1

في الثامن من آذار.. لا عدالة بلا إنهاء الاحتلال ولا دولة بلا نسائها

منى الخليلي

في كل عام، يرفع شعار “العدالة” في الثامن من آذار، اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة منصة عالمية لتجديد الالتزام بحقوق النساء. لكن في فلسطين، لا يمكن للعدالة أن تكون مفهوما تجريديا أو مطلبا إصلاحيا معزولا عن سياقه السياسي. العدالة هنا تبدأ من إنهاء الاحتلال، ومن تمكين شعب كامل من حقه في تقرير المصير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران1967وعاصمتها القدس.

تحل هذه المناسبة هذا العام فيما تتواصل الحرب على قطاع غزة، والضفة الغربية والقدس، وتناقش في أروقة مجلس الأمن الدولي صيغ لوقف إطلاق النار وترتيبات تهدئة. غير أن أي مسار سياسي لا ينطلق من الاعتراف الصريح بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، سيبقى مسارا منقوصا. فالسلام العادل ليس منحة سياسية، بل استحقاق قانوني وأخلاقي.

غير أن الحديث عن الدولة لا يكتمل دون الحديث عن طبيعتها: أي دولة نريد؟ وهل ستكون دولة تعيد إنتاج التمييز، أم دولة تجسد المواطنة المتساوية؟

المرأة الفلسطينية ليست طارئة على الفعل الوطني، ولم تكن يوما هامشا في مسيرة التحرر. من الحركة النسوية المبكرة إلى أطر العمل النقابي والمجتمعي، ومن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية إلى المطالبة بالمشاركة السياسية، راكمت النساء إنجازات ملموسة. إقرار الكوتا النسوية في المجالس المنتخبة لم يكن هبة، بل نتيجة نضال حقوقي طويل، ترافقت مع إرادة سياسية بالانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وهذة خطوة مهمة ولم يكن إجراء شكليا، بل محطة مفصلية فتحت أفقا قانونيا لمساءلة السياسات والتشريعات المعمول بها في فلسطين.

لكن التحدي اليوم مضاعف: كيف نحمي ما تحقق، ونمنع تآكله تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي؟

الأرقام الصادمة لعدد الأرامل الشابات، وللأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ليست مجرد معطيات إنسانية؛ إنها مؤشرات لتحولات اجتماعية عميقة ستعيد تشكيل البنية الأسرية والاقتصادية. آلاف النساء انتقلن قسرا إلى موقع المعيل الأساسي، في ظل اقتصاد مدمر، واحتجاز أموال، وتآكل منظومة الحماية الاجتماعية. هنا يتقاطع الوطني بالحقوقي: فلا يمكن الحديث عن صمود دون سياسات تمكين اقتصادي حقيقية، ولا عن تعاف دون إدماج النساء في التخطيط وإعادة الإعمار.

إعادة الإعمار، في جوهرها، معركة عدالة توزيع. من يحصل على الموارد؟ من يحدد الأولويات؟ من يراقب التنفيذ؟ إذا لم تكن النساء جزءا من هذه المعادلة، فإننا نعيد إنتاج الصور النمطية لدور النساء بصورة أكثر هشاشة.

في المقابل، يتسع خطر آخر بصمت: تصاعد العنف الاجتماعي تحت وطأة الفقر والنزوح والصدمة. زواج القاصرات، تعدد الزوجات، نزاعات الإرث، وتزايد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. هنا يتجلى وجه آخر للاحتلال؛ إذ لا يقتصر أثره على الدمار المادي، بل يخلق بيئة ضغط تتسلل إلى داخل المجتمع ذاته. لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني تبريره. بل يفرض علينا مواجهته بسياسات واضحة للحماية والمساءلة.

استمرار العمل بقوانين أحوال شخصية تعود جذورها إلى خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، رغم التحولات الاجتماعية والسياسية الجذرية، لم يعد مقبولا. في ظل الاستشهاد، والإعاقات الدائمة، والمفقودين، وتعقيدات الإرث والحضانة والنفقة، يصبح إقرار قانون أحوال شخصية فلسطيني عصري أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية. فالدولة التي لا تنصف نساءها في قانونالأحوال الشخصية، لن تنصفهن في الفضاء العام.

النضال الحقوقي للمرأة الفلسطينية يجب أن ينتقل اليوم من الدفاع إلى المبادرة: من المطالبة بالتمثيل إلى التأثير الفعلي في صياغة السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشاركة السياسية لا تختزل بنسبة مقاعد، بل تقاس بمدى القدرة على إعادة تعريف الأولويات الوطنية من منظور العدالة الاجتماعية والمساواة.

إن تراكم الإنجازات يتطلب رؤية واضحة:

– ربط الإغاثة العاجلة بخطط تمكين اقتصادي مستدام للنساء.

– إدماج النوع الاجتماعي في كل مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

– مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين.

– إنشاء منظومة حماية فعالة لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتضمن مراكز إيواء وخدمات قانونية ونفسية متخصصة.

في الثامن من آذار، لا نطلب تضامنا رمزيا، بل نطالب بمسار وطني يعترف بأن حقوق النساء ليست ملفا فرعيا يمكن تأجيله إلى ما بعد “التحرر”، بل هي جزء أصيل من معناه. فلا تحرر وطنيا دون تحرر اجتماعي، ودولة ذات سيادة عمادها مواطنة متساوية.

رسالتي اليوم للمرأة الفلسطينية: لقد راكمت إنجازات في أصعب الظروف، وانتزعت مكاسب لم تكن سهلة. المرحلة القادمة ليست مرحلة انتظار، بل مرحلة تثبيت الحقوق وتوسيعها، عبر التشريعات الوطنية التي تعزز المساواة والمواطنة. طالبي بمكانك في لجان التخطيط والإعمار، في صياغة القوانين، في رسم السياسات الاقتصادية. فالدولة التي نحلم بها لن تمنح لنا كاملة؛ بل تبنى بتوازن قواها المجتمعية، وبإصرار نسائها على أن يكن شريكات كاملات لا شاهدات على الهامش.

في يوم المرأة العالمي، يتجدد العهد: أن يكون النضال النسوي الفلسطيني رافعة للتحرر الوطني، وأن يكون التحرر الوطني ضمانة راسخة لحقوق النساء. هكذا فقط يتراكم الإنجاز… وهكذا فقط تصان العدالة.




الترمبية والشرق الأوسط الجديد


د. دلال صائب عريقات

لم يعد الخطر في الشرق الأوسط يُعرَّف بوصفه احتلالًا عسكريًا قائمًا وممتدًا، بل بات يُعاد تأطيره ضمن سردية “التهديد النووي” و”الخطر الوجودي الإقليمي”. هذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل يعكس إعادة صياغة كاملة لأولويات الأمن الدولي والإقليمي، بحيث يُزاح الاحتلال من مركز التحليل، ويُستبدل به خطاب الردع الاستراتيجي، والتوازنات النووية، وتحالفات مواجهة “الخطر الأكبر”.
في هذا السياق، لم تعد المبادرات التي تُطرح تحت عنوان “السلام” في القضية الفلسطينية تعكس مسارًا تفاوضيًا قائمًا على القانون الدولي وحق تقرير المصير، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة شرق أوسط جديد، تُعاد فيه صياغة التحالفات وفق منطق مواجهة “التهديد النووي” لا إنهاء الاحتلال.
صعود الترمبية وحركة MAGA Make America Great Again في الولايات المتحدة شكّل أحد مداخل هذا التحول. فالرؤية التي روّجت لها “صفقة القرن”، وما يمكن تسميته بعقيدة كوشنر–ويتكوف، لم تكن مجرد خطة سياسية، بل إطار لإعادة تعريف القضية الفلسطينية ذاتها: من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري–اقتصادي يُدار ضمن ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، عنوانها الاستقرار في مواجهة “الخطر الاستراتيجي”.
بهذا المعنى، يجري نقل مركز الثقل من إنهاء الاحتلال إلى بناء تحالفات إقليمية جديدة، يمكن وصفها بتحالف الإسلام السياسي المحافظ، والصهيونية القومية، والترمبية الشعبوية. تحالف غير مُعلن أيديولوجيًا، لكنه متقاطع مصلحيًا، يجمعه تصور مشترك للأمن قائم على القوة، والردع، وإعادة ترتيب أولويات المنطقة وفق ميزان “التهديد الأكبر”.
في هذا الإطار، تصبح القضية الفلسطينية عنصرًا وظيفيًا داخل معادلة أوسع: إما أن تُعاد صياغتها بما يتوافق مع هندسة التحالفات الجديدة، أو تُهمَّش بوصفها ملفًا يمكن احتواؤه عبر مشاريع إعادة إعمار، واستثمارات، وآليات أمنية. غزة تُختزل إلى مساحة إدارة أمنية–اقتصادية، والضفة الغربية تُفكك جغرافيًا وسياسيًا، فيما يُعاد تعريف الخطر باعتباره نوويًا عابرًا للحدود، لا احتلالًا مستمرًا منذ عقود. يُصبح الاحتلال تفصيلًا ثانويًا في سردية الأمن وتُبنى التحالفات على قاعدة مواجهة “الخطر الوجودي”، تُعاد شرعنة وقائع ميدانية كانت تُعتبر سابقًا انتهاكًا للقانون الدولي. هكذا تتحول أولويات النظام الإقليمي من إنهاء حالة استعمارية واضحة إلى إدارة توازنات ردعية.
في الوقت ذاته، يطرح صعود حركة MAGA مفارقة أخرى. فالحركة، في خطابها، تدعو إلى تقليص الانخراط الخارجي المكلف، وإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأميركي. نظريًا، يفتح ذلك الباب أمام مساءلة طبيعة الدعم غير المشروط لإسرائيل، وحجم الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية له. لكن عمليًا، شهدت الترمبية لحظات عززت فيها انحيازًا واضحًا، ما يعكس التداخل بين الاعتبارات الأيديولوجية والانتخابية والتحالفات الداخلية.
النتيجة أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله اليوم لا عبر خطوط الحدود التقليدية، بل عبر خطوط التحالفات الجديدة. خريطة المنطقة لا تُرسم فقط بالجغرافيا، بل بتعريف من هو “الخطر الأكبر”، ومن هو “الحليف الضروري”. وفي هذه المعادلة، يُعاد تعريف القضية الفلسطينية من مسألة قانونية–حقوقية إلى ملف يمكن إدارته ضمن منظومة ردع إقليمية. لكن استبدال الاحتلال بسردية “الخطر النووي” لا يلغي الواقع القانوني. حق تقرير المصير لا يسقط بتغير أولويات الأمن الدولي، وعدم شرعية الضم لا تتبدل بتبدل التحالفات. إن تحويل مركز النقاش من إنهاء الاحتلال إلى إدارة المخاطر النووية قد يعيد ترتيب الأولويات السياسية، لكنه لا يعيد كتابة قواعد القانون الدولي.
التحدي الحقيقي أمام الفلسطينيين اليوم ليس فقط مواجهة وقائع الاحتلال، بل مواجهة إعادة تعريف القضية ذاتها ضمن منظومة إقليمية جديدة. فالمعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على المفهوم: هل تبقى فلسطين قضية تحرر وطني، أم تتحول إلى ملف ثانوي في معادلة ردع إقليمي؟ دون إعادة تثبيت الأساس القانوني للقضية -حق تقرير المصير، وحدة الأرض، عدم شرعية الضم، والتمثيل الوطني الجامع- ستظل أي خريطة شرق أوسط جديد خريطة تُبنى فوق اختلال العدالة، حتى لو رُسمت بخطاب الأمن والاستقرار.




هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!

الحارث الحصني- في العام 1997 قدم نايف زواهرة إلى منطقة البرج بالأغوار الشمالية، بعدما مكث مدة من الزمن في أم الجمال  القريبة.

كان زواهرة في الثانية والعشرين من عمره، وفي ذلك العام دخل القفص الذهبي ليؤسس لمرحلة جديدة وملهمة في حياته.

أمضى الرجل ثلاثة عقود إلا قليلًا (29 عامًا) متنقّلًا بين الجبال القريبة والبعيدة عن خيامه، يرعى ماشيته دون أن يواجه خطرًا يحول دون ممارسة مهنته. لكن في العامين الماضيين حدث تغيرا كبيرا قلب المنطقة كلها رأسا على عقب، أدخل الرجل وباقي العائلات في دوامة يبدو أنها لن تنتهي قريباً.

بدأ الاستعمار الرعوي كبؤر وحظائر للماشية على قمم الجبال، ثم بدأ بالتوسّع تدريجيا من الاستيلاء على المراعي، فإجبار الرعاة على تركها بالقوة، ثم الهجمات المتتالية على المواطنين في خيامهم.

يقول زواهرة: “بدأنا نواجه المستعمرين منذ عام 2018 لكن كانت الأمور طبيعية”. أحضر مستعمرون في تلك السنة قطيع بقر وأبقوه في الحظيرة، ثم بدأت الأمور تزداد سوءاً بعدها.

كان كل شيء بالنسبة له قابل للاحتمال، باستثناء مداهمة المستعمرين لخيامه ليل نهار.

قال زواهرة: “تركّزت هجمات المستعمرين في الفترة الأخيرة في الليل (..)، كانوا ينشرون الرعب في كل مكان”.

يواجه الفلسطينيون في الشريط الشرقي لمحافظة طوباس مصيرا واحداً ومتشابها.

في الشهر الحالي، أجبرت اعتداءات المستعمرين بحق المواطنين حوالي عشرين عائلة على ترك مساكنها في تجمعي البرج والميتة.

كان زواهرة من الذين هجّروا من البرج باتجاه منطقة تسمى صافح تياسير شمال شرق طوباس.

تعيش العائلات الفلسطينية التي أجبرت على ترك مساكنها في الأغوار الشمالية، شعور الفقد بشكل واضح.

واقفا أمام خيمته التي نصبها قبل أيام، قال زواهرة: “تركنا وراءنا أرضنا، خيامنا وكل شيء وراءنا”.

“ثلاثة أجيال خرجت من الأغوار الشمالية (..)، أنا وأولادي وأحفادي”. قال زواهرة.

لكن نجله محمد كان في ذلك النهار، قد استطاع الوصول بحذر شديد مرة أخرى إلى مكان سكنه لجلب بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة.

ومع تسجيل استمرار هجرة العائلات من أماكن سكناها إلى مناطق أخرى، يمكن طرح هذا السؤال: “هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!”. لمعرفة الجواب، بحاجة لشهادة واحدة على الأقل لمن هجرت عائلته عام 1948.

تقول يسرى محاميد من مخيم الفارعة للاجئين، إحدى اللواتي شهدن النكبة بكل تفاصيلها، إن الزمن يعيد نفسه.

كانت “الكفرين” وهي قرية قريبة من أم الفحم، وقد هجّرت منها محاميد مليئة بينابيع المياه، ولذلك كانت جميلة لانتشار البساتين المزروعة بأصناف مختلفة من المحاصيل.

بالنسبة لزواهرة فإن المناطق المفتوحة في الأغوار الشمالية، تصبح أجمل في الربيع. يقول: “هذه البلاد أيضاً جميلة”.

إن التشابه في سرد الوصف الدقيق عن جمالية كل منطقة يعطي انطباعا متشابها عن الشعور بالفقد.

تقول محاميد: “عندما خرجنا من القرية ظننا أنها مدة قصيرة وسنعود… لم نأخذ إلا الأشياء الثمينة معنا”.

لكن يبدو أن زواهرة لديه انطباعاً مغايراً تماما، عندما قال لمراسل “وفا”، سنلاقي مصير أجدادنا الذين هجّروا في النكبة، لكن لن نأمل بالعودة قريباً”.

إن ما يزيد هذا الاحتمال المشؤوم لدى الرجل هي دلالات تحدث على أرض الواقع. فالحديث الرسمي لدى بعض الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال عن فرض “السيادة الإسرائيلية” على الأغوار، ومناطق أخرى في الضفة الغربية مؤشر قوي لذلك.

في اليوم الذي هُجرت فيه عائلة محاميد كانت يسرى حسب روايتها مع طفلة أخرى تملآن جرتي فخار بالماء من إحدى الينابيع، وفي طريق عودتهما لاقتا العائلات قد بدأت بالنزوح فعلا. سبق ذلك اليوم هجمات للعصابات اليهودية على قرى قريبة من الكفرين.

لاقى زواهرة حالا أشد قسوة من ذلك الحال عندما وصل به أن يلاحقه إرهاب المستعمرين حتى وسط خيامه، حتى أجبر على ترك مسكنه والرحيل إلى منطقة قرب طوباس.

لكن، هل انتهت قصة زواهرة مع المستعمرين؟!. الإجابة لا. يقول الرجل أنه في نفس اليوم الذي بدأ بنصب خيامه في المكان الجديد كان المستعمرون ذاتهم يراقبونه عن قرب.

ويضيف: “يبدو أننا لن ننعم كثيراً بليالي هادئة”. ثم أشار بيده شمالاً وقال هناك على رأس الجبل بؤرة استعمارية.

ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي لعام 2025، ما مجموعه 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

وتظهر المعطيات أن جيش الاحتلال كان الفاعل الرئيسي في هذه الانتهاكات بتنفيذه 18384 اعتداءً، فيما نفذ المستعمرون 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً عن “سيطرة الدولة”، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.

في واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المسماة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليلاً مادياً على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وعلى صعيد إرهاب المستعمرين، أسفرت الاعتداءات خلال العام 2025 عن استشهاد 14 مواطناً فلسطينياً، إلى جانب إشعال 434 حريقاً متعمداً في ممتلكات وحقول المواطنين، منها 307 حرائق في ممتلكات خاصة و127 حريقاً في أراضٍ زراعية، تركّز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل وطولكرم. كما وثّقت الهيئة 892 اعتداءً أدت إلى اقتلاع وتخريب وتسميم 35273 شجرة، من بينها 26988 شجرة زيتون، في استهداف مباشر للبعد الاقتصادي والرمزي للأرض الفلسطينية.

لم يتوقف هذا الإرهاب عند حدود التخريب، بل أدى إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، تضم 197 عائلة بواقع 1090 فرداً، في خطوة تعكس سياسة اقتلاع قسري ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستعماري.




لماذا الضفة لا تقاوم؟!

بكر أبوبكر

في جَمْعٍ من المؤتمرين كان السؤال: لماذا لا تقاوم الضفة الفلسطينية الآن؟ بالشكل الواضح أو المؤثر؟! رغم كل الانتهاكات الفظيعة للناس والأرض والحياة، وتنوعت الاجابات، وتبيان الأسباب!
قال الفاتح- أظن أن ما حصل من فعل التدمير الشامل والابادة الجماعية للصهيوني العنصري قد أعطت الفلسطيني المتروك وحيدًا في الميدان- خاصة في مقتلة غزة- نموذجًا لسوء المآل، حين يطلق الفلسطيني المقامر العنان للخيال، فيظن أن الأمة ستهب لنجدته! والساحات لن تتوقف عن نصرته! والسلاح المهترئ لن تنضب عدته، والفضائيات الكاذبة ستجرد سلاح بلدانها لتعزيز قوته! وأن الخيلاء الذي صاحب البدايات لن يخبو بريقه! فكانت النتيجة من الهزيمة والدمار الشامل مدخلًا للتراخي، أو الخوف، أو إعادة النظر أوإعادة التفكر والدخول لي حالة انتظار وترقب، ولربما تيهٍ طويل.
قال التالي- الشعور بالانكسار بعد الكارثة والنكبة الثانية العظمى منذ 17/8/2023 والبدء بمذبحة المعمداني، وتدمير غزة وتواصل المذابح وانكفاء السلاح وسقوط المحاور، وتعاظم عدد الشهداء.
قال المتأمل: لكل شعب مرحلة يحتاج فيها إما للاستراحة (سمّها استراحة المقاتل) للمراجعة واعادة النظر. وقد يكمن لفترة، لكنه سيقفز ثانية ليحقق ما عجز عنه في مراحل، أو قصّر فيه في مراحل. فالعجزُ الحالي ليس حقيقة رغم طغيان الوضع الميداني المقابل بطائراته ودباباته والحريق، وإنما العجز حالة ذهنية سرعان ما يستفيق منها الناس وفي خلال شعرة سينهضون بإذن المولى.
قال العقلاني: إن القوة المادية بالتقابل بين الصهيوني (المهيمن على فلسطين والاقليم العربي)، وبين صاحب الأرض لم تعد فقط مختلة بل ومعتلّة وبالدم مبتلّة! فالقوى المتناسبة تقريبًا فيما سبق (الثورة، والانتفاضات، والعمليات، والهبّات، والحراكات ….) قد سقطت مع صعود العقل الفاشي والبربري اليميني الإسرائيلي الإقصائي للغير والداهم الذي انطلق فيه التوحش اللاإنساني يضرب شمالًا وجنوبًا مع مقتلتِهِ المرعبة في غزة، فتحصّن بروايته بما حصل فارتكب المجازر بمحبة وفرح! وقرنها بخرافات التوراة وأساطيرها التي تمجّد القبيلة القديمة المندثرة، وانطلق منها ليقصف كل من لا يلعق غبار نعليه، كما قالت التوراة:”أنَّ الربَّ أمرَ كلَّ أجنبيٍّ إذا لَقِيَ يَهودِيًّا أنْ يَسجُدَ له على الأرضِ، ويَلحَسَ غُبارَ نَعلَيهِ” (اشعيا 23:49)!؟
وقال المُستثَار: لا تلوموا الشعب بل لوموا قياداته الانقلابية، فهي التي جرّت البلاد لمقتلة غير محسوبة العواقب، والتاريخ لن يرحمها ولا الشعب. وهي التي قصّرت بمدّ اليد لبعضها البعض، فكيف لفصيل أن يجتريء على الكل الوطني ويعلن حربه الخاصة! ضد وحش يفوقها آلاف المرات! استنادًا لأوهام وغباء وخطل حسابات، أو لتطويع آيات كريمة لم يكن من ضمن فهمهم لها أن القوة بكافة أشكالها وعلى رأسها وحدة الصف الوطني والعربي المسبقة، ولم يفهموا معنى الاستطاعة والحدود ضمن معادلة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
وقال ضدّه: إن اتفاقيات أوسلو، والتنسيق الأمني، وفساد السلطة هما الأساس في انفضاض الناس، أو سكونهم، وما لهم لا يدافعون عن أرضهم  إلا لأن قادتهم جامدون متجمدون فاشلون مفشلون، وفي الإسرائيلي مرحبّون! وهم يمثلون محور الاستسلام في مقابل محور المقاومة والممانعة، وعليه وجبت المفاصلة أولًا، والآن بين المعسكرين أو الفسطاطين.
قال المُعتبِر: لربما أن العِظة والعبرة قد فعلت مفعولها بانكسار السلاح الذي غابت عنه السياسة، وبعدم القدرة على إداراك المتغيرات والمستجدات، وعدم وعي حجوم القوى والاختلال العظيم، والإيغال بتقدير الكفاح المسلح وحده والقدرة الذاتية المنفردة وكسر ساق الوحدة الوطنية قد قضت على كل أمل باعادة استخدامه بأي شكل من الأشكال. وسقط الحجر مع حجم الرد المدوّي من الطائرات العادية والمسيّرة، وتراجعت مظاهر المقاومة الشعبية مع الصرخة التي يقابلها 3 مخازن من الرصاص، إضافة الى التجاهل العربي باستثناء فضائيات الكذب والتدليس والفُرقة والشحن للعواطف بلا أي فعل، والعبرة سوء التدبير في غزة.
قال المضغوط: إن “حماس” قد قتلت الوحدة الوطنية منذ استفردت بقطاع غزة وحولته رهينة لأهدافها الحزبية فقط التي لا ترى فلسطين الا مسواكًا! ولا ترى الشهداء الا خسائر جانبية فقامرت بحروب مرة ومرتين وثلاثة ثم ما كان من (جريمة العصر) باليد الصهيونية في غزة، وخُذلت وبدل أن تعتبر أخذتها العزة بالإثم حتى تنازلت عن كل شيء بالتدريج، ولم تجد الا التمسك بأنفاسها الأخيرة، حتى لو انتهت القضية وسقطت الدولة المِسواك!
قال صاحب الجرس: إن الكمون هو سمة الشعب البطل، والتوقف للحظات لا تساوي شيئًا في عمر الزمن سيعقبه هدير وعاصفة، وستجد من الموكوسين الموجوعين من يعلّق الجرس وينهض، فما بعد الهزيمة الا فجر يوم جديد يستغله الأبطال للانقضاض بشكل ابداعي قد لا يخطر على بال أحد.
قال صاحب الأمل: يعيش الشعب في حالة حزن وبلبلة وانكسار، نعم لسبب النكوص والنتيجة المفجعة في غزة ولضعف الحركة الرسمية العربية والعالمية، ولافتقاد البوصلة التي يحملها القائد، وتراجع جملة واسعة من الاهداف الجامعة، والأمل الكبير.
قال الأخير: لعلي فيما قلتموه أتفق مع الكثير ولعلي أختلف في بعضه فلست الا مستمعًا بينكم وما أظنني بقادر على التفصيل والواقع الأليم يضغط على البطون والأجساد في غزة، وعلى  القلوب والأفهام في كل فلسطين، بل والمنطقة المأسورة للمهيمن الصهيوأمريكي والشراهة الغربية الاستهلاكية منزوعة القيم والقضايا الجامعة، فكيف لمن افتقد الأساسيات أن يفكر بعِظام الأمور؟ فالانكسار وفقدان الامل وضعف القيادة وحالة المقامرة الوطنية والهزيمة النفسية- وإن في ظني ستكون مؤقتة- تحتاج لقائد أمثولة وقائد نموذج يحمل المشعل ويدرك التوازنات ويلم الأشتات، ويرسم الطريق بروح الجماعة، ويقهر بشعبه الثابت على أرضه والصامد روح الهزيمة حاملًا على كتفيه أدوات جديدة، مع آيات النصر ورحابة الأمل الذي لا ينفد، وما لا ينقضي من عمل كثير.




“الحاووز”.. شريان برقين الغائب

عبد الباسط خلف- يعود المهندس توفيق جرار، الجار الأقرب لعين ماء برقين التي ذاع صيتها في القرن الماضي باسم (الحاووز)، وصارت وجهة لأهالي البلدة والمنطقة، قبل أن تجف عام 1980.

ويسترد لـ”لحياة الجديدة” مشهد النبع الذي كان أهالي بلدة برقين، غرب جنين، والقرى المجاورة يطرقون بابه طلبًا للماء البارد المتفجر من بطن الجبل، وخاصة في أيام الصيف التي تصادفت مع شهر رمضان المبارك.

ووفق جرار، الذي كان والده المرحوم محمود يروي بساتين البرتقال من النبع، فإن أهالي البلدة وكفر دان وتجمعات قريبة أخرى، حرصوا على تعبئة الماء من النبع، خلال فترات الحر، وفي مواسم الصوم.

ويشير إلى أنه خلال الاحتلال البريطاني، وفي فترة الثلاثينيات، تفشت عدوى بين الحيوانات والماشية، فحضرت فرق البيطرة، وأسست مركز تعقيم قرب (الحاووز)، واستحدثت أحواضًا وضعت فيها الدواء، واستفادت من النبع لغمر الحيوانات بالماء والدواء لتطبيبها.

ويفتح النبع الغائب الحنين للمغترب بسام السعدي، المقيم في السعودية، فقد كان مواظبًا في صباه على نقل الماء في رمضان لعائلته، ويستعين بدابة لوضع عبوتين معدنيتين كان متعارف عليها بـ(جلن دبابة).

