1

بريكس: فلسطين وعملة عالمية جديدة

د. دلال صائب عريقات

على مدار ١٥ عاما، تشكل تحالف الـ “بريكس” من كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا. تم عقد المؤتمر السنوي هذا العام ما بين ٢٢-٢٤ آب الفائت في جنوب افريقيا، وتم الاتفاق على ضم ٦ دول جديدة، لتشمل كلا من مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وإيران، لتصبح ١١ دولة في هذا التحالف مع بداية ٢٠٢٤, الذي قد نشهد معه تحول النظام العالمي في القرن الواحد والعشرين:

 – من نظام أحادي الى متعدد القطبية.

– من هيمنة الدولار الى عملة اخرى (هناك منافسة بين الدول الكبرى وهذا ما قد يدفع هذه الدول لتبني العملة الرقمية لتجاوز المنافسة).

– من النيوليبرالية الى اشتراكية جديدة متوسطة تجمع دولا متقدمة في القارة الآسيوية والافريقية وامريكا اللاتينية.
تحالف مثير، ومن المهم جداً لنا كفلسطينيين هو الوجود وإيجابية وقوة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول المتحالفة. تقدم فلسطين بطلب الانضمام هو تخطيط استراتيجي دبلوماسي على أساس قاعدة الربح في رسم خارطة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية, ان تعزز فلسطين مكانتها بين (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وايران)، هو نقطة مهمة تصب في مصلحة القضية الفلسطينية. موقف “بريكس” من القضية عادل وإيجابي، حيث طالب الإعلان الختامي للقمة بدعم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك مبادرة السلام العربية الهادفة إلى تنفيذ حل الدولتين، وإنشاء دولة فلسطين، وعبروا عن رفضهم للاستيطان وعنف المستوطنين المتصاعد, وأكدوا دعمهم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، “الأونروا”، وتعهدوا بتقديم المزيد من المساعدات الدولية لتحسين الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني.

يقلقني ان زعماء دول “بريكس” دعوا إلى دعم المفاوضات المباشرة التي تؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة, فهي هنا تتعامل مع “المفاوضات” كغاية وليس كوسيلة، وهذا موضوع حساس علينا ان نتعلم من تجربة ٣٠ عاما من تبني “المفاوضات”، وان نذكر من منطلق علمي ان المفاوضات هي احدى الأدوات السلمية المتبعة في حل الصراعات, وهنا يتوجب التفكير بأدوات أخرى, من غير المنطقي ان نستمر بتكرار نفس العبارات وتبني نفس الاستراتيجيات متوقعين نتائج مختلفة. فيما اذا انضمت فلسطين، فهذا سيعزز مكانتها سياسيا واقتصاديا، حيث سيفتح أفق التعامل مع عملة جديدة في ظل الحرمان من عملة مستقلة والتبعية العميقة للشيكل الاسرائيلي من جهة وللدولار الامريكي من جهة اخرى.

من المثير ان أكثر من 22 دولة صغيرة وكبيرة قدمت طلبات للانضمام إلى المجموعة, مما يدعو للمقارنة او المنافسة لحد ما مع مجموعة السبع ومجموعة العشرين. والموضوع الأكثر حساسية لهذه المجموعة هو كيفية الحد من أهمية الدولار كعملة احتياطية عالمية. إن اقتصادات مجموعة الـ “بريكس” أكبر من اقتصادات مجموعة السبع مجتمعة. ولكن عملة جديدة جذابة تنافس الدولار لا يمكن تحقيقها بوقت قريب. ومع ذلك، فإن الاتفاقيات الثنائية لمزيد من التجارة التي تشمل العملات الوطنية بدلا من الدولار تنمو بسرعة. إن استغلال هيمنة الدولار لفرض عقوبات تقودها الولايات المتحدة سيعجل بزوال الدولار، ولهذا نتخيل ظهور عملة جديدة قد تكون الكترونية لتجنب خلاف السباق بين هذه الدول، فهناك منافسة صريحة بين الصين والهند عند الحديث عن عملة، أي البلدين هي الأجدر مثلا للتبني في “بريكس”، ولتجنب انهيار هذا التحالف المتجه نحو تعديل ميزان القوى الدولية ممكن ان تتوحد المجموعة بإصدار عملة رقمية جديدة.

