1

اجتماع شرم الشيخ مزيد من الضياع

بقلم: مصطفى ابراهيم  

اجتماع أمني آخر في شرم الشيخ، بعد افشال  إسرائيل اجتماع العقبة، وعدم الاعتراف بمخرجاته واستمرار  جرائمها بحق الفلسطينيين.

اجتماع  آخر وغياب الانصاف والمساواة بين الضحية والجلاد. وبيع الوهم ومحاولات التسوية وتهدئة الاوضاع الأمنية وخفض التوتر قبل شهر رمضان المبارك وفقا لتعبير  المجتمعين من الرعاة والوسطاء، وأمل  قيادة السلطة بتحقيق افق سياسي لن يأتي.

لقد مرت ثلاثة أسابيع وأسبوع آخر من القتل والجرائم والاعتقالات، وهدم البيوت وتشريع القوانين العنصرية لملاحقة الفلسطينيين والمضي قدماً في فرض السيادة اليهودية، والصم الزاحف، وخطة الحسم وفرض الفوقية اليهودية.

شهر آخر على عصيان الحركة الفلسطينيّة الأسيرة في سجون الاحتلال الصهيوني، وخطواتها النضالية الجماعيّة ضدّ إجراءات إدارة سجون الاحتلال بتحريضٍ من الوزير الفاشي ايتمار بن غفير.

واكثر من 40 يوماً على إضراب الاسير خضر عدنان، وتحدي السجان وصموده الاسطوري ومعاناته، ومساندة ضعيفة، لا ترقى إلى حجم تضحياته وتضحيات الاسري الذين يتحدون السجان بلحمهم ودمائهم.

ايام واسابيع واشهر وثلاثة عقود والركض خلاف سراب التسوية، وتكرار تجارب فاشلة، لم تحقق سوى مزيد من تعميق وتعزيز الاحتلال والمشروع الاستعماري الاستيطاني.

حال من الضياع واللامبالاة، وكل شيء مضطرب وضعف السلطة، أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، تمس حياة ومستقبل الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، ولا أمل بافق ينهي حالة الضياع والتوهان.

 ويبدو أننا في كل لحظة على وشك انفجار  ضد إسرائيل التي تتحمل المسؤولية عن الانفجار والقتل والدمار، أو انفجار لمزيد من اليأس والاحباط.

لا شك في اصرار المقاومين، وإصرارهم على التضحية ومقاومة الاحتلال مثير للاعجاب، ومن خلفهم التفاف الشعب  الفلسطيني على خيار المقاومة. لكن هذه التضحيات والاقدام على الشهادة، بحاجة إلى ديمومة والحفاظ على حياتهم، وهذه مسؤولية الفصائل وليس الاكتفاء بالخطابات والبيانات، بل هم بحاجة للتنظيم وللحماية  من الاحتلال وحماسهم والبطش والارهاب الاسرائيلي والاستفراد بالمقاومين.

اصرارهم مشجع، بل  إنه من الممكن، أن تكون المقاومة قد وصلت إلى لحظة تحول في مقاومة الاحتلال، مما يخولها إلى حالة ثورية فلسطينية جماعية، لا تعتمد على مجموعات شبابية من المقاومين فقط، وليس مجرد مقاومة مرحلية ولفترة زمنية محددة وحالة من الاستثمار من أطراف أخرى.

هي مقاومة تكشف  الضعف الأساسي للفصائل التي تركت المقاومين بدون حماية حقيقية، وللقيادة السياسية وفقدانها الشرعية وانعدام  الثقة فيها من الفلسطينيين، وعدم  ادراكها طبيعة الشعب الفلسطيني وروحه الوقّادة، وحقه في المقاومة والتصدي للمشاريع والسياسات العدوانية الاحتلالية.