ويفيد لـ “الحياة الجديدة” بأن رمضان عام 1975 كان في أيلول، وكان يذهب للعين عصرًا، ويشاهد أفواجًا من الأهالي.

ويقول السعدي: إن النبع كان داخل غرفة إسمنت مجاورة للشارع الرئيس، ويسبق بستان برتقال في منطقة وادي الخوري، وفي داخله 3 حنفيات (صنابير)، ورابعة في الخارج، وقناة مخصصة للماشية، عدا عن قناة إسمنيتة تنقل الماء إلى مرج ابن عامر؛ لري البساتين.

ويستذكر محاولات الأهالي إزالة حجر كبير كان عالقًا في قلب النبعة، لكنهم فشلوا في مهمتهم.

وينقل مشاهد النساء اللواتي كن في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي يملأن جرارًا من الفخار، ويحملنها فوق رؤوسهن، ويصعدن بها من منطقة وعرة تسمى الدرج.

ويصف السعدي المكان، إذ كانت نبعة وادي برقين تبدأ من دار السوقية، وتمتد مسافة لما عرف بالحاووز، الذي لعب عنده الأطفال بالمياه ثم إلى واد برقين عبر السهول الضيقة أحيانا، وعلى جنباتها الأشجار مثل العنبر برائحته المنعشة، التي تعطر المكان وتروى منها بيارات البرتقال والليمون التي تضفي رائحة عطرية على المكان، بجوار أشجار التين المتنوعة، والتوتة الشاهقة، ثم تنحدر القناة للجهة اليسرى من الشارع إلى بساتين أخرى.

ويبين أن مياه النبع العذبة كانت بمثابة الرئة للشرب، وتنتعش في رمضان، عدا عن ري الأغنام والحمضيات والأشجار منها.

ويقول جار العين، علي حبايب، إنه ترك البلدة عام 1970 للتعليم والعمل، لكنه كان يشاهد أهالي البلدة بعد العصر يتقاطرون إلى العين، لتعبئة الماء ونقله من طريق جانبي ضيق إلى داخل البلدة.

ويشتعل الحنين في داخل الأربعيني محمد صبح، كلما هبت نسائم الذكريات، فيوجعه رؤية بعض الأمكنة شاحبة وهي التي كانت في طفولته تنبض بالحياة.

ويتابع: كانت الدروب جميلة نضرة رغم وعورتها وقسوة تضاريسها وتعرج مسالكها، وعلى رصيفها المتعرج كانت قناة الماء المنطلقة من (الحاووز) تسقي من فتحاتها بيارات الليمون والبرتقال في ذاك الوادي المطل على مرج بن عامر، حيث قبلة الأهالي ومساحات أحلامهم الوردية.

ووفق صبح، فقد كان ممن عبروا ذاك المسار الرائع الراسخة صورته العتيقة في مخيلته، إذ كان المشهد أكبر من أن يختزل، فقد كان جميلاً بتفاصيله وألوانه، أما اليوم فقد انقلبت الصورة رأسًا على عقب، فجف الماء، ورحلت الذكريات الرمضانية، وتهالكت القناة، وتناثرت حجارتها ولم يبق منها سوى بضع أمتار شاهدة على زمن جميل مضى، وعلى آلة تحضر غيرت وجه المكان.

وتستذكر الستينية أم أحمد، روايات والدتها لها عن (الحاووز) إذ كانت تسير والدتها مع رفيقات الصبا، فيذهب عدة مرات لحمل الماء على رؤوسهن.

وتقول: كانت والدتي تضع على رأسها الجرة من الفخار، وتسير بها بتوازن لمسافة طويلة، دون أن تقع، وفي مشهد يتكرر كثيرًا، خاصة مع عدم وجود شبكة مياه.

وبحسب أم أحمد، فقد شاعت قبل ربط البلدة بالتيار الكهربائي، عادة بيع قوالب الثلج، في منطقة المراح، وكان الأطفال والفتية يذهبون لشراء كميات من الثلج لتبريد الماء في رمضان، خلال أيام الصيف، وعقب جفاف الحاووز.