1

منظمة التحرير الفلسطينية بين استعادة الدور واستنهاض المشروع الوطني

د. مروان إميل طوباسي

في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي صادفت يوم ٢٨ أيار، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة.
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة وتقسيم فعلي، وتتصاعد عمليات الضم والاستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات استعمارية مثل قانون تسوية الأراضي، وما يتعرض له الأسرى كما وشعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري، وتُستهدف فيه مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة، يعود السؤال الجوهري أمامنا، أين تقف منظمة التحرير اليوم؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤؟
لقد شكّلت المنظمة، منذ انطلاقتها، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية والكيان المعنوي الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي. فلم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦.
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري في وقت لم تتوقف فيه محاولات شطبها السياسي وخلق بدائل لها افشلها شعبنا بتضحياته.
والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية كمشروع حكم ذاتي مؤقت، لا مرجعية وطنية عليا لها. وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة، بما اعتبرته مؤسسات وطنية وحقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها.
اليوم، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته. فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي، عبر الإبقاء على الانقسام والتقسيم والفصل الجغرافي والسياسي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى “بلجنة أدارة غزة” بإشراف مجلس ترامب للسلام، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها “صفقة القرن” الأولى، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، من خلال محاولات فرض الرؤية الصهيونية التوراتية المزعومة حول أرض إسرائيل الكبرى.
في مواجهة ذلك، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية السياسية عبر عملية تجديد واستنهاض، وخطة إنقاذ وطني شاملة، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد مُنتخب يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات بعيدا عن التعيين والمحاصصة التي فقدت جزء من معانيها وادواتها، بما يضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات الديمقراطية المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم.
كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخبة الهيئات للمشروع الوطني التحرري، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالسلطة، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة، بل مكملاً له وإداة في خدمته.
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال والادوات القديمة، بل إعادة بنائها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وإرادة سياسية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولاً، وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية.
فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يقاوم ويبقى حياً، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والاستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة “فتح”.




نظام الطيبات.. صراع بين ‘حكمة المطبخ’ وهيمنة الصيدلية

تحول نظام غذائي بسيط يعتمد على مكونات أساسية كالأرز والبطاطا إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة. هذا الجدل يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الفجوة المتسعة بين الطب الحديث القائم على المختبرات وبين الممارسات الغذائية التقليدية التي رافقت البشرية لآلاف السنين.

نحن نعيش اليوم في عصر يوصف بالذهبي من الناحية الطبية، حيث تتجاوز الاستثمارات في قطاع الصحة حاجز العشرة تريليونات دولار سنوياً. ومع ذلك، يواجه العالم انفجاراً غير مسبوق في الأمراض المزمنة التي يعجز الطب عن تحديد أسبابها الجذرية، مكتفياً بإدارة أعراضها عبر عقاقير دائمة.

تبرز هنا مفارقة صادمة؛ فبينما تضخ مئات المليارات في التكنولوجيا الحيوية، تزداد معدلات السكري والسمنة والسرطان بشكل مطرد. هذا الواقع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان النظام الطبي الحالي يهدف للشفاء الحقيقي أم لتحويل المريض إلى مستهلك دائم لمنتجات شركات الأدوية العابرة للقارات.

في هذا السياق المشتعل، برز اسم الدكتور الراحل ضياء العوضي ونظامه المعروف بـ ‘الطيبات’، والذي لم يطرح عقاراً جديداً بل أعاد الاعتبار للمطبخ. لقد طرح العوضي تساؤلاً مزعجاً للمنظومة التقليدية: ماذا لو كان الحل لغالبية أمراضنا يكمن في نوعية ما نأكله قبل أن نصل إلى عتبة الصيدلية؟

انقسم الجمهور تجاه هذا الطرح إلى فريقين متطرفين، أحدهما يراه ثورة صحية تعيد للجسم قدرته الفطرية على التعافي الذاتي. في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا النظام يمثل تبسيطاً مخلاً لمشكلات طبية معقدة، واصفين إياه بـ ‘الهرطقة العلمية’ التي قد تضر بصحة المتبعين لها.

المثير للاهتمام أن فكرة العلاج بالغذاء ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في أعرق الجامعات العالمية منذ عقود طويلة. ففي عام 1939، حقق الطبيب والتر كيمبنر في جامعة ديوك نتائج مذهلة في علاج الفشل الكلوي وضغط الدم باستخدام نظام يعتمد كلياً على الأرز والفواكه.

كذلك سار الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال على ذات النهج، متسائلاً كيف تحولت الأطعمة التي شكلت قوام حياة البشر لقرون إلى ‘متهمين’ في عصرنا الحالي. وأكد ماكدوغال أن ظهور الأمراض الحديثة تزامن بدقة مع دخول الأطعمة فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة إلى موائدنا.

كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن الإنسان المعاصر يخضع، دون وعي منه، لأكبر تجربة غذائية في التاريخ البشري من خلال استهلاك آلاف المواد المضافة والمنكهات الصناعية. هذه المواد الغريبة عن التكوين البيولوجي للإنسان قد تكون المحرك الأساسي للاعتلالات الصحية التي نعجز عن تفسيرها بالوسائل التقليدية.

لقد اعتدنا على رؤية المرض كجزء طبيعي من التقدم في السن، وأصبح من المألوف أن يحمل الفرد ‘صرة’ من الأدوية اليومية. هذا القبول المجتمعي للمرض الدائم يعكس خللاً في مفهومنا للصحة، حيث استبدلنا الوقاية بالاعتماد الكلي على التدخلات الكيميائية الخارجية.

لا يمكن إنكار فضل الطب الحديث في إنقاذ الملايين عبر الجراحات الدقيقة والمضادات الحيوية واللقاحات المتطورة. لكن المشكلة تكمن في الخلط بين ‘إنقاذ الحياة’ في الحالات الطارئة وبين ‘صناعة الصحة’ المستدامة التي تتطلب نمط حياة متكاملاً.

العلم الحديث نفسه بدأ يعود لتقدير آليات الجسم الذاتية، كما حدث عند منح جائزة نوبل للعالم يوشينوري أوسومي عام 2016. أبحاث أوسومي حول ‘الالتهام الذاتي’ أثبتت أن الصيام والجوع يمنحان الخلايا فرصة لتنظيف نفسها من التالف، وهو ما يتقاطع مع جوهر أنظمة غذائية كثيرة.

بين تقديس نظام الطيبات كعقيدة وبين السخرية منه كخرافة، تضيع مساحات واسعة من الحقيقة العلمية التي تحتاج للبحث الرصين. فليس هناك نظام غذائي يمثل ‘علاجاً سحرياً’ لكل داء، كما أنه لا يمكن تهميش دور الغذاء في تحسين جودة الحياة والتعافي من الأمراض.

إن الجدل حول العوضي ونظامه هو في جوهره صراع حول ‘فلسفة الصحة’ وكيفية استعادة الإنسان لثقته في قدرات جسده الحيوية. السؤال الحقيقي ليس عن البطاطا أو الأرز، بل عن مدى استعدادنا لمراجعة عاداتنا الاستهلاكية التي تدر المليارات على قطاعات التصنيع الغذائي والدوائي.

ختاماً، يحتاج نظام الطيبات وغيره من الأطروحات الغذائية إلى إخضاعها لتجارب سريرية علمية محكمة بعيداً عن الانحيازات. فإذا ثبتت فعاليتها، ستكون مخلصاً للكثيرين من عبودية الدواء، وإن ثبت عكس ذلك، سيكون العلم هو الفيصل النهائي في حماية الصحة العامة.




الأسرى الفلسطينيون… حين تُختبر العدالة في ظل القيد

رانية مرجية‬

كاتب عمود

ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل هي أحد أكثر الاختبارات وضوحًا لمفهوم العدالة حين يُنزع من سياقه الأخلاقي ويُترك تحت هيمنة القوة.
فما يجري خلف الجدران لا يمكن قراءته كأرقام أو لوائح، بل كحياة بشرية تُدار خارج الحد الأدنى من شروط العدالة التي يُفترض أنها عالمية.
في جوهرها، قضية الأسرى تكشف أن الحرية ليست قيمة نظرية، بل ممارسة يومية تُختبر حين تُسلب، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل معيار يُقاس بمدى حماية الإنسان حتى في لحظات ضعفه.
الاعتقال هنا لا يقتصر على سلب الجسد حريته، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة السيطرة على الزمن والوعي والذاكرة.
لكن التجربة الفلسطينية في الأسر، الممتدة عبر عقود، تُظهر أن هذا الهدف يبقى دائمًا غير مكتمل، لأن الإنسان، حتى حين يُحاصر بالكامل، لا يفقد قدرته على إنتاج المعنى.
فالأسير الفلسطيني لا يتحول إلى رقم، ولا إلى حالة صامتة داخل النظام، بل يبقى فعلًا مستمرًا للرفض، وشاهدًا على أن محاولات الإلغاء تصطدم دائمًا بحدود الوعي الإنساني.
الجدران قد تُغلق المساحة، لكنها لا تُغلق الفكرة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه التجربة عن الخارج.
فالعائلات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأمهات، تعيش حالة امتداد دائم لهذا القيد، حيث يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال الوجود اليومي، قائم على يقين بأن الغياب ليس نهاية، بل حالة مؤقتة مهما طال الزمن.
هذا البعد الإنساني يجعل قضية الأسرى تتجاوز بعدها القانوني والسياسي، لتصبح سؤالًا أوسع عن قدرة أي نظام على الادعاء بالعدالة، في ظل استمرار احتجاز آلاف البشر خارج شروطها الأساسية.
وفي النهاية، تطرح قضية الأسرى سؤالًا لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن للحرية أن تُقيَّد إلى هذا الحد، ومع ذلك تبقى حاضرة كاحتمال لا يُلغى؟
إن استمرار هذا الواقع لا يعيد فقط إنتاج الألم، بل يعيد فتح سؤال العدالة نفسه، لا بوصفه نقاشًا نظريًا، بل بوصفه اختبارًا يوميًا لمعناه الحقيقي.