يرى بعص المحللين ان وجود مجموعة بريكس مهدد فيما اذا تحولت لكتلة واحدة بقيادة الصين! هناك اتهامات عديدة لوسمها بـ”الكتلة غير الليبرالية” التي تنافس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وضد الديمقراطيات في العالم. ولكن هناك العديد من القوى التي تعارض ولا ترغب الهند أو الأرجنتين أو البرازيل في احتضان الشعبوية الديكتاتورية في الصين. ويسعى كل من  المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، ومصر إلى تحديد موقع بين الكتلتين الكبيرتين. بالنسبة لهذه البلدان، فإن فائدة الانتماء إلى المجموعة الصاعدة هي حماية نفسها من الضغوط غير المبررة للانضمام إلى معسكرات الولايات المتحدة أو الصين، من خلال إضفاء الطابع الرسمي على عدم الانحياز وهذا ما شهدناه عندما رفضت أغلب هذه البلدان بالفعل الانحياز إلى أحد الجانبين في حرب روسيا وأوكرانيا. 

– دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي, كلية الدراسات العليا, الجامعة العربية الأمريكية.




التعليم العالي مرة أخرى حول معايير التصنيف للجامعات الفلسطينية

وسام رفيدي

يبدو من الطبيعي أن تنشد اية جامعة للحصول على تصنيف جيد ضمن تصنيفات دولية للجامعات، كأن تكون مثلاً ضمن ال 500 الأوائل لتصنيف الجامعات في العالم، أو ضمن 3% لأفضل جامعات تنتج أبحاثاً علمية محكمة، أو ان يحتل باحثون منها مكانة مرموقة في تصنيف الباحثين ومكانة أبحاثهم عالمياً، إذ لا يمكن حرمان اية جامعة من المنافسة على مكانة أفضل في (سوق) الجامعات العالمية.

لا يستغربن أحد كلمة سوق، فعلى حد تعبير أحد المسؤولين الماليين في جامعة محلية في نقاش وجاهي معي حول السياسات المالية الظالمة للطلبة والعاملين إذ قال ( It is a business) فإذا كانت السياسات المالية تتعامل مع التعليم من وجهة نظر تجارية وباعتباره Business فمن الطبيعي ان تحتل المنافسة على التصنيف والاحتفاء بنتائجه اهتماماً متزايداً باعتبار المنافسة من أوليات اقتصاد السوق.

قبل الولوج لمعالجة تقترب من التفصيلية لا بد من تأكيد حقيقة وموقف:

الحقيقة: جامعاتنا تنشط في ظل الشرط الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الذي يستهدف وجودنا كشعب وهويتنا وكيانيتنا السياسية، وتلك ما درجت الأدبيات السياسية والاجتماعية على اعتباره الخصوصية التي ينبغي الالتفات لها في كل ما يتعلق بما هو مطلوب، وفي كل الحقول والمجالات الاجتماعية والسياسية والوطنية والثقافية والاقتصادية والتربوية والعلمية. غير ذلك فإن اي نقاش خارج إطار تلك الخصوصية فإنه سيغدو في الحد الأدنى لا صلة له بالواقع،، وبالحد الأقصى يحرف البوصلة عن الاتجاه الذي ينبغي أن تؤشر إليه.

