1

السلاح المُنفلت يخدُم العدو

تمارا حداد

اندلعت جولة جديدة من الاشتباكات في مُخيم عين الحلوة في جنوب لبنان أسفرت عن قتلى وجرحى داخل المُخيم وتخريب في الممتلكات وخسائر مادية كبيرة في المباني السكنية والمحلات التجارية والسيارات وتدمير أنابيب المياه والكهرباء ونزوح قُرابة عشرين ألفاً من بينهم 12 ألف طفل من الفلسطينيين.

تُوصف هذه الجولة من أعنف الجولات إثر الاشتباك الذي وقع بين مجموعات من حركة “فتح” ومجموعات إسلامية ذات البُعد التكفيري لكنها لم تؤد الى نتائج حاسمة لأي من الطرفين نظراً لتدخل الأطراف ذات العلاقة خوفاً من تدهور الاوضاع وانتقالها من داخل المخيم إلى خارجه.

ان أزمة عين الحلوة ترتبط بالأوضاع السياسية المحلية والاقليمية والدولية وقضية حق العودة وترتبط بالصراعات القديمة والدائمة بين حركة “فتح” والمجموعات التكفيرية ووجود مطلوبين من عدة جنسيات مختلفة داخل المخيم وعددهم يفوق أكثر من خمسة آلاف مطلوب للدولة اللبنانية.

يقع عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين شرق مدينة صيدا في محور بين مناطق لبنانية سنية وشيعية ومسيحية على الاوتوستراد المؤدي الى جنوب لبنان وعلى مقربة الاكتشافات البترولية في البحر المتوسط، حيث يضم المخيم قُرابة 80 الف نسمة.

عاش المخيم صراعاً نتيجة إيواء عناصر ارهابية من خارج لبنان يتبعون القاعدة سواء من جند الشام و”فتح” الاسلام و”الشباب المسلم” وغيرها، الأمر الذي أدى بأن يعمل الجيش اللبناني على تطويق المخيم بشكل أمني وما زال حتى اللحظة دون دخول الجيش الى المخيم نظراً لحساسية قضية اللاجئين . ناهيك ان الجيش يتصرف بحكمة لعدم دخوله المخيم اثناء الاشتباك حتى لا يجر لبنان الى صراع وحروب اهلية يُريدها الاحتلال الاسرائيلي بالتحديد امام ازمات لبنان السياسية التي حتى اللحظة لا يوجد توافق وطني على اختيار رئيس للدولة امام التدخلات الاقليمية والدولية حول اختيار الرئيس. وهنا فإن ما يحدث في مخيم عين الحلوة ليس بعيداً عما يحدث في الداخل اللبناني.

