1

زريف الطول.. البطولة بأجراسها!

ما يبهج القلب ويفرحه، أن الذاكرة الفلسطينية تتوقد وتتوهج أكثر، كلما مرت عليها، وبها، الأيام، فهي الخزين الوطني الذي لا ينضب، والكتاب الثقيل الوافي القار في كل بيت، والمعنى الذي يجول مثل سؤال لغوب كيما يصل إلى الطمأنينة المشتهاة، ولا طمأنينة ضافية صافية محلومة إلا بعودة البلاد الفلسطينية إلى أهلها، والحواكير إلى بيوتها، والمفاتيح إلى أبوابها، والحقول إلى مواسمها، والينابيع إلى صباياها، والدروب إلى أنسها، والقرى إلى صباحتها البكر، والشرفات إلى روائح قهوتها وموسيقاها، والقلوب إلى دقاتها الملأى بالفرح والغبطة.

أقول هذا، وأنا في دهشة أو أكاد، بعد قراءتي لرواية الأديب الفلسطيني وليد عبد الرحيم الصادرة حديثا عن دار دلمون الجديدة في دمشق تحت عنوان (زريف الطول)، لأنها رواية يتعانق فيها البطل الشعبي، والمكان المأنوس، مثلما يتعانق التاريخ ومعاني الوفاء لتصير حكايات تجري بها الألسن، وتسمر بها الليالي، ويتعالى بها نشيد الناس، والأمكنة، والأزمنة في هتاف يهز الوجدان: بلادي، بلادي!

ببراعة مدهشة حقا، يبتكر وليد عبد الرحيم رواية مستلة من أسطورة بطل شعبي اسمه (زريف الطول) أسطورة وطدها وحفظها الغناء الشعبي في الأفراح والأتراح معا، حتى قرت في التقاليد الفلسطينية التي من فطرتها عشق الأرض، والجمال، والخير، والمعاني المفضيات إلى تدوين الحياة الفلسطينية التي زهت بالعمران، والكتب، والقراءات التامة!

قرن كامل من الشدة، عرفتها البلاد الفلسطينية، هو القرن العشرين! قرن كامل طفح بظلموت لم تعرفه الأرض والتواريخ والبشر من قبل، قرن اكتوت به القرى والمدن الفلسطينية التي عرفت المجازر والمذابح والسجون والمعتقلات والمطاردة لكل شيء، للأطفال، والدروب، والبيوت، والأفكار، والحقول، ودور العبادة، وهدأة الناس، والعافية، والنشور، والفرح، والضحك، مطاردة للحق، بطيوفه كلها. قرن من الشدة استوجب ميلاد البطل الشعبي (زريف الطول)  مثلما استولدت الشدة الأبطال الشعبيين الذين عرفتهم البشرية، من عنترة بن شداد إلى روبن هود!

مكنة سردية بهارة، وجولان تاريخي حاشد بالأخبار والصور والوثائق، وروح وطنية محلقة في فضاء من سرد شفيف خفيف طيع مثل الغيوم، يجوز بها وليد عبد الرحيم متقفيا خطا (زريف الطول) وأحلامه الباحثة عن الفرح المسروق من قبل الانكليز قبل عام 1948، ومن قبل المستوطنين الإسرائيليين الذين أرادوا وقف حياة الفلسطينيين وشلها وتعليقها على حبال أعدت كمشانق يومية طالت  جميع الأرجاء والأنحاء، وبالقوة الباطشة الراعية؟ (زريف الطول) صورة للفدائي الجسور الذي آخى حياة الخشونة من أجل استعادة الكرامة، وصورة المزارع الثابت في حقله من أجل المواسم الواعدة، وصورة المعلم في مدرسته من أجلأحلام جديدة، وصورة العاشق الذي يذهب إلى موعده في المساء من دون أن يتفقد عقله ان كان معه، وصورة، أشجار الزيتون وقد عادت إلى طمأنينتها، فلا خوف من اقتلاع أو تحطيب!

وليد عبد الرحيم الذي درس الإخراج السينمائي في القاهرة، يكتب تاريخ البلاد الفلسطينية عبر مشاهد تقطرها ذاكرة وقادة مشعة لا سهو فيها ولا لجلجة؛ مشاهد تقص، وتخبر، وتصوغ، وتصور، وتستبطن ما في التواريخ كي تصير مرجعية العقل الفلسطيني، ووليد عبد الرحيم الذي أصدر دواوين شعر عدة، يكتب بحبره المضيء، ولغته المكثفة، وجملته الرهيفة المعاني التي جسدها الفلسطيني صبرا على الأذى، وعشقا للبلاد! وما أكثر صور الصبر، وما أكثر صور العشق.