الموقف: جامعاتنا، وضمن مهامهما العلمية والمجتمعية، ينبغي ان تخدم الهدف التاريخي لشعبنا بالتحرير والعودة، بما يستلزمه ذلك من كليات ودوائر وتخصصات وأقسام ومساقات تخدم بناء مجتمع مقاوم وصامد، وتربية أجيال تتمتع بروح العمل الجماعي لخدمة الوطن وقضيته، إضافة لتعزيز العقلية العلمية النقدية بديلاً للثقافة الغيبية التقليدية القائمة على الخنوع والاستتباع في حقول العلوم الانسانية والاجتماعية، وتطوير المهارات المهنية والبحثية والإبداع في حقول العلوم الطبيعية. ضمن هذه الحقيقة وهذا الموقف تناقش هذه المقالة قضية تصنيف الجامعات والمعايير المعتمدة.
مَنْ يضع المعايير؟ ما مدى مواءمتها لمجتمعنا؟

السؤال الذي يجابهنا مباشرة: ما معايير التصنيف؟ ومَنْ وضع تلك المعايير؟ وما مدى مواءمة تلك المعايير مع خصوصية وجود جامعاتنا في ظل الشرط الاستعماري المشار إليه أعلاه؟

إجمالاً فإن معايير التصنيف تكاد تكون موحدة لدرجة كبيرة، وهي تشمل جودة الأبحاث، معدلات نشر أعضاء الهيئة التدريسية للابحاث، جودة التعليم، الإنتاج البحثي، الرجوع للابحاث للإقتباس، نوعية أعضاء هيئة التدريس من حيث شهاداتهم العلمية، إلى آخره من معايير، هي في الواقع تنحو نحو التركيز على البعد الكمي لا النوعي في قياس المعيار، كعدد الأبحاث المنشورة، عدد حاملي شهادة الدكتوراة، والرجوع للأبحاث للاقتباس، وحتى لو نحت نحو التركيز على البعد الكيفي، فلا يمكن تحديد حدود واضحة، بل سيبرز الاختلاف واضحاً في تحديد تلك الحدود، فما هي معايير جودة التعليم مثلاً، أو جودة الابحاث العلمية؟ هل هي في مراعاتها منهجيات البحث العلمي المعروفة، على أهميتها، أم ايضاً مواءمتها للخصوصة المجتمعية والوطنية واحتياجات تلك الخصوصية؟

وهنا نجد أنفسنا أمام السؤال الثاني؟ مَنْ يضع معايير التصنيف؟ إجمالاً إما مراكز مختصة مثل المركز الوطني للبحوث في اسبانيا الذي وضع تصيف ويبومتركس الاسباني لتقييم الجامعات (CSIC)، أو جامعات مثل جامعة جياو جونغ في شانغهاي التي وضعت معايير التصنيف الأكاديمي للجامعات العالمية (ARWU)، أو مجلات عالمية مثل مجلة نيوزويك الأمريكية، أو تصنيف QS للجامعات العالمية.

بالمحصلة تتمظهر في هذا الحقل علاقة من التبعية: مراكز ومجلات ودول وجامعات ذات مكانة مهيمنة عالمياً تضع هي المعايير، وجامعات العالم (تطارد) للحصول على موقع (جيد) في تصنيفاتها، ضمن علاقة تبعية وإلحاق بيّنة. تلكم علاقة تتحدد أيضاً في كل ما له صلة بالعلاقة مع المواثيق والقوانين والعهود الدولية: وُضعت في الغرب المهيمن بمؤسساته المختلفة، السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية،، وبالاستناد لموازين قوى ليس في صالح شعبنا، وما علينا، وفق موقف المهيمن، سوى القبول بتلك القوانين والمواثيق والعهود وكأنها الحقيقة المطلقة والصواب بعينه. وبالمناسبة كان إدوارد سعيد قد رأى لدور المؤسسات الأكاديمية في خدمة التوجه والنزوع الإستشراقي للمؤسسة السياسية الإمبريالية في كتابه المعروفة (الإستشراق). من هذه الزاوية نرى لعلاقة الجامعات بمعايير التصنيف الدولية للجامعات.