ما يحدث في المخيم نتيجة وجود عناصر اساسية تلعب دوراً في أزمة المخيم أولها البُعد السياسي حيث يُعد “عين الحلوة” أكبر المخيمات وهذا يعني ارتباطه بقضية العودة الى فلسطين ومرتبط بمفاوضات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية وما يحدث في المخيم هو بروز دور خارجي لتصفية القضية الفلسطينية واسقاط حق العودة وفرض التوطين في لبنان.
اما العنصر الآخر الذي يلعب في ازمة عين الحلوة فهو البُعد الامني فبعض الجهات الاقليمية والدولية يريد ان يحول ساحة لبنان للاقتتال الداخلي وتصفية الحسابات وتدمير لبنان .
وما يحصل في مخيم عين الحلوة، هو انتشار السلاح المُتفلت الذي يخدم العدو الاسرائيلي مع الأخذ بعين الاعتبار التفرقة عن سلاح المقاومة الذي يهدف لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي. فهناك جهات اسلامية معنية بترسيخ الهدوء في المخيم نظراً لحساسية الموقف اللبناني من اتجاه القضية الفلسطينية وان هدف سلاحهم تجاه المحتل وليس تجاه تعزيز الفوضى في لبنان كما تفعل الجماعات الاسلامية التكفيرية والمدعومة خارجيا لفرض رئيس على لبنان.
اما العنصر الآخر في ازدياد الأزمة داخل المخيم، فهو غياب المرجعية السياسية والامنية والعسكرية، ناهيك ان عدم الاهتمام الفعلي باوضاع اللاجئين الفلسطينيين حيث ان البُعد الانساني والاجتماعي في المخيم من اصعب الحالات نظراً لعدم قدرة الفلسطيني على العمل والتملك والتعليم. كما يُعاني المخيم من نقص في الرعاية الصحية والبنية التحتية السيئة ومعدلات البطالة والفقر، فيما الامية عالية جداً ما يُعزز التطرف الفكري.
كما ان العنصر الذي يُعزز ازمة “عين الحلوة” وجود فكر مُتشدد داخل المخيم متأثراً بأجندات خارجية. والمخيم يأوي المطلوبين، ويتواجد داخله مجموعات عاملة فيه مرتبطة باجهزة امنية محلية واقليمية ودولية واسرائيلية، ناهيك ان اكتشافات النفط في البحر المتوسط قُبالة السواحل اللبنانية اثر على ازدياد الازمة لتفريغ المخيم من سكانه، وكما ان الجهات التكفيرية تُريد بسط سيطرتها على المخيم في حين حركة “فتح” تريد السيطرة الامنية كذلك، ما يؤدي الى وجود صراعات في المخيم بغض النظر عن الايديولوجيا.
سناريوهات عديدة قد تحدث في المستقبل إما بسيطرة الجيش اللبناني على المخيم كما حدث في مخيم نهر البارد ومن المفضل ان الجيش لا يتدخل حفاظاً على وحدة لبنان من الاقتتال الداخلي وتفتيت مُخطط المحتل الذي يهدف الى تقسيم لبنان من خلال الفتن والفوضى وجماعات التكفيرين كما حدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا، كما ان هذا السيناريو مُستبعد لغياب الارادة الداخلية اللبنانية نظراً لحساسية مُستقبل اللاجئين. لذا فإنه من المُفضل علاج الارهاب والمطلوبين من خلال الحل الوقائي والتفاهم الحواري بين اللجان الامنية داخل المخيم بعيداً عن الاقتتال، وايضا هذا الخيار مُستبعد كون هناك علاقة جيدة بين بعض الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني وهناك تنسيق مستمر بين المخابرات اللبنانية واللجنة الامنية الداخلية.
قد يكون السيناريو الاقرب موقف فلسطيني موحد لانهاء الازمة ولكن هذا الامر مؤقت نتيجة التعقيدات السياسية والامنية في المخيم وتعدد اللاعبين واتساع نفوذ القوى المؤثرة واستمرار الخلافات الفلسطينية.
المتوقع في المخيم هو بقائه كما هو في حالة توتر بسبب ارتباطاته بالاجندات الخارجية الاقليمية والدولية وتعنت الاطراف الداخلية نحو حسم المعركة عسكرياً لصالحه وهذا يعني ان المخيم ستتجدد فيه الاشتباكات مما يعني استمرار معاناة الفلسطينيين والاساءة للقضية الفلسطينية .
وقد ينفجر المخيم في اي لحظة وقد يصعب ضبطه لينتقل لآخر. وقد ينتقل في بقع لبنانية لا علاقة لها بالمخيمات، امام امتلاك عناصر في المخيم اسلحة صاروخية ناهيك ان قُبيل عدة اشهر دخل مئات المسلحين وكميات كبيرة من السلاح والذخائر الى المخيم . كما ان قيادات العناصر التكفيرية تنتظر الضوء الاخضر الخارجي لتفجير الاوضاع الامنية .
قادم الايام خطير على لبنان نظراً للتحذيرات بسبب تحركات لبعض الخلايا والمجموعات داخل المخيمات، والتداعيات المستقبلية هو ما بعد الاشتباك الاخير امام تنشيط العامل الاصولي، والخشية ليست بتكرار الاشتباك بل التعامل معه كحدث امني موسمي بمعنى عدم حله من الجذور ما يُعزز تكاثر ادوات الصراعات الداخلية ما يصعب تجاوز تداعياتها. والحل يكمن بالتعاون اللبناني الفلسطيني واطلاق حوار بعيداً عن استخدام السلاح وايجاد تسويات قانونية للمطلوبين واحترام القانون والسيادة اللبنانية، وايجاد حل تنموي للوضع المأساوي للمخيم الى حين العودة.