هندسة التلاشي العائلي: حين تُعاد برمجة الوعي الفلسطيني عبر الاقتصاد الخفي للانتباه

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في الضفة الغربية لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى بنية غير مرئية تعيد توزيع الانتباه داخل البيت الواحد، وتعيد تشكيل العلاقات والوعي بطريقة تدريجية وهادئة لكنها عميقة الأثر. ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله بمفهوم الإدمان التقليدي، بل هو حالة من إعادة التهيئة الإدراكية المستمرة التي تُحوّل الإنسان من فاعل إلى كيان يتفاعل وفق مسارات مُعدة مسبقًا. هذه ليست أزمة استخدام، بل أزمة سيطرة ناعمة على الزمن النفسي، حيث لم يعد الوقت يُستهلك بل يُستخرج، ولم تعد الرغبة تُعبّر بل تُصاغ.

المنصات اليوم تعمل ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد الانتباه المُستنزِف، حيث تتحول كل لحظة انتباه إلى وحدة قابلة للاستخراج والاستثمار. المستخدم لا يدخل ليستهلك محتوى، بل يُسحب تدريجيًا إلى سلسلة من الالتزامات الدقيقة التي تبدأ بمقطع وتنتهي بجلسة ممتدة بلا قرار واعٍ. هذا النمط لا يُنتج فقط وقتًا ضائعًا، بل يُنتج إرادة مُجزّأة، حيث تصبح القدرة على التوقف نفسها قرارًا صعبًا، وتتحول الرغبة إلى نتيجة خوارزمية لا دافعًا داخليًا.

في هذا السياق، لا تعمل الخوارزميات كأدوات عرض، بل كأنظمة توجيه احتمالي تُعيد ترتيب خيارات المستخدم دون أن يشعر. هي لا تفرض، بل تُهيّئ، ولا تُجبر، بل تُرجّح، حتى يبدو المسار الذي تسلكه وكأنه اختيارك الحر، بينما هو في الحقيقة نتاج هندسة سلوكية صامتة. مع مرور الوقت، يتشكل ما يشبه القفص الإدراكي الذي يحدد ما تراه وما لا تراه، وما تفكر فيه وما يتم إقصاؤه من وعيك، لتتحول حرية الاختيار إلى وهم مريح داخل حدود مرسومة.

الأخطر من ذلك أن العلاقة بين الشباب والتكنولوجيا، خصوصًا تحت سن الخامسة والعشرين، لم تعد علاقة استخدام بل علاقة تشييء ناعم. فبدل أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة للإنتاج، أصبحت في كثير من الحالات مساحة للاستهلاك السريع والتفاعل السطحي، حيث يتحول المستخدم إلى مُدخل بيانات حي يغذي الأنظمة بسلوكه وتفضيلاته، فتتعلم منه لتعيد تشكيله من جديد. هذه الدائرة المغلقة تُنتج جيلًا يعرف كيف يمرر ويشاهد ويتفاعل، لكنه أقل قدرة على البناء والتحليل والإنتاج العميق.

داخل العائلة الفلسطينية، يتجلى هذا التحول بشكل أكثر حساسية، لأن البيئة أصلًا تعاني من ضغط مركب سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا. هنا لا تُفكك التكنولوجيا العلاقات بشكل مباشر، بل تُعيد ترتيبها بصمت. يتواجد الجميع في نفس المكان، لكن كل فرد يعيش داخل فقاعة إدراكية خاصة به، ما يخلق حالة من العزلة المتجاورة، حيث يغيب الحوار العميق ويحل محله تفاعل سريع ومقتضب، وتتآكل اللغة المشتركة التي كانت تشكل أساس الترابط العائلي. يصبح القرب الجسدي بلا معنى تفاعلي، ويتحول البيت إلى مساحة بث متوازي بدل أن يكون مساحة تواصل.

