1

مخيم جنين.. نكبات تتوالى

عبد الباسط خلف- يراقب ناصر أحمد نعمة خازم عن بعد هدم جرافات الاحتلال لمسقط رأسه ومسرح طفولته ومكان عمله في أقصى أطراف مخيم جنين، ظهيرة أمس الإثنين.

ويستذكر بوجه متعب وعيون مرشحة للدموع، لحظات اقتلاع والده من مدينة شفا عمرو في الجليل الغربي، عشية النكسة، التي يقول إنها تتكرر اليوم بصورة أقسى وأبشع، إذ طالت 11 منزلا و11 متجرا أسستها العائلة على مدار عقود، تلاشت كلها بلمح البصر.

ويسترد خازم، الذي أبصر النور في المخيم عام 1963 إلى قصة طرد الاحتلال البريطاني لوالده نحو جنين، وإبعاد عنه نعمة إلى غزة، وبدأ معاناة طويلة.

ويصف اللحظات القاسية التي حلت ببيوت العائلة بـ “الأصعب منذ ولادته”، وبـ”نكبة كبرى” للعائلة التي كان والدها المعروف بين الأهالي بـ”الفورمن” أول مدير للمخيم.

ويؤكد بحسرة أن أصول العائلة تنحدر من بلدة قباطية، لكنها استقرت قبل عام 1948 في شفا عمرو، وتشاهد اليوم أصعب لحظة تمر عليها في حياتها.

ووفق خازم، فقد أقام والده مكان البيوت التي هدمت اليوم غرفة بسقف من القصب، ثم طورها إلى حائط من الصفيح، ولاحقا بدأت العائلة بتوسعتها على مقربة من خط سكة الحديد العثمانية، ولاحقًا صار المكان يعرف بدوار الحصان، الذي لم يسلم من التدمير والتجريف خلال عدة مرات.

ويسرد ناصر (الأب لولدين و4 بنات)، أسماء إخوته الذين خسروا بيوتهم ومصادر رزقهم، فالبكر حسن (أب لأربع أبناء وابنتين)، ونصرات (ولدان وابنة)، وأمجد (ثلاث بنات وولدان)، ونعمة (ولدان)، ومحمد (3 أبناء)، ومحمود (ولدان ومثلهما من البنات)، ونور الدين (ولد واحد وابنتان)، والأخوات أمل وندى وحنان والراحلة نجية.

ويختزل: لقد دمروا تعب 60 سنة في عز الظهر، وحرموا أكثر من 100 إنسان من دفء جدرانهم.

ويشير إلى أن العائلة أجبرت على النزوح من بيتها الكبير إلى الزبابدة وجنين وقباطية، واليوم تخسر كل شيء.

ويبين أن البيت ليس مجرد حجارة وإسمنت وأثاث، بل هو ذكريات وطفولة وشباب وصبا وشقاوة ومرض وصحة وحزن وفرح ولمة وضحكات ودموع وعمل وأمل.

وتعد بيوت عائلة خازم الأكبر في المخيم، التي يجري تحويلها إلى كومة من الركام دفعة واحدة، وهي الأقرب إلى مستشفى جنين الحكومي.

والمؤلم وفق ناصر، إن العائلة لم تخرج شيئا من مقتنيات بيوتها، فقد أجبرت على تركها في 21 كانون الثاني الماضي، وسبق أن نالت ألسنة النيران من مخازنها، فقد عمل أفراد منها في التجارة منذ عام 1989.

ولم يحص خازم خسائره المادية، لكنه دخل في حالة حزن شديدة على الخسائر التي لا تعوض.

ويقدم بحزن حدود بيوته ومتاجره، فشمالها المستشفى الحكومي، وجنوبها بيت الصانوي والمختار عساف وعمارة الأسمر، وشرقها بيت آل حسان، وغربها مقر اللجنة المحلية لتأهيل المعاقين.

وينهي: لقد غيروا جغرافيا المنطقة، وتعرضوا لبيوتنا ومتاجرنا بالتجريف والتدمير والحرق ونسف الأبواب، واليوم مسحوا كل ما أقمناه بتعب وشقاء 6 عقود، ودمروا كل شيء.