وليد عبد الرحيم، يحاول في روايته (زريف الطول) التي تري القارئ الباد الفلسطينية، وهي في صورتين، صورة الجمالين السماوي والأرضي الذي عاشته رغدا قبل الاحتلالين الإنكليزي والإسرائيلي، وصورة ظلموت الاحتلالين وقباحاتهما الولود في كل لحظة وآن، حتى صار هذا الظلموت فضاءات للشدة والعذاب والكراهية والعنصرية وانتفاء الحرية والجمال والحق والخير، وأقول أيضا: وليد عبد الرحيم يفتح بوابات التراسل الإبداعي ما بين أجناس الأدب والفنون الإنسانية عامة، ففي مشاهد الرواية، يقع القارئ على مساحات من شعر كتبته روح ملتاعة، ويقع على رسوم ومنحوتات وتشكيلات للألم والعذاب بادية حين يتفقد الفلسطيني روحه وهي تزفر زفرتها الأخيرة، ويقع القارئ على مسرح يتقابل فيه اثنان جندي مدجج بالسلاح والإخافة، وامرأة تلبس ثوبا أسود زينته الألوان، ولا حوار بينهما سوى حوار الرصاص، ولا صورة سوى صورة الجندي الذي يستدير بأسلحته مثل وحش الغابة، وصورة المرأة التي تنظر إليه بعينين أصبحتا، بعد الموت، نافذتين وأكثر.

رواية (زريف الطول) لـ وليد عبد الرحيم، كتابة جديدة لسرد جديد، وثاب، كثيف، يفرض على القارئ أن يركض وراء الأسطر ليعب من جماليات الأدب، وليتجرع غصص التاريخ الفلسطيني مثل عداء ليس في باله سوى خط النهاية، كي يرفع ذراعيه عاليا.. معلنا الانتصار




أوسلو: ٣٠ عاما!

د. دلال صائب عريقات

تصادف هذا الأسبوع ذكرى مرور ٣٠ عام على توقيع اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض في 1993/9/13 . أرى من الواجب اليوم توضيح وإجمال بعض النقاط للشباب حول هذا الاتفاق: اتفاقية أوسلو هي اتفاق تعاقدي دولي له سقف زمني ينص على أن هدف عملية السلام، أولاً: تنفيذ القرارين 242 و 338 ، أي عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة وحفظ حق اللاجئين حسب قرار 194 وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي حسب حدود حزيران 1967. ثانياً: خص قضايا الوضع النهائي وهي القدس والحدود واللاجئين والمياه والأسرى والاستيطان. 

هذه الاتفاقية جاءت على مراحل، تحت مسمى عملية السلام في أوائل التسعينيات، التي بدأت بمؤتمر مدريد 1991 وتبعها اتفاق اعلان المبادئ والذي يسميه الغالبية “أوسلو 1” وبروتوكول باريس الاقتصادي 1994, “ثم اتفاقية غزة- أريحا واتفاقية المرحلة الانتقالية 1995 . واي ريفر 1998, وشرم الشيخ 1999 ما هي الا مراحل انتقالية كان من المتوقع ان تفضي لمفاوضات الوضع النهائي بالعام 2000-1999 مثل ما شهدنا في كامب دايفيد 2 وطابا.

الاتفاقيات جاءت فيها مراحل تدريجية وتفصيلية حول انسحاب قوات الاحتلال، وما كان يسمى الإدارة المدنية وتفاصيل تحويل ملفات إدارة الشأن العام للسلطة الفلسطينية بشكل متفق عليه ومراحلي.

في الواقع, هذه الاتفاقيات ارتكزت على الجوانب الأمنية مع نقل جزئي ومحدود للصلاحيات، بحيث ضمن تبعية الفلسطينيين لدولة الاحتلال في الشأن الاقتصادي والسياسي والحدودي، والأهم الهيمنة في الشؤون المدنية الفلسطينية، حيث باتت إدارة شؤون البلاد والمواطنين تحت رحمة الاحتلال.  