أمريكا والتطبيع بين اسرائيل والسعودية والقضية الفلسطينية

د.أماني القرم

لم  يكن برنامج الرئيس بايدن واضحا في الشرق الاوسط الا في مسألة واحدة هي عقد اتفاق نووي مع ايران وهو ما فشل في تحقيقه حتى اللحظة ولا يتوقع نجاحه ابدا مع قرب بدء العام الأخير من عمر إدارته . فيما ارتكزت استراتيجية الادارة في باقي الملفات الساخنة في المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية على ضمان بقاء الحال كما هو دون اتخاذ مبادرات كبرى لحلحلة الوضع حيث لم يتعد الجهد الامريكي الخطابات البلاغية والحلول الطارئة الانسانية لتهدئة الاوضاع في المناطق المحتلة.

مؤخرا عبرت الادارة الامريكية عن اولوية ملحة لها على صعيد السياسة الخارجية تتمثل في احداث تقدم في مسار التطبيع بين الرياض وتل ابيب ضمن صفقة كبرى بين الثلاثي امريكا/ السعودية/ واسرائيل سيكون الفلسطينيون حاضرون فيها بحكم الواقعية السياسية والرمزية الدينية والعربية والثقل الاقتصادي للدولة الكبرى في المنطقة حاملة المبادرة العربية: السعودية.. وقد ازدحم جدول الاعمال الامريكي في الشهور الفائتة بسلسلة من المناقشات والزيارات ذات المستوى الرفيع لكلا البلدين حول هذه القضية.

وبغض النظر عن تفاصيل الاتفاق الذي ما يزال طور النقاش بين الاطراف الثلاثة، فإن كل طرف يحاول تحقيق أقصى فائدة لضمان أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية في هذه الصفقة حيث يتوجب عليه أيضاً دفع ثمن للحصول عليها خاصة ذلك الذي يريدها بقوة وهو الطرف الاسرائيلي!

ما يهمنا في هذه الصفقة هو أحد الشروط السعودية الحازمة التي وضعت لإتمامها وهو تحقيق حل الدولتين. صحيح أن هناك تغيراً في الفكر النمطي السعودي ليكون اكثر انفتاحا على امكانية التطبيع ، لكن السعودية دولة تعي ما لها من أهمية وثقل عربي وعالمي وليس من المرجح ابدا ان تعطي هذه الجائزة لإدارة بايدن ونتنياهو دون ثمن له وزن اقليمي وعالمي. لا سيّما مع شكوكها المريرة من ادارة بايدن الذي وعد بجعلها منبوذة في بداية حكمه، وتجاهلها مركّزا على تحقيق اتفاق نووي مع عدوتها التقليدية ايران. أيضاً لديها شك في نتنياهو وحكومته المتطرفة التي تطالب بحرق الفلسطينيين. 

فهل من الممكن تحقيق الشرط السعودي/ الفلسطيني؟

اختلف مع البعض الذي يرى أن المعضلة والمبالغة تقع في الشروط السعودية الاخرى المتعلقة بأمنها القومي. الرياض تطالب واشنطن بضمانات امنية تشبه تلك التي تربط دول حلف الناتو، وبإمكانية الحصول على أنظمة الأسلحة المتطورة الأميركية، وكذلك الموافقة على امتلاك تكنولوجيا نووية مدنية. بل أعتقد أن امريكا ستعمل بكل جهدها ومواردها لإجراء عملية عصف فكري لكل الشروط السعودية للوصول الى توافق بين الاطراف الثلاثة. 

وبرأيي أن مسألة حل الدولتين هي الاصعب والأكثر استبعادا للحدوث . والأمر مفهوم وواضح للجميع لماذا لن يحدث من جهة اسرائيل العنصرية وحكومتها المتطرفة التي لا تؤمن بوجود الفلسطينيين أصلا. أما لماذا لن تضغط امريكا على اسرائيل للشروع في مسار حل الدولتين ففيها وجهة نظر: الولايات المتحدة سبق أن انخرطت /منذ أعوام/ بجهد كبير في مسار هذا الحل لضمان شيئين :

الاول : امن اسرائيل حيث كانت عملية السلام ومسألة حل الدولتين تندرج ضمن مصالح الامن القومي الامريكي في الشرق الاوسط من خلال ضمان امن وديمقراطية اسرائيل. وفي أساس الفكر الأمريكي فإن إعطاء دولة للفلسطينيين من شأنها القضاء على الصراع المسلح بين الفلسطينيين والاسرائيليين من جهة، وتأكيد ديمقراطية اسرائيل أمام الغرب والعالم من جهة ثانية، فمن غير المعقول أن دولة تدّعي انها ديمقراطية وفي نفس الوقت تحتل أرض ليست لها وتهجر شعبها. كذلك الحفاظ على استقرار المنطقة من جهة ثالثة وجميعهم يصبون في بوتقة الامن القومي الامريكي والمصالح الاستراتيجية.