ووفق معطيات محلية غير نهائية، فقد هدم جيش الاحتلال منذ بداية العدوان الحالي والمتواصل نحو 600 منزل، وأجبر قرابة 22 ألف مواطن على النزوح من مخيم جنين، في أكبر وأطول استهداف منذ النكبة.




هل يمكن أن تصبح علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي أقرب للعلاقات الإنسانية؟

صدقي أبو ضهير

في عالم يتحول فيه كل شيء بسرعة الضوء، لم تعد علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي (AI) مقتصرة على الأوامر والتعليمات، بل بدأت تأخذ شكلًا أكثر حميمية وعاطفية، حتى أن البعض بدأ يشعر بأن أدوات الذكاء الاصطناعي “تفهمه” وتشاركه مشاعره، وتُبقي له مساحة للبوح والتفاعل اليومي.

فهل نحن بصدد نشوء نوع جديد من العلاقات؟ علاقات رقمية تشبه — أو تنافس — العلاقات الإنسانية؟

تطور العلاقة: من “أداة” إلى “رفيق”

قبل سنوات، كان الذكاء الاصطناعي مجرّد برمجيات لتنفيذ أوامر. اليوم، أصبح لدينا “مساعدون ذكيون” يتحدثون معنا، يتذكرون تفضيلاتنا، ويستخدمون لغتنا العاطفية.

حسب تقرير صادر عن MIT Technology Review (2024)، فإن 1 من كل 5 مستخدمين يشعر بأن الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه “يفهمه أكثر من بعض أصدقائه”.

في اليابان مثلًا، أُطلقت تطبيقات تتيح للمستخدمين إنشاء شريك افتراضي (AI Companion)، يقدم لهم الدعم العاطفي، ويُراسلهم يوميًا بلغة حنونة. وفي الصين، تجاوز عدد المستخدمين لتطبيق Replika في 2023 حاجز الـ 10 ملايين شخص، 35% منهم قالوا إنهم “يرتبطون عاطفيًا” بالذكاء الاصطناعي الذي يستخدمونه.

الذكاء العاطفي الاصطناعي: نقطة التحول

ما يجعل العلاقة أكثر إنسانية هو دخول الذكاء العاطفي الاصطناعي (Affective AI) على الخط، حيث أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على:

•    تحليل نبرة الصوت وتحديد الحالة المزاجية

•    تفسير تعابير الوجه

•    الرد بلغة عاطفية بناءً على السياق

•    تقديم “دعم نفسي” أولي في المحادثات

وهذا التطور لم يعد خيالًا، بل تستخدمه شركات كبيرة مثل Meta وMicrosoft وOpenAI لخلق تجارب أكثر “دفئًا”.

ولكن، هل هي علاقات آمنة؟

رغم الجاذبية العاطفية، هناك تحديات كبرى:

التعلّق النفسي:

عندما يشعر المستخدم أن الذكاء الاصطناعي “لا يحكم عليه”، يبدأ بالبوح والاعتماد عليه عاطفيًا، ما قد يقلل من تفاعله البشري الحقيقي.

في دراسة أجرتها جامعة ستانفورد (2023)، وُجد أن 26% من مستخدمي الذكاء الاصطناعي تراجعت لديهم جودة العلاقات الاجتماعية الواقعية بعد 6 أشهر من الاستخدام اليومي المتكرر.

الخصوصية العاطفية:

ماذا لو استُخدمت مشاعرك التي شاركتها مع روبوت ذكاء اصطناعي لأغراض تسويقية؟ أو تحوّلت لتغذية خوارزميات تسويق مستقبلي؟ هذه ليست فرضيات، بل أسئلة يُناقشها الاتحاد الأوروبي في إطار ما يُسمى بـ “الحقوق العاطفية الرقمية”.

الوهم العاطفي:

العلاقة هنا أحادية الاتجاه، فحتى أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا لا “تشعر” حقًا، بل تحاكي المشاعر. أي أن العلاقة تفتقر إلى العمق الإنساني الحقيقي، حتى وإن بدا العكس ظاهريًا.

