1


د. دلال صائب عريقات

الدستور الفلسطيني: بين الشرعية والدولة!

تأتي مسودة الدستور الفلسطيني في مرحلة تاريخية استثنائية للقضية الفلسطينية، حيث يتقاطع مشروع بناء الدولة مع واقع الاحتلال والاستيطان والضم والابادة والتهجير والإملاءات وفرض الحقائق، ويتداخل مسار الإصلاح المؤسسي مع نقاشات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا ما يجعل من النقاش الدستوري نقاشًا سياسيًا وطنيًا بامتياز، لا مجرد تمرين قانوني أو ضغط خارجي. الدستور ليس مجرد نص قانوني ينظّم السلطات ويوزّع الاختصاصات، بل وثيقة سياسية تؤسس لفكرة الدولة. الدستور الحديث ليس فقط عقدًا سياسيًا، بل عقد اجتماعي جامع، يعكس صورة المجتمع الذي نريد. ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس دستورًا يُنتج غموضًا جديدًا، بل يحتاجون دستورًا يحسم دون التباس العلاقة بين الدولة والشرعية الوطنية، بين المؤسسات والسيادة، بين المشروع التحرري والبناء الدستوري. قراءة مشروع الدستور الفلسطيني لا ينبغي أن تنحصر في تفاصيل الصياغة القانونية، بل يجب أن تنطلق من سؤال أعمق: أي شرعية سياسية يؤسس لها هذا الدستور؟
المسودة، في كثير من جوانبها تتضمن عناصر متقدمة تستحق التقدير، لا بد من تسجيل التقدير الصريح للجهد الوطني الكبير الذي بذلته لجنة الصياغة، فهي تؤكد مبادئ سيادة القانون، وتطرح رؤى حديثة وحضارية في الحقوق والحريات وخاصة المرأة، والشباب، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، حتى قوننة زراعة الأعضاء بروح تواكب تطور الفكر الدستوري المعاصر. كما يُحسب للمسودة أنها تعاملت مع فلسطين بوصفها وحدة سياسية وجغرافية كلية، ولم تنزلق إلى تفصيلات جغرافية جزئية قد تُقحم النص الدستوري في تفاصيل متغيرة بطبيعتها، وهذا من حيث المبدأ توجه دستوري مفهوم، لأن الدساتير تؤسس للمبادئ الكلية لا للتقسيمات الإدارية. غير أن هذا المنطق نفسه يطرح استثناءً لا يمكن تجاوزه: الحالة الغزية.
الإشكالية المركزية لا تكمن فيما ورد، بل فيما لم يُحسم بصورة صريحة، خاصة ما يتعلق بمركز الشرعية السياسية الفلسطينية. تشير الديباجة إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، غير أن هذا الاعتراف يبقى رمزيًا ما لم يترجم إلى نصوص دستورية ملزمة داخل المتن. فالدساتير لا تُبنى على الرمزية وحدها، بل على قواعد واضحة تحدد السلطات والمرجعيات وتمنع التأويل المتناقض.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: المسودة تنشئ مجلس نواب للدولة باعتباره السلطة التشريعية، دون تحديد واضح لعلاقته بالمجلس الوطني الفلسطيني، الذي يمثل الإطار التشريعي الأعلى للمشروع التحرري الفلسطيني. وهذا ليس تفصيلًا مؤسسيًا عابرًا، بل سؤال يتعلق بمصدر الشرعية ذاته؛ هل نحن أمام تكامل بين مؤسستين، أم انتقال تدريجي غير معلن من مرجعية تحررية يمثلها المجلس الوطني ومنظمة التحرير، إلى مرجعية دولة قيد التكوين؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية إذا استحضرنا حقيقة أن الدولة الفلسطينية، رغم الاعتراف الدولي المتنامي، ما زالت غير مكتملة السيادة؛ فهي  محتلة ولا تمارس سيطرة كاملة على الحدود، أو الموارد، أو المجال الجوي، أو وحدة الإقليم، ولا تزال القدس تحت الاحتلال والتهويد. في مثل هذا الواقع، فإن نقل مركز الشرعية من إطار تحرري جامع إلى كيان سيادي غير مكتمل قد يحمل مخاطر استراتيجية عميقة: أولها تقليص تمثيل الفلسطينيين في الشتات، وثانيها اختزال المشروع الوطني من مشروع تحرر إلى إطار إداري، وثالثها تعريض الشرعية الوطنية لهشاشة أكبر أمام الوقائع المفروضة من الاحتلال.
إن بناء الدولة لا ينبغي أن يكون على حساب المشروع الوطني، كما أن الحفاظ على المشروع التحرري لا يتناقض مع بناء مؤسسات الدولة. التحدي الحقيقي هو في المواءمة بين الاثنين، وهذه المواءمة لا تُترك للاجتهاد السياسي اللاحق، بل يجب أن تُحسم دستوريًا.
ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة لتضمين نصوص صريحة تؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن المجلس الوطني يحتفظ بوظيفته التمثيلية والتشريعية ضمن الإطار التحرري، مع تنظيم العلاقة بينه وبين مجلس النواب على أساس تكاملي لا استبدالي.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الملاحظات على بنية الشرعية وحدها، بل تشمل قضايا حقوقية ومجتمعية يجب أن يواكبها النص الدستوري، مثل الحق في الحصول على المعلومة، وتعزيز حقوق ذوي الإعاقة، والاعتراف بقضايا الصحة النفسية والتوحد ضمن منظومة الحقوق، وضمان انتظام الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتوازي، والتفكير بوضوح في مسألة الدفاع الوطني وتوفير الحماية للمواطنين في ظل واقع الاحتلال.
فاللحظات التأسيسية لا تحتمل الغموض، لأن الغموض في هذه اللحظات ليس حياديًا؛ إنه يفتح الباب لتحولات صامتة قد تعيد تشكيل المشروع الوطني دون إعلان مباشر.
ولا ينتقص ذلك من القيمة العامة للمسودة، بل يندرج ضمن منطق تطويرها وتحسينها، تمامًا كما تنطبق الملاحظات المتعلقة بمركز الشرعية السياسية، والعلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات الدولة مما يستدعي حوار وطني جاد يصب في مسودة الدستور وليس العكس. ومن هذا المنطلق، فإن الحسم في القضايا المؤسسة- سواء ما يتعلق بالشرعية، أو وحدة الجغرافيا، أو بنية النظام السياسي -لا ينبغي أن يبقى حكرًا على التوافق النخبوي، بل يجب أن يعود للاستفتاء الشعبي، فالدساتير في اللحظات المؤسسة تستمد قوتها من الإرادة الشعبية المباشرة، والاستفتاء هنا ليس مجرد آلية تمرير وإقرار، بل ضمانة وطنية لحماية التوافق العام حول القضايا المصيرية.
التقدير لجهود لجنة الصياغة والجهد الوطني المبذول يجب أن يقترن باستمرار الحوار حول ما يحتاج إلى تبديل او تحصين أو إيضاح، لأن الهدف ليس إنتاج دستور فقط، بل إنتاج عقد سياسي وطني جامع. وإذا كان هذا الدستور يراد له أن يكون وثيقة الدولة الفلسطينية القادمة، فإن قوته لن تُقاس فقط بجودة نصوصه، بل بقدرته على ضمان وحدة التمثيل، واستمرارية المشروع التحرري، وحماية المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني، وصون وحدة الجغرافيا، وترسيخ حق تقرير المصير، واستناده إلى تفويض شعبي واضح.
وهذا هو جوهر الشرعية الدستورية الحقيقية.




الانتخابات المحلية بين الواقع والمأمول

بهاء رحال

في ظرف استثنائي شديد التعقيد سياسيًا واقتصاديًا، ووسط تحديات الواقع الراهن في غزة والضفة والقدس، تجري عملية الاستعداد لانتخابات المجالس البلدية والمحلية كخطوة متقدمة نحو عملية ديمقراطية واعدة تقوم بها السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم أن الواقع الصعب قد لا يكون الأنسب لمثل هذه الانتخابات، إلا أنها تعتبر خطوة لإعادة الحياة الديمقراطية بدءًا من المجالس المحلية مرورًا بالمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، الذي هو البيت المعنوي الجامع للكل الفلسطيني.
نقترب كثيرًا من موعد الانتخابات المقررة في ٢٥ نيسان الجاري، ونسمع الوعود من الكتل المترشحة، كما نشهد حماسًا في أوساط عديدة، وهو أمر لافت في ظل الواقع المعاش والظروف الاستثنائية التي تعصف بالقضية الفلسطينية برمتها، والحياة القاهرة التي يعيشها الفلسطيني، إلا أن مشاهد الديمقراطية والتنافس بين المترشحين له مدلولات غاية في الأهمية، مفادها حيوية شعبنا وديمومة حضوره، ودفاعه المستميت عن أرضه ووطنه، إلى جانب دفاعه عن حقه في الانتخاب والترشح والتنافس الحر، وهذا من أهم سمات الشعوب التي تستحق الحياة.
ما تشهده الساحة من حراك تنافسي بين الكتل في مختلف المدن والقرى، دليل على أن شعبنا يتعطش للديمقراطية وممارسة حقه في الانتخاب، كما أن قانون الانتخابات الأخير رفع من مشاركة الشباب حين أتاح المجال لشريحة أكبر من الترشح عبر تخفيض السن القانوني للمرشح، وهذا دفع بالشباب للمشاركة الفاعلة التي نلمسها خلال عملية الدعاية الانتخابية، في داخل القوائم والكتل، وعبر المحيط الاجتماعي الواسع.
إن الرسالة التي يقدمها المترشحون هامة وواعدة، وفيها الكثير مما يلامس آمال الناس وأمنياتهم، وهذا ينسجم تمام الانسجام، إذا ترافقت الوعود بالفعل والعمل الدؤوب لنرتقي بمدننا وقرانا، ويحظى المواطن بعيش كريم، وهو يساهم في عملية البناء والتطوير جنبًا إلى جنب في صيرورة الفعل والعمل الذي ينهض بالخدمات العامة، ويعزز من كفاءة الأداء المؤسسي، ويكرّس مبادئ النزاهة والشفافية، وصولًا إلى تحقيق تنمية مستدامة تلبي تطلعات المواطنين وتستجيب لاحتياجاتهم المتجددة.
نقترب من يوم الاقتراع، وخلال الفترة الماضية استمع المواطن للكثير من الآمال والوعود والخطط، عبر برامج الكتل التي وعدت الناس بتحقيقها في حال نجاحها، وما نطلع له وما نتمناه أن تكون هذه الوعود وعد الحر للحر، وأن لا تكون فقط دعاية في منازلة انتخابية سرعان ما تختفي فور خروج النتائج.
واقع صعب ومدن تحتاج الكثير لتسهيل حياة الناس بدءًا بالطريق والأسفلت مرورًا بالمدارس والأرصفة، ويا حبذا لو أصبح لدينا حدائق عامة، ومناطق سكنية وأخرى تجارية وأن لا تبقى الأحياء مختلطة بين التجاري والسكني والصناعي، وأن تتوفر للمواطن حاجته من المياه ونحن على أبواب الصيف مترافقة مع عدالة في التوزيع لكافة المناطق والأحياء، وأن يحترم الرصيف كحق من حقوق المشاة التي تنتهك بشكل دائم، وكثيرة هي الأمنيات ولكن نقول لمن سينجح في الانتخابات، أوفوا بعهودكم لناخبيكم.




الراتب قبل أن يصل: من يقرر كيف يُنفق مالك؟

د. سعيد صبري

في اقتصادٍ تُدار فيه الأزمات قبل أن تُحل، لم يعد السؤال متى يصل الراتب… بل من يقرر كيف يُنفق.
في أزقة الاقتصاد الفلسطيني المثقل بأعبائه، لم يعد الموظف يسأل وهو يحتسي قهوة صباحه: “متى يُصرف الراتب؟”، بل صار يسأل ما هو أشد وطأة: “كيف سيصلني هذا الراتب، وما الذي سيبقى منه حين يصل؟” ففي ظل أزمة مالية خانقة أجبرت الحكومة على صرف رواتب منقوصة لا تتجاوز الستين بالمئة لسنوات متتالية، فقد الراتب دوره القديم بوصفه أداةً لبناء الغد، وغدا مجرد قطرة تبحث عن فم في صحراء الديون والمتأخرات.
وإذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن عدد الموظفين الحكوميين يُقدَّر بنحو 150 ألف موظف، فإن أي تغيير في آلية صرف الرواتب أو إدارتها لا يمس أفرادًا فقط، بل يمتد أثره إلى مئات آلاف الأفراد من عائلاتهم، في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الرواتب كمصدر دخل رئيسي ومحرك أساسي للإنفاق.
في هذا المشهد المأزوم، برز حديث متصاعد في وسائل الإعلام الخاصة حول توظيف المحافظ الإلكترونية مخرجاً لأزمة السيولة—وهو حديث لم يرتقِ بعد إلى مستوى الإعلان الرسمي—يقوم على فكرة اقتطاع فواتير الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء وضريبة البلدية، من الراتب تلقائياً قبل أن يصل إلى صاحبه، كأن ثمة يداً غير مرئية تتولى الإنفاق نيابةً عمّن يعمل وينتظر.
ولا يمكن الإنصاف بحق هذه الفكرة دون الاعتراف بما تحمله من منطق تنظيمي له ثقله. فعلى المستوى الكلي، يُسهم هذا النموذج في تنظيم الإيرادات العامة وتوزيع عبء تمويل الخدمات بشكل أكثر عدلاً، بدلاً من إبقاء التكلفة على كاهل الملتزمين وحدهم. كما يمنح الهيئات المحلية المنهكة تدفقات مالية منتظمة تحول دون شللها الكامل، فيما تُسهم الأتمتة في تعزيز الشفافية ودفع شريحة واسعة نحو منظومة الشمول المالي.
غير أن هذه المبررات، وإن كانت تبدو وجيهة في قاعات الاجتماعات، تطرح حين تهبط إلى طاولة المطبخ حيث تُحسب الميزانية وتُتخذ القرارات الصعبة، أسئلة اقتصادية وإنسانية لا تقبل التجاهل. ويأتي ذلك في سياق تراجع ملحوظ في القوة الشرائية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة انخفاض الدخل الفعلي وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي اقتطاع إضافي يمس مباشرة قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
أول هذه الأسئلة وأشدها إلحاحاً: من أين سيجري الاقتطاع تحديداً؟ فإذا كان سيتم من مجموع الراتب المستحق نظرياً—أي من نسبة المئة بالمئة قبل التجزئة—فإنه رغم قسوته الظاهرة، قد يُخفف على الموظف عبء المطالبات المتراكمة، ليستلم ما يصله صافياً من ذمم البلديات وفواتير الخدمات. أما إن جرى الاقتطاع من الجزء المحوَّل فعلاً، فستتحول الحياة إلى معادلة يعجز الموظف عن حلها.
لكن ثمة ما هو أعمق من هذين السيناريوهين لا يُقال صراحةً: الراتب الحكومي اليوم ليس رقماً واحداً بل رقمان—رقم مسجّل في عقد التوظيف، ورقم أصغر هو ما يصل فعلاً. والفارق بينهما لا يمثّل مالاً محتجزاً في خزينة ينتظر دوره؛ بل هو أرقام في سجلات دفترية لا يعززها رصيد نقدي حقيقي، لأن هذا المال ببساطة غير موجود. وعليه، إذا اقتُطعت الفواتير من الراتب الكلي المستحق نظرياً، فقد تُقتطع من جزء لن يأتي أبداً—ويخسر الموظف من دخله الفعلي ثمن دين وهمي لم يكن له وجود على أرض الواقع.
وفوق ذلك كله، فإن الراتب ليس مجرد حوالة بنكية روتينية، بل هو اللحظة الوحيدة التي يشعر فيها الموظف المنهك بأنه لا يزال يمتلك قراره. هو اللحظة التي يجلس فيها الأب ويقرر: “هذا الشهر أقدّم دواء والدتي على فاتورة الكهرباء”، أو “سأدفع قسط المدرسة المتأخر وأؤجل ضريبة البلدية”. وإن كان الهدف تعزيز الدفع الرقمي وتنظيم الجباية، فلماذا لا تُتاح للموظف مساحة ليدفع طواعيةً عبر محفظته بنفسه؟ الخيار الحر يصنع مواطناً واعياً، والاقتطاع القسري لا يصنع شيئاً سوى موظف يشعر أن حريته الأخيرة قد سُلبت منه.
ولا يكتمل المشهد دون سؤال جوهري عن الطرف الآخر في هذه المعادلة: هل الهيئات المحلية مؤهلة رقمياً لاستقبال هذه المدفوعات بسلاسة؟ وهل ستُعيد بدورها تسوية ما عليها للحكومة في دورة مالية مغلقة ومنتظمة؟
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إيلاماً: الأزمة الفلسطينية ليست في آلية الدفع، بل في جفاف السيولة من منابعها. ففي وقت تتجاوز فيه الودائع المصرفية في فلسطين نحو 20 مليار دولار، لا تنعكس هذه الكتلة المالية على شكل سيولة فعلية في السوق، بل تبقى محصورة ضمن قيود مصرفية لا تتحول بسهولة إلى نقد متداول. وحين تُحوَّل الفواتير رقمياً بين حسابات الحكومة والبلديات، فإن ما يجري هو تسوية محاسبية لا نقلاً حقيقياً للنقد. البلدية ترى رصيدها يرتفع على الشاشة، لكنها حين تذهب لدفع رواتب عمالها أو مستحقات مورديها، تصطدم بواقع مرير: هؤلاء يطلبون نقداً حقيقياً لا أرقاماً معلقة. والنتيجة أننا لا نحل أزمة النقد، بل ننقلها من جيب الموظف إلى شاشة البلدية. وتجارب بعض الدول الأفريقية التي حاولت هذا المسار في أزمات مشابهة تقدم درساً قاسياً: تراجعت القوة الشرائية، ركدت الأسواق، وعجزت البلديات عن تسييل الأرقام الدفترية لتغطية نفقاتها.
في المحصلة، تنظيم الأزمة ليس حلاً لها. المحافظ الإلكترونية أداة نافعة في الأوقات الطبيعية، أما توظيفها في ظروف استثنائية لفرض ترتيب قسري على إنفاق ناس مأزومين، فيحوّلها من أداة تحديث إلى أداة ضغط. الحل الحقيقي لا يمر بابتكار طرق جديدة لاقتطاع رواتب منقوصة أصلاً، بل بضخ سيولة فعلية في الاقتصاد، وإتاحة الدفع الرقمي بإرادة حرة، وبناء تسويات شفافة حقيقية لا تمس كرامة الموظف. لأن اقتصاداً يُدار بالنيابة عن الناس دون أن يترك لهم حرية تدبير أزمتهم، هو اقتصاد فقد إنسانيته قبل أن يفقد سيولته.
* مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية




الحرب المفتوحة… الأهداف والميادين والأطراف والزمن

هاني المصري

تقترب الحرب من إتمام شهرها الأول، ولا أحد يعرف متى ستنتهي. فالحروب يُعرف من يشعلها، لكن لا يُعرف مَن وكيف ومتى يمكن إنهاؤها. ولعلّ أنسب تسمية لها هي “الحرب المفتوحة”؛ فهي بأهداف مفتوحة ومتغيّرة، تبدأ من تدمير قدرات إيران، وتمرّ بإسقاط النظام، ولا تستبعد إسقاط الدولة وتفتيتها.
أهداف هذه الحرب متغيّرة، أولاً نتيجة طبيعة دونالد ترامب الذي يكذب كما يتنفّس، ويناقض نفسه باستمرار حول أهداف الحرب وما أنجزته وما يمكن أن تنجزه، وهل سيوقفها أم لا. وثانياً لاختلاف الأولويات والحسابات وبعض الأهداف بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال؛ فما يهمّ واشنطن أكثر رضوخ النظام، عبر تغيير قيادته أو تغيير سياسته، باتفاق أو من دونه، بينما أولوية تل أبيب استمرار الحرب حتى إسقاط النظام ورفض التوصّل إلى اتفاق، ومن المفضّل تفتيت إيران إلى دويلات طائفية عرقية متحاربة، تعمّم نموذج إسرائيل دولةً عنصريةً دينية، وتساعدها في تحقيق طموحاتها بإقامة “إسرائيل الكُبرى” والهيمنة على الشرق الأوسط، مع أن قدرات إسرائيل، التي تبيّن أنها لا تستطيع أن تخوض حرباً وتنتصر فيها حتى لو كانت بالشراكة مع الولايات المتحدة، أصغر من أطماعها. ولأنّ تبنّي أهداف كُبرى يتطلّب موافقة الكونغرس، جرى التحايل عبر وصف الحرب بـ”عمليات عسكرية”، وتقديمها ضرباتٍ استباقية. وقد استند هذا التوصيف إلى روايتَين أميركيتَين رسميتَين متناقضتَين: الأولى لمنع مباغتة إيرانية ناجمة عن الزعم بأن طهران ستقوم بضربة استباقية، والثانية أن حكومة نتنياهو كانت ستبادر إلى الحرب في كلّ الأحوال، فرأت إدارة دونالد ترامب أن تحظى بميزة الضربة الأولى.
التراجع عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه بل يعكس سقوط الرهان على انهياره السريع.
التراجع العلني عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه كلّياً، بل يعكس سقوط الرهان على رضوخ النظام الإيراني أو انهياره السريع عبر انقلاب داخلي أو انتفاضة شعبية. ومع ذلك، لا يعني هذا التوقّف عن السعي إلى إضعافه تمهيداً لإسقاطه لاحقاً. لذلك وضعت إيران شروطاً لأيّ تسوية، في مقدّمتها وقف الحرب، لا مجرّد وقف إطلاق النار، فطهران تخشى استئناف الحرب لاحقاً إذا لم تتوافر ضمانات دولية تحول دون استئنافها، فالتجربة، كما في قطاع غزّة، وفي فلسطين عموماً، تُظهر أنّ وقف النار قد يوقف حرب الإبادة الشاملة والتهجير القسري الواسع، لكنّه لا ينهي أشكالاً أخرى من الحرب: القتل، والتدمير، والتهجير “الطوعي”، والضم التدريجي، والفصل العنصري، والحصار، والعقوبات الجماعية، وصولاً إلى فرض وصاية استعمارية بأسماء مضلِّلة.
وهي حرب مفتوحة جغرافياً، إذ امتدّ ميدانها ليشمل دولاً في الشرق الأوسط، مع قابلية اتساعها لتضمّ أطرافاً إضافيةً وممرّات مائية أخرى، ما قد يحوّلها من حرب إقليمية ذات أبعاد دولية إلى حربٍ عالمية ثالثة. كما أنّها حربٌ مفتوحة زمنياً؛ فقد تستمرّ أسابيع أو أشهراً، وربّما تمتدّ سنواتٍ في ظلّ سيولة غير مسبوقة في النظام الدولي، وانهيار النظام العالمي القديم، واحتدام الصراع على شكل العالم الجديد، وما إذا كان سيبقى نظاماً أحادياً أم يصبح تعدّدي القطبية، أم يأخذ شكلاً جديداً. وهي حرب تُسرّع هذا التحوّل، وتستمدّ وقودها منه في الوقت ذاته.
أمام هذه الحرب أربعة سيناريوهات رئيسة: استمرارها بالوتيرة الحالية، تصاعداً أو تراجعاً، ضمن نمط حرب استنزاف؛ تصعيد واسع مع دخول أطراف جديدة، واستهداف البنية التحتية ومصادر الطاقة والممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، الذي قد يدخل الحرب إذا انخرط الحوثيون، وربّما يشمل تنفيذ عمليات برية للسيطرة على مواقع استراتيجية أو على مخزون اليورانيوم المخصّب؛ استخدام أسلحة الدمار الشامل، بما فيها النووية التكتيكية؛ وقف الحرب، باتفاق أو من دونه.
تحديد السيناريو الأرجح يتطلّب معطيات غير متوافرة بالكامل لدينا، لكنّ المؤشّرات الحالية تفيد بوجود سباق بين مساري التصعيد والاحتواء من دون حسم واضح قاطع لأيّ منهما.
في ضوء مستوى معيّن من توازن القوى القائم، يبدو أن السيناريو الأول الأقرب على المدى القصير، لأنّه يحقّق بعض أهداف الأطراف من دون الانزلاق إلى مخاطر كُبرى. لكنّه، في الوقت ذاته، لا يفضي إلى نصر حاسم، بل إلى معادلة “خاسر – خاسر”. ومع ذلك، يُنظر إلى بقاء النظام الإيراني من دون رضوخ لشروط أعدائه نوعاً من الانتصار النسبي، لأنّ نتائج الحروب تُقاس أساساً بمدى تحقق أهداف من بدأها. لذلك ستسعى إدارة البيت الأبيض إلى تحقيق نصر واضح ملموس يبرّر وقف الحرب، فترامب يخشى من الهزيمة كما يخشى من عدم النصر، لانعكاس هذا وذاك على فرصه في الفوز بالانتخابات النصفية المقبلة. لذا، سيسعى جاهداً إلى الحصول على صورة نصر، فإذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات في مجلسَي النواب والشيوخ، ستدخل إدارته مرحلة “البطّة العرجاء”، وقد تنجح محاولات عزله قبل نهاية مدّته الرئاسية، ويدخل التاريخ من أضيق أبوابه زعيماً نرجسياً كذّاباً فاشلاً ومهزوماً، رغم أن بلاده تملك أقوى جيش في العالم، ومتفوّقة تكنولوجياً واقتصادياً على عدوها. ولكن عقيدة تنتصر على التفوّق، والتفوّق العسكري، وما ينتج منه من دمار وموت، لا تقود إلى حسم سياسي، فإيران تدافع عن نفسها، والمدافع يحظى بمزايا لا يتمتّع بها المهاجم والمعتدي، وقدرة المدافع على التحمّل أكبر. فمن يدافع عن نفسه لديه دوافع أعمق وأكثر من مهاجم يريد زيادة نفوذه ومصالحه، والضحية لا تملك سوى الدفاع عن نفسها في حرب وجودية، ومستعدّة لدفع الأثمان الغالية برضى شعبي واسع، كما يظهر في المظاهرات المؤيّدة للنظام والرافضة للعدوان، والداعية إلى الانتقام، في ظلّ أن أهداف الحرب الخفية لا تقتصر على إسقاط النظام وتغيير سياسته، وإنما تصل إلى إسقاط إيران دولةً، بما في ذلك خطر تفتيتها.
وقف الحرب هو الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، لكن فرصه الفورية محدودة
أمّا سيناريو التصعيد، فيظلّ قائماً وجارياً تنفيذه، لكنّه محكوم بسقوف الكلفة العالية. فالتدخّل البرّي مثلاً قد يؤدّي إلى خسائر بشرية كبيرة، خصوصاً للقوات الأميركية، من دون ضمان تحقيق أهدافه، خصوصاً تدفّق النفط، مع خطر التورّط في “مستنقع” شبيه بتجارب فيتنام والعراق وأفغانستان. في المقابل، يُعدّ استخدام أسلحة الدمار الشامل السيناريو الأضعف احتمالاً، لما ينطوي عليه من مخاطر كارثية تتمثّل في تجاوز خطّ أحمر، وسابقة قابلة للتكرار في أوكرانيا وغيرها، ما قد يدفع نحو مواجهة دولية شاملة. ومع ذلك، لا يمكن استبعاده كلياً، في ظلّ تلاقي تيارات دينية – أيديولوجية متطرّفة حاكمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى في هذه الحرب معركةً مصيريةً تتجاوز الحسابات التقليدية والمصالح، وتعتمد على تصوّرات وأهداف عقائدية دينية.
أمّا وقف الحرب، فرغم أنه الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، فإن فرصه الفورية محدودة في ظلّ التصعيد العسكري وحشود القوى، وعدم بدء تفاوض جدّي، وعدم نضج شروط تسوية يقبلها الطرفان. ولكنّه وارد، ولا يمكن أن يتحقّق إلا بضغط دولي حاسم، أو تغيّر نوعي في موازين القوّة، أو ضغوط داخلية أميركية أقوى، في ظلّ معارضة معظم الأميركيين للحرب، بمَن فيهم أشخاص في الإدارة وقادة ومؤثّرون في الحزب الجمهوري وتيار “أميركا أولاً”. ودائماً، يبقى سيناريو “البطّة السوداء” قائماً، أي حدث غير متوقّع يحصل ويغيّر مسار الصراع جذرياً، وهو أمر ليس نادراً في الشرق الأوسط.
تبقى مسألة موقف الدول العربية، وخاصة الخليجية، التي وجدت نفسها في قلب حرب ليست حربها. وقد أحسنت صنعاً بعدم الانخراط فيها رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ورغم تعرّضها لهجمات طاولت بنى تحتية وأهدافاً مدنية. هناك أزمة وتحدّيات غير مسبوقة، لكنّها تنطوي على فرصة تاريخية. فالمطلوب عربياً موقف واضح في مستوى اللحظة التاريخية يقوم على: إدانة العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، ورفض استهداف إيران البنية التحتية والنفطية والمدنية في دول الخليج، وتجنّب الانخراط في الحرب في كلّ الأحوال، ورفض استخدام القواعد العسكرية الأميركية تمهيداً لإزالتها في أقرب وقت ممكن، والدفع نحو علاقات إقليمية قائمة على الحوار وحسن الجوار، بعيداً عن الهيمنة والأطماع والأذرع. فالدرس الأهم أن الأمن لا يتحقّق بالاستقواء بالخارج أو بالقواعد العسكرية، التي لم توفّر الحماية، وأصبحت عبئاً ومصدراً للخطر وسبباً للاستهداف، بل ببناء منظومة أمنية خليجية وعربية، ثم إقليمية ودولية، تقوم على المبادئ والقيم الإنسانية وتوازن القوى والمصالح والشراكة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة أنّ الأمن الذاتي وحده يوفّر الأمن.




جرائم المستوطنين

بهاء رحال

اعتداءات المستوطنين لا تتوقف في الضفة الفلسطينية من شمالها وحتى الجنوب، كما أن ارتفاع وتيرة تلك الجرائم يعود إلى الدعم المباشر من قبل بن غفير وسموتيرتش وآخرين في حكومة الاحتلال، الذين يوفرون الدعم المالي والعسكري، ويصدرون القرارات العسكرية. وما كان لهذه الجرائم أن تحدث لولا الحماية المباشرة من قبل جنود الاحتلال الذين يحرسون قطعان المستوطنين ويوفرون لهم الحماية، حيث إن كل اعتداء يقومون به، وكل جريمة يرتكبونها، تحدث تحت أعين الجنود وبتعليمات من وزراء حكومة الاحتلال الذين يتزعمون الحركات الاستيطانية.
إن الدعم والحماية لأولئك الأشرار هو الدافع الحقيقي لكل الجرائم التي تُرتكب، فلم يسلم حقل زراعي، ولم تسلم المواشي ومزارع الدواجن، ولا الأشجار الحرجية والمثمرة، ولا المركبات والبيوت التي تتعرض للنهب والحرق والسرقة، والشواهد على ذلك كثيرة، وليس آخرها ما حدث ليلة أمس الأول في بيت امرين وبرقا وحوارة، وكيف قاموا بحرق عيادة صحية وبيت لعائلة نجا أفرادها بأعجوبة، ولولا لطف الله بهم لماتوا جميعًا.
إن ما يعيشه المواطن الفلسطيني في مدن وقرى الضفة صعب الوصف، أمام وحشية المستوطنين الذين يواصلون عربدتهم، والناس لا يجدون من يحميهم ويرفع عنهم هذا التوحش. فعلى الأرض مستوطنون مسلحون بالرشاشات تحت حماية جنود الاحتلال، والمواطن الفلسطيني أعزل، وغير مسموح له أن يدافع عن نفسه وعن رزقه وحقله وقوت أطفاله وممتلكاته التي تتعرض للسرقة والنهب على يد المستوطنين الأغراب.
وأمام هذا الواقع الصعب، وبينما تستعر الحرب الإقليمية على عدة جبهات، ومع استمرار المعاناة في غزة والتي لم تتوقف حتى بعد تشكيل اللجنة الإدارية ومجلس السلام المزعوم، وحيث تتواصل معاناة الناس في الضفة الفلسطينية والقدس، مع ارتفاع الاعتداءات ومنسوب الجرائم التي ترتكبها عصابات المستوطنين، في ظل غياب الحماية المطلوبة، وتصاعد مشاعر الخوف وانعدام الأمان لدى المواطنين الذين يتعرضون في كل يوم للاعتداء. وهنا يكون البحث عن وسائل وأساليب حماية لتوفير الأمن والأمان ضرورة حتمية، وعلى الأحزاب والفصائل والسلطة بمكوناتها أن تعمل معًا في إطار خلق حالة موحدة لمواجهة  ودرء هذه الجرائم التي تهدد الإنسان الفلسطيني.
إن ما يعانيه الناس في القرى والبلدات الفلسطينية جراء تلك الجرائم، يفوق الوصف والكلام، حيث أن دائرة الخوف تتسع ويغيب الشعور بالأمان في ظل تكرار الاعتداءات واستمرارها دون رادع، الأمر الذي يفاقم معاناة الأهالي ويثقل كاهلهم نفسيًا ومعيشيًا، ولا أحد يوفر لهم الحماية، وهم يواصلون ثباتهم فوق أرضهم وفي بيوتهم. وأمام هذه المشاهد يبقى السؤال عمن يؤمن لهم الحماية؟ وكيف يمكن لهم أن يصمدوا في وجه العصابات المسلحة التي تعتدي عليهم بالحرق والضرب والسرقة.