فيما يخص ملفات الوضع النهائي على مدار ٣٠ عاما:
ملف الاستيطان لم يبق مكانا لحلم الدولة في الجغرافيا السياسية, ملف الاستيطان هو هفوة اتفاق أوسلو الذي تفاجأ به أعضاء الوفد المفاوض من الأرض المحتلة وضم كلا من الدكتورة حنان عشراوي وشهداء الوطن الدكتور حيدر عبد الشافي وأمير القدس فيصل الحسيني والدكتور صائب عريقات، اللذين غضبوا واستاءوا وعبروا عن إحباطهم مما توصلت له القنوات الخلفية السرية لعدم تطرق الاتفاق للاستيطان، إلا أن وفد الداخل ومن حرصهم على المصلحة الوطنية وتقديمها على المصلحة الشخصية آثروا دعم الرئيس محمود عباس مهندس الاتفاق والراحل ياسر عرفات كممثلي منظمة التحرير الفلسطينية -الجهة الشرعية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

ملف الأسرى: حتى اللحظة معطيات نادي الأسير الفلسطيني تشير إلـى -(5200) أسير/ة يقبعون في (23) سجنا ومركز توقيف وتحقيق، منهم -(33 أسيرة-(170) طفلاً وقاصراً، موزعين على سجون (عوفر، ومجدو، والدامون).

-(1264) مُعتقلا إداريا في سجون الاحتلال -(22) أسيراً من الأسرى القدامى المعتقلون قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

-(237) شهيداً أسيراً، من شهداء الحركة الأسيرة. وهذا يذكرنا بالاتفاق الفلسطيني– الاسرائيلي في واشنطن في 13 ايلول/ سبتمبر عام 1993 واتفاقية القاهرة الموقعة في 4 ايار/ مايو عام 1994 التي تلزم الجانب الاسرائيلي بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. الاعتقال الإداري غير القانوني لا يوجد الا في دولة الاحتلال التي تمدد الاعتقال كل ٦ شهور من غير محاكمة, إطلاق سراح الأسرى من قبل اتفاقية اوسلو هو التزام على اسرائيل، انطلاقاً من روح ونص الاتفاق الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، ما تقوم به اسرائيل من مماطلة هو خرق للاتفاق.  

منذ بداية ٢٠٢٣ استشهد اكثر من ٢٤٠ وفي 2015، تبنت دولة الاحتلال سياسة احتجاز جثامين الشهداء التي تعدت ال ١٤٠ جثمانا. خلال ٣٠ عاما خالفت دولة الاحتلال الاتفاق في إجراءاتها أحادية الجانب المتمثلة في بناء جدار الفصل، والانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وهو ما كرس الانقسام الداخلي وتشتت المشروع الوطني الفلسطيني والسيطرة الكاملة لاحتلال منخفض التكلفة ترافقه الاعدامات الميدانية والاعتقالات وسياسات الابارتهايد والاضطهاد والتهجير القسري ومصادرة وضم الأرض, كل ذلك على شكل أوامر عسكرية تعيد تثبيت حقيقة اننا شعب يقبع تحت الاحتلال.  

فيما يتعلق بالقدس واللاجئين: تتنكر دولة الاحتلال لأي مسؤولية وهذا مخالف لروح الاتفاق, خرقت اسرائيل كل مبادئ الاتفاقيات وعملية السلام لدرجة اننا نستطيع المحاججة قانونيا اننا في حلٍ من هذه الاتفاقيات، وكرست التبعية وشبه استحالة الانفكاك عنها. أي دعوة من المجتمع الدولي للمفاوضات هي محاولات عبثية ميكافيلية لمماطلة الوضع الراهن، حيث أصبحت المفاوضات والمحادثات السلمية هي الغاية بدلا من ان تكون الوسيلة لتحقيق السلام، وكرامة الشعوب وحقها في تقرير المصير. بعد ٣ عقود لا بد من تقديم الأدوات القانونية والتي يجب ان تبدأ من تحديد حدود دولة إسرائيل قبل الحديث عن أي أفق لأي سلام او اتفاق. 




بريكس: فلسطين وعملة عالمية جديدة

د. دلال صائب عريقات

على مدار ١٥ عاما، تشكل تحالف الـ “بريكس” من كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا. تم عقد المؤتمر السنوي هذا العام ما بين ٢٢-٢٤ آب الفائت في جنوب افريقيا، وتم الاتفاق على ضم ٦ دول جديدة، لتشمل كلا من مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وإيران، لتصبح ١١ دولة في هذا التحالف مع بداية ٢٠٢٤, الذي قد نشهد معه تحول النظام العالمي في القرن الواحد والعشرين:

 – من نظام أحادي الى متعدد القطبية.

– من هيمنة الدولار الى عملة اخرى (هناك منافسة بين الدول الكبرى وهذا ما قد يدفع هذه الدول لتبني العملة الرقمية لتجاوز المنافسة).

– من النيوليبرالية الى اشتراكية جديدة متوسطة تجمع دولا متقدمة في القارة الآسيوية والافريقية وامريكا اللاتينية.
تحالف مثير، ومن المهم جداً لنا كفلسطينيين هو الوجود وإيجابية وقوة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول المتحالفة. تقدم فلسطين بطلب الانضمام هو تخطيط استراتيجي دبلوماسي على أساس قاعدة الربح في رسم خارطة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية, ان تعزز فلسطين مكانتها بين (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وايران)، هو نقطة مهمة تصب في مصلحة القضية الفلسطينية. موقف “بريكس” من القضية عادل وإيجابي، حيث طالب الإعلان الختامي للقمة بدعم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك مبادرة السلام العربية الهادفة إلى تنفيذ حل الدولتين، وإنشاء دولة فلسطين، وعبروا عن رفضهم للاستيطان وعنف المستوطنين المتصاعد, وأكدوا دعمهم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، “الأونروا”، وتعهدوا بتقديم المزيد من المساعدات الدولية لتحسين الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني.

يقلقني ان زعماء دول “بريكس” دعوا إلى دعم المفاوضات المباشرة التي تؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة, فهي هنا تتعامل مع “المفاوضات” كغاية وليس كوسيلة، وهذا موضوع حساس علينا ان نتعلم من تجربة ٣٠ عاما من تبني “المفاوضات”، وان نذكر من منطلق علمي ان المفاوضات هي احدى الأدوات السلمية المتبعة في حل الصراعات, وهنا يتوجب التفكير بأدوات أخرى, من غير المنطقي ان نستمر بتكرار نفس العبارات وتبني نفس الاستراتيجيات متوقعين نتائج مختلفة. فيما اذا انضمت فلسطين، فهذا سيعزز مكانتها سياسيا واقتصاديا، حيث سيفتح أفق التعامل مع عملة جديدة في ظل الحرمان من عملة مستقلة والتبعية العميقة للشيكل الاسرائيلي من جهة وللدولار الامريكي من جهة اخرى.

من المثير ان أكثر من 22 دولة صغيرة وكبيرة قدمت طلبات للانضمام إلى المجموعة, مما يدعو للمقارنة او المنافسة لحد ما مع مجموعة السبع ومجموعة العشرين. والموضوع الأكثر حساسية لهذه المجموعة هو كيفية الحد من أهمية الدولار كعملة احتياطية عالمية. إن اقتصادات مجموعة الـ “بريكس” أكبر من اقتصادات مجموعة السبع مجتمعة. ولكن عملة جديدة جذابة تنافس الدولار لا يمكن تحقيقها بوقت قريب. ومع ذلك، فإن الاتفاقيات الثنائية لمزيد من التجارة التي تشمل العملات الوطنية بدلا من الدولار تنمو بسرعة. إن استغلال هيمنة الدولار لفرض عقوبات تقودها الولايات المتحدة سيعجل بزوال الدولار، ولهذا نتخيل ظهور عملة جديدة قد تكون الكترونية لتجنب خلاف السباق بين هذه الدول، فهناك منافسة صريحة بين الصين والهند عند الحديث عن عملة، أي البلدين هي الأجدر مثلا للتبني في “بريكس”، ولتجنب انهيار هذا التحالف المتجه نحو تعديل ميزان القوى الدولية ممكن ان تتوحد المجموعة بإصدار عملة رقمية جديدة.

يرى بعص المحللين ان وجود مجموعة بريكس مهدد فيما اذا تحولت لكتلة واحدة بقيادة الصين! هناك اتهامات عديدة لوسمها بـ”الكتلة غير الليبرالية” التي تنافس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وضد الديمقراطيات في العالم. ولكن هناك العديد من القوى التي تعارض ولا ترغب الهند أو الأرجنتين أو البرازيل في احتضان الشعبوية الديكتاتورية في الصين. ويسعى كل من  المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، ومصر إلى تحديد موقع بين الكتلتين الكبيرتين. بالنسبة لهذه البلدان، فإن فائدة الانتماء إلى المجموعة الصاعدة هي حماية نفسها من الضغوط غير المبررة للانضمام إلى معسكرات الولايات المتحدة أو الصين، من خلال إضفاء الطابع الرسمي على عدم الانحياز وهذا ما شهدناه عندما رفضت أغلب هذه البلدان بالفعل الانحياز إلى أحد الجانبين في حرب روسيا وأوكرانيا. 

– دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي, كلية الدراسات العليا, الجامعة العربية الأمريكية.




التعليم العالي مرة أخرى حول معايير التصنيف للجامعات الفلسطينية

وسام رفيدي

يبدو من الطبيعي أن تنشد اية جامعة للحصول على تصنيف جيد ضمن تصنيفات دولية للجامعات، كأن تكون مثلاً ضمن ال 500 الأوائل لتصنيف الجامعات في العالم، أو ضمن 3% لأفضل جامعات تنتج أبحاثاً علمية محكمة، أو ان يحتل باحثون منها مكانة مرموقة في تصنيف الباحثين ومكانة أبحاثهم عالمياً، إذ لا يمكن حرمان اية جامعة من المنافسة على مكانة أفضل في (سوق) الجامعات العالمية.

لا يستغربن أحد كلمة سوق، فعلى حد تعبير أحد المسؤولين الماليين في جامعة محلية في نقاش وجاهي معي حول السياسات المالية الظالمة للطلبة والعاملين إذ قال ( It is a business) فإذا كانت السياسات المالية تتعامل مع التعليم من وجهة نظر تجارية وباعتباره Business فمن الطبيعي ان تحتل المنافسة على التصنيف والاحتفاء بنتائجه اهتماماً متزايداً باعتبار المنافسة من أوليات اقتصاد السوق.

قبل الولوج لمعالجة تقترب من التفصيلية لا بد من تأكيد حقيقة وموقف:

الحقيقة: جامعاتنا تنشط في ظل الشرط الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الذي يستهدف وجودنا كشعب وهويتنا وكيانيتنا السياسية، وتلك ما درجت الأدبيات السياسية والاجتماعية على اعتباره الخصوصية التي ينبغي الالتفات لها في كل ما يتعلق بما هو مطلوب، وفي كل الحقول والمجالات الاجتماعية والسياسية والوطنية والثقافية والاقتصادية والتربوية والعلمية. غير ذلك فإن اي نقاش خارج إطار تلك الخصوصية فإنه سيغدو في الحد الأدنى لا صلة له بالواقع،، وبالحد الأقصى يحرف البوصلة عن الاتجاه الذي ينبغي أن تؤشر إليه.

الموقف: جامعاتنا، وضمن مهامهما العلمية والمجتمعية، ينبغي ان تخدم الهدف التاريخي لشعبنا بالتحرير والعودة، بما يستلزمه ذلك من كليات ودوائر وتخصصات وأقسام ومساقات تخدم بناء مجتمع مقاوم وصامد، وتربية أجيال تتمتع بروح العمل الجماعي لخدمة الوطن وقضيته، إضافة لتعزيز العقلية العلمية النقدية بديلاً للثقافة الغيبية التقليدية القائمة على الخنوع والاستتباع في حقول العلوم الانسانية والاجتماعية، وتطوير المهارات المهنية والبحثية والإبداع في حقول العلوم الطبيعية. ضمن هذه الحقيقة وهذا الموقف تناقش هذه المقالة قضية تصنيف الجامعات والمعايير المعتمدة.
مَنْ يضع المعايير؟ ما مدى مواءمتها لمجتمعنا؟

السؤال الذي يجابهنا مباشرة: ما معايير التصنيف؟ ومَنْ وضع تلك المعايير؟ وما مدى مواءمة تلك المعايير مع خصوصية وجود جامعاتنا في ظل الشرط الاستعماري المشار إليه أعلاه؟

