

التاريخ يقدم شواهد واضحة على أن الاعتراف الدولي يمكن أن يكون سلاحًا فعّالًا في مواجهة أنظمة القمع. وتجربة جنوب أفريقيا في مواجهة نظام الفصل العنصري تظل المثال الأبرز. لقد ظل ذلك النظام لعقود يمارس التمييز العرقي والقمع الممنهج، لكنه لم يصمد أمام عزلة دولية متنامية ورفض قاطع من غالبية دول العالم للاعتراف بشرعيته، تزامن مع فرض عقوبات سياسية واقتصادية وثقافية أثبتت فعاليتها. لم يكن سقوط نظام الأبارتهايد مجرد نتيجة لصمود الشعب الجنوب أفريقي، بل ثمرة لتضافر الضغوط الداخلية والخارجية، ولإجماع دولي على أن الفصل العنصري جريمة لا يمكن القبول بها. وما حدث هناك ليس استثناءً، بل تطبيق مباشر لمبدأ راسخ في القانون الدولي: الأنظمة غير الشرعية لا تعيش طويلًا حين يواجهها العالم بإجماع أخلاقي وقانوني.

إن الموقف من فلسطين اليوم ليس أقل وضوحًا، بل ربما أكثر إلحاحًا. فالعالم يواجه نظامًا استعماريًا وعنصريًا تتكشف جرائمه يوميًا أمام شاشات التلفاز ووسائل الإعلام. ان الاستمرار في التهرب من الاعتراف بفلسطين والتقاعس عن محاسبة الاحتلال لا يمثل فقط خذلانًا لشعب تحت الاحتلال، بل يضع مصداقية النظام الدولي برمته على المحك. إن ازدواجية المعايير التي تمارسها بعض القوى الكبرى، حين تدّعي الدفاع عن القانون الدولي في أماكن معينة بينما تغض الطرف عن انتهاكاته في فلسطين، تفرغ هذا القانون من مضمونه وتحوله إلى أداة سياسية انتقائية.

إن الاعتراف بفلسطين في هذه اللحظة ليس مجرد تعبير عن تضامن، بل خطوة حقيقية لإعادة الاعتبار للقانون الدولي، ورسالة واضحة بأن العالم لن يقبل استمرار الاحتلال إلى ما لا نهاية. هو أيضًا رسالة أمل للشعب الفلسطيني بأن صموده لم يذهب سدى، وأن دبلوماسيته النشطة بدأت تحصد ثمارها في عزل الاحتلال وتعزيز مكانة فلسطين كدولة مستقلة في طور التحقق. وكما أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن الضغوط الدولية يمكن أن تسقط أعتى أنظمة القمع، فإن الاعتراف بفلسطين وتحمل المسؤوليات المترتبة عليه قد يكون المدخل لمرحلة جديدة تقترب فيها لحظة الحرية، وتضع نهاية لأحد أطول وأقسى أنظمة الاحتلال في التاريخ المعاصر.




الحرب الصامتة: كيف تعيد إسرائيل تشكيل الضفة بعيداً عن الأنظار؟

د. غسان الخطيب

منذ السابعِ من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، انشغل العالمُ بالحرب المدمّرة التي تشنّها إسرائيل على غزة. تفاصيلُ الإبادةِ هناك مروّعةٌ وتستدعي التَّدخل. غير أنّه، بعيداً عن الكاميرات والعناوين، أطلقت إسرائيلُ هجوماً موازياً -أقل ظهوراً لكنَّه لا يقلّ تأثيراً- في عموم الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. ففي ظلّ انشغال العالم بغزة، تسرّع إسرائيل أجندتها القديمة الخاصة بالضمّ الفعلي، وتُعيد بشكل منهجي صياغة حياة الفلسطينيين وجغرافيتهم من دون أي محاسبة دولية.

بينما تواصل إسرائيلُ قصفَ غزة، سمحت في الوقت نفسه بتصاعد عنف المستوطنين وعمليات الاستيلاء على الأراضي، وشدّدت القيود على الحركة، وضيّقت الخناق الاقتصادي على الضفة الغربية. هذه ليست إجراءات عشوائية أو ردود أفعال مؤقتة، بل تبدو بوصفها خطوات مدروسة تستغل انشغال المجتمع الدولي بغزة لتحقيق أهداف توسعية قديمة.

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، جاء إقرار مشروع بناء المستوطنات في المنطقة المعروفة بـ«E-1»، ليؤكد المسار بوضوح. هذا المشروع يملأ آخر المساحات المفتوحة في الضفة، ويقطع التواصل الجغرافي بين شمال الأراضي الفلسطينية وجنوبها، مانعاً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة الأطراف.

منذ اندلاع الحرب، صدّقت إسرائيل على أكبر عملية مصادرة أراضٍ في الضفة الغربية منذ اتفاق أوسلو. ووفقاً لمنظمة «السلام الآن»، هُجّر أكثر من 60 تجمعاً فلسطينياً بين 2022 و2025، ليستولي المستوطنون على ما يزيد على 14 في المائة من الضفة، أي أكثر من 780 كيلومتراً مربعاً. ويقيم هؤلاء بؤراً استيطانية بتمويل حكومي وغيره بملايين الدولارات، تتحوّل لاحقاً إلى قواعد لانطلاق هجمات واعتداءات تجعل حياة الفلسطينيين في المناطق الريفية شبه مستحيلة. الاعتداءات أصبحت أكثر جرأة: إحراق خيام، وسرقة ماشية، وطرد السكان في وضح النهار، غالباً بحماية الجيش الإسرائيلي أو بغضّ الطرف عنه.