  اصرار  السلطة الفلسطينية  على الذهاب لقمة شرم الشيخ الامنية، وهناك شبه اجماع فلسطيني برفض المشاركة ومقاطعتها، والوثوق بالوعود الامريكية للالتفاف على المقاومة  وخفض ما يسمى التوتر والتهدئة ووقف لهيب النار، وكل المسؤولية تقع علي الاحتلال.

الذهاب إلى شرم  الشيخ والمسؤولين الاسرائيليين يحذروا من عمليات قد تنفذ في المدى القريب، في الضفة الغربية المحتلة، وداخل إسرائيل، عشية شهر رمضان.

وهناك تحذيرات داخل أجهزة الأمن الإسرائيلية من عشرات العمليات، وبحسب ما ذكرته هيئة البثّ الإسرائيلية العامة (كان 11)، أن هناك قائمة محدّدة من المقاومين الفلسطينيين، قرّر المسؤولون الأمنيون بشأنها، أنه بحلول بداية شهر رمضان؛ يجب أن يكونوا إما خلف القضبان، أو موتى.

الادعاء أن المشاركة في الاجتماع تأتي للدفاع عن حقوق شعبنا الفلسطيني في الحرية والاستقلال، والمطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي المتواصل ضد أبناء شعبنا ووقف الإجراءات والسياسات التي تستبيح دمه وأرضه وممتلكاته ومقدساته.

وكيف سيتم ذلك، هل بملاحقة المقاومة واعادة زخم التنسيق الأمني، ومنع الشباب الفلسطيني من مقاومة الاحتلال والتوقف خلال شهر رمضان الذي اصبح شماعة للاحتلال بانه شهر (الارهاب)، وماذا سيكون بعد الشهر الفضيل؟

مع كل الاحترام للأمل في تحقيق المقاومة انجازات، وأنها تحدي كبير لدولة الاحتلال ومنظومته الأمنية والعسكرية والسياسية. لكن حتى الان يحقق الاحتلال انجازات لضرب المقاومة من خلال  الجرائم والقتل، ولم تجري المقاومة جردة حساب والاستفادة من الدروس وعدم منح الاحتلال انتصارات يومية.

قد  لا نكون قادرين على وقف الارهاب الاسرائيلي  وتغوله على الدم الفلسطيني، على الرغم من ذلك نستطيع التصدي له والحفاظ على المقاومين، وتحقيق انجازات، برغم  الاختلاف الكبير في الظروف وموازين القوة. 

ومثلما يتعلم المقاومين من التجارب السابقة، لا يوجد سبب يمنعنا من التعلم منها في  محاربة الاحتلال  والعنصرية، حتى عندما يبدو الوضع صعباً وتعيش القيادة الضياع، تستطيع الفصائل العمل بطرق مختلفة.

كانت هناك تجارب من المقاومة في كثير من دول العالم ولا ننسى تجاربنا السابقة خاصة في الانتفاضة الاولي، وما هو مهم بالنسبة لنا أن نتعلم منها ومن تجارب المقاومة الفلسطينية.

والأهم أن تتعلم قيادة السلطة، أنه لا يوجد أي أمل من تحقيق اي مسار أو أفق سياسي مع الحكومة الفاشية، وكل ما تريده الولايات المتحدة هو التصدي للمقاومة وما يسمى خفض التوتر لمصلحة دولة الاحتلال، والخوف من اندلاع انفجار كبير لا تستطيع السيطرة عليه.