إجمالاً فإن معايير التصنيف تكاد تكون موحدة لدرجة كبيرة، وهي تشمل جودة الأبحاث، معدلات نشر أعضاء الهيئة التدريسية للابحاث، جودة التعليم، الإنتاج البحثي، الرجوع للابحاث للإقتباس، نوعية أعضاء هيئة التدريس من حيث شهاداتهم العلمية، إلى آخره من معايير، هي في الواقع تنحو نحو التركيز على البعد الكمي لا النوعي في قياس المعيار، كعدد الأبحاث المنشورة، عدد حاملي شهادة الدكتوراة، والرجوع للأبحاث للاقتباس، وحتى لو نحت نحو التركيز على البعد الكيفي، فلا يمكن تحديد حدود واضحة، بل سيبرز الاختلاف واضحاً في تحديد تلك الحدود، فما هي معايير جودة التعليم مثلاً، أو جودة الابحاث العلمية؟ هل هي في مراعاتها منهجيات البحث العلمي المعروفة، على أهميتها، أم ايضاً مواءمتها للخصوصة المجتمعية والوطنية واحتياجات تلك الخصوصية؟

وهنا نجد أنفسنا أمام السؤال الثاني؟ مَنْ يضع معايير التصنيف؟ إجمالاً إما مراكز مختصة مثل المركز الوطني للبحوث في اسبانيا الذي وضع تصيف ويبومتركس الاسباني لتقييم الجامعات (CSIC)، أو جامعات مثل جامعة جياو جونغ في شانغهاي التي وضعت معايير التصنيف الأكاديمي للجامعات العالمية (ARWU)، أو مجلات عالمية مثل مجلة نيوزويك الأمريكية، أو تصنيف QS للجامعات العالمية.

بالمحصلة تتمظهر في هذا الحقل علاقة من التبعية: مراكز ومجلات ودول وجامعات ذات مكانة مهيمنة عالمياً تضع هي المعايير، وجامعات العالم (تطارد) للحصول على موقع (جيد) في تصنيفاتها، ضمن علاقة تبعية وإلحاق بيّنة. تلكم علاقة تتحدد أيضاً في كل ما له صلة بالعلاقة مع المواثيق والقوانين والعهود الدولية: وُضعت في الغرب المهيمن بمؤسساته المختلفة، السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية،، وبالاستناد لموازين قوى ليس في صالح شعبنا، وما علينا، وفق موقف المهيمن، سوى القبول بتلك القوانين والمواثيق والعهود وكأنها الحقيقة المطلقة والصواب بعينه. وبالمناسبة كان إدوارد سعيد قد رأى لدور المؤسسات الأكاديمية في خدمة التوجه والنزوع الإستشراقي للمؤسسة السياسية الإمبريالية في كتابه المعروفة (الإستشراق). من هذه الزاوية نرى لعلاقة الجامعات بمعايير التصنيف الدولية للجامعات.

وواضح لنا أن تلك المعايير لا شأن لها بالحقيقة والموقف المسجل أعلاه. فما القيمة التي من المفترض ان تقدمها الأبحاث المنشورة عالمياً، والعدد الكبير من حملة الشهادات الأكاديمية، والعدد المتزايد من الباحثين المقتبسين، إن لم تخدم الموقف اعلاه على صعيد المجتمع والنضال والإنسان الفلسطيني؟ علماً أن العديد من الأبحاث التي تُنشر ليس الهدف منها خدمة احتياجات محلية، بقدر ما هو الحصول على الترقية لأن النشر جزء من معايير الترقية الأكاديمية. إن التأكيد على حق الأكاديمي في الترقية الأكاديمية يجب أن لا يغفل المحتوى الذي يجب تضمينه في الجهد البحثي ارتباطاً بخصوصية مجتمعنا.

إن الجامعات الفلسطينية ومعها مجلس التعليم العالي والوزارة ومجاميع الأكاديميين الوطنيين والمؤسسات ذات الصلة، مطالبة، بدلاً من اللهاث خلف التصنيفات الدولية، بوضع معايير فلسطينية لدور الجامعة وفق الشرط الاستعماري، وبالاستناد لما سجلته في مقالة الأسبوع الماضي (تعليم مرتبط بالسوق أم باحتياجات تنموية). إن المعيار الأهم الذي اعتقده مدخلاً (لتصنيف) الجامعات تصنيفاً وطنياً لا مشروطاً بمعايير دولية مزعومة، هو ذلك المعيار الذي ينسجم مع الحقيقة والموقف المسجل أعلاه.