الثاني : المحافظة على توازن تحالفاتها مع العرب والاسرائيليين معاً حين كانت مصالحهم متناقضة. الأمر الذي ترتب عليه بذل جهد وبحث حل للقضية الفلسطينية وكان بالفعل عبر مسار السلام وإطلاق حل الدولتين .
أما اليوم فبعد اختفاء التهديدات لاسرائيل، والتقارب الاسرائيلي/ العربي الذي جاء بعيداً عن جهد امريكي فعلي، إنما في اطار تغيرات جيوسياسية في المنطقة ابرزها التهديد الايراني والانسحاب الامريكي ونتاج فوضى الربيع العربي وحين شعرت اسرائيل أن تجاوز الفلسطينيين هو امر قابل للحدوث. اتجه الفكر الامريكي للاعتقاد بأن بذل الجهود والموارد لعملية سلام والضغط على اسرائيل من أجل حل الدولتين لم يعد له ذلك الزخم الاستراتيجي كما كان سابقا .. لذا نتطلع للسعودية الدولة الكبرى لأن تبقى متمسكة برأيها الحازم في مسألة حل الدولتين كشرط للتطبيع..




مخيم جنين.. جغرافية خاصة في تاريخ ملتهب

سري سمور

مخيم جنين بعد معركة نيسان-أبريل 2002 كان مادة طغت على التغطيات الإعلامية، وألهم صناع الدراما (أفلام ومسلسلات) والباحثين والكتبة، وروائيين تفتحت قريحتهم فكتبوا عن المخيم كثيرا، بل إن معركة المخيم تلك كانت موضوعا ومحورا لأطروحات دراسات عليا في أكثر من جامعة فلسطينية، وغير فلسطينية.

ومع تقادم السنين طغت أحداث وأماكن أخرى على نشرات الأخبار، وانشغل أهل المخيم بحياتهم وحاولوا الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا، يلملمون الجراح ويذهبون إلى أعمالهم ودراستهم، يتفقون ويختلفون، ويتشاجرون ويتصالحون، يتزوجون وينجبون، غير ناسين ما جرى؛ فقد دفعوا فاتورة دم كبيرة، فما بين سنة 2000-2006 استشهد 1% من سكان المخيم، وكل أسير خلف القضبان، وآخر يفرج عنه يذكرهم بتلك المرحلة التي عاشوها.

وبعد عقدين عاد مخيم جنين إلى الواجهة بعد تشكيل “كتيبة جنين” واغتيال شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة التي زارت جنين والمخيم ضمن مهنتها مرات كثيرة، وغطت أحداثا في أماكن مختلفة سنوات طويلة، ليكون قدرها أن تقضي على أرض المخيم في مايو/أيار 2022.

وكأن المخيم بما يحمله من رمزيات يصر على الحضور دوما، وتوالت الأحداث حتى شهد المخيم اجتياحا ذكّر الفلسطينيين والعالم باجتياح 2002 وذلك يومي 3 و4 يوليو/تموز 2023 واستمر 40 ساعة وأسفر عن 12 شهيدا و100 جريح بعضهم حالته صعبة، مع تدمير كبير في البنى التحتية والمنازل، وتشريد ما يقارب 4 آلاف من سكان المخيم، كثير منهم نساء وأطفال وشيوخ ومرضى.

لماذا مخيم جنين؟
لن أوغل في تفصيلات ما جرى، فالشاشات التابعة للقنوات الفضائية والمواقع الإخبارية مليئة بهذا، والتحليلات السياسية والعسكرية من مختلف الأطراف دسمة بما يغنيني عن كثرة الحديث؟

ولكن، ظل هناك جانب قليلون من تناولوه بعيدا عن الطوباوية (المثالية) أو داروا حوله، وهو لماذا مخيم جنين يحظى بهذا الاهتمام؟ وتسارع دول لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال فيه، وتتسابق قنوات فضائية مهمة لتغطية أحداثه، وقبل ذلك لماذا وللمرة الثانية يتبلور داخل المخيم وضع أو حالة خاصة من مقاومة الاحتلال تمتاز بالفرادة داخل الضفة الغربية؟