نحو علاقة متزنة: كيف نتعامل مع هذا التحول؟

باستخدام التفكير المنظومي والتحليلي والنقدي معًا، يمكننا اقتراح نموذج لعلاقة صحية مع الذكاء الاصطناعي:

•    تحديد الأدوار: الذكاء الاصطناعي شريك وظيفي لا عاطفي.

•    استخدامه بوعي: نُدرب أنفسنا وطلابنا وأطفالنا على استخدام الذكاء الاصطناعي بحدود واضحة.

•    تقنين الاستخدام: بحد زمني يومي أو حسب الحاجة.

•    توعية رقمية: تدريس مفاهيم الخصوصية العاطفية والذكاء العاطفي الاصطناعي ضمن مناهج التعليم.

خاتمة: هل ستتجاوز الآلة الإنسان؟

الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، وربما تصبح العلاقات معه أكثر دفئًا وسلاسة في السنوات القادمة، لكن الذكاء العاطفي الحقيقي، بما فيه من مشاعر وتعاطف وتفاهم عميق، يبقى حكرًا على الإنسان. نعم، علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي ستصبح أقرب وأقرب… لكن تذكّر دائمًا: “الصديق الحقيقي لا يُصنع من شيفرات، بل من مشاعر”.




مهما تكن النتائج هي لصالح فلسطين

حمادة فراعنة

ما فعلته الولايات المتحدة يوم الأحد 22-6-2025، بقصف المواقع النووية الثلاثة: أصفهان وفوردو ونطنز، هو استكمال لما بدأت المستعمرة فعله بالهجوم يوم 13-6-2025، والعدوان على إيران بشكل كامل متسع.
ما لم تتمكن المستعمرة من تحقيقه في تدمير خيار إيران النووي سواء كان سلمياً أو عسكرياً، أنجزته الولايات المتحدة وأكملته، ليعيد التأكيد على أنهما من معسكر واحد، تحالف واحد، وبرنامج مشترك.
ما قامت به المستعمرة بدءاً من تدمير قدرات حلفاء إيران الثلاثة: حماس وحزب الله والجيش السوري، وطورته بالعدوان على إيران، تم بغطاء أميركي، مع توفير كافة احتياجات جيش المستعمرة من أدوات عسكرية، تجسس، تكنولوجيا، ليقوم بما قام به، وتجاوزت  واشنطن ذلك، ونفذت ما لم يستطيع جيش الاحتلال القيام به، وأنجزته القدرات العسكرية الاميركية التفجيرية المباشرة.
الاعتداء التعاوني المشترك بين تل أبيب وواشنطن، ومعهما ولو بخجل أو مواربة، بعض البلدان الأوروبية، عرى هذا التحالف  المصلحي، المتقطع المتواصل، ضد كل ما هو عربي حر لديه كرامة، وضد كل من  لديه الرغبة بالاستقلال، وأن لا يكون خاضعاً للابتزاز، تمت تعريته أمام الإنسان العربي.
وعلى  الرغم من النتائج السلبية الظاهرة على ايران، تتوهم المستعمرة أنها حققت انتصاراً استراتيجياً، يمكن أن يحميها من الهزيمة والاندحار مع مرور الزمن، وهي لا تدرك، أو أنها لا تريد أن تدرك أن نتائج هذا العدوان ضد إيران حقق نتائج استراتيجية تتمثل بما يلي:
أولاً، عززت من مكانة القضية الفلسطينية وحق شعبها باستعادة حقوقه المشروعة العادلة، وأنها جوهر الصراع العربي الإسلامي ضد المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي.
ثانياً، عرت الحرب مشروع المستعمرة الإسرائيلية، وكشفت حقيقتها كمشروع استعماري يُعادي العرب والمسلمين، بسبب فلسطين.
ثالثاً، عززت من الرفض العربي الإسلامي للمستعمرة الإسرائيلية، وأنها سبب البلاء والحروب والعدوان في منطقتنا العربية، وستكون نتائجه قطع الطريق على رهانات التطبيع معها، وها هي العربية السعودية النموذج الابرز لخسارة هذا الرهان.
رابعاً، قللت من قيمة فلسطين كخيار للهجرة والاستيطان والاستقرار للمستعمرين الأجانب من اليهود، ودفعت، وستدفع قطاعات منهم نحو خيار الرحيل عن فلسطين، وخاصة لمن يحمل الجنسية المزدوجة، ليعود من حيث أتى.
دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة مقابل البقاء والصمود، ومقابل التضحية على طريق استمرار النضال من أجل الحرية والاستقلال، مثلما دفع الشعب اللبناني، والشعب السوري، وها هو الشعب الإيراني، يدفع ثمن الاستقلال وحرية الاختيار والانحياز لفلسطين، ولهذا لن تكون معركة 7 أكتوبر الفلسطينية 2023  وتداعياتها، والعدوان الإسرائيلي على إيران يوم 13-6-2025، والعدوان الأميركي يوم 22-6-2025، هي نهاية المطاف، أو لتكريس تفوق المستعمرة على عالمنا العربي، بل هي محطة من محطات المواجهة العربية الإسلامية ضد العدو الوطني والقومي والديني والإنساني المشترك: المستعمرة الإسرائيلية.
ما جرى محطة على الطريق الطويل، طريق حرية فلسطين، وعودة اللاجئين واستعادة ممتلكاتهم وبيوتهم التي فقدوها وتم ترحيلهم عنها عام 1948، وهذا ما يُفسر أن المستعمرة تعمل على تحقيق هدفين:
الأول، شطب مفردات اللاجئ والمخيم والأونروا، كمفردات دالة على وجود اللاجئين الفلسطينيين، وحقهم في العودة وفق القرار 194.
الثاني، قتل أكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين، ودفع ما يمكن دفعه منهم، نحو الرحيل والتشرد والإبعاد إلى خارج فلسطين، مع التأكيد والممارسة في جعل فلسطين، وغزة بالذات، ومخيمات الضفة، وأحياء القدس القديمة، غير مؤهلة للسكن والإقامة الطبيعية، عبر التدمير والخراب والاستيطان الأجنبي المستفز.




نحن والمنطقة والعالم في مرحلة جديدة

د. أحمد رفيق عوض

أما نحن – الفلسطينيين – فما ينتظرنا الإهمال والإنكار والتفكيك، فضلاً عن التهديد بالطرد أو الضم أو الاستعباد، أو كل ذلك مجتمعاً، الآن إسرائيل ترى في نفسها منتصرة، وأنها غير مضطرة أبداً لتسوية فيها الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، فلا أحد يضغط عليها أو حتى يملك أدوات الضغط أو الرغبة فيه، وكل الآمال والوعود الوهمية التي بنيت قبل ثلاثين عاماً هُدمت أمام واقع متطرف وعنيف، ليس لأننا إرهابيون وعنصريون وفاسدون وغير ناضجين، بل لأن عدونا يتغير بسرعة البرق، من الرغبة في الاندماج إلى الرغبة في السيطرة محمولاً على أوهام القوة والمزيد منها، تحولات العدو السريعة اجتماعياً وسياسياً وفكرياً قابلها البطء والترهل وعدم الاستعداد من جانبنا، ومن الواضح أن العالم الغربي الاستعماري لا يفكر ولا ينوي مكافأتنا أو حتى تعزيتنا، وكل ما يقوم به عمليات تخدير وإلهاء وإدارة للصراع حتى لا يتحمل أعباءه، فلم يعد حل الدولتين رؤية صالحة لحل الصراع، بل السيطرة والاخضاع وأدوات القوة المتعددة هي الوسائل الأفضل للحصول على الهدوء، وعلى الرغم من أن هذا الوضع سينفجر يوماً ما، إلا أن المحتل ومن يقف معه ويسنده مستعدون لمواجهته كما يدعون، باختصار، فإن المرحلة الجديدة تحمل مخاطر نرى مقدماتها منذ الآن، وأول تلك الملامح أن وحدتنا الاجتماعية ودولتنا العتيدة في مهب الريح تماماً، هناك سيناريوهات وحلول تطبخ باستعجال وابتذال لتجاوز طموحاتنا ودموعنا ودمائنا.