وواضح لنا أن تلك المعايير لا شأن لها بالحقيقة والموقف المسجل أعلاه. فما القيمة التي من المفترض ان تقدمها الأبحاث المنشورة عالمياً، والعدد الكبير من حملة الشهادات الأكاديمية، والعدد المتزايد من الباحثين المقتبسين، إن لم تخدم الموقف اعلاه على صعيد المجتمع والنضال والإنسان الفلسطيني؟ علماً أن العديد من الأبحاث التي تُنشر ليس الهدف منها خدمة احتياجات محلية، بقدر ما هو الحصول على الترقية لأن النشر جزء من معايير الترقية الأكاديمية. إن التأكيد على حق الأكاديمي في الترقية الأكاديمية يجب أن لا يغفل المحتوى الذي يجب تضمينه في الجهد البحثي ارتباطاً بخصوصية مجتمعنا.

إن الجامعات الفلسطينية ومعها مجلس التعليم العالي والوزارة ومجاميع الأكاديميين الوطنيين والمؤسسات ذات الصلة، مطالبة، بدلاً من اللهاث خلف التصنيفات الدولية، بوضع معايير فلسطينية لدور الجامعة وفق الشرط الاستعماري، وبالاستناد لما سجلته في مقالة الأسبوع الماضي (تعليم مرتبط بالسوق أم باحتياجات تنموية). إن المعيار الأهم الذي اعتقده مدخلاً (لتصنيف) الجامعات تصنيفاً وطنياً لا مشروطاً بمعايير دولية مزعومة، هو ذلك المعيار الذي ينسجم مع الحقيقة والموقف المسجل أعلاه.




الفاقد التعليمي بين مطرقة الكورونا وسندان إضرابات المعلمين

سناء حسن أبوهلال

يطالعنا منذ فترة مصطلح يكاد يكون لازمة لفظية لكل حديث أو سجال تربوي، سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الأكاديمي ألا وهو مصطلح “الفاقد التعليمي” وما يترتب على مكنون هذا المصطلح من تداعيات. وأصبح حجة متاحة لتبرير أي خلل في نتاجات العملية التعليمية التعلمية وكأنه شماعة نحمل عليها مسؤولية واقع الطلبة الحالي. ويذكرني ذلك بفترة ماضية من تاريخ الشعب الفلسطيني وهي فترة الانتفاضة الشعبية الأولى بين نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات (وقد كنت إحدى طالبات تلك الفترة)، ولسنوات بعدها كان أي تفسير لتدني مستوى الطلبة أو واقع التعليم يُعزى لنتاجات الانقطاع التعليمي وعدم استقراره خلال سنوات الانتفاضة الشعبية، وقد يكون حال الانقطاع في حينها أسوأ مما هو عليه الآن، فلم يكن هناك وسائل للتواصل أو منصات إلكترونية كما هو موجود هذه الأيام وكان الانقطاع حقيقياً، والحلول بسيطة في حينها وعلى درجة من المخاطرة كإعطاء الدروس في المساجد أو الغرف النائية والمتهالكة وبشكل متقطع وخاصة لطلبة الثانوية العامة، وفي ظل منع مستمر للتجول وسيطرة احتلالية على كامل التراب الفلسطيني.

ونعود على ذي بدء والمفهوم المستحدث “الفاقد التعليمي”، الذي يشير في معناه المتداول إلى المفاهيم والمعرفة التي يفتقدها الطلاب في فترة تعليمية محددة نتيجة لعدة عوامل، بما في ذلك:

  • نقص في جودة التعليم وقلة في الموارد التعليمية: إذا كان النظام التعليمي غير فعال أو لا يلبي احتياجات الطلاب، قد يكون هناك نقص في التدريس الجيد، والمواد الدراسية غير الملائمة، وقلة التحفيز والتفاعل في الصف.
  • ظروف اجتماعية واقتصادية غير ملائمة: قد يواجه البعض ظروفًا اجتماعية صعبة مثل الفقر، وعدم توفر بنية تحتية تعليمية جيدة، وقد يؤثر ذلك على فرص الطلاب في الحصول على تعليم جيد ويؤدي إلى الفاقد التعليمي.
  • انقطاع التعليم: في بعض الحالات، قد يتعرض الطلاب لانقطاع في التعليم بسبب الحروب، والنزاعات النقابية أو السياسية، والكوارث الطبيعية، والأوبئة، أو بسبب ظروف شخصية مثل الهجرة أو النقل المتكرر بين عدة مدارس.