الفاقد التعليمي بين مطرقة الكورونا وسندان إضرابات المعلمين

سناء حسن أبوهلال

يطالعنا منذ فترة مصطلح يكاد يكون لازمة لفظية لكل حديث أو سجال تربوي، سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الأكاديمي ألا وهو مصطلح “الفاقد التعليمي” وما يترتب على مكنون هذا المصطلح من تداعيات. وأصبح حجة متاحة لتبرير أي خلل في نتاجات العملية التعليمية التعلمية وكأنه شماعة نحمل عليها مسؤولية واقع الطلبة الحالي. ويذكرني ذلك بفترة ماضية من تاريخ الشعب الفلسطيني وهي فترة الانتفاضة الشعبية الأولى بين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات (وقد كنت إحدى طالبات تلك الفترة)، ولسنوات بعدها كان أي تفسير لتدني مستوى الطلبة أو واقع التعليم يُعزى لنتاجات الانقطاع التعليمي وعدم استقراره خلال سنوات الانتفاضة الشعبية، وقد يكون حال الانقطاع في حينها أسوأ مما هو عليه الآن، فلم يكن هناك وسائل للتواصل أو منصات إلكترونية كما هو موجود هذه الأيام وكان الانقطاع حقيقياً، والحلول بسيطة في حينها وعلى درجة من المخاطرة كإعطاء الدروس في المساجد أو الغرف النائية والمتهالكة وبشكل متقطع وخاصة لطلبة الثانوية العامة، وفي ظل منع مستمر للتجول وسيطرة احتلالية على كامل التراب الفلسطيني.

ونعود على ذي بدء والمفهوم المستحدث “الفاقد التعليمي”، الذي يشير في معناه المتداول إلى المفاهيم والمعرفة التي يفتقدها الطلاب في فترة تعليمية محددة نتيجة لعدة عوامل، بما في ذلك:

  • نقص في جودة التعليم وقلة في الموارد التعليمية: إذا كان النظام التعليمي غير فعال أو لا يلبي احتياجات الطلاب، قد يكون هناك نقص في التدريس الجيد، والمواد الدراسية غير الملائمة، وقلة التحفيز والتفاعل في الصف.
  • ظروف اجتماعية واقتصادية غير ملائمة: قد يواجه البعض ظروفًا اجتماعية صعبة مثل الفقر، وعدم توفر بنية تحتية تعليمية جيدة، وقد يؤثر ذلك على فرص الطلاب في الحصول على تعليم جيد ويؤدي إلى الفاقد التعليمي.
  • انقطاع التعليم: في بعض الحالات، قد يتعرض الطلاب لانقطاع في التعليم بسبب الحروب، والنزاعات النقابية أو السياسية، والكوارث الطبيعية، والأوبئة، أو بسبب ظروف شخصية مثل الهجرة أو النقل المتكرر بين عدة مدارس.

وهنا أردت التركيز على الفاقد التعليمي الحالي الذي أراه يترنح بين مطرقة الكورونا (جائحة كوفيد- 19) وسندان إضرابات المعلمين المتكررة، حيث تسببت جائحة كوفيد-19 في تعطيل العملية التعليمية في معظم دول العالم. وتم إغلاق المدارس والجامعات واعتماد التعليم عن بُعد، وهذا أدى إلى العديد من التحديات التي يعاني منها الطلاب ومنها: قلة التفاعل والتواصل المباشر بين الطلاب والمعلمين وهو جانب مهم في عملية التعلم وتطوير المهارات الاجتماعية لدى الطلبة، وقلة الوصول إلى التكنولوجيا والاتصال لدى بعض الطلبة نتيجة لنقص الأجهزة الإلكترونية أو عدم توفر شبكة الانترنت، مما يعوق قدرة عدد من الطلبة على المشاركة في التعلم عن بُعد، وفقدان التسلسل الزمني في عرض الدروس مما يؤدي إلى خلل في تطوير المفاهيم الأساسية، بالإضافة إلى عدم توفر بيئة تعليمية مناسبة للتعلم في المنزل لدى بعض الطلبة كضيق المنازل أو وجود عدد من الأخوة في نفس المكان، وموقع المنزل نفسه مما يؤثر على تركيزهم وتحفيزهم.

     أما سندان الفاقد التعليمي فيتجلى في تداعيات إضرابات المعلمين المتكررة، الناتجة عن نزاعات حقوقية بين المعلمين والحكومية في سبيل البحث عن حقوق لا يمكن إنكارها للمعلمين ولكافة العاملين في المنظومة التربوية، وتعامل بمستوى أقل من قيمة الحدث من قبل الحكومة، وهي إضرابات للمطالبة بتحسينات في البنية التحتية للتعليم أو ظروف العمل للمعلمين. 

يمكن أن يؤدي الإضراب إلى توقف التعلم لفترة زمنية محددة، مما يتسبب في فقدان الوقت الدراسي وتأثير على الجدول الزمني للطلاب، وما شهدناه العام الحالي من إضرابات مفتوحة سواء لمدارسنا الحكومية أو لمدارس وكالة الغوث مثال واضح على تشكل فاقد تعليمي وفجوة معرفية كبيرة لدى الطلبة. ونحن لا نستطيع إنكار أن إضراب المعلمين قد يسهم في زيادة الفاقد التعليمي، حيث يتوقف التعلم خلال فترة الإضراب سواء بشكل جزئي أو كلي، ويترتب على ذلك عدة أمور تؤثر على تعليم الطلاب ومنها: 

* انقطاع الدروس خلال فترة الإضراب مما يؤدي إلى فقدان الوقت الدراسي وتأثير على تسلسل التعليم وتنظيم المنهج الدراسي.

* تأثير على الاستقرار الأكاديمي مما يشعر الطلاب بعدم الاستقرار والتغيير في جداول الدروس والمناهج، وقد يؤثر ذلك على تركيزهم وتحصيلهم الدراسي. 

* التأثير على أداء المعلمين أنفسهم فقد لاحظنا بعد كل عودة للدوام من وجود عدم استقرار لأداء المعلمين نتيجة للانقطاع وفقدان التسلسل في العمل، ناهيك عن الإحباط الشديد لديهم بسبب نتاجات الإضرابات، فلم تخرج تلك الإضرابات بحقوق وحلول توازي ما تم فقدانه من فاقد تعليمي. واضطرارهم للتعويض عن فترة الإضرابات رغم عدم تحصيل المطالب بما يناسب التوقعات، وهنا قد ينطبق عليهم المثل الشعبي القائل ” وكأنك يا أبو زيد ما غزيت”، وهو شعور مؤلم بالتأكيد.

*فجوة في المعرفة والمهارات، بسبب توقف الدروس وانقطاع التعليم. وإذا لم يتم تعويض فترة الإضراب بشكل حقيقي، فإن الطلاب سيفتقدون إلى مفاهيم ومهارات أساسية مهمة. 

وهنا تستوقفني قضية التعويض للطلبة التي تطرح عدداً كبيراً من التساؤلات برسم البيع أتركها مفتوحة لأصحاب الشأن وأصحاب الضمائر في المنظومة التعليمية: هل كان التعويض حقيقياً أم مجرد برامج لحبر على ورق، هل يمكن تعويض أشهر من الفاقد التعليمي واختزالها في أسبوعين أو ثلاثة، هل كانت هناك مسائلة حقيقية لشكل وآليات التعويض، هل هناك ما يُلزم المعلم الذي عاد مضطراً من الإضراب إلى التعويض عما فقده الطلبة، كيف سنبدأ عاماً دراسياً جديداً في ظل هذا الوضع، ما النتاجات التي نتوقعها مستقبلاً لتداعيات هذه الانقطاعات التعليمية التعلمية المستمرة؟؟؟؟ هي أسئلة وغيرها كثير في ذهن كل تربوي تحتاج للتفكر والتأمل ووضع النقاط على الحروف وإيجاد الحلول الحقيقية، وليس مجرد لقاء تربوي هنا أو ورشة عمل هناك لمناقشة الأمر ولا تخرج بحلول جذرية لواقع أصبح مؤلماً للغاية. 

وإذا كانت الانقطاعات التعليمية الناتجة عن جائحة كورونا خارج إطار السيطرة باعتبارها كارثة طبيعية تأثر بها العالم أجمع، فإن إضرابات المعلمين هي مشكلة محلية وحقيقية من الواجب بل من الملزم التمعن فيها وحلها من جذورها، فالضحية الوحيدة في كل الأحوال هم الطلبة، حيث أن إضرابات المعلمين هي وسيلة للتعبير عن المطالب والاحتجاجات من قبلهم، وغالبًا ما يكون لهم أسباب مشروعة وقضايا يسعون لتحسينها في مجال التعليم، وفي مجال تحسين وضعهم الاقتصادي المتدني. ولذا لابد من التعاطي مع هذه القضايا وتلبيتها بشكل فعال، للتقليل من تأثيرها على الفاقد التعليمي لدى الطلاب.