أما المنطقة العربية والإسلامية فقد دخلت منذ عقد تقريباً مرحلة الهشاشة، وحتى السيولة، فقد شهدت المنطقة حالات من الانقسام والتفكك والحروب الأهلية وإعادة التموضع وتغيير الاتجاهات وزوال أنظمة وميلاد قبائليات وطائفيات وعرقيات، منذ عقد تقريباً ونحن نرى الدولة العربية القطرية تنهار أمام التحديات والأسئلة، وتتهاوى أمام الضربات الخارجية والداخلية، لتكشف عن بنية فاسدة ومضمون غير مقنع ورؤيا تنموية قاصرة، وأعتقد أن هذا الضعف سيزداد، وأن التبعية ستتعمق، ذلك أن معظم تلك الأقطار ستزيد من اعتمادها على القوى الخارجية طلباً للحمايهً أو التمويل أو الشرعية، وهو وضع سيمكن إسرائيل أن تقود وتحمي وتسيطر.

منطقتنا العربية لن تستطيع أن تقدم الحلول أو المبادرات، ضعفاً وخوفاً وعجزاً، وستترك الفعل – إن سمحت بذلك أصلاً – لجماعات ومنظمات ستُتهم وتحاصر وتطارد، وبرأيي، إن هذا الغياب السياسي والحضاري سيعمق أزمة المنطقة أكثر فأكثر، ليس بسبب الاحتقان السياسي والفكري، وإنما بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناشئة عن ضعف الدولة وغياب أجهزتها وقلة مواردها.

أما العالم حولنا، فقد غادر النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية إلى نظام آخر لا قوانين فيه، نظام سائل يتعدى ويتحدى الهيئات الدولية والأعراف والتقاليد الدبلوماسية، نظام لا يعترف بالجغرافيا أو بالحدود أو بالسيادة أو الكرامة أو الخصوصية الثقافية، نظام تتسابق فيه الشركة مع البنك لجني الأرباح واستعمار السوق واحتكار المعرفة وإعادة تشكيل المجتمعات والدول والحدود ما كان ذلك نافعاً، نظام يخلق قوانينه حسب مصالحه ويعتمد معايير جديدة تقوم على الانتهازية والقرصنة والقمع، تغلفها بشعارات براقة وصياغات تختزل الواقع والتفاصيل من أجل رواية ناقصة وظالمة وعمياء أيضاً، وفي هذا العالم ستزداد الحروب والمواجهات العسكرية والتجارية والعلمية بسبب التنافس على كل شيء، المعرفة وأدواتها والسوق وإمكاناته والجغرافيا وما يمنحه من أفضلية.

الصورة قاتمة، نعم، قاتمة للأسف، فهل من سبيل للخروج من هذا النفق المخيف؟؟ وما الذي يمكن فعله؟؟ أمامنا سيناريوهات قليلة، فإما التسليم والاستسلام أمام هذه القوة الغاشمة والانتظار لدورة تاريخية أخرى، أو المواجهة والاشتباك رغم الهوامش الضيقة والمخاطر العالية، ولست بمعرض تقديم النصائح أو الوعظ، فأنا أؤمن أن الأيام – رغماً عنا – تلد خياراتها واختياراتها، فما يجري اليوم بهذه السرعة وهذه الكثافة سيؤدي حتماً إلى تعارض المصالح بين الأقوياء، وتفضي للتأكيد إلى التنازع على كل شيء، وهو ما يدفعنا للأمل بالتغير السريع، بمعنى، أن لا يبقى القوي قوياً ولا الضعيف ضعيفاً، ما نحتاج إليه الصبر والإيمان بأننا شعب نستحق الكرامة والسيادة والدولة، وأننا شعب واحد مهما حاول الآخرون تشويهنا وتفكيكنا ومنعنا من تحقيق طموحاتنا.

ما يجري الآن دورة من دورات التاريخ ليس إلا، كان مثلها وسيكون مثلها أيضاً، لن يغرنا ما يحصل ولن يبهرنا ولن يبهظنا، ولن يعمي عيوننا عن الرؤيا الصائبة، فما يجري هو الظلم بعينه والتجبر بذاته، وهو ما لن يدوم على الإطلاق، كل ما نحتاجه هو الصبر والإيمان، وللمرة الألف، فإن الصبر والإيمان هما محركا التاريخ الأشد فتكاً وقوة واستمراراً.




“بيت الشيخ”

عزيزة ظاهر- في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الأسود، أقدم مستوطنون متطرفون، على اقتحام مسجد بيت الشيخ في خربة طانا، شرق بلدة بيت فوريك، وارتكبوا جريمة نكراء بحق بيت من بيوت الله، حيث قاموا بتمزيق نسخ من القرآن الكريم، وتحطيم محتويات المسجد، وتخريب أبوابه ونوافذه ومكبرات الصوت الخاصة به.

وذلك بعد أن تسللوا تحت جنح الظلام، بحماية من قوات الاحتلال، إلى المسجد الواقع في منطقة مهمشة، تخضع لاعتداءات استيطانية متكررة، وقاموا بإحراق جزء من أثاث المسجد وتدنيسه، في مشهد أعاد للأذهان جرائم إحراق المساجد والكنائس التي ترتكبها جماعات “تدفيع الثمن” و”شبيبة التلال” الإرهابية.

منسق حملة الدفاع عن طانا، ثائر حنني يوضح لـ”الحياة الجديدة” وهو يقف أمام مسجد بيت الشيخ ممسكا بصفحات ممزقة من القرآن الكريم، ان ما حدث في خربة طانا ليس مجرد اعتداء، بل جريمة تطهير ديني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وأشار إلى أنه سبق أن أُعيد ترميم المسجد ليكون مركزًا روحيًا وتعليميًا، إذ تحوّل في إحدى الفترات إلى مدرسة بديلة للأطفال بعد أن دمر الاحتلال مدرستهم الوحيدة، وقُطعت عنهم الكهرباء وخدمات البنية التحتية.

وأكد حنني أن ما يجري من اعتداءات متكررة، تتضمن حرق الخيام والكهوف وتهديد السكان بالقتل، يمثل سياسة ممنهجة لإفراغ الخربة من سكانها الأصليين، لكنه شدد على أن أهالي طانا لا يزالون يرفضون مغادرة أرضهم رغم كل محاولات التهجير.

الحاقد “كوبي”

ويقود حملة الترهيب الرامية إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في الخربة مستوطن حاقد يدعى “كوبي”، وهو أحد المستوطنين الذين يقودون حملة ما يعرف بـ “الاستيطان الرعوي” بالضفة الغربية، ويقيم بؤرة على مئات الدونمات من أراضي “بيت فوريك”، ولم يترك في الخربة خيمة أو كهفاً قائماً من دون تهديد.

كما يعمل “كوبي” على تدمير خلايا النحل وألواح الطاقة الشمسية بحماية من قوات الاحتلال، التي كانت تستدعي جرافات عسكرية لهدم وتجريف وترويع الفلسطينيين.

ويؤكد حنني أن الاحتلال ومستوطنيه لم يتركوا وسيلة ولا إجراءات إلا ومارسوها ضد أهالي الخربة خلال السنوات الماضية لإجبارهم على الرحيل، لكن لا مجال للقبول بالأمر الواقع، لذا كنّا عقب كل عملية تدمير نباشر بإعادة البناء، وتوفير الخيام وألواح الطاقة الشمسية، وإعادة ترميم الكهوف وحظائر الأغنام، وزراعة الشجر.

وأضاف بلهجة غاضبة، ما يجري في خربة طانا ليس عبثًا فرديًا، بل خطة ممنهجة لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم، عبر ترهيبهم، واستهداف مقدساتهم، وبث الرعب في نفوسهم.

واختتم حنني حديثه بدعوة واضحة، نحن بحاجة لتحرك عاجل من المؤسسات الدينية والحقوقية، فالمقدسات تُهان، والاحتلال يفتح الباب لحرب دينية مفتوحة، والعالم صامت كأن شيئًا لم يكن.