يوم المرأة العالمي والمناضلة الفلسطينية

بقلم: الأسير ياسر أبو بكر
يحتفل الناس في كل أنحاء العالم بيوم خاص بالمرأة وهو “اليوم العالمي للمراة”، في الثامن من مارس/آذار من كل عام، وسبب اختيار هذا التاريخ، ذكرى حراك عمالي ومسيرة احتجاجية خرجت فيها 15 ألف امرأة في عام 1908 إلى شوارع مدينة نيويورك الأمريكية، للمطالبة بتقليل ساعات العمل وتحسين الأجور والحصول على حق التصويت في الانتخابات.
ومع اعتماد التاريخ عالميًا من قبل الامم المتحدة عام 1975 يصار للاحتفال كل عام تحت عنوان مختلف، وفي مثل هذا اليوم بالنسبة لأمتنا العربية و لفلسطين والثورة الفلسطينية الشيء الكثير الذي من المهم الإطلالة عليه من الجميع.
وإن كنا سنقصر حديثنا عن المرأة الفلسطينية فقط ودورها النضالي فمما يشار له أهمية دورها النضالي في جوانب عديدة أي على صعيد العمل الميداني عبر التاريخ، سواء في العمل بالحقل أوالصناعات المنزلية، أومسار العمل المجتمعي، أو على صعيد التربية ثم التعليم الذي تاقت اليه وكسبته مع أخواتها العربيات المبادرات منذ القرن العشرين، وصولًا لتبوئها مواقع في مجالات عمل عديدة الى أن أصبحت المرأة الفلسطينية تتفوق في التعليم ومختلف المجالات على أخيها الرجل.
عن المرأة في عيون الشعراء وعلى رأسهم الشاعر الأممي محمود درويش يقول الكاتب د.محمد أبوحميدة “تحتل المرأة عند محمود درويش مساحة واسعة من خطابه الشعري؟ إذ تمثل بحكم ترددها في قصائده المحور الدلالي الثالث بعد محوري الأرض والنبات والشجر.” وهكذا هو الامر في الثورة الفلسطينية وحركة فتح حيث المراة حارسة بقائنا كما قال اعلان الاستقلال، وكما تواصل النظر اليها كشريكة ومناضلة.
في السياق النضالي الفلسطيني نستذكر عام 1921، وتأسيس أوّل اتّحاد نسائيّ فلسطينيّ ومن رائدات هذا الاتّحاد زليخة الشهابي وميليا السكاكيني وغيرهما، وصولًا للفترة النضالية في إطار الثورة الفلسطينية الحديثة عام 1965م أمثال أول أسيرة بالثورة الفلسطينية الحديثة فاطمة برناوي وأمثال الشهيدة شادية أبوغزالة، وأمثال المناضلة ليلى خالد والكثير ممن سرن على دربهن بالشهادة، وفي تجربة الاعتقال.
تأسس الاتحاد العام للمراة الفلسطينية بعد مؤتمر القدس التأسيسي الأول عام 1965 تحت شعار «نحو توحيد جهود الهيئات النسائية الفلسطينية من أجل تحرير الوطن المغتصب»، وذلك من أجل تنظيم وتعبئة طاقات المرأة الفلسطينية أينما كانت في خدمة القضية الفلسطينية، والنضال من أجل تحقيق المساواة ، وقد تشكلت اللجنة التحضيرية من الأخوات: زليخة الشهابي وسميرة أبو غزالة وسعاد الكيلاني وفايزة عبد المجيد وسلمى الخضراء الجيوسي ووديعة خرطبيل ورشدة المصري والحاجة عندليب العمد.
وبالجهود الجبارة المكثفة في فلسطين وخارجها وبدور اتحاد المرأة، ونضالات المرأة عامة في الفصائل السياسية، وخارجها، استطاعت تحقيق جزء من آمالها وأحلامها، وأن تكون مجاورة وشريكة للرجل حيث أصبح عدد كبير من النساء يشاركن في صنع القرار في القطاع العام والخاص وكذلك في المؤسسات الأهلية والنقابات والفصائل السياسية، ونجد منهن المديرات والوزيرات وعضوات المجالس مثل: التشريعي والمجالس المحلية وصاحبات شركات خاصة ومديرات في المؤسسات الأهلية…الخ.
ولكن لا بد لنا من الإشارة هنا لأختنا، للمرأة الفلسطينية المناضلة في المعتقلات، حيث نعاني معها بالمعتقلات الأمرين . يذكر تقرير مؤسسة الضميرعام 2020 أن” قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من 13,000 امرأة فلسطينية منذ العام 1967، وخلال العام 2019، تستمر قوات الاحتلال باعتقال النساء والفتيات الفلسطينيات، سواء من الشارع أو أثناء عبورهنّ الحواجز أو بعد اقتحام منازلهنّ ليلاً، مع اصطحاب كلاب بوليسية لترهيب العائلة وتدمير محتويات المنزل. وعند الاعتقال يقوم جيش الاحتلال بتعصيب عيونهن وتقييد أيديهن خلف ظهورهن، ووضعهن داخل الجيبات العسكرية، ويتعرضن أثناء ذلك للتعذيب وسوء المعاملة.” كما يتم استهداف الشابات وطالبات الجامعات ويتعرضن للإهمال الطبي وللاعتقال الإداري أيضًا.
لتؤكد مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان بختام تقريرها “وبناءً على الشهادات والتصاريح التي حصلت عليها من الأسيرات والمعتقلات الفلسطينيات، أن الاحتلال مستمر منذ ما يزيد عن 50 عاماً في انتهاك حقوق الأسيرات الفلسطينيات في مراكز التوقيف والتحقيق والسجون، وفي المستشفيات والعيادات الطبية والحواجز ونقاط التفتيش، وتطال تلك الانتهاكات كافة فئات النساء الفلسطينيات من معلمات وطالبات وأمهات وطفلات وغيرها”.
كل التحية للمرأة في عيدها العالمي، وكل التحية للمرأة الفلسطينية المناضلة عبر هذه الإطلالة السريعة رغم الكثير مما يجب أن يكتب عنها، مذكرين بالأسرى والأسيرات والحرية الواجبة لجميع المعتقلين والأسرى والأسيرات كاولوية لدى القيادة الفلسطينية والعالم الحر، والله معنا.




متابعة- محكمة العدل الدولية ٢٥-٧-٢٠٢٣

بقلم: د. دلال صائب عريقات 

بناءً على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة لمحكمة العدل الدولية لإصدار رأي استشاري بشأن العواقب القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية استناداً لتصويت الجمعية العامة الاخير حول إحالة الملف للمحكمة, أصدرت المحكمة في هولندا بتاريخ 8 شباط 2023 قرارا ينظم الإجراءات القانونية ويحدد الحدود الزمنية لعرض البيانات المكتوبة وللتعليقات والردود على تلك البيانات.
قررت المحكمة أن الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها وكذلك دولة فلسطين المراقبة، قادرة على تقديم معلومات حول الأسئلة المقدمة إلى المحكمة للحصول على رأي استشاري عملاً بالمادة ٦٦، الفقرة 2 من نظامها الأساسي، وتم تحديد يوم ٢٥-٧-٢٠٢٣ كحد زمني لتقديم البيانات المكتوبة حول الأسئلة إلى المحكمة، و ٢٥-١٠-٢٠٢٣  كحد زمني للدول والمنظمات بعد تقديم بيانات مكتوبة، يجوز لها تقديم تعليقات او اعتراضات مكتوبة على البيانات المكتوبة التي قدمتها دول أو منظمات أخرى، وفقًا للمادة ٦٦، الفقرة 4 من النظام الأساسي.. 
ضروري التنويه انه وحسب بروتوكولات المحكمة، تم إعداد بيان صحفي للمحكمة من قبل قلم المحكمة لأغراض إعلامية فقط حددت هذه التواريخ. محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. تأسست بموجب ميثاق الأمم المتحدة في يونيو حزيران 1945 وبدأت أنشطتها في أبريل 1946. وتتألف المحكمة من 15 قاضياً تنتخبهم الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة لمدة تسع سنوات. مقر المحكمة في قصر السلام في لاهاي, هولندا. 
للمحكمة دور مزدوج:
أولاً: تسوية المنازعات القانونية التي تعرضها عليها الدول وفقاً للقانون الدولي من خلال أحكام لها قوة الإلزام وغير قابلة للاستئناف بالنسبة للأطراف المعنية. 
ثانيًا: تقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية المحالة إليها من قبل أجهزة ووكالات الأمم المتحدة المخولة حسب الأصول.
عام 2004 صدر رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية أكد على واجب إنشاء دولة فلسطينية في أسرع وقت ممكن. جاء هذا الرأي في دراسة شأن الجدار الفاصل في الضفة الغربية بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8/12/2003. ورأت المحكمة ان الجدار غير شرعي استناداً إلى أحكام القانون الدولي، فهو يرسخ فكرة ضم الأراضي المحتلة وإلحاقها بالكيان الصهيوني، الأمر الذي يخالف لائحة لاهاي لسنة 1907 المتعلقة بقوانين الحرب وأعرافها حيث ان الجدار يحرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، وينتهك حقوق الإنسان. وفند الرأي الادعاءات الإسرائيلية في أن الجدار هو مجرد إجراء للدفاع عن النفس وللضرورات العسكرية.
 رأي المحكمة أكد عدم شرعية الجدار ووضع مسؤولية على الأمم المتحدة، الا ان الرأي الاستشاري غير ملزم في نهاية الأمر.
بعد ١٩ عاما، تضع الجمعية العامة القضية الفلسطينية مرة أخرى في ملعب محكمة العدل الدولية، مع إدراك المنظومة الدولية لتصميم الحكومة الإسرائيلية على مواصلة احتلالها وتقويض حق تقرير المصير الفلسطيني. هذه المرة، المحكمة ستقدم رأيا استشاريا بشرعية الاحتلال الاسرائيلي طويل الأمد، وهذا من شأنه أن يفضح الغرض الاستيطاني الاستحواذي المتمثل في إطالة أمد الاحتلال والذي يعتبر انتهاكا صريحا للمعايير القطعية للقانون الدولي. من المُرجح أن ترى المحكمة أن الالتزام بنزع استعمار الأراضي الفلسطينية المحتلة وتطبيق حق تقرير المصير هو التزام تجاه كافة أعضاء المجتمع الدولي، وهو التزام يكون لجميع الدول فيه مصلحة متبادلة لتحقيق السلام الدولي، وهنا يحق للمنظومة الدولية اتخاذ تدابير قانونية نحو التأثير الفوري دون مماطلات او رضوخ للضغوطات الإسرائيلية المتكررة تحت إطار دبلوماسية القسر التي طالما يعاني منها الفلسطينيون.
في ظل نشر التواريخ لعمل إجراءات المحكمة يتوجب على الفلسطينيين إعادة تفعيل اللجان الوطنية والقانونية لحشد الجهود وتوحيدها لمتابعة الملفات والحقوق في المحاكم الدولية فورا وتجنب تضييع أي فرصة خلال الأربعة أشهر القادمة.  
– دلال عريقات: كاتبة وأكاديمية 




فلسطين .. ما بين الخيارات والأولويات

بقلم: د. دلال صائب عريقات 

تواجه فلسطين اليوم حكومة إسرائيلية متطرفة تنفذ سياسة القتل العمد بدم بارد. لا أود المبالغة ولكن سياسات هذه الحكومة ليست متطرفة أكثر من سابقاتها، فقد شهدنا الإعدامات الميدانية والتهجير القسري والاستيطان في عهد كافة الحكومات، ولو اختلفت النسب إلا ان العقيدة صهيونية عنصرية لا تأبه للقيم ولا الأخلاق ولا القانون عند التعامل مع ما هو فلسطيني. 
الحقيقة ان كل ما هو فلسطيني هو هدف لماكينة الاحتلال العسكرية والحجة متكررة ومهترئة لأسباب أمنية! 
بالمقابل حاول الفلسطينيون جاهدون بكل الطرق التعامل مع هذا الاحتلال، انطلاقاً من استراتيجية الكفاح المُسلح التي انتهجتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ الستينات حتى نهاية الثمانينات ثم استراتيجية العمل السلمي بداية التسعينات حتى بدأ العمل على تدويل القضية بالاتجاه للأمم المتحدة وساحات الشرعية والقانون الدولي من خلال الدبلوماسية متعددة الاطراف. 
كل هذه الاستراتيجيات لم تحقق السلام ولا الاستقرار ولا الازدهار، على مدار العقود السابقة لم تثنِ اي من الادوات دولة الاحتلال من التوقف عن سياساتها الاستيطانية العنصرية، منذ مطلع ٢٠٢٣ وحده وخلال أقل من شهر، أعدمت قوات الاحتلال أكثر من ٣٠ فلسطينيا، هؤلاء لم ينفذوا عمليات بل كانوا في بيوتهم عندما اجتاحت ماكينة الاحتلال بيوتهم وحاراتهم، وما كان منهم وعملاً بأبجديات القانون الدولي والشرعية الدولية الا أن دافعوا عن أنفسهم، عملاً بالمادة ٥١ من ميثاق الأمم المتحدة، حق الدفاع عن النفس هو حق مشروع ولا خلاف عليه. 
مخرجات اجتماع القيادة الفلسطينية الطارئ الذي عقد برئاسة الرئيس محمود عباس في أعقاب مجزرة الاحتلال بمخيم جنين شملت الحديث عن توقف التنسيق الأمني مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي والتوجه الفوري لمجلس الأمن الدولي لتنفيذ قرار الحماية الدولية للشعب الفلسطيني تحت الفصل السابع ووقف الإجراءات أحادية الجانب واستكمال الانضمام إلى المنظمات الدولية والتوجه بشكل عاجل لمحكمة الجنايات الدولية لإضافة ملف مجزرة جنين إلى ملفاتها، كما دعا الرئيس جميع القُوى الفلسطينية لاجتماع طارئ للاتفاق على رؤية وطنية شاملة ووحدة الصف لمواجهة العدوان الإسرائيلي والتصدي له. 
لا نقلل من شأن ردود الفعل هذه، فهي خيارات مهمة ومشروعة، ولكن وعملاً بالأولويات الوطنية والدبلوماسية ولتحقيق أهداف حقيقية وعدم التشتت في الخيارات، علينا ترتيب الأولويات بما يخدم المصلحة الوطنية، الأولويات تنعكس في تحقيق الوحدة الداخلية وعقد الانتخابات داخلياً، أما على المستوى الدولي فضروري التركيز على ما بُدئ العمل به وطلب رأي استشاري فوري من محكمة العدل الدولية حول ماهية الاحتلال ثم التركيز على أهمية حق تقرير المصير الفلسطيني، وهو حق غير قابل للتصرف في المنظومة الأممية ويتطلب إنهاء الاحتلال. 
المحكمة ستتناول أيضاً شرعية الاحتلال الاسرائيلي طويل الأمد، وهذا من شأنه أن يفضح الغرض الاستيطاني الاستحواذي المتمثل في إطالة أمد الاحتلال والذي يعتبر انتهاكا صريحا للمعايير القطعية للقانون الدولي. 
من المُرجح أن ترى المحكمة أن الالتزام بنزع استعمار الأراضي الفلسطينية المحتلة هو التزام تجاه كافة أعضاء المجتمع الدولي، وهو التزام يكون لجميع الدول فيه مصلحة متبادلة لتحقيق السلام الدولي، وهنا يحق للمنظومة الدولية اتخاذ تدابير قانونية نحو التأثير الفوري خاصة في ظل العنف المتصاعد.
– دلال عريقات: كاتبة وأكاديمية 




بقلم:عوض عبد الفتاح

مع تشكيل الحكومة الجديدة، تعيش إسرائيل سكرة القوة، ولم تعد ترى حاجة لأي نوع من التسوية مع الشعب الفلسطيني سوى الإخضاع، إما بالطرق العسكرية والأمنية، أو عبر ملهاة السلام الاقتصادي، أو كلها مجتمعة؛ وهي بذلك تترجم نسخة متجددة من عقيدة “الجدار الحديدي”.

لا يوجد طرف وازن داخل التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، معنيّ بالاعتراف بحق تقرير المصير والاستقلال على أي جزء على هذا القطر العربي الذي جرى تحويله إلى مستعمرة يهودية أوروبية، فالحكومة السابقة، بقيادة بينيت ولبيد، سلكت السياسة الاستعمارية الدموية نفسها، واعتمدت الوحشية نفسها، بل فاقت الحكومات السابقة التي تزعّمها نتنياهو وسابقوه، وإن ما ميز “حكومة التغيير” أنها أولا استخدمت خطابا ناعما تجاه الخارج؛ وثانيا، حظيت بغطاء “إسلامي متأسرل”.

في دراسة نشرها الباحث الأميركي اليهودي، إيان لوستيك، المختص بالصراع العربي الإسرائيلي عام 2008، تحدث فيها عمّا أسماه “تخلي إسرائيل عن إستراتيجية الجدار الحديدي”، وهو لفترة طويلة جدا كان من المدافعين عن حل الدولتين. وفي عام 2020، أصدر كتابا بعنوان “النموذج الضائع… من حل الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة”. والفكرة الأساسية في الدراسة والكتاب تقول إن إسرائيل ومن خلال النجاحات المتتالية، والهزائم التي ألحقتها بالدول العربية، خلقت واقعا لم تقصده، وهو واقع الدولة الواحدة الذي يحمل في طياته مكونات الثورة والتمرد، معتبرا أن ذلك تخلٍّ عن “إستراتيجية الجدار الحديدي” الذي يقوم منطقه على بناء قوة عسكرية صهيونية وخارجية (بريطانية في ذلك الحين) يجري تفعيلها ضد الفلسطينيين والعرب، وتحقيق هزيمة ساحقة يأتون بعدها صاغرين وموافقين على الوجود الاستعماري الصهيوني في فلسطين، للتفاوض على تسوية. ويوضح أن نجاحات إسرائيل بإخضاع الأنظمة العربية، لم تتبعه مفاوضات سلمية لتحقيق تسوية سلمية تقوم على فكرة الدولتين.

والجدار الحديدي، كما يعرف الباحثون في الحركة الصهيونية، هو عنوان مقال لقائد التيار التنقيحي في الحركة الصهيونية، زئيف جابوتنسكي، نشره باللغة الروسية عام 1923، ردا على تيار العمل الصهيوني بقيادة دافيد بن غوريون، الذي كان يسعى إلى تحقيق المشروع الصهيوني بالتحايل والمفاوضات. جابوتنسكي، وعلى خلاف نظرة تيار العمل الذي يحمل نظرة فوقية سافرة، اعترف بوجود الشعب الفلسطيني وكتب في مقاله أنه شعب حيّ، وأنه كأي شعب طبيعي سيقاوم أي محاولة للاستيلاء على أرضه. ليس هذا اعترافا بحقه بتقرير المصير للشعب الفلسطيني، بل إنه تأكيد على الحاجة الصهيونية لتهيئة القوة العسكرية المطلوبة لهزيمته. ومنذ الثلاثينيات من القرن الماضي، تبنّى بن غوريون هذه العقيدة، وباتت عقيدة الحركة الصهيونية كلها، وتجسيدها إسرائيل.

ليس صدفة أنه خلال العشرين عاما الأخيرة، يجري استحضار تراث جابوتنسكي من قِبل اليمين واليمين المتطرف، والذي تقوم عليه أيديولوجية الحكومة الحالية، الأكثر تطرّفا في تاريخ الكيان الصهيوني.

لقد حققت إستراتيجية الجدار الحديدي نجاحات صهيونية كبيرة، ليس بإقامة اسرائيل فحسب، بل في إحداث شرخ داخل الجسم العربي والفلسطيني، الذي انقسم إلى “معتدل” و”متطرف”، وتجلّى ذلك في عقد اتفاقيات استسلام مع أنظمة عربية وإخراجها من دائرة الصراع. أما اتفاق أوسلو، فقد اختلفت النظرة إليه؛ فتيار العمل الصهيوني رأى فيه تحقيقا لإستراتيجية الجدار الحديدي، في حين أن اليمين وريث جابوتنسكي، رأى فيه كسرا للجدار الحديدي بسبب قبول كيان فلسطيني متجسد بحكم ذاتي.

وكما يرى اليمين ومن خلال زعيمه نتنياهو أن تحقيق اتفاقيات تطبيع وتحالفات أمنية مع أنظمة خليجية إضافة إلى نظام المغرب، هو ترجمة للجدار الحديدي الذي تقوم فلسفته أصلا على تحييد العالم العربي عن قضية فلسطين، وحتى لا يبقى، كما كتب جابوتنسكي، بصيص أمل أمام الشعب الفلسطيني بإمكانية هزيمة المشروع الصهيوني.

ولكن أمام إسرائيل تحدٍّ حقيقيّ، وترى أمام عينيها هذا التحدي، ولكن دون إدراك مخاطره على مشروعها؛ ألا وهو تمسّك الشعب الفلسطيني بالأمل وبالإصرار على المقاومة مهما طال الزمن، والاستعداد لدفع الأثمان من أجل استعادة الوطن. ويتغذى هذا الأمل من الإيمان بالحق، ومن كون هذا الشعب يعيش على أرضه، وأن عدد أفراده يوازي عدد اليهود في فلسطين، الأمر الذي يخلق تحديا تاريخيا وأخلاقيا في مواجهة نظام الأبارتهايد الذي ترسَّخ عبر الإجراءات الإدارية والقانونية، وتحديدا قانون القومية.

وعليه، وعلى خلاف توقعات وتحليلات جابوتنسكي، فإن فاعلية الوكيل الفلسطيني رغم كل ما يعتري الجسم الفلسطيني من تشرذم وضياع وفقدان رؤية، هو الذي يمارس عملية قضم لإستراتيجية الجدار الحديدي. كما أن لاعبا ظنّ عُتاة الصهاينة أنه اختفى عاد للظهور، ألا وهو الشعوب العربية، التي أعادت تأكيدها أثناء مونديال قطر على مركزية القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، ما يطرح علامة سؤال كبيرة على مستقبل التوسع والاختراق الذي أحدثته إسرائيل في العالم العربي.

نعم، في ظل هذه الحكومة الحالية يتوقع أن يشهد الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية معاناة وعذابات جديدة وتهديدات أكبر، ولكن الثبات والصمود والإصرار على الحق هي معطيات ملموسة ودلائل قاطعة، ستبقي المشروع الصهيوني في حالة قلق على وجوده. ليس المشروع الصهيوني وحده القوة الفاعلة الوحيدة على الأرض وفي العالم، والذي لديه مصادر قوة مادية هائلة، وقدرات لافتة في التخطيط، بل أيضا شعب فلسطين، الذي لم يتوقف عن المقاومة منذ بدايات الغزو الصهيوني في نهاية القرن التاسع عشر، فمع هذه النسخة المتجددة للنظام الصهيوني الدموي، السافرة والخالية من الرتوش، تتوفر لشعب فلسطين ولأحرار العالم فرص جديدة للفعل وللمقاومة، ولتصعيد النشاط المدني لحصارها عالميا. عن “عرب ٤٨”