وزراء في الحكومة الإسرائيلية لم يعودوا يخفون نياتهم. وزيرة الاستيطان، أوريت ستروك، وصفت هذه المرحلة بأنَّها «معجزة» للتوسع الاستيطاني، فيما أعلن وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، أنّ الهدف هو إزالة «خطر» الدولة الفلسطينية بفرض السيادة الإسرائيلية على كل «يهودا والسامرة»، أي الضفة الغربية. الخطاب لم يعد عن مفاوضات، بل عن سيطرة دائمة.

إلى جانب الاستيلاء على الأراضي، كثّفت إسرائيل القيود على حركة الفلسطينيين بشكل غير مسبوق. فقد بلغ عدد الحواجز العسكرية في الضفة الغربية 849 حاجزاً مع مطلع 2025، حسب الأمم المتحدة. هذه الحواجز لا تفتّت الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات معزولة فحسب، بل تمنع الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأماكن العمل. ووثّقت منظمة الصحة العالمية 791 اعتداءً على البنية الصحية الفلسطينية في الضفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

الغاية السياسية واضحة: «كانتنة» الضفة الغربية. فمن خلال فصل المدن والبلدات الفلسطينية، تمهّد إسرائيل لإنشاء خمسة «مجالس إقليمية» منفصلة للفلسطينيين، وهو ما ينسجم مع رؤية سموتريتش لكيان فلسطيني مجزّأ يخضع في النهاية لسيطرة إسرائيلية كاملة، فيما يتحرك المستوطنون بحرية تحت منظومة قانونية وإدارية خاصة بهم.

تتضمن الحملة الإسرائيلية بعد أكتوبر هجوماً اقتصادياً ثلاثي الأبعاد: منع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل، وحجز عائدات الضرائب الفلسطينية، وقطع أسواق الضفة عن الفلسطينيين داخل إسرائيل.

هذه الإجراءات دمّرت الاقتصاد الفلسطيني؛ فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 22 في المائة خلال العام الأول من الحرب، وخسر أكثر من 200 ألف فلسطيني وظائفهم في غزة والضفة. كما أن حجز عائدات الضرائب -التي تتجاوز 1.8 مليار دولار- شلّ قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب، مما أدى إلى إضعاف مؤسساتها من الداخل دون حلّها رسمياً، تجنباً لردود الفعل الدبلوماسية.

الأمر لم يتوقف هنا، بل استُهدفت المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني أيضاً؛ فقد دخلت تشريعات جديدة حيّز التنفيذ تتيح لإسرائيل «إلغاء تسجيل» أي منظمة تُعدّ «معادية»، وهو توصيف فضفاض يهدّد عمل أكثر من عشرين منظمة دولية تمثّل مصدراً رئيسياً لدعم المجتمع المدني الفلسطيني.

حتى الفلسطينيون داخل الخط الأخضر بإسرائيل الذين كانوا ينفقون سنوياً في أسواق الضفة الغربية ما يزيد على 800 مليون دولار، مُنعوا من التسوق. كما حظرت إسرائيل على أبنائهم الدراسة في الجامعات الفلسطينية بالضفة الغربية. الهدف يتجاوز الاقتصاد؛ فكما قال أحد رجال الأعمال الفلسطينيين البارزين: «الهدف الأوضح هو تدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية بطريقة غير مباشرة».

وفي وقت تفرض فيه إسرائيل واقع الدولة الواحدة القائم على السيطرة والتفوق، ما زال المجتمع الدولي يردّد شعارات «حل الدولتين». هذا الشهر، أعلنت بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ومالطا أنَّها ستنضم إلى 147 دولة أخرى للاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن إن بقي الاعتراف مجرد خطوة رمزية بلا محاسبة فعلية، فلن يكون أكثر من بيان سياسي.

في إسرائيل، أظهر استطلاع حديث أن 68 في المائة من الإسرائيليين يؤيدون ضم الضفة، فيما يعارض 71 في المائة قيام دولة فلسطينية. هذه ليست مواقف هامشية، بل سياسات باتت سائدة.

إذا استمر هذا المسار فإن سياسة إسرائيل القديمة القائمة على «خلق وقائع على الأرض» ستتحول إلى واقع دائم من الفصل العنصري. وكما أنّ الإبادة في غزة ستترك آثاراً إقليمية ودولية عميقة، فإنَّ الحرب الصامتة على الضفة -عبر أدوات بيروقراطية وهيكلية- ترسّخ وقائع لا رجعة فيها. يبدو أنّ إسرائيل تستغل مأساة غزة لتحقيق هدف تصفية القضية الفلسطينية، وكلما طال غياب المحاسبة الدولية تعاظمت فرص نجاح هذا المشروع.