وهنا أردت التركيز على الفاقد التعليمي الحالي الذي أراه يترنح بين مطرقة الكورونا (جائحة كوفيد- 19) وسندان إضرابات المعلمين المتكررة، حيث تسببت جائحة كوفيد-19 في تعطيل العملية التعليمية في معظم دول العالم. وتم إغلاق المدارس والجامعات واعتماد التعليم عن بُعد، وهذا أدى إلى العديد من التحديات التي يعاني منها الطلاب ومنها: قلة التفاعل والتواصل المباشر بين الطلاب والمعلمين وهو جانب مهم في عملية التعلم وتطوير المهارات الاجتماعية لدى الطلبة، وقلة الوصول إلى التكنولوجيا والاتصال لدى بعض الطلبة نتيجة لنقص الأجهزة الإلكترونية أو عدم توفر شبكة الانترنت، مما يعوق قدرة عدد من الطلبة على المشاركة في التعلم عن بُعد، وفقدان التسلسل الزمني في عرض الدروس مما يؤدي إلى خلل في تطوير المفاهيم الأساسية، بالإضافة إلى عدم توفر بيئة تعليمية مناسبة للتعلم في المنزل لدى بعض الطلبة كضيق المنازل أو وجود عدد من الأخوة في نفس المكان، وموقع المنزل نفسه مما يؤثر على تركيزهم وتحفيزهم.

     أما سندان الفاقد التعليمي فيتجلى في تداعيات إضرابات المعلمين المتكررة، الناتجة عن نزاعات حقوقية بين المعلمين والحكومية في سبيل البحث عن حقوق لا يمكن إنكارها للمعلمين ولكافة العاملين في المنظومة التربوية، وتعامل بمستوى أقل من قيمة الحدث من قبل الحكومة، وهي إضرابات للمطالبة بتحسينات في البنية التحتية للتعليم أو ظروف العمل للمعلمين. 

يمكن أن يؤدي الإضراب إلى توقف التعلم لفترة زمنية محددة، مما يتسبب في فقدان الوقت الدراسي وتأثير على الجدول الزمني للطلاب، وما شهدناه العام الحالي من إضرابات مفتوحة سواء لمدارسنا الحكومية أو لمدارس وكالة الغوث مثال واضح على تشكل فاقد تعليمي وفجوة معرفية كبيرة لدى الطلبة. ونحن لا نستطيع إنكار أن إضراب المعلمين قد يسهم في زيادة الفاقد التعليمي، حيث يتوقف التعلم خلال فترة الإضراب سواء بشكل جزئي أو كلي، ويترتب على ذلك عدة أمور تؤثر على تعليم الطلاب ومنها: 

* انقطاع الدروس خلال فترة الإضراب مما يؤدي إلى فقدان الوقت الدراسي وتأثير على تسلسل التعليم وتنظيم المنهج الدراسي.

* تأثير على الاستقرار الأكاديمي مما يشعر الطلاب بعدم الاستقرار والتغيير في جداول الدروس والمناهج، وقد يؤثر ذلك على تركيزهم وتحصيلهم الدراسي. 

* التأثير على أداء المعلمين أنفسهم فقد لاحظنا بعد كل عودة للدوام من وجود عدم استقرار لأداء المعلمين نتيجة للانقطاع وفقدان التسلسل في العمل، ناهيك عن الإحباط الشديد لديهم بسبب نتاجات الإضرابات، فلم تخرج تلك الإضرابات بحقوق وحلول توازي ما تم فقدانه من فاقد تعليمي. واضطرارهم للتعويض عن فترة الإضرابات رغم عدم تحصيل المطالب بما يناسب التوقعات، وهنا قد ينطبق عليهم المثل الشعبي القائل ” وكأنك يا أبو زيد ما غزيت”، وهو شعور مؤلم بالتأكيد.