وهذا يقود إلى سؤال آخر: لماذا بقية المناطق بما في ذلك محيط مخيم جنين لم تتكون داخلها حالة شبيهة بحالة المخيم؟ بما في ذلك مخيمات لاجئين أخرى كان لها مع الاحتلال صولات وجولات في مراحل سابقة؟ لماذا مخيم جنين هو الأيقونة المتفردة المتواصلة حتى الآن؟

هذه الأسئلة تجعلنا ننظر من زاوية أخرى؛ نظرا لأهميتها وغوصها في جذور الحالة الصامدة المتحدية للاحتلال وجوهرها، بينما ركزت التغطيات غالبا على الظاهرة أو تجليات الحالة.

مخيم جنين في جغرافية خاصة
في عجالة، وللتذكير لا التعريف لأنه نشر عن هذا كثيرا؛ فإن مخيم جنين يقع غرب مدينة جنين المحاذية لمرج بني عامر أحد أخصب سهول الهلال الخصيب، والواقعة شمال الضفة الغربية التي احتلت بعد هزيمة 1967 وكانت تابعة للأردن مدنيا وعسكريا وسياسيا بالطبع.

أقامت الأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) المخيم على أراضي جنين سنة 1953 وتبلغ مساحته حاليا أقل من نصف كيلومتر مربع (أضيف للمخيم مساحة جديدة ملاصقة عبارة عن 14 دونما ضمن تبرع رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد آل نهيان لإعمار ما دمره الاحتلال في اجتياح 2002) ويبلغ عدد سكانه حاليا حوالي 12 ألف نسمة، وللتنويه فإن هناك تقديرات أخرى لعدد السكان أعلى من هذا الرقم المأخوذ من الجهاز المركزي للإحصاء في فلسطين، وهي ليست بعيدة عن الواقع الاجتماعي، لأنها تأخذ في عين الاعتبار أن سكان الأحياء المحيطة بالمخيم من الشمال (الزهراء) والغرب (الهدف وواد برقين) والجنوب (الجابريات) أغلبيتهم الساحقة كانوا من سكان مخيم جنين ويرتبطون به كونهم يحملون صفة اللجوء الفلسطيني وفق التعريف الفلسطيني وقرارات الأمم المتحدة، إضافة بالطبع للأواصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

مخيم جنين ملاصق من الشرق للمشفى الحكومي (مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان) الذي تأسس بعد بضع سنين من إقامة المخيم إبان الإدارة الأردنية، وحمل اسمه الحالي، لأن مدير مركز الهلال الأحمر الدكتور خليل محمود سليمان، استشهد في الأسبوع الأول من مارس/آذار 2002 وذلك أثناء عملية عسكرية إسرائيلية حملت اسم “رحلة بالألوان” استهدفت مجموعة مخيمات في الضفة والقطاع، وفشلت في مخيم جنين؛ وكان الدكتور خليل يركب سيارة إسعاف دخل بها إلى المخيم لإخلاء الجرحى، فأطلقت قوة من جيش الاحتلال قذيفة أدت إلى احتراق جسده تماما وهو في العقد السابع من عمره.

والدكتور خليل ينحدر من بلدة عرابة جنوب غرب جنين، ويقيم في منزل في مدينة جنين ليس بعيدا عن المخيم جهة الشرق.

وأسرد هذا الحدث للإشارة إلى أن مخيم جنين يراق على أرضه دم من ليس من سكانه من شرائح مختلفة بنيران الاحتلال؛ إذ لا فرق عند الاحتلال بين مقاوم مثل يوسف قبها (أبو جندل) ابن بلدة يعبد، أو طبيب مثل خليل سليمان، أو صحفية مثل شيرين أبو عاقلة.

وفي حدود علمي ليس هناك منطقة مثل مخيم جنين فيها هذا التميز أو الخصوصية، حيث يختلط دم أناس من مناطق مختلفة ودخلوه لأسباب مختلفة، والجامع بينهم هو ظلم الاحتلال وعدوانه.

وفي الجهة الغربية من مخيم جنين مقبرة تدفن فيها جثامين الشهداء والموتى، وهذا دفع بعض الشبان إلى التندر الحامل لنبرة متحدية للأعداء: احذر المخيم فأوله مشفى وآخره مقبرة!

وليس هناك مساحات فاصلة واسعة بين بيوت المخيم التابعة لإدارة الأونروا وأعرافها وقوانينها، وبيوت مدينة جنين القريبة التابعة لبلدية جنين، فهناك تداخل واضح في المناطق المحاذية للمخيم.

جنين وتاريخ من الصراع مع الغزاة
جنين، مدينة على صغرها نسبيا ولكنها قديمة (كنعانية) وشهدت أحداثا كثيرة، وما يهمنا منها هو مقاومة الغزاة، وهم سبب عدم وجود فترات استقرار وهدوء طويلة في جنين؛ فقد قاوم أهل جنين وقراها حملة نابليون الفرنسية وألحقوا بجيشه -برفقة العثمانيين- خسائر فادحة فأمر بإحراق المدينة!

وفي فترة الانتداب البريطاني كان لجنين صولات وجولات، ولا تذكر جنين إلا مقرونة باسم الشيخ الشهيد عز الدين القسام الذي استشهد في أحراش بلدة يعبد القريبة منها عام 1935 وعندما اندلعت الثورة الكبرى عام 1936 كان لجنين وأهلها ومجاهديها بصمات مميزة في مقارعة الإنجليز ومهاجمة المستعمرات اليهودية.

وقد هدم الإنجليز أجزاء كبيرة من مبانيها انتقاما لمقتل ضابط إنجليزي كبير على يد مجاهد من بلدة قباطية (علي أبو عين) عام 1938.




لقاء أمناء السر والاعتقال السياسي

المحامي زياد أبو زياد

بعد  فترة من وقوع الانقلاب الحمساوي بقطاع غزة في حزيران عام 2007 وتعرض كوادر وقيادات حركة فتح للاغتيال والاعتقال، خرجت أصوات تطالب حركة حماس بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين أي الفتحاويين، فجاء رد حماس على لسان عدد من قادتها من بينهم إسماعيل هنية ومحمود الزهار بأن ليس هناك معتقلين سياسيين وأن جميع من اعتقلوا عليهم تهم جنائية. وقد تذكرت هذا وأنا أسمع مصادر رسمية في الضفة هذه الأيام تقول بأن ليس هناك معتقلين سياسيين بالضفة.

فالمعتقل السياسي هو معتقل رأي وله حقوق وامتيازات ولذلك فإن الأنظمة الحاكمة في أقطار العالم الثالث، ونحن من بينها، وحتى في بعض البلدان التي تعتبر نفسها من الدول المتمدنة ترفض اطلاق هذه الصفة على المعارضين لها وتنتحل لهم شتى الألقاب وفي مقدمتها تهمة الإرهاب! وما أقصد أن أقول هو أن إنكار صفة المعتقل السياسي لا يقتصر على الحالة الفلسطينية بل يتعداها الى الكثير من البلدان لأن أجهزة الأمن في كل البلدان “قارئة على شيخ واحد”.

وقبل أن أتطرق الى موضوع الاعتقال السياسي على الساحة الفلسطينية أود أن أشير الى الدعوة التي وجهها الرئيس محمود عباس لأمناء سر الفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع عاجل والى أن هذه الدعوة جاءت في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على مخيم جنين وقتل اثني عشر مواطنا وجرح العشرات وتدمير البيوت وتخريب البنية التحتية للمخيم بما في ذلك شبكة الكهرباء والماء والطرق، وأن الأجواء التي تمت فيها الدعوة تجعل المراقب يفترض بأن الهدف من اجتماع أمناء سر الفصائل هو تحميل مسؤولية مواجهة جنون الاحتلال وجرائمه للجميع من خلال التوافق على وضع خطة استراتيجية وطنية يلتف حولها الجميع ويقف الجميع معا ً في خندق واحد، وأن هذا هو الهدف من لقاء القاهرة.

هذا من الناحية النظرية وبناء على الاستنتاج المنطقي الذي يجب أن يتوقعه المرء اذا افترض بأن الدعوة ذاتها جاءت في سياق المنطق والواقع.

لا أريد أن أناقش مدى فعالية ومدى الحضور الميداني لبعض أعضاء هذا الإطار الذي يسمى أمناء سر الفصائل، ولا أريد مناقشة مدى صلاحية أو سريان مفعول هذا المسمى مع أن البعض، وبحق، سيقول بأن العديد ممن يحملون هذا اللقب أصبحوا اليوم خارج السياق الزماني والمكاني والنضالي مع كل الاحترام لتاريخهم الذي لا ننكره عليهم ولكننا لا نعتقد بأنه يبرر استمرار استحواذهم على صلاحية اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالقضية. وأعود وأكرر ما قلته وهو أن هذا الحديث هو عن البعض وليس الكل.

الهجوم على مخيم جنين وما نتج عنه هو جريمة حرب بكل المقاييس، والرد عليه يجب أن يكون ردا ً كبيرا ً مدويا ً وفي نفس مستوى الهجوم، لكي يؤكد لشعبنا بأننا لسنا فريسة سهلة لمجانين الاحتلال الذين يطيب لهم الرقص على أشلاء القتلى الفلسطينيين أو شلالات دمائهم أمثال سموترتش وبن جفير. فهل هذا الرد هو ما أراده الرئيس؟ وهل اطار أمناء سر الفصائل هو الإطار والعنوان الحقيقي لمثل ذلك الرد؟ وأترك الجواب هنا للقارئ.

واذا افترضنا جدلا ً بأن الرئيس كان فعلا ً يريد أن يتحمل الجميع مسؤولياتهم الوطنية المصيرية، فإن ذلك يقتضي أن نفترض بأن يقوم الجميع، حكومة ومعاضة، كل من طرفه، ببذل كل الجهود لتنقية الأجواء وتهيئة الظروف الصحية التي توفر الفرصة لنجاح هذا اللقاء.

يستطيع المرء أن يتخيل الضغوط السياسية والمالية التي تمارس على القيادة الفلسطينية بالضفة الغربية والابتزاز الذي تتعرض له تحت طائلة ما يسمى “دعم الإرهاب”، ولكني أعتقد بأن بعض التصرفات التي صدرت عن أجهزة السلطة بالضفة لم تكن لازمة ولا تساهم في تهيئة الظروف لنجاح اجتماع أمناء السر. ولا أعتقد بأن هناك من يستطيع أن يدافع عن اعتقال أعضاء مجلس طلبة أو داعية في العقد السابع من العمر، أو عن رفض بعض الأجهزة الأمنية تنفيذ قرارات المحاكم القاضية بأطلاق سراح معتقلين، أو استمرار اعتقال مقاتلين كانوا يحملون السلاح في أوج الهجوم على مخيم جنين وكانت هناك وعود بالإفراج عنهم فور انتهاء زيارة الرئيس للمخيم.

ومن هذا المنبر أدعو الى عدم ترداد مقولة أن ليس هناك معتقلين سياسيين والى اطلاق سراح الشيخ مصطفى أبو عره وكافة النشطاء الموجودين رهن الاعتقال في سجون السلطة مع التزامهم بالتوقف عن أية أعمال تتعارض مع السياسة الرسمية للسلطة في هذه المرحلة.

وأدعو في نفس الوقت جميع الفصائل التي تختلف مع نهج السلطة الى تجميد كافة الأنشطة التي لا تنسجم مع هذا النهج لتوفير الأجواء الصحية اللازمة لإنجاح اجتماع أمناء السر في الثلاثين من الشهر الحالي.

وبالرغم من كل ما سبق فإنني أؤكد بأنني أنتمي الى الذين لا يخدعون أنفسهم ولا يتوقعون أن يخرج اجتماع القاهرة بشيء جديد، فتكرار نفس العمل وبنفس الأدوات والأساليب وتوقع نتائج مختلفة هو أمر غبي في حد ذاته. فقد شاهدنا مرارا ً هذا الفيلم وشاهدنا اللقاءات والمجاملات والولائم والخطب الرنانة والتي أسفرت في النهاية عن لا شيء. ولقد أصبح مصطلح السياحة السياسية عملة دارجة، وأصبح أمر هذه اللقاءات البروتوكولية الموسمية فرصة لرحلات النقاهة للبعض، ومهرجانا ً يشبع رغبة البعض الآخر بأن يحس بأنه ما زال موجود.

آمل أن يخرج لقاء القاهرة بمعطيات ايجابية جديدة تخيب ظن كل المتشائمين أمثالي وتثبت بأننا هذه المرة مختلفين عما كنا عليه دائما في الماضي، وأننا آثرنا مصلحة الوطن والشعب على المصالح الفئوية والفردية الضيقة




اليوم جنين وغدا غزة

د. دلال صائب عريقات

لقد كان لزيارة الرئيس محمود عباس الى جنين ومخيمها طيب الأثر في نفوس أهالي الشهداء والجرحى، الزيارة جاءت بعد أكثر من عقد من الزمان وبعد عدوان عنيف على المخيم أدى الى الدمار والخسائر البشرية والمادية والمعنوية. 

لا يخفى لأي مراقب للوضع العام أن أساس التحديات المختلفة أمامنا هو الاحتلال العسكري الاسرائيلي، ولكن في محاولة لتحليل البيئة الداخلية لا يستطيع اي فلسطيني انكار حقيقة ان الانقسام الداخلي يشكل أحد أهم التحديات التي أثرت على ترهل النظام السياسي والوضع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. في محاولة بسيطة لعمل تحليل SWOT على الوضع السياسي، نرى ان أحد أصعب نقاط الضعف في بيئتنا الداخلية هو الانقسام الذي طال أمده! بعد العدوان على جنين قررت الفصائل ان تلتقي مجدداً في محاولة ماراثونية اخرى لإنهاء الانقسام، مع الاحترام لجهود ونوايا ممثلي الفصائل والدول المضيفة والداعمة، إلا أن الرسالة من مقال اليوم تكمن بعبرة بسيطة وعميقة شهدناها قبل أيام في جنين، وهي ان يقود الرئيس عباس زيارة مماثلة لقطاع غزة في أقرب وقت ممكن كخطوة أولى لإنهاء الانقسام. العاقل والواقعي في السياسة وReal Politik يعلم ان جلسات الحوار واجتماعات الفصائل لن تحقق المصالحة المرجوة ولن تتجاوز استعراضا لإرادات بعض الفصائل اكثر من غيرها، من غير المقبول ولا المنطقي ان نستمر بتكرار نفس الاساليب التي لم تحقق المُراد في السابق. 

زيارة واحدة للرئيس ابو مازن ستكون كافية للتمهيد لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة وجمع المنقسمين. في حال تمت هذه الزيارة ستتحقق عدة نتائج ايجابية: 

– ستثبت القيادة جدية الحديث عن الحوار وانهاء الانقسام.

– سيكسب الرئيس والقيادة شعبية وثقة المواطن.  

– سيتم البدء فعلياً بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة. 

– ستكون فاتحة للحديث عن الانتخابات واصلاح النظام السياسي الفلسطيني. 

– ستعود الحياة للمشروع الوطني الفلسطيني “لا دولة دون غزة ولا دولة في غزة”.

في ظل هذا الإرباك والفراغ، من البديهي أن نحتكم للمادة ٢ من القانون الأساسي الفلسطيني التي تؤكد على الفصل بين السلطات، وان الشعب هو مصدر هذه السلطات. لقد بات واضحاً للجميع أن تعدد صلاحيات السلطة التنفيذية وتحولها من التنفيذ والرقابة وانشغالها بالتشريع هو من أكبر المشاكل والتحديات، ومن هنا نرى أن زيارة واحدة الآن للرئيس ستكون فاتحة لمواجهة التحديات الفلسطينية السياسية، بدءاً بالانقسام ثم الانتخابات لإتاحة الفرصة للمواطنين للمشاركة في إدارة الشؤون العامة وانتخابهم لممثليهم وتعزيز أدوات الرقابة والمحاسبة، كما ستتمكن الحكومة من القيام بواجباتها التنفيذية والرقابية وستعمل السلطات بالتوازي لتكمل معاً ما نتمناه من فصل حقيقي وانسجام بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

 كلنا أمل بتعاون أصحاب العقول النيرة من صانعي القرار والمؤثرين في السياسات العامة الذين يدركون أهمية الحقوق المدنية والسياسية للمواطن، لا بد من انهاء الانقسام بجدية بعيداً عن تكرار نفس الآليات، متوقعين نتائج مختلفة! 
ثم لا بد من عقد الانتخابات، عقد الانتخابات لن يزيد من عمق الانقسام، ولا يجب أن ننظر للانقسام كنتيجة للانتخابات, على العكس تماما, الانقسام يجب أن يكون أحد أهم الأسباب لعقدها. 
لملء الفراغ السياسي الفلسطيني، نتمنى ان نرى زيارة قريبة رئاسية وطنية الى قطاع غزة. 

– دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.