1

مؤتمر ميونخ: من الأمن للسياسة الدولية

د. دلال صائب عريقات

يشكّل مؤتمر ميونخ للأمن أحد أبرز المنصّات العالمية لمناقشة قضايا الأمن والسياسة الدولية. لا يقتصر دوره على كونه ملتقى للنخب السياسية والعسكرية، بالتوازي مع الغرف الاستخبارية والأمنية هناك مساحة تفاعلية تُختبر فيها السرديات، وتُعاد فيها صياغة التحالفات، وتُطرح خلالها الأسئلة لمتعلقة بمستقبل النظام الدولي. وفي عالم يشهد تحوّلات متسارعة، باتت قيمة هذا المؤتمر تكمن في قدرته على جمع أطراف متباينة في فضاء واحد يسمح بالحوار، ولو كان صعبًا، حول قضايا تتجاوز الحدود الوطنية.
تأتي أهمية مؤتمر ميونخ اليوم من كونه مرآة للتغيّرات الجارية في بنية النظام الدولي. فالنقاشات لم تعد محصورة في مفاهيم الأمن التقليدي المرتبط بالقوة العسكرية والردع، بل امتدّت لتشمل الأمن الإنساني، والاستقرار الإقليمي، وأثر النزاعات الممتدة على السلم العالمي، إضافة إلى التحديات العابرة للحدود مثل تغيّر المناخ، والأمن الغذائي، والأمن السيبراني. هذا التحوّل المفاهيمي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بمنظومة متكاملة من العدالة، والحكم الرشيد، واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولا يمكن فصل النقاشات الأمنية في ميونخ عن السياق الأوسع للتحوّلات الدولية الجارية. فإعادة تعريف التحالفات، وجود صحفيين حقيقيين وتزايد الحديث عن نظام دولي أكثر توازنًا، وتصاعد الدعوات إلى مساءلة القوى الكبرى، كلها مؤشرات على تحوّل تدريجي في الخطاب العالمي. في مثل هذا المناخ، يصبح إدماج القضية الفلسطينية في النقاشات الأمنية والسياسية اختبارًا حقيقيًا لمدى جدّية المجتمع الدولي في الانتقال من خطاب القيم إلى سياسات قائمة على المبادئ. فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من تراكم تاريخي للظلم والازدواجية في المعايير، تُعدّ معيارًا أخلاقيًا وسياسيًا لمصداقية النظام الدولي القائم.
من ناحية أخرى، يتيح مؤتمر ميونخ مساحات غير رسمية للحوار تُعرف بمسارات الدبلوماسية شبه الرسمية (Track 1.5)، حيث يمكن للباحثين والأكاديميين وصنّاع الرأي امن لتأثير في بلورة الأفكار وتوجيه النقاشات بعيدًا عن قيود المواقف الرسمية الجامدة. في هذه المساحات، يمكن للصوت الفلسطيني أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة تأطير النقاش من “إدارة الصراع” إلى معالجة جذوره، ومن مقاربة أمنية ضيقة إلى رؤية شاملة للأمن الإنساني والعدالة الانتقالية والسلام العادل والتعامل مع جذر الصراع أي الاحتلال العسكري وسياسيات فرض الامر الواقع على الأرض.
الحضور الفلسطيني في مثل هذه المنتديات لا ينطلق من السعي إلى الرمزية الشكلية، بل من إدراك أن غياب فلسطين عن طاولات النقاش يجعلها موضوعًا للنقاش بدل أن تكون شريكًا في صياغة الحلول. فطالما بقيت فلسطين “على قائمة النقاش” لا “على طاولة القرار”، ستظل السياسات الدولية قاصرة عن إنتاج سلام مستدام. ومن هنا، فإن الدفع نحو تمثيل فلسطيني فاعل ومؤثر في منصّات الأمن العالمية هو جزء من معركة أوسع من أجل إعادة الاعتبار لمركزية الحقوق والكرامة الإنسانية في هندسة النظام الدولي. الحضور الفلسطيني مهم ويحتاج لتنسيق أكبر، ولتوحيد نقاط الحديث وبناء الزخم الممكن من خلال الاستثمار في الافراد والممثلين المتواجدين بشكل شخصي ورسمي لخدمة القضية بشكل يصب في خدمة القضية والمصلحة الوطنية.
لا يمكن النظر إلى مؤتمر ميونخ للأمن بوصفه مجرد حدث سنوي عابر، بل بوصفه مؤشرًا على اتجاهات التفكير العالمي في قضايا الأمن والسلام. وفي عالم يبحث عن مقاربات جديدة للأمن تتجاوز منطق الهيمنة والقوة الصلبة، يصبح الحضور الفلسطيني ضرورة سياسية وأخلاقية ومعرفية. فالأمن الحقيقي لا يُبنى بإقصاء أصحاب الحقوق، بل بإشراكهم بوصفهم فاعلين حقيقين وهذا ما بدا جلياً في مؤتمر ميونخ.




جنين المُثقلة في رمضان.. رحى البطالة وأنياب الفقر

-عبد الباسط خلف- تطرق سيدة ستينية رفقة زوجها أبواب مؤسسات خيرية عديدة، مع حلول شهر رمضان، على أمل الحصول على طرد رمضاني يسد رمق عوزها.

وتقول أم محمد إن المرض أقعدها ورفيق دربها، وجعلها بلا معيل، في ظل تعطل أولادها عن العمل في الداخل، وتراجع مدخولات بِكرها الذي لا يتقاضى كامل راتبه، ويعيل أسرة من 7 أطفال، وتغرقه الديون.

وتأمل الستينية من أن تحظى بمساعدة عينية أو مادية خلال شهر رمضان، أو عونها على صرف جزء من وصفتها الطبية.

عوز متزايد

يفصل مدير عام التنمية الاجتماعية في جنين، رائد نزال، التحديات المتلاحقة التي تواجه عمل المديرية والجهات الشريكة، بالتزامن مع حلول شهر رمضان.

ويقسم الشرائح المستفيدة من حزم المساعدات المقدمة من الوزارة للشرائح الضعيفة، لكنه يؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن الأوضاع الاقتصادية تتعقد في جنين وسواها.

ويرى نزال بأن جائحة كورونا، وتوقف العمل في الداخل المحتل، والظروف الاقتصادية العسيرة وسعت من قوائم طالبي المساعدة، الذين أنضم إليهم موظفي عقود المياومة، والأذنة المستحدثين، وعمال غزة الذين رحلوا قسرًا من الداخل، بعد 7 تشرين الثاني 2023.

ويؤكد وجود 3 آلاف أسرة نازحة من مخيم جنين، منذ نهاية كانون الثاني 2025، صاروا يحتاجون لإعانات دائمة، عدا عن 6500 أسرة تقدم لهم “التنمية الاجتماعية” مساعداتها.

ووفق نزال، فإن الوزارة تسبق شهر رمضان بلقاءات مع الجمعيات الخيرية والشركاء، لتفعيل التنسيق والتكامل بينها؛ من أجل تلبية احتياجات أكبر عدد ممكن من الأسر، وتوجيههم لتقديم الدعم العيني.

ويشير إلى أن 4300 أسرة يتلقون حاليًا مساعدات عينية مع برنامج الغذاء العالمي، يحصل كل فرد في العائلة على 50 شيقلًا.

والتحدي الذي يواجهه نزال وطاقم المديرية، تزايد أعداد طالبي الخدمة والعون، فتوزيع 1000 طرد مثلًا على 4600 عائلة مسألة معقدة، في ظل تزايد أعداد العمال المتعطلين، أو محدودي الدخل.

ويقدر نزال حجم العائلات التي تحتاج لمساعدة في رمضان وغيره بـ 12 ألف أسرة، غالبيتهم من النازحين والعمال وصغار الموظفين.

صورة قاتمة

من موقعه، يرسم مدير عام الغرفة التجارية، محمد كميل لـ”الحياة الجديدة” صورة قاتمة للحالة الاقتصادية في جنين، في مستهل شهر الصوم.

ويؤكد أن الخسائر الاقتصادية، والإغلاقات، والعدوان، وما بعد جائحة كورونا، أثقلت جنين، وجعلتها تعيش واقعًا معقدًا للغاية.

ويشبه الحال في المدينة المعاد احتلالها منذ قرابة 13 شهرًا بـ”كرة ثلج” تستعصي على الذوبان، وتكبر يومًا بعد يوم.

ويفيد بأن نسبة البطالة ارتفعت منذ بداية العام الماضي وحتى نهايته بـ 5%، إذ قفزت من 53 % إلى 58% خلال 12 شهرًا فقط.

ويبين أن 2500 من أعضاء الغرفة شطبت عضويتهم؛ لعدم قدرتهم على السداد ولتركهم العمل التجاري، وتحول جزء منهم إلى العمل في الداخل، بينهم 89 عضوًا من الدرجة الخاصة، التي يفوق حجم رأس مالهم مليون دينار.

وتبعًا لبيانات الغرفة، فقد كانت سجلاتها تضم 4700 عضو، لكن الحالة الاقتصادية العسيرة تنعكس عليهم سلبًا.

ويرى كميل بأن خروج تاجر واحد من السوق، يعني تضرر عائلته وجهات أخرى كان تتعامل معه.

ويُشدد على أن فتح حاجز الجلمة ليوم واحد في الأسبوع لن يساهم في حل المعضلة التجارية من جذورها، لكنه يخفف القليل بفعل وصول متسوقي الداخل.

ويفيد كميل بأن الغرفة لم تتلق أي بيان رسمي حول تمديد العمل بالحاجز ليومين، خلال شهر رمضان، الأمر الذي يعني بقاء وضع المدينة على حالة.

ضبط وربط

من موقعه، يضع مدير “الضابطة الجمركية” في جنين، العقيد أحمد بشارات بين يديه جدول العمل الرمضاني لمديريته.

ويؤكد لـ”الحياة الجديدة” أن جولات صباحية ومسائية ستشمل أسواق المدينة ومتاجرها المختلفة، وستركز على المطاعم، ومعامل الحلويات، وبائعي اللحوم والمجمدات والمخابز.

ويشير إلى أن الجولات تجري بالشراكة مع مديريات الاقتصاد الوطني، والصحة، والزراعة، والبلدية، ضمن لجنة السلامة العامة، التي يقف على رأسها المحافظ.

ويبث بشارات الطمأنينة في المدينة، بعد شائعات الكشف عن متاجر ومطاعم وبائعي لحوم، قبل أيام، ويقول إن الجولات الرقابية المكثفة ستتواصل بحزم طوال رمضان المبارك.

وبحسب “الضابطة”، فإن الهدف من الجولات تصويب أوضاع المتاجر، وإحالة المخالفين للنيابة العامة، التي تتخذ إجراءاتها وفق القانون، أمام نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية.

ويفيد بشارات بضبط 37 طنًا من المواد التالفة والمهربة في أسواق جنين خلال كانون الثاني الماضي والفترة الحالية من شباط الجاري، مقابل ضبط 86 طنًا العام الفائت.

ويفصل أبرز المضبوطات كالتمور القادمة من المستوطنات، والعسل المغشوش والمواد الغذائية الأخرى، التي يعمل 76 موظفًا في المديرية على متابعتها.

ويؤكد أن المديرية تُفعل دائرة الاستخبار الجمركي، التي تنجح في الوصول إلى السلع المهربة وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي في مخازنها، وقبل وصولها إلى الأسواق.

ويشير بشارات إلى أن “الضابطة” ستجمع خلال رمضان عينات عشوائية من الأسواق لفحصها، وللتأكد من خلال جهات الاختصاص على سلامتها، وسبق لها أن أتلفت في جنين قبل شهر رمضان سلعًا كجوز الهند.

ويشدد على أن إقفال المتاجر والمنشآت المخالفة، والإجراءات التي تعقبها من مسؤولية القضاء، ولا يمكن لـ”الضابطة الجمركية” أن تكشف عن هويات المخالفين، فالأمر بيد المحكمة.

ويلخص بشارات أن عمل المديرية ينسجم مع توجيهات رئيس الجهاز اللواء إياد بركات، ويهدف إلى “تصويب الأوضاع، وليس قطع الأرزاق”، لكنه يحث المواطنين على المساعدة في مراقبة تواريخ الصلاحية، والكشف عن السلع غير الصالحة، التي يمكن كشفها من التذوق الحسي، ولا تحتاج فحصًا.




وجع الفقد في رمضان!

د. ابراهيم ملحم

أقل الكلام

وحدها صور الأمهات المفجوعات بفقد فلذات الأكباد، تنبئُ بحجم الوجيعة التي تزلزل قلوب الصابرات المحتسبات؛ فليس ثمة ما هو أشد ألماً من فقد حشاشات الأرواح وثمرات القلوب. فكيف إذا حل هذا الفقد في شهرٍ تجتمع فيه القلوب عند الغروب على صعيد واحد؟ فيغيب عن المائدة مَن كان يبعث الفرح والبهجة في النفوس، ومن كان ينتظر صوت المؤذن ليطفئ جوعه بشربة ماء أو كسرة خبز.
نحيب الأم في وداع طفلها “مهند النجار” (14 عاماً)، الذي قضى في اليوم الأول من رمضان بينما كان يحتطب لتجهيز طعام الإفطار، يهز النفس ويزلزل الوجدان. مهند الذي خرج ليبحث عن حطبٍ يشعل به نار القِدر لعائلته الجائعة، أشعل في قلب أمه ناراً لا تطفئها مياه البحر.
لم يتوقف القتل اليومي وإن تغيرت أشكاله؛ فالموت يسكن في كل زاوية: موتُ مرضى نفد دواؤهم، وجرحى تعطل سفرهم على المعابر المقيدة بـ”سلاسل البطء”، أو بصبّ الحمم على رؤوس النائمين في الخيام، بادعاء اغتيال مطلوبٍ تصادف مروره في المكان. إنها “إبادة على مهل”؛ يمارسها المحتلون بدم بارد، ويصطادون ضحاياهم برصاص القنص كما يصطادون الطرائد، بلا وازعٍ من ضمير أو تحسّبٍ من قانون.
في غزة، لا يُقاس رمضان بعدد ساعات الصيام، بل بعدد الغارات على المنازل والخيام و الرصاصات، التي تنطلق من خلف دشمٍ وخطوطٍ فاقعٍ لونها، تخترق أجساد من يبحثون عن حياة، فيغدو الغروب هناك مرادفاً لغياب الأحبة.
رحل مهند وبقي الحطب يخالطه دمع الوجيعة، وبقيت المائدة تنقصها ضحكته، هدوؤه وصخبه، ليتحول “الغروب” في غزة من لحظةٍ في حضرة السكينة إلى لحظةٍ في حضرة الغياب.




المرأة ليست خوارزمية… لكنها أذكى منها

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في زمن تُقاس فيه القيمة بعدد المعالجات وسرعة الاستجابة وحجم البيانات، يحدث خلطٌ غريب بين نوعين من الذكاء: ذكاء يمكن برمجته وذكاء لا يمكن التنبؤ به. الأول هو الذكاء الاصطناعي، والثاني هو ذكاء المرأة. الخوارزمية تعمل وفق معادلة واضحة؛ بيانات تدخل ونتيجة تخرج. أما المرأة فتعمل وفق نظام أكثر تعقيداً بكثير، نظام يجمع التجربة والحدس والذاكرة العاطفية والإدراك الاجتماعي والاستجابة اللحظية للسياق. هذا النوع من الذكاء لا يمكن نسخه في معالج سيليكون مهما ارتفعت سرعته، لأنه ليس مجرد عمليات حسابية، بل تفاعل حي مع الحياة نفسها.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتنبأ بما ستشتريه خلال أسبوع، وأن يحلل صوتك ويحدد نبرة الغضب أو الحزن، لكنه لا يستطيع أن يفهم صمتك، ولا أن يضع كلمة في توقيت دقيق تغيّر مسار يومك بالكامل. المرأة تفعل ذلك دون أن تسميه علماً، ودون أن تراه إنجازاً تقنياً. في البيت، تمارس إدارة أنظمة معقدة دون أن تطلق عليها أسماء براقة مثل إدارة الموارد أو تحليل المخاطر. هي تدير وقت الأطفال، وصحة الأسرة، وميزانية محدودة، وأزمات مفاجئة، وضغوطاً نفسية، وتوقعات اجتماعية متناقضة، وكل ذلك ضمن بيئة متغيرة يومياً. هذا نموذج حي لما يسميه علماء الإدارة “النظام المعقد المتكيف”، وهو المفهوم نفسه الذي تُبنى عليه أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، لكن الفرق أن الآلة تحتاج إلى آلاف المهندسين لتتعلم ذلك، بينما تمارسه المرأة كجزء طبيعي من حياتها.
تشير دراسات في علم النفس السلوكي إلى أن النساء يتفوقن في مهارات الذكاء العاطفي بنسبة تتراوح بين 20 و25 بالمئة في المتوسط، وهو النوع من الذكاء الذي تحاول شركات التقنية محاكاته فيما يسمى بالذكاء الاصطناعي العاطفي. ومع ذلك، لا تزال كل النماذج الرقمية تعتمد على تحليل أنماط، لا على فهم حقيقي للمشاعر. هنا يبدأ الجدل الحقيقي. نحن نُعجب بالآلة لأنها تحسب بسرعة، لكننا لا نُعجب بالمرأة لأنها تفهم بسرعة. نصفق لخوارزمية تتنبأ بسلوك المستهلك، لكننا لا نصفق لامرأة تتنبأ بأزمة عائلية قبل وقوعها. نمنح الذكاء الاصطناعي لقب الثورة الصناعية الرابعة، بينما نتعامل مع ذكاء المرأة كأمر طبيعي لا يستحق الاحتفاء، وكأن القدرة على الفهم الإنساني أقل قيمة من القدرة على الحساب.
في العمل، تظهر الأرقام مفارقة لافتة. تقرير لشركة ماكينزي يشير إلى أن المؤسسات التي تمتلك تنوعاً جندرياً في القيادة تحقق أداءً مالياً أعلى بنسبة 21 بالمئة، وترتفع نسبة الابتكار فيها إلى أكثر من 30 بالمئة. ليس لأن المرأة أكثر لطفاً كما يروج الخطاب السطحي، بل لأنها تفكر بطريقة مختلفة؛ تفكير شبكي، سياقي، متعدد الأبعاد، لا يكتفي بالحل الأسرع بل يبحث عن الحل الأكثر توازناً. الذكاء الاصطناعي يعتمد على مبدأ التحسين الرياضي، أي الوصول إلى أفضل نتيجة وفق معادلة محددة. أما المرأة فتعتمد على مبدأ التوازن الحياتي، حيث القرار الأفضل ليس دائماً الأكثر ربحاً، بل الأكثر إنصافاً أو إنسانية أو استدامة على المدى الطويل. الآلة تبحث عن الحل الأمثل رقمياً، بينما المرأة تبحث عن الحل الممكن إنسانياً.
هنا تظهر المفارقة الفلسفية. العالم يتجه نحو آلات تحاول تقليد العقل البشري، بينما ما زال العقل البشري نفسه، خصوصاً عقل المرأة، غير مفهوم بالكامل علمياً. لا يوجد حتى اليوم نموذج حسابي يستطيع تفسير الحدس، أو التنبؤ بردة فعل أم على خطر يهدد طفلها، أو حساب قيمة التضحية اليومية التي لا تُسجل في أي قاعدة بيانات. وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن 65 بالمئة من الأطفال الذين يدخلون المدارس اليوم سيعملون في وظائف لم تُخلق بعد، معظمها مرتبط بالذكاء الاصطناعي، لكن المهارات التي ستبقى الأكثر طلباً هي التعاطف والإبداع والتفكير النقدي والتواصل. هذه ليست مهارات الآلات، بل مهارات البشر، وهي ترتبط إحصائياً بمستويات أعلى لدى النساء في معظم الدراسات السلوكية.
الآلة تتعلم من البيانات، أما المرأة فتتعلم من الحياة. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تحديثات كل بضعة أشهر، بينما المرأة تطور نفسها مع كل تجربة وكل أزمة وكل مرحلة عمرية. ربما المشكلة ليست في مقارنة المرأة بالذكاء الاصطناعي، بل في أننا نقيس ذكاءها بمعايير صممت أصلاً للآلات. الجدل الحقيقي ليس في السؤال: هل الذكاء الاصطناعي أذكى من المرأة؟ بل في سؤال أعمق: هل معايير الذكاء نفسها صممت لتقيس ما هو إنساني أصلاً؟
قد تستطيع الخوارزمية يوماً أن تكتب رسالة حب مثالية، لكنها لن تعرف أبداً كيف تشعر وهي تنتظر الرد.
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي




قراءة في الإعلان الرئاسي عن ٢٠٢٦ عام الديمقراطية وانتخابات المجلس الوطني

د. دلال صائب عريقات

أعاد المرسوم الأخير الذي أصدره الرئيس محمود عباس، والقاضي بتحديد الأول من نوفمبر موعدًا لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، فتح نقاش سياسي طال كتمه داخل الساحة الفلسطينية، يتمحور حول الإصلاح والتمثيل ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني. وقد تلا هذا الإعلان سريعًا تداول مسودة دستور انتقالي، إلى جانب جدول انتخابي مزدحم يشمل انتخابات بلدية-محلية في أبريل، وانتخابات داخلية لحركة فتح في مايو، وانتخابات المجلس الوطني في نوفمبر. على الورق، هذا التسلسل يعكس زخمًا سياسيًا لتفعيل الديمقراطية. أما على الأرض، فالحماسة الشعبية لا تزال محدودة بشكل لافت.
لطالما تطلّع الفلسطينيون إلى إجراء انتخابات، كمدخل للمساءلة والتجديد واستعادة الشرعية. ومع ذلك، فإن المزاج العام اليوم يتسم بالحذر. فالشروط البنيوية والسياسية والميدانية ذاتها التي استُخدمت لتبرير تأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام ٢٠٢١ ما زالت قائمة: السيطرة الإسرائيلية على الحركة ومنع عقد الانتخابات في القدس الشرقية، الانقسام السياسي، وغياب أي ضمانات حقيقية لإجراء انتخابات حرة وشاملة. كما أن توقيت الإعلان بحد ذاته يثير تساؤلات, فقد التزم الرئيس عباس صيف ٢٠٢٥، أمام قادة عرب وغربيين وخاصة  ما جاء تمهيدا لاعلان نيويورك للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين بقيادة السعودية وفرنسا، بإجراء انتخابات خلال عام من انتهاء الحرب على غزة. ويفسّر البعض وقف إطلاق النار في أكتوبر ٢٠٢٥ على أنه نهاية تلك الحرب، رغم استمرار القتل والدمار والأزمة الإنسانية. وإذا ما اعتُمد هذا التفسير، فإن تحديد موعد الانتخابات في الأول من نوفمبر٢٠٢٦ يتقاطع مع سقف العام الواحد، بما يفي بالتزامات خارجية، دون أن يحسم ما إذا كانت الوقائع الجوهرية للاحتلال والانقسام قد تغيّرت فعليًا.
الأهم من ذلك، أن إعطاء الأولوية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بدلًا من انتخابات المجلس التشريعي يحمل دلالات سياسية عميقة. فهو يشير، ولو رمزيًا، إلى إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية على حساب السلطة الوطنية الفلسطينية. ويمكن قراءة هذه الخطوة بطريقتين: المتفائلون قد يرون فيها محاولة لإحياء منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لجميع الفلسطينيين، بمن فيهم أبناء الشتات. أما المنتقدون، فيعتبرونها التفافًا على الإصلاحات الأكثر إلحاحًا داخل بنية السلطة الوطنية نفسها. في ربيع 2025، عقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير (وهو الجسم التشريعي المصغر عن المجلس الوطني داخل المنظمة) اجتماعًا رفع فيه نسبة تمثيل النساء من 21% إلى 30%، التزامًا متأخرًا بنظام الكوتا. ومع ذلك، ظلّ المجلس الوطني، بوصفه الهيئة التشريعية للمنظمة، شبه معطّل لعقود؛ إذ لم يعقد جلسة كاملة سوى مرة واحدة عام 2018، بعد انقطاع دام 22 عامًا، رغم أن نظامه الداخلي ينص على اجتماعات سنوية. تزامن ذلك مع حلّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس المجلس التشريعي الفلسطيني في 12 ديسمبر 2018، وذلك استنادًا إلى قرار صادر عن المحكمة الدستورية العليا. وعلى مدار السنوات، تراجع دور منظمة التحرير العملي لصالح السلطة التنفيذية في السلطة الوطنية الفلسطينية. من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الإعلان باعتباره خطوة رمزية أكثر منها تحولًا بنيويًا. فإجراء انتخابات لهيئة ذات صلاحيات تشغيلية محدودة قد يُنظر إليه على أنه «مسرح إصلاح» موجّه للخارج، لا إعادة هيكلة حقيقية للحكم الفلسطيني. ويبدد هذه المخاوف التعديل الأخير على قانون الانتخابات، الذي يربط المشاركة الديمقراطية بالالتزام السياسي ببرامج منظمة التحرير وتعهداتها. ورغم تقديم هذا الشرط بوصفه حماية للإجماع الوطني، إلا أنه في الوقت ذاته يضيّق هامش التعددية السياسية في لحظة يعاني فيها المجتمع الفلسطيني أصلًا من انقسام عميق.
تزامن الإعلان الرئاسي عن موعد انتخابات المجلس الوطني للمنظمة مع اصدار مسودة الدستور الانتقالي لمرحلة الدولة، يعيد تعريف أهمية هذه الانتخابات خاصة اذا ما اشارت مسودة الدستور الانتقالي إلى شكل جديد من السلطة التشريعية باستبدال المجلس الوطني الفلسطيني بهيئة تشريعية شبيهة بمجلس النواب لدولة فلسطين، تضم 200 عضو من الداخل و150 من الشتات. وإذا ما جرى تطبيق هذا التصور بجدية، فقد ينتقل المجلس الوطني من كونه مظلة رمزية إلى مؤسسة تشريعية فاعلة، تعيد ربط الفلسطينيين عبر الجغرافيا، وتستعيد قدرًا من الوكالة السياسية الجماعية لدولة فلسطين التي تلغي نظريا المجلس التشريعي للسلطة وتلغي معها المجلس الوطني للمنظمة لصالح شكل “حضاري” من السلطة التشريعية تتجاوز مرحلة السلطة الى الدولة, تحديد مواعيد لعقد الانتخابات العامة على المستوى البلدي والحزبي والتشريعي يذكرنا بأهمية تحديد موعد للانتخابات على المستوى الرئاسي. يتوقف نجاح وسم ٢٠٢٦ بالديمقراطية على الإرادة السياسية. فإذا جرى التعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراء امتثاليًا لإرضاء المانحين والحلفاء والمنابر الدبلوماسية، فإن الشكوك ستتحول إلى خيبة أمل أعمق. أما إذا كانت جزءًا من مسار إصلاحي صادق لإعادة بناء المؤسسات، وتوزيع السلطة، واستعادة ثقة الجمهور، فقد تشكّل خطوة أولى حذرة نحو التجديد. يتابع الفلسطينيون المشهد بأملٍ حذر. فالانتخابات قد تلوح في الأفق، لكن الشرعية — وهي الغاية الحقيقية — ما تزال موضع سؤال مفتوح.