1

غزة: اليوم التالي والممر التجاري.. فرصة اقتصادية أم فخ “إسرائيل الكبرى”؟

د. دلال صائب عريقات

برز مجدداً اسم جاريد كوشنير وطوني بلير، وتُطرح في الآونة الأخيرة مشاريع إقليمية ضخمة تربط بين آسيا وأوروبا بطرق تجارية جديدة، تهدف إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ومن أبرز هذه المشاريع فكرة ممر يبدأ من الهند، مرورًا بالخليج العربي، ثم برًا عبر الأردن وصولًا إلى غزة، حيث تتحول الأخيرة إلى عقدة لوجستية تنقل البضائع إلى أوروبا عبر المتوسط.

هذا الطرح يبدو في ظاهره مشروعًا اقتصاديًا واعدًا، لكنه في جوهره يحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية خطيرة، تتعلق بمكانة غزة ومستقبلها، وبالتوازنات الإقليمية، بل وبفكرة “إسرائيل الكبرى” التي تتجاوز حدود فلسطين. سنحاول تقديم تحليل من عدة زوايا: 

أولًا: غزة كمركز تجاري بديل لقناة السويس: تقوم الفكرة على جعل غزة حلقة وصل تجارية بين الشرق والغرب، بما يجعلها بديلًا استراتيجيًا لممر قناة السويس.

•   اقتصاديًا: يوفر المسار الجديد طريقًا بريًا قد يكون أسرع وأقل تكلفة من النقل البحري التقليدي عبر قناة السويس.

•   إقليميًا: يقلص من دور مصر الاستراتيجي كمحور للتجارة العالمية، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والخليج مكانة جديدة في النظام التجاري.

•   فلسطينيًا: يطرح تساؤلًا وجوديًا: هل يمكن أن تتحول غزة من منطقة محاصرة إلى مركز اقتصادي دولي؟ أم أنها ستبقى مجرد “ممر” خاضع لإشراف خارجي؟

ثانيًا: البعد الأمني – سيطرة أمريكية–إسرائيلية: لا يمكن فصل المشروع عن الإطار الأمني, احتلال غزة على أساس:

•   الرقابة والسيطرة: أي حركة للبضائع عبر غزة ستخضع لإشراف أمني أمريكي–إسرائيلي مشترك، بما يجعل الفلسطينيين مهمشين في إدارة شريان تجاري يمر عبر أرضهم.

•   الأمن قبل الاقتصاد: جوهر المشروع ليس التنمية الفلسطينية، بل ضمان أن تبقى غزة مرتبطة بهيكل أمني إسرائيلي قادر على التحكم في الحدود والموانئ.

•   الرسالة السياسية: المشروع يعكس قناعة بأن أي إدماج لغزة في الاقتصاد العالمي لا بد أن يكون مشروطًا بالأمن الإسرائيلي، ما يحول الاقتصاد إلى أداة للسيطرة لا للتحرر.

ثالثًا: الحلول الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية: الممر التجاري ليس سوى نسخة جديدة من مقاربات قديمة سعت إلى استبدال الحقوق السياسية الفلسطينية بمكاسب اقتصادية محدودة.




بعد موافقة حماس: تسوية قريبة أم مماطلة إسرائيلية ؟

نبهان خريشة

أعلنت حركة حماس موافقتها على ما نسبته ثمانية وتسعين في المئة من مقترح الوسطاء لوقف اطلاق النار في غزة، الذي هو في جوهره مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وطالبت بتعديلات طفيفة لا تتجاوز نسبتها اثنين في المئة. هذه التعديلات تمحورت حول ثلاث قضايا أساسية: آلية تسليم الأسرى الإسرائيليين بشكل متقطع، واستثناء منظمة المساعدات الأمريكية من العمل داخل القطاع، إلى جانب تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات، إضافة إلى التأكيد على فتح معبر رفح كمنفذ حيوي للغزيين. بهذا تكون حماس قد أبدت مرونة واضحة، وتراجعت عن مطالب كانت تعتبرها حتى الأمس القريب خطوطاً حمراء، وفي مقدمتها وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وهو تراجع يعكس حجم الضغط الهائل الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون جراء التقتيل والتجويع والتشريد المستمرة منذ شهور.

هذه الموافقة، على الرغم من كونها مشروطة ببعض التعديلات، تشكل تحولا في موقف حماس السياسي والعسكري. فالحركة التي رفعت منذ بداية الحرب شعار الصمود حتى تحقيق الانسحاب الكامل، تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها تحت وطأة الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع. مئات آلاف الناس بلا مأوى، عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وحصار خانق يمنع دخول الغذاء والدواء، كلها عوامل أجبرت حماس على تقديم تنازلات، ربما لم تكن لتقبلها لولا إدراكها أن استمرار القتال بالمعطيات الحالية لا يخدم سوى آلة الحرب الإسرائيلية، التي تبدو مستمرة في سحق المجتمع الغزي تحت ذرائع الأمن والردع.

ومع ذلك، فإن الموافقة على مقترح الوسطاء، حتى بصيغته المعدلة بنسبة ضئيلة، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل ستسارع إلى التوقيع عليه. فالتجربة التاريخية مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً حكومة اليمين الحالي بقيادة بنيامين نتنياهو، تثبت أن التعاطي مع أي مبادرة تهدئة لا يخضع فقط لحسابات عسكرية أو إنسانية، بل يرتبط بالدرجة الأولى بحسابات سياسية داخلية. نتنياهو الذي يواجه ضغوطاً متزايدة من عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، ومن المعارضة التي تتهمه بالفشل في إدارة الحرب، يجد في أي مبادرة فرصة مزدوجة: إما أن يستثمرها لتقديم نفسه بوصفه من أعاد الأسرى وأوقف النزيف، أو أن يستخدم تفاصيلها، حتى وإن كانت هامشية، ذريعة للتسويف وإطالة أمد القتال.

التعديلات الثلاثة التي طلبتها حماس قد تتحول إلى أوراق بيد نتنياهو لرفض الاتفاق. فآلية تسليم الأسرى بشكل متقطع، رغم أنها مطبقة في اتفاقات مشابهة سابقة، قد تُصوَّر في الداخل الإسرائيلي على أنها مناورة تتيح لحماس الاحتفاظ بورقة ضغط حتى اللحظة الأخيرة. أما استثناء منظمة المساعدات الأمريكية، فهو مطلب قد يثير حساسية خاصة لدى واشنطن التي ترى في وجود هذه المنظمة ضمانة للرقابة والتأثير، وبالتالي قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه مسعى لإقصاء طرف يعتبر حليفاً استراتيجياً. وأخيراً، فإن تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات وفتح معبر رفح يشيران إلى رغبة حماس في تقليص اليد الإسرائيلية على الشريان الإنساني للقطاع، وهو ما قد لا توافق عليه تل أبيب بسهولة لأنها اعتادت توظيف هذا الملف كورقة ضغط عسكرية وسياسية.

أمام هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المقترح المطروح على الطاولة. السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، أن توافق الحكومة الإسرائيلية على المقترح بعد مشاورات مع واشنطن والقاهرة والدوحة، مدفوعة بضغط داخلي من عائلات الأسرى وبإلحاح دولي لإنهاء الكارثة الإنسانية. في هذه الحالة، ستدخل المنطقة في هدنة تمتد ستين يوماً، قد تتحول إلى بوابة لمسار تفاوضي أوسع يضع أسساً جديدة لإدارة الصراع.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن تقرر إسرائيل القبول المشروط، أي الموافقة على المقترح مع رفض بعض تعديلات حماس الثلاثة. عندها ستدخل المفاوضات في جولات إضافية من الشد والجذب، وقد يطول أمد النقاشات بما يتيح لإسرائيل الاستمرار في عملياتها العسكرية على الأرض بحجة أن الاتفاق لم ينضج بعد. هذا السيناريو يخدم نتنياهو إذا كان هدفه كسب الوقت، إما لترتيب أوراقه السياسية الداخلية أو لتحقيق مكاسب عسكرية إضافية في القطاع قبل أي تسوية.السيناريو الثالث، وهو الأكثر قتامة، أن ترفض إسرائيل المقترح برمته بحجة أن مطالب حماس غير مقبولة، أو أن الأخيرة ليست جادة في تسليم الأسرى بشكل كامل وفوري. في هذه الحالة، ستجد حماس نفسها وقد فقدت ورقة مهمة، فهي أبدت مرونة كبرى بالتنازل عن وقف الحرب والانسحاب، لكن إسرائيل لم تلتقط المبادرة. النتيجة المرجحة عندئذ هي استمرار الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية، مع تحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية فشل المساعي.

بين هذه السيناريوهات، يبدو أن العامل الدولي سيكون حاسماً. الولايات المتحدة، رغم دعمها المطلق لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، تدرك أن استمرار المشهد الدموي في غزة يضر بصورتها في المنطقة ويحرج حلفاءها العرب. مصر وقطر اللتان لعبتا دور الوسيط تخشيان بدورهما أن يؤدي الفشل إلى انفجار إقليمي أكبر، سواء على صعيد التوترات الحدودية أو على مستوى الرأي العام العربي والإسلامي. لذلك فإن الضغط على إسرائيل للقبول، ولو بحده الأدنى، قد يتزايد خلال الأيام المقبلة، خاصة أن موافقة حماس شبه الكاملة تحرم نتنياهو من ذريعة الرفض المطلق.

في المحصلة، يمكن القول إن حماس خطت خطوة غير مسبوقة بقبولها مقترح الوسطاء بنسبة 98%، وهو ما يضع الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي. فإما أن تستثمر الحكومة الإسرائيلية هذه اللحظة وتذهب نحو التوقيع بما يفتح الباب أمام هدنة إنسانية طال انتظارها، أو أن تختار مسار التسويف والرفض، لتبقى الدماء والمعاناة هي اللغة الوحيدة السائدة في غزة. والرهان في النهاية ليس فقط على عقلانية الساسة في تل أبيب، بل على مدى قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط حقيقي يجبر الطرف الأقوى عسكرياً على التنازل أمام معادلة إنسانية لا تحتمل المزيد من المساومات.




الضمّ: إسرائيل تكرّس مشروعها الكولونيالي وتفرض دولة فصل عنصري

د. دلال صائب عريقات

في خطوة لم تعد صادمة بقدر ما هي كاشفة، صوّت الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يقضي بضمّ الضفة الغربية، في انتهاك فاضح لكل المواثيق الدولية، وكل ما تبقى من وعود ما سُمّيت بـ”عملية السلام”. هذه الخطوة، وإن كانت جديدة في الشكل، إلا أنها استمرار مباشر لمشروع استيطاني كولونيالي لم يتوقف منذ النكبة، يستهدف بشكل ممنهج حرمان الشعب الفلسطيني من أي شكل من أشكال السيادة الحقيقية.
إنّ هذا التصويت ليس مجرد إجراء تشريعي، بل هو تتويج لمنظومة استعمارية إحلالية تسعى إلى تكريس واقع الدولة الواحدة، ولكن ليس الدولة الديمقراطية التي تساوي بين المواطنين، بل دولة يهودية عنصرية تُبنى على مبدأ تفوّق قومي وديني، وتُقصي ملايين الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والمدنية والإنسانية، لا وبل تقصي كل من هو غير يهودي حسب ما جاء في قانون القومية اليهودي لعام ٢٠١٨ والذي منح حقوق المواطنة الكاملة فقط لليهود من المواطنين ما يوكد عنصرية هوية دولة الاحتلال.
في ظل حرب الإبادة الجارية في غزة، وفي وقت تتعرض فيه مناطق الضفة الغربية لحملات اقتحام واعتقال ومصادرة أراضٍ، تصرّ إسرائيل على أن تمضي في مشروعها دون تردد أو خجل، ضاربة بعرض الحائط ليس فقط حقوق الفلسطينيين، بل أيضاً كل تصريحات ومواقف المجتمع الدولي، بما فيها تلك التي صدرت عن الدول الموقّعة على اتفاقيات “إبراهيم”.
لقد تغنّت بعض الأنظمة العربية بوقف “ضم الضفة” كإنجاز دبلوماسي مهد لاتفاقات التطبيع، لكن ها هي إسرائيل، بعد سنوات قليلة فقط، تمضي علناً في ما كانت تفعله على الأرض منذ عقود: ضمّ زاحف، استيطان متسارع، وتشريعات تكرّس واقع الأبارتهايد. وهنا، لا بد من مواجهة حقيقة أن ما نشهده اليوم هو تفكك كامل لأوهام “حل الدولتين”، وظهور صورة صارخة لدولة واحدة بحكم الأمر الواقع، لكن وفق تعريفات نظام استعمار استيطاني يفصل السكان على أساس الهوية، ويمنح الحقوق الكاملة فقط لليهود، بينما يُبقي الفلسطينيين تحت منظومة حكم عسكري، إداري، وقانوني تمييزي.
الضمّ ليس قانوناً فحسب، بل هو رؤية أيديولوجية، وسلوك ميداني، واستراتيجية صريحة لإغلاق الباب أمام أي أفق لتقرير المصير الفلسطيني. هو إعلان أن هذه الأرض لليهود فقط، وأن الفلسطينيين، بأفضل الأحوال، مجرد مقيمين تحت السيطرة الإسرائيلية دون أي حقوق سياسية حقيقية.
أمام هذا الواقع، فإن استمرار بعض الأنظمة في التمسك بوهم “السلام مقابل وقف الضم” بعد أن تم الضم فعلاً، يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية جوهرية. إن ما يجري يتطلب من العالم الاعتراف بحقيقة المشروع الإسرائيلي كما هو: نظام فصل عنصري وكولونيالية القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من دعم حلول شكلية تُبقي على النظام القائم، لا بد من دعم نضال الفلسطينيين من أجل الحرية، العدالة، والمساواة.
ففي النهاية، لا سلام حقيقياً يمكن أن يُبنى على نظام هيمنة، ولا استقرار يمكن أن يولد من رحم الاستعمار الذي يطبق سياسة “فرق تسد” التي تجسد الانقسام الفلسطيني واستمرار فصل غزة عن الضفة للقضاء على أي حق أو أمل في تقرير المصير للشعب الفلسطيني.




غداً تنتهي الحرب… ولكن!