*فجوة في المعرفة والمهارات، بسبب توقف الدروس وانقطاع التعليم. وإذا لم يتم تعويض فترة الإضراب بشكل حقيقي، فإن الطلاب سيفتقدون إلى مفاهيم ومهارات أساسية مهمة. 

وهنا تستوقفني قضية التعويض للطلبة التي تطرح عدداً كبيراً من التساؤلات برسم البيع أتركها مفتوحة لأصحاب الشأن وأصحاب الضمائر في المنظومة التعليمية: هل كان التعويض حقيقياً أم مجرد برامج لحبر على ورق، هل يمكن تعويض أشهر من الفاقد التعليمي واختزالها في أسبوعين أو ثلاثة، هل كانت هناك مسائلة حقيقية لشكل وآليات التعويض، هل هناك ما يُلزم المعلم الذي عاد مضطراً من الإضراب إلى التعويض عما فقده الطلبة، كيف سنبدأ عاماً دراسياً جديداً في ظل هذا الوضع، ما النتاجات التي نتوقعها مستقبلاً لتداعيات هذه الانقطاعات التعليمية التعلمية المستمرة؟؟؟؟ هي أسئلة وغيرها كثير في ذهن كل تربوي تحتاج للتفكر والتأمل ووضع النقاط على الحروف وإيجاد الحلول الحقيقية، وليس مجرد لقاء تربوي هنا أو ورشة عمل هناك لمناقشة الأمر ولا تخرج بحلول جذرية لواقع أصبح مؤلماً للغاية. 

وإذا كانت الانقطاعات التعليمية الناتجة عن جائحة كورونا خارج إطار السيطرة باعتبارها كارثة طبيعية تأثر بها العالم أجمع، فإن إضرابات المعلمين هي مشكلة محلية وحقيقية من الواجب بل من الملزم التمعن فيها وحلها من جذورها، فالضحية الوحيدة في كل الأحوال هم الطلبة، حيث أن إضرابات المعلمين هي وسيلة للتعبير عن المطالب والاحتجاجات من قبلهم، وغالبًا ما يكون لهم أسباب مشروعة وقضايا يسعون لتحسينها في مجال التعليم، وفي مجال تحسين وضعهم الاقتصادي المتدني. ولذا لابد من التعاطي مع هذه القضايا وتلبيتها بشكل فعال، للتقليل من تأثيرها على الفاقد التعليمي لدى الطلاب.




السلاح المُنفلت يخدُم العدو

تمارا حداد

اندلعت جولة جديدة من الاشتباكات في مُخيم عين الحلوة في جنوب لبنان أسفرت عن قتلى وجرحى داخل المُخيم وتخريب في الممتلكات وخسائر مادية كبيرة في المباني السكنية والمحلات التجارية والسيارات وتدمير أنابيب المياه والكهرباء ونزوح قُرابة عشرين ألفاً من بينهم 12 ألف طفل من الفلسطينيين.

تُوصف هذه الجولة من أعنف الجولات إثر الاشتباك الذي وقع بين مجموعات من حركة “فتح” ومجموعات إسلامية ذات البُعد التكفيري لكنها لم تؤد الى نتائج حاسمة لأي من الطرفين نظراً لتدخل الأطراف ذات العلاقة خوفاً من تدهور الاوضاع وانتقالها من داخل المخيم إلى خارجه.

ان أزمة عين الحلوة ترتبط بالأوضاع السياسية المحلية والاقليمية والدولية وقضية حق العودة وترتبط بالصراعات القديمة والدائمة بين حركة “فتح” والمجموعات التكفيرية ووجود مطلوبين من عدة جنسيات مختلفة داخل المخيم وعددهم يفوق أكثر من خمسة آلاف مطلوب للدولة اللبنانية.

يقع عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين شرق مدينة صيدا في محور بين مناطق لبنانية سنية وشيعية ومسيحية على الاوتوستراد المؤدي الى جنوب لبنان وعلى مقربة الاكتشافات البترولية في البحر المتوسط، