1

“الحاووز”.. شريان برقين الغائب

عبد الباسط خلف- يعود المهندس توفيق جرار، الجار الأقرب لعين ماء برقين التي ذاع صيتها في القرن الماضي باسم (الحاووز)، وصارت وجهة لأهالي البلدة والمنطقة، قبل أن تجف عام 1980.

ويسترد لـ”لحياة الجديدة” مشهد النبع الذي كان أهالي بلدة برقين، غرب جنين، والقرى المجاورة يطرقون بابه طلبًا للماء البارد المتفجر من بطن الجبل، وخاصة في أيام الصيف التي تصادفت مع شهر رمضان المبارك.

ووفق جرار، الذي كان والده المرحوم محمود يروي بساتين البرتقال من النبع، فإن أهالي البلدة وكفر دان وتجمعات قريبة أخرى، حرصوا على تعبئة الماء من النبع، خلال فترات الحر، وفي مواسم الصوم.

ويشير إلى أنه خلال الاحتلال البريطاني، وفي فترة الثلاثينيات، تفشت عدوى بين الحيوانات والماشية، فحضرت فرق البيطرة، وأسست مركز تعقيم قرب (الحاووز)، واستحدثت أحواضًا وضعت فيها الدواء، واستفادت من النبع لغمر الحيوانات بالماء والدواء لتطبيبها.

ويفتح النبع الغائب الحنين للمغترب بسام السعدي، المقيم في السعودية، فقد كان مواظبًا في صباه على نقل الماء في رمضان لعائلته، ويستعين بدابة لوضع عبوتين معدنيتين كان متعارف عليها بـ(جلن دبابة).

ويفيد لـ “الحياة الجديدة” بأن رمضان عام 1975 كان في أيلول، وكان يذهب للعين عصرًا، ويشاهد أفواجًا من الأهالي.

ويقول السعدي: إن النبع كان داخل غرفة إسمنت مجاورة للشارع الرئيس، ويسبق بستان برتقال في منطقة وادي الخوري، وفي داخله 3 حنفيات (صنابير)، ورابعة في الخارج، وقناة مخصصة للماشية، عدا عن قناة إسمنيتة تنقل الماء إلى مرج ابن عامر؛ لري البساتين.

ويستذكر محاولات الأهالي إزالة حجر كبير كان عالقًا في قلب النبعة، لكنهم فشلوا في مهمتهم.

وينقل مشاهد النساء اللواتي كن في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي يملأن جرارًا من الفخار، ويحملنها فوق رؤوسهن، ويصعدن بها من منطقة وعرة تسمى الدرج.

ويصف السعدي المكان، إذ كانت نبعة وادي برقين تبدأ من دار السوقية، وتمتد مسافة لما عرف بالحاووز، الذي لعب عنده الأطفال بالمياه ثم إلى واد برقين عبر السهول الضيقة أحيانا، وعلى جنباتها الأشجار مثل العنبر برائحته المنعشة، التي تعطر المكان وتروى منها بيارات البرتقال والليمون التي تضفي رائحة عطرية على المكان، بجوار أشجار التين المتنوعة، والتوتة الشاهقة، ثم تنحدر القناة للجهة اليسرى من الشارع إلى بساتين أخرى.

ويبين أن مياه النبع العذبة كانت بمثابة الرئة للشرب، وتنتعش في رمضان، عدا عن ري الأغنام والحمضيات والأشجار منها.

ويقول جار العين، علي حبايب، إنه ترك البلدة عام 1970 للتعليم والعمل، لكنه كان يشاهد أهالي البلدة بعد العصر يتقاطرون إلى العين، لتعبئة الماء ونقله من طريق جانبي ضيق إلى داخل البلدة.

ويشتعل الحنين في داخل الأربعيني محمد صبح، كلما هبت نسائم الذكريات، فيوجعه رؤية بعض الأمكنة شاحبة وهي التي كانت في طفولته تنبض بالحياة.

ويتابع: كانت الدروب جميلة نضرة رغم وعورتها وقسوة تضاريسها وتعرج مسالكها، وعلى رصيفها المتعرج كانت قناة الماء المنطلقة من (الحاووز) تسقي من فتحاتها بيارات الليمون والبرتقال في ذاك الوادي المطل على مرج بن عامر، حيث قبلة الأهالي ومساحات أحلامهم الوردية.

ووفق صبح، فقد كان ممن عبروا ذاك المسار الرائع الراسخة صورته العتيقة في مخيلته، إذ كان المشهد أكبر من أن يختزل، فقد كان جميلاً بتفاصيله وألوانه، أما اليوم فقد انقلبت الصورة رأسًا على عقب، فجف الماء، ورحلت الذكريات الرمضانية، وتهالكت القناة، وتناثرت حجارتها ولم يبق منها سوى بضع أمتار شاهدة على زمن جميل مضى، وعلى آلة تحضر غيرت وجه المكان.

وتستذكر الستينية أم أحمد، روايات والدتها لها عن (الحاووز) إذ كانت تسير والدتها مع رفيقات الصبا، فيذهب عدة مرات لحمل الماء على رؤوسهن.

وتقول: كانت والدتي تضع على رأسها الجرة من الفخار، وتسير بها بتوازن لمسافة طويلة، دون أن تقع، وفي مشهد يتكرر كثيرًا، خاصة مع عدم وجود شبكة مياه.

وبحسب أم أحمد، فقد شاعت قبل ربط البلدة بالتيار الكهربائي، عادة بيع قوالب الثلج، في منطقة المراح، وكان الأطفال والفتية يذهبون لشراء كميات من الثلج لتبريد الماء في رمضان، خلال أيام الصيف، وعقب جفاف الحاووز.




مؤتمر ميونخ: من الأمن للسياسة الدولية

د. دلال صائب عريقات

يشكّل مؤتمر ميونخ للأمن أحد أبرز المنصّات العالمية لمناقشة قضايا الأمن والسياسة الدولية. لا يقتصر دوره على كونه ملتقى للنخب السياسية والعسكرية، بالتوازي مع الغرف الاستخبارية والأمنية هناك مساحة تفاعلية تُختبر فيها السرديات، وتُعاد فيها صياغة التحالفات، وتُطرح خلالها الأسئلة لمتعلقة بمستقبل النظام الدولي. وفي عالم يشهد تحوّلات متسارعة، باتت قيمة هذا المؤتمر تكمن في قدرته على جمع أطراف متباينة في فضاء واحد يسمح بالحوار، ولو كان صعبًا، حول قضايا تتجاوز الحدود الوطنية.
تأتي أهمية مؤتمر ميونخ اليوم من كونه مرآة للتغيّرات الجارية في بنية النظام الدولي. فالنقاشات لم تعد محصورة في مفاهيم الأمن التقليدي المرتبط بالقوة العسكرية والردع، بل امتدّت لتشمل الأمن الإنساني، والاستقرار الإقليمي، وأثر النزاعات الممتدة على السلم العالمي، إضافة إلى التحديات العابرة للحدود مثل تغيّر المناخ، والأمن الغذائي، والأمن السيبراني. هذا التحوّل المفاهيمي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بمنظومة متكاملة من العدالة، والحكم الرشيد، واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولا يمكن فصل النقاشات الأمنية في ميونخ عن السياق الأوسع للتحوّلات الدولية الجارية. فإعادة تعريف التحالفات، وجود صحفيين حقيقيين وتزايد الحديث عن نظام دولي أكثر توازنًا، وتصاعد الدعوات إلى مساءلة القوى الكبرى، كلها مؤشرات على تحوّل تدريجي في الخطاب العالمي. في مثل هذا المناخ، يصبح إدماج القضية الفلسطينية في النقاشات الأمنية والسياسية اختبارًا حقيقيًا لمدى جدّية المجتمع الدولي في الانتقال من خطاب القيم إلى سياسات قائمة على المبادئ. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من تراكم تاريخي للظلم والازدواجية في المعايير، تُعدّ معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمصداقية النظام الدولي القائم.
من ناحية أخرى، يتيح مؤتمر ميونخ مساحات غير رسمية للحوار تُعرف بمسارات الدبلوماسية شبه الرسمية (Track 1.5)، حيث يمكن للباحثين والأكاديميين وصنّاع الرأي امن لتأثير في بلورة الأفكار وتوجيه النقاشات بعيدًا عن قيود المواقف الرسمية الجامدة. في هذه المساحات، يمكن للصوت الفلسطيني أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة تأطير النقاش من “إدارة الصراع” إلى معالجة جذوره، ومن مقاربة أمنية ضيقة إلى رؤية شاملة للأمن الإنساني والعدالة الانتقالية والسلام العادل والتعامل مع جذر الصراع أي الاحتلال العسكري وسياسيات فرض الامر الواقع على الأرض.
الحضور الفلسطيني في مثل هذه المنتديات لا ينطلق من السعي إلى الرمزية الشكلية، بل من إدراك أن غياب فلسطين عن طاولات النقاش يجعلها موضوعًا للنقاش بدل أن تكون شريكًا في صياغة الحلول. فطالما بقيت فلسطين “على قائمة النقاش” لا “على طاولة القرار”، ستظل السياسات الدولية قاصرة عن إنتاج سلام مستدام. ومن هنا، فإن الدفع نحو تمثيل فلسطيني فاعل ومؤثر في منصّات الأمن العالمية هو جزء من معركة أوسع من أجل إعادة الاعتبار لمركزية الحقوق والكرامة الإنسانية في هندسة النظام الدولي. الحضور الفلسطيني مهم ويحتاج لتنسيق أكبر، ولتوحيد نقاط الحديث وبناء الزخم الممكن من خلال الاستثمار في الافراد والممثلين المتواجدين بشكل شخصي ورسمي لخدمة القضية بشكل يصب في خدمة القضية والمصلحة الوطنية.
لا يمكن النظر إلى مؤتمر ميونخ للأمن بوصفه مجرد حدث سنوي عابر، بل بوصفه مؤشرًا على اتجاهات التفكير العالمي في قضايا الأمن والسلام. وفي عالم يبحث عن مقاربات جديدة للأمن تتجاوز منطق الهيمنة والقوة الصلبة، يصبح الحضور الفلسطيني ضرورة سياسية وأخلاقية ومعرفية. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بإقصاء أصحاب الحقوق، بل بإشراكهم بوصفهم فاعلين حقيقين وهذا ما بدا جلياً في مؤتمر ميونخ.




جنين المُثقلة في رمضان.. رحى البطالة وأنياب الفقر

-عبد الباسط خلف- تطرق سيدة ستينية رفقة زوجها أبواب مؤسسات خيرية عديدة، مع حلول شهر رمضان، على أمل الحصول على طرد رمضاني يسد رمق عوزها.

وتقول أم محمد إن المرض أقعدها ورفيق دربها، وجعلها بلا معيل، في ظل تعطل أولادها عن العمل في الداخل، وتراجع مدخولات بِكرها الذي لا يتقاضى كامل راتبه، ويعيل أسرة من 7 أطفال، وتغرقه الديون.

وتأمل الستينية من أن تحظى بمساعدة عينية أو مادية خلال شهر رمضان، أو عونها على صرف جزء من وصفتها الطبية.

عوز متزايد

يفصل مدير عام التنمية الاجتماعية في جنين، رائد نزال، التحديات المتلاحقة التي تواجه عمل المديرية والجهات الشريكة، بالتزامن مع حلول شهر رمضان.

ويقسم الشرائح المستفيدة من حزم المساعدات المقدمة من الوزارة للشرائح الضعيفة، لكنه يؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن الأوضاع الاقتصادية تتعقد في جنين وسواها.

ويرى نزال بأن جائحة كورونا، وتوقف العمل في الداخل المحتل، والظروف الاقتصادية العسيرة وسعت من قوائم طالبي المساعدة، الذين أنضم إليهم موظفي عقود المياومة، والأذنة المستحدثين، وعمال غزة الذين رحلوا قسرًا من الداخل، بعد 7 تشرين الثاني 2023.

ويؤكد وجود 3 آلاف أسرة نازحة من مخيم جنين، منذ نهاية كانون الثاني 2025، صاروا يحتاجون لإعانات دائمة، عدا عن 6500 أسرة تقدم لهم “التنمية الاجتماعية” مساعداتها.

ووفق نزال، فإن الوزارة تسبق شهر رمضان بلقاءات مع الجمعيات الخيرية والشركاء، لتفعيل التنسيق والتكامل بينها؛ من أجل تلبية احتياجات أكبر عدد ممكن من الأسر، وتوجيههم لتقديم الدعم العيني.

ويشير إلى أن 4300 أسرة يتلقون حاليًا مساعدات عينية مع برنامج الغذاء العالمي، يحصل كل فرد في العائلة على 50 شيقلًا.

والتحدي الذي يواجهه نزال وطاقم المديرية، تزايد أعداد طالبي الخدمة والعون، فتوزيع 1000 طرد مثلًا على 4600 عائلة مسألة معقدة، في ظل تزايد أعداد العمال المتعطلين، أو محدودي الدخل.

ويقدر نزال حجم العائلات التي تحتاج لمساعدة في رمضان وغيره بـ 12 ألف أسرة، غالبيتهم من النازحين والعمال وصغار الموظفين.

صورة قاتمة

من موقعه، يرسم مدير عام الغرفة التجارية، محمد كميل لـ”الحياة الجديدة” صورة قاتمة للحالة الاقتصادية في جنين، في مستهل شهر الصوم.

ويؤكد أن الخسائر الاقتصادية، والإغلاقات، والعدوان، وما بعد جائحة كورونا، أثقلت جنين، وجعلتها تعيش واقعًا معقدًا للغاية.

ويشبه الحال في المدينة المعاد احتلالها منذ قرابة 13 شهرًا بـ”كرة ثلج” تستعصي على الذوبان، وتكبر يومًا بعد يوم.

ويفيد بأن نسبة البطالة ارتفعت منذ بداية العام الماضي وحتى نهايته بـ 5%، إذ قفزت من 53 % إلى 58% خلال 12 شهرًا فقط.

ويبين أن 2500 من أعضاء الغرفة شطبت عضويتهم؛ لعدم قدرتهم على السداد ولتركهم العمل التجاري، وتحول جزء منهم إلى العمل في الداخل، بينهم 89 عضوًا من الدرجة الخاصة، التي يفوق حجم رأس مالهم مليون دينار.

وتبعًا لبيانات الغرفة، فقد كانت سجلاتها تضم 4700 عضو، لكن الحالة الاقتصادية العسيرة تنعكس عليهم سلبًا.

ويرى كميل بأن خروج تاجر واحد من السوق، يعني تضرر عائلته وجهات أخرى كان تتعامل معه.

ويُشدد على أن فتح حاجز الجلمة ليوم واحد في الأسبوع لن يساهم في حل المعضلة التجارية من جذورها، لكنه يخفف القليل بفعل وصول متسوقي الداخل.

ويفيد كميل بأن الغرفة لم تتلق أي بيان رسمي حول تمديد العمل بالحاجز ليومين، خلال شهر رمضان، الأمر الذي يعني بقاء وضع المدينة على حالة.

ضبط وربط

من موقعه، يضع مدير “الضابطة الجمركية” في جنين، العقيد أحمد بشارات بين يديه جدول العمل الرمضاني لمديريته.

ويؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن جولات صباحية ومسائية ستشمل أسواق المدينة ومتاجرها المختلفة، وستركز على المطاعم، ومعامل الحلويات، وبائعي اللحوم والمجمدات والمخابز.

ويشير إلى أن الجولات تجري بالشراكة مع مديريات الاقتصاد الوطني، والصحة، والزراعة، والبلدية، ضمن لجنة السلامة العامة، التي يقف على رأسها المحافظ.

ويبث بشارات الطمأنينة في المدينة، بعد شائعات الكشف عن متاجر ومطاعم وبائعي لحوم، قبل أيام، ويقول إن الجولات الرقابية المكثفة ستتواصل بحزم طوال رمضان المبارك.

وبحسب “الضابطة”، فإن الهدف من الجولات تصويب أوضاع المتاجر، وإحالة المخالفين للنيابة العامة، التي تتخذ إجراءاتها وفق القانون، أمام نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية.

ويفيد بشارات بضبط 37 طنًا من المواد التالفة والمهربة في أسواق جنين خلال كانون الثاني الماضي والفترة الحالية من شباط الجاري، مقابل ضبط 86 طنًا العام الفائت.

ويفصل أبرز المضبوطات كالتمور القادمة من المستوطنات، والعسل المغشوش والمواد الغذائية الأخرى، التي يعمل 76 موظفًا في المديرية على متابعتها.

ويؤكد أن المديرية تُفعل دائرة الاستخبار الجمركي، التي تنجح في الوصول إلى السلع المهربة وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي في مخازنها، وقبل وصولها إلى الأسواق.

ويشير بشارات إلى أن “الضابطة” ستجمع خلال رمضان عينات عشوائية من الأسواق لفحصها، وللتأكد من خلال جهات الاختصاص على سلامتها، وسبق لها أن أتلفت في جنين قبل شهر رمضان سلعًا كجوز الهند.

ويشدد على أن إقفال المتاجر والمنشآت المخالفة، والإجراءات التي تعقبها من مسؤولية القضاء، ولا يمكن لـ”الضابطة الجمركية” أن تكشف عن هويات المخالفين، فالأمر بيد المحكمة.