بالتوازي مع ذلك، يحدث تحول أخطر على مستوى العقل ذاته، حيث لم تعد المعرفة هي القيمة العليا داخل هذه المنظومة، بل القدرة على الجذب والإثارة. المحتوى الذي ينتشر ليس الأكثر عمقًا، بل الأكثر قدرة على تحفيز الانفعال اللحظي، ما يؤدي إلى تسليع الشعور وتحويله إلى أداة تداول. يعيش المستخدم بين موجات متتالية من الإثارة والفراغ، ما يدفعه للبحث المستمر عن دفعة جديدة، في دورة لا تنتهي من الاستهلاك العاطفي السريع. هذا النمط يضعف القدرة على التركيز، ويعيد تشكيل الدماغ ليفضل السرعة على العمق، والانطباع على التحليل.

في هذا المناخ، يتراجع العقل الإنتاجي لصالح ما يمكن وصفه بالسطحية السريعة، حيث يتم استبدال المعرفة المتراكمة بشذرات متفرقة، ويتم اختزال التفكير النقدي إلى ردود فعل لحظية. يصبح إكمال الفيديو أهم من إكمال الفكرة، ويصبح الانتشار معيارًا للقيمة بدل التأثير الحقيقي. هذا التحول لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الثقافة العامة، ويخلق بيئة تُكافئ التبسيط المفرط وتُعاقب العمق.

ضمن السياق الفلسطيني، يتجاوز التأثير الجانب الفردي ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل الأولويات الجمعية، حيث تعمل المنصات كآلية لإعادة ترتيب ما يستحق الانتباه. القضايا الجوهرية قد تتراجع أمام موجات من المحتوى السريع، ما يخلق حالة من التشويش الإدراكي ويضعف القدرة على التمييز بين المهم والهامشي. هنا لا نتحدث فقط عن تأثير إعلامي، بل عن شكل من أشكال الاستعمار الإدراكي الذي يعيد تعريف الواقع عبر تدفق مستمر من الإشارات.

في النهاية، نحن لا نواجه تكنولوجيا بحد ذاتها، بل نواجه منظومة تعيد تعريف الإنسان داخلها. إما أن يبقى الإنسان فاعلًا قادرًا على توجيه انتباهه وبناء وعيه، أو يتحول إلى عنصر داخل شبكة تُدار بخوارزميات لا تهتم إلا بإطالة بقائه داخلها. في الضفة الغربية، حيث التحديات مركبة، تصبح هذه المعركة أكثر حساسية، لأنها تمس بنية العائلة، وقدرة الشباب على الإنتاج، وبوصلة المعنى التي تحدد اتجاه المجتمع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نستخدم هذه المنصات، بل كيف نستعيد السيطرة على وعينا داخلها، قبل أن يصبح هذا الوعي نفسه منتجًا مُعاد تشكيله وفق منطق لا يخدم الإنسان بقدر ما يخدم استهلاكه.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي




المـرأة الفلسطينيـة تخـوض الانتخـابات!

أ. د. أفنان نظير دروزة

  بسم الله، وبعد الاتكال على الله، قررت المرأة الفلسطينية أن تخوض الانتخابات البلدية والمجالس المحلية بكل همة ونشاط وثقة واقتدار؛ لتكون مع الرجل جنبا إلى جنب في خدمة الوطن وصنع القرار، تؤازره ويؤازرها، وتشاوره ويشاورها، وتشاطره الرأي ويشاطرها، وتستمد منه القوة ويستمد منها. صحيح أن المرأة الفلسطينية سبق وأن خاضت الانتخابات سنة 1996م، إلا أنها في هذه المرة نراها تخوض التجربة بثقة أكبر، وعدد أكبر، وهمة أعلى، وتصميم أشد، وخبرة أنضج، وبصيرة أكثر نفاذا ورؤية للأمور، وهي بهذا القرار الانتخابي تحاول أن تعمل على تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة التي ظلت تسيطر عليه قرونا طويلة والمتعلقة بهيمنة الرجل على القرارات الإدارية حتى بتلك الأمور المتعلقة بالمرأة. وما ترشحها للانتخابات هذه إلا لتردّ المجتمع إلى وضعه الطبيعي الذي فطره الله عليه، الوضع الذي يتكامل فيه الذكر والأنثى ولا يتفاضلان، ويتعاونان ولا يتمايزان، ويكملان بعضهما البعض ولا يفترقان، ليكونا مجتمعا طبيعيا سويا متكاملا كما أراده الله منذ بدء الخليقة، ووفق ما جاء في كتاب الله:  ” وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ”.
      والمرأة الفلسطينية بهذا القرار الانتخابي نراها تحطم الأسطورة البالية التي ظلت تعشعش في عقول الجهلة والمتأخرين، بأن المرأة ما خلقت إلا للبيت والأولاد فقط؛ لتقول لهم بكل ثقة واطمئنان أن المرأة عقل قبل أن تكون جسما وروحا، وأنها إنسان قبل أن تكون مربية أولاد وأجيال، وهي كالرجل حباها الله من الذكاء والاستعدادات والقدرات والكفاءات ما يؤهلها لأن تكون إلى جانب الرجل في مكان صنع القرار، تدرس وتحلل، وتقرر وتشاور، وتدافع عن قضايا بلدها ووطنها كما يدافع، متسلحة بعلمها وشهاداتها ونضالها وإيمانها بنفسها وقضيتها.
      إن المرأة الفلسطينية اليوم بخوضها انتخابات البلديات والمجالس المحلية تقول للمجتمع العربي بخاصة، والعالم بعامة، إن الذي يحكم تطور المجتمع وبقاءه هو العلم والكفاءات، والقوة العقلية والذكاء لا الجندر والقوة العضلية؛ وأن الذي يعمل على مساواة الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات هو النظام الديمقراطي واحترام الإنسان لا النظام الديكتاتوري والهيمنة.  وبعد أن نجحت المرأة عبر التاريخ أن تكون محامية وطبيبة وباحثة وعالمة وشاعرة وأديبة وفيزيائية وكيمائية وغيرها من مجالات العلم وخاصة في فلسطين، فهي بلا شك ستنجح في أن تكون رئيسة بلدية وعضو مجلس بلدي، وصاحبة قرار سياسي، إذ أن التجربة بينت أن المرأة في كل مكان قادرة على تحسّس قضايا مجتمعها، وقادرة على دراستها وتحليلها، وقادرة على إفرازها والمدافعة عنها كإخوانها من الرجال؛ ولهذا فقد رأيناها تصل إلى أعلى المراكز والمرتبات من وزيرة ومديرة وباحثة وعالمة وطبيبة ومحامية وبروفيسورة، إلى آخره من التسميات، وهي دون أدنى شك قادرة أن تكون عضوا فاعلا ومؤثرا في أي موقع تكون فيه تضيف إلى الرجل ولا تنقص منه، وتدعمه ولا تقلل من شأنه، وتكمله ولا تضعفه، و تدافع عن بلدها ومجتمعها وقضيتها ووطنها ولا تقف منه موقف المتفرج أو المتألم فقط عندما تفقد الأخ، أو الابن، أو الزوج، أو الأب، أو القريب، أو الصديق، وكما يقول علماء الاجتماع أن اشتراك رأيين أفضل من رأي واحد، وهذا ما يكون عندما تأخذ المرأة الفلسطينية مكانها في المراكز الإدارية إلى جانب أخيها الرجل.
    إن نظرة الأمل والتفاؤل التي رأيناها في صور المرشحات في قائمة الانتخابات تقول لنا بأن المرأة الفلسطينية مصممة على العمل، ومصممة على النجاح، ومصممة على احتلال دورها الريادي في المجتمع بدرجة لا تقل عن تصميم الرجل؛ وذلك بما تملكه من علم وكفاءة، وذكاء وفطنة، وخبرة وثقة بالله وبالنفس عالية.
     فهنيئا للمرأة الفلسطينية خوضها الانتخابات، وهنيئا فوز البعض لرئيسة البلديات، وهنيئا لك ثقتك بنفسك، وهنيئا لك إيمانك بقدراتك، وهنيئا لك إصرارك على إثبات نفسك وخدمة مجتمعك، ومباركا لك سعيك في الوصول إلى جسم الهرم الإداري وصنع القرار مساندة للرجل في كل موقع ومكان، وهنيئا للمجتمع الفلسطيني بك أمّا وأختا وزوجة ومناضلة ورئيسة بلدية وقائدة…الخ من المراكز التي حكرا على الرجال، وذلك لتكوني مثلا أعلى لكل الفتيات العربيات منهم والأجنبيات.  فسيري وعين الله ترعاك، وإلى الأمام، مع تمنياتنا لك ولجميع الفائزين كل التوفيق والنجاح، ومزيدا من التقدم والازدهار في خدمة بلدك وشعبك ومجتمعك وقضيتك على طريق النصر والتحرير والاستقلال.