أمين الحاج
 
غدا يتوقف هدير الطائرات التي ظلت تغزو السماء وتسرق النوم من عيون الأطفال والأمهات، واحد وعشرون شهراً من حرب اجتاحت بيوت غزة وأحلامها، حتى يخرج الرجال دون ان يعلموا إن كانت لهم بيوت سيعودون إليها مع المساء. حين يُعلن ان الحرب انتهت، سيهلل الناس بالفرح، لكنهم سيخرجون بخطوات مثقلة بالريبة والألم، يتلفتون حولهم، وكأنهم يبحثون عن الدليل الأخير على أنهم ما زالوا أحياء، ستسير أم محمد وسط الردم، تتعثر بثياب ممزقة وركام يعلو كل شيء، وتردد بعيون غارقة في الدمع: عشرون شهراً، ولا أعرف إن كان ابني حياً أم “ميتاً”، وكلما سألت قالوا انتظري، لم نحص الأسماء بعد.
 في الازقة الضيقة، ستجلس سيدة اخرى في ظل جدار نصف قائم، تحتضن ما بقي لها، ابنتها الصغيرة، وتهمس: ظننا النزوح أياماً… مرت شهور كثيرة، ولم نعد نملك بيتا ولا بابا، وتمسح دموع ابنتها وتحاول ان تبتسم، لكنها تعرف ان الوجع لا يزول بابتسامة، ولا يختفي بانتهاء الحرب.
غدا تنتهي الحرب، فتنهمر الدموع بدل الرصاص، وتدور الامهات بين المشافي يبحثن عن زوج او ابن، ويخرج الرجال بحثا عن أب او أخ، ويضربون بأيديهم في الركام، قبل ان تبتلع الجرافات كل شيء، هناك ستتكشف فصول الجريمة كلها، جثامين مجهولة، ورفات بلا أسماء، وأسماء بلا أثر في الأرض، ووسط هذا الدمار تسكن حكايات لا يرويها احد، طفل في ركن مدرسة عاش فيها دهرا، يضم لعبته الى صدره ويتمتم: اشتاق سريري… أمي تقول سنرجع قريبا، لكني لا أصدق أحدا، اريد ان أنام ليلة واحدة دون خوف.
في المستشفيات التي صارت شواهد على عجز العالم وتواطؤه، الطبيب بين الأسرة المزدحمة بالجراح والأنين، يقول بصوته المتعب: كل صباح افتح عيني وانا خائف، صار الموت عاديا، لكن رؤية الاطفال يموتون دون ان نقدر على اسعافهم كسر قلوبنا الى الابد، وآخر يقول : كنا نخرج تحت القصف نبحث عن الجرحى، وفي كل مرة كنت أرى اطفالا يرتجفون ولا يجدون من يمسك أيديهم، وأسوأ لحظة حين يسألني طفل إن كنت قد رأيت أمه، ولا املك له جوابا.
هذه الحرب لم تترك قلباً الا واحرقته، اوقفت عجلة الحياة، لا مصانع ولا متاجر ولا حتى أسواق، صار الخبز امنية بعيدة المنال، والماء ترفا لا يناله الا القليل، في كل زاوية ستلتقي وجوه شاحبة تبحث عن اثر حياة، ذكرى تنقذ الروح، وام تجلس على كرسي صدئ، تهمس لنفسها بأسماء أولاد رحلوا واحدا تلو الآخر، او طفل يسال عن قلب يضمه اذا حلّ الظلام.
وغداً أيضا، سيعود المقاتلون بعد اطول حرب عرفتها فلسطين. وجوه شاحبة، وعيون متعبة، وأكتاف مثقلة بحمل البنادق وذكرى من رحلوا، لن يخرجوا ملوحين بشارة نصر فقط، بل بخطوات يعلوها اعتراف صامت بان كل حرب تسرق شيئا من ارواح من خاضوها، سيعودون الى امهات انتظرن بقلوب معلقة بين الخوف والفخر، الى ابناء شبوا وهم لا يعرفون سوى صورة بطل غائب تزين شاشة المحمول، الى بيوت لم يبق منها الا الرماد، وحوارٍ لا تشبه طفولتهم ولا رائحة بيوتهم، لكن في عيونهم شرارة يقين بان غزة اوسع من كل حصار، واقوى من كل موت.
غدا تنتهي الحرب، لكنها ستترك قلوباً معلقة بين اليقين واليأس، قد لا يكون الغد يوم انتصار، ولا هزيمة، بل يوم اعتراف مرّ بأن هذه الأرض دفعت ثمناً تجاوز كل قدرة على الاحتمال.
في صباح يوم الصمت الاول، سيبكون كثيرا، وتتشابك ايديهم في رسالة للعالم، باننا هنا، لسنا ارقاما، بل ارواح نزفت حتى جفت، لكن رغم كل شيء نحب الحياة ما استطعنا اليها سبيلا.
غدا تنتهي الحرب… لكن وجع غزة لن ينتهي، قلبها شاهد على الالم، ووجهها يحكي قصة شعب تكسّر الف مرة، ولم ينكسر.




مخاطر متوقعة

الحلقة الأولى … حمادة فراعنة

في كل حروب التاريخ تكون النتائج السياسية انعكاساً للمعطيات الميدانية للحرب، أو للاشتباكات، أو للصدام بين الطرفين المتحاربين، وتكون النتائج لها ثلاثة احتمالات هي: 1- انتصار طرف، الصديق مثلاً، 2- هزيمة الطرف الآخر، العدو مثلاً، 3- التوازن في النتائج، حيث لا انتصار لطرف على الآخر.
في نتائج الاحتمال الأول والثاني، تكون لصالح الطرف المنتصر على الطرف المهزوم، حيث يتمكن المنتصر من فرض شروطه على الطرف المهزوم الذي سيذعن لشروط الطرف الآخر.
في حرب التطرف والقتل والتجويع والحصار من قبل المستعمرة، ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لم تكن حصيلة النتائج إلى الآن، لصالح انتصار المستعمرة، أو هزيمة لطرف المقاومة الفلسطينية، بل إن النتيجة هي:
1- إخفاق وفشل لقوات المستعمرة الإسرائيلية، لأنها لم تتمكن من تحقيق النتائج التي رسمتها ووصفتها وعملت على تحصيلها وهي: أ- إنهاء وتصفية المقاومة الفلسطينية، ب- إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، ولذلك أخفقت المستعمرة من تحقيق ما عملت من أجله، ولكنها لم تُهزم إلى الآن.
2- والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، صمدت، ولم تُهزم، ولكنها لم تنتصر بعد، حيث لم تتمكن من فرض الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ولذلك جرت المفاوضات بين “الأعداء” بين المقاومة الفلسطينية، وبين المستعمرة الإسرائيلية وانتهت لوقف إطلاق النار يوم 18-1-2025، وتواصلت الحرب المجنونة الإسرائيلية المتطرفة على قطاع غزة يوم 18-3-2025، ولكنها لم تحقق “الحسم” لا بالنسبة لحكومة نتنياهو وفريقه وجيشه وأجهزته، ولا بالنسبة للمقاومة الفلسطينية، فالمعركة ما زالت سجالاً، قتل إسرائيلي للمدنيين الفلسطينيين بعشرات الآلاف، وتدمير قطاع غزة، وجعله لا يصلح للعيش الكريم، والمقاومة الفلسطينية ما زالت تملك الورقة الرابحة وهي “الأسرى الإسرائيليين الأحياء منهم والأموات”، ولا زالت صامدة، وتمكنت رغم اغتيال العديد من قياداتها العسكرية والأمنية والسياسية، من توجيه ضربات موجعة لقوات الاحتلال.
التدخل الأميركي من قبل إدارة ترامب المتطرفة اليمينية الأكثر انحيازاً ودعماً للمستعمرة، إلى الحد تكاد تكون شريكة في عملية المواجهة المباشرة، عبر دعم المستعمرة بكل ما تحتاج، والمشاركة الأميركية المباشرة في المس والأذى وقصف إيران للمواقع التي لم تتمكن المستعمرة من النيل منها.
الإدارة الأميركية، تعمل على حماية نتنياهو من السقوط، والهزيمة، ولذلك تدخل ترامب بشكل مباشر، عبر طرح معادلة لصالح نتنياهو تقوم على: 1- وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، 2-  مقابل عدم تشكيل لجنة تحقيق وفق قرار المحكمة التي أمهلته حتى نهاية شهر آيار مايو 2025، بتشكيل لجنة تحقيق أسوة بما فعلت الأجهزة العسكرية والأمنية الأربعة: 1- الجيش، 2- الشاباك، 3- الموساد، 4- أمان، وحصيلتها تحميل قياداتها الفشل والإخفاق في مبادرة 7 أكتوبر الكفاحية 2023، وأدت إلى تغيير قياداتها من تغيير: 1- وزير الدفاع السابق يوآف جالانت بالوزير إسرائيل كاتس، 2- رئيس الأركان هيرتس هيلفي بـ إيال زامير، 3- رئيس الموساد يوسي كوهين بـ دافيد برنياع، 4- تغيير رئيس أمان شلومي بيندر بـ أهارون هليفي، 5- وقرار تغيير رونين بار بـ ديفيد زيني، الذي ما زال معلقاً.
نتنياهو لا زال رافضاً لتشكيل لجنة تحقيق وفق قرار المحكمة، خشية محاكمته وإدانته بالتقصير وفق ما حصل مع القيادات العسكرية والأمنية السابقة.
تدخل ترامب سيكون له نتائج وتبعات سياسية خطرة على الفلسطينيين، وعلى مجمل الوضع في منطقتنا، الشرق العربي، عبر تخليص نتنياهو من عملية الاخفاق والفشل، إلى تسويقه على أنه حقق الانتصار، فهل حصل ذلك حقاً؟ وهل يمكن التسليم على أن نتنياهو والمستعمرة حققت الانتصار؟ والإذعان للنتائج التي يرغب كل من ترامب ونتنياهو فرضها على العرب وعلى إيران؟