ويلخص بشارات أن عمل المديرية ينسجم مع توجيهات رئيس الجهاز اللواء إياد بركات، ويهدف إلى “تصويب الأوضاع، وليس قطع الأرزاق”، لكنه يحث المواطنين على المساعدة في مراقبة تواريخ الصلاحية، والكشف عن السلع غير الصالحة، التي يمكن كشفها من التذوق الحسي، ولا تحتاج فحصًا.




وجع الفقد في رمضان!

د. ابراهيم ملحم

أقل الكلام

وحدها صور الأمهات المفجوعات بفقد فلذات الأكباد، تنبئُ بحجم الوجيعة التي تزلزل قلوب الصابرات المحتسبات؛ فليس ثمة ما هو أشد ألماً من فقد حشاشات الأرواح وثمرات القلوب. فكيف إذا حل هذا الفقد في شهرٍ تجتمع فيه القلوب عند الغروب على صعيد واحد؟ فيغيب عن المائدة مَن كان يبعث الفرح والبهجة في النفوس، ومن كان ينتظر صوت المؤذن ليطفئ جوعه بشربة ماء أو كسرة خبز.
نحيب الأم في وداع طفلها “مهند النجار” (14 عاماً)، الذي قضى في اليوم الأول من رمضان بينما كان يحتطب لتجهيز طعام الإفطار، يهز النفس ويزلزل الوجدان. مهند الذي خرج ليبحث عن حطبٍ يشعل به نار القِدر لعائلته الجائعة، أشعل في قلب أمه ناراً لا تطفئها مياه البحر.
لم يتوقف القتل اليومي وإن تغيرت أشكاله؛ فالموت يسكن في كل زاوية: موتُ مرضى نفد دواؤهم، وجرحى تعطل سفرهم على المعابر المقيدة بـ”سلاسل البطء”، أو بصبّ الحمم على رؤوس النائمين في الخيام، بادعاء اغتيال مطلوبٍ تصادف مروره في المكان. إنها “إبادة على مهل”؛ يمارسها المحتلون بدم بارد، ويصطادون ضحاياهم برصاص القنص كما يصطادون الطرائد، بلا وازعٍ من ضمير أو تحسّبٍ من قانون.
في غزة، لا يُقاس رمضان بعدد ساعات الصيام، بل بعدد الغارات على المنازل والخيام و الرصاصات، التي تنطلق من خلف دشمٍ وخطوطٍ فاقعٍ لونها، تخترق أجساد من يبحثون عن حياة، فيغدو الغروب هناك مرادفاً لغياب الأحبة.
رحل مهند وبقي الحطب يخالطه دمع الوجيعة، وبقيت المائدة تنقصها ضحكته، هدوؤه وصخبه، ليتحول “الغروب” في غزة من لحظةٍ في حضرة السكينة إلى لحظةٍ في حضرة الغياب.




المرأة ليست خوارزمية… لكنها أذكى منها

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المعالجات وسرعة الاستجابة وحجم البيانات، يحدث خلطٌ غريب بين نوعين من الذكاء: ذكاء يمكن برمجته وذكاء لا يمكن التنبؤ به. الأول هو الذكاء الاصطناعي، والثاني هو ذكاء المرأة. الخوارزمية تعمل وفق معادلة واضحة؛ بيانات تدخل ونتيجة تخرج. أما المرأة فتعمل وفق نظام أكثر تعقيداً بكثير، نظام يجمع التجربة والحدس والذاكرة العاطفية والإدراك الاجتماعي والاستجابة اللحظية للسياق. هذا النوع من الذكاء لا يمكن نسخه في معالج سيليكون مهما ارتفعت سرعته، لأنه ليس مجرد عمليات حسابية، بل تفاعل حي مع الحياة نفسها.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتنبأ بما ستشتريه خلال أسبوع، وأن يحلل صوتك ويحدد نبرة الغضب أو الحزن، لكنه لا يستطيع أن يفهم صمتك، ولا أن يضع كلمة في توقيت دقيق تغيّر مسار يومك بالكامل. المرأة تفعل ذلك دون أن تسميه علماً، ودون أن تراه إنجازاً تقنياً. في البيت، تمارس إدارة أنظمة معقدة دون أن تطلق عليها أسماء براقة مثل إدارة الموارد أو تحليل المخاطر. هي تدير وقت الأطفال، وصحة الأسرة، وميزانية محدودة، وأزمات مفاجئة، وضغوطاً نفسية، وتوقعات اجتماعية متناقضة، وكل ذلك ضمن بيئة متغيرة يومياً. هذا نموذج حي لما يسميه علماء الإدارة “النظام المعقد المتكيف”، وهو المفهوم نفسه الذي تُبنى عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، لكن الفرق أن الآلة تحتاج إلى آلاف المهندسين لتتعلم ذلك، بينما تمارسه المرأة كجزء طبيعي من حياتها.
تشير دراسات في علم النفس السلوكي إلى أن النساء يتفوقن في مهارات الذكاء العاطفي بنسبة تتراوح بين 20 و25 بالمئة في المتوسط، وهو النوع من الذكاء الذي تحاول شركات التقنية محاكاته فيما يسمى بالذكاء الاصطناعي العاطفي. ومع ذلك، لا تزال كل النماذج الرقمية تعتمد على تحليل أنماط، لا على فهم حقيقي للمشاعر. هنا يبدأ الجدل الحقيقي. نحن نُعجب بالآلة لأنها تحسب بسرعة، لكننا لا نُعجب بالمرأة لأنها تفهم بسرعة. نصفق لخوارزمية تتنبأ بسلوك المستهلك، لكننا لا نصفق لامرأة تتنبأ بأزمة عائلية قبل وقوعها. نمنح الذكاء الاصطناعي لقب الثورة الصناعية الرابعة، بينما نتعامل مع ذكاء المرأة كأمر طبيعي لا يستحق الاحتفاء، وكأن القدرة على الفهم الإنساني أقل قيمة من القدرة على الحساب.
في العمل، تظهر الأرقام مفارقة لافتة. تقرير لشركة ماكينزي يشير إلى أن المؤسسات التي تمتلك تنوعاً جندرياً في القيادة تحقق أداءً مالياً أعلى بنسبة 21 بالمئة، وترتفع نسبة الابتكار فيها إلى أكثر من 30 بالمئة. ليس لأن المرأة أكثر لطفاً كما يروج الخطاب السطحي، بل لأنها تفكر بطريقة مختلفة؛ تفكير شبكي، سياقي، متعدد الأبعاد، لا يكتفي بالحل الأسرع بل يبحث عن الحل الأكثر توازناً. الذكاء الاصطناعي يعتمد على مبدأ التحسين الرياضي، أي الوصول إلى أفضل نتيجة وفق معادلة محددة. أما المرأة فتعتمد على مبدأ التوازن الحياتي، حيث القرار الأفضل ليس دائماً الأكثر ربحاً، بل الأكثر إنصافاً أو إنسانية أو استدامة على المدى الطويل. الآلة تبحث عن الحل الأمثل رقمياً، بينما المرأة تبحث عن الحل الممكن إنسانياً.
هنا تظهر المفارقة الفلسفية. العالم يتجه نحو آلات تحاول تقليد العقل البشري، بينما ما زال العقل البشري نفسه، خصوصاً عقل المرأة، غير مفهوم بالكامل علمياً. لا يوجد حتى اليوم نموذج حسابي يستطيع تفسير الحدس، أو التنبؤ بردة فعل أم على خطر يهدد طفلها، أو حساب قيمة التضحية اليومية التي لا تُسجل في أي قاعدة بيانات. وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن 65 بالمئة من الأطفال الذين يدخلون المدارس اليوم سيعملون في وظائف لم تُخلق بعد، معظمها مرتبط بالذكاء الاصطناعي، لكن المهارات التي ستبقى الأكثر طلباً هي التعاطف والإبداع والتفكير النقدي والتواصل. هذه ليست مهارات الآلات، بل مهارات البشر، وهي ترتبط إحصائياً بمستويات أعلى لدى النساء في معظم الدراسات السلوكية.
الآلة تتعلم من البيانات، أما المرأة فتتعلم من الحياة. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تحديثات كل بضعة أشهر، بينما المرأة تطور نفسها مع كل تجربة وكل أزمة وكل مرحلة عمرية. ربما المشكلة ليست في مقارنة المرأة بالذكاء الاصطناعي، بل في أننا نقيس ذكاءها بمعايير صممت أصلاً للآلات. الجدل الحقيقي ليس في السؤال: هل الذكاء الاصطناعي أذكى من المرأة؟ بل في سؤال أعمق: هل معايير الذكاء نفسها صممت لتقيس ما هو إنساني أصلاً؟
قد تستطيع الخوارزمية يوماً أن تكتب رسالة حب مثالية، لكنها لن تعرف أبداً كيف تشعر وهي تنتظر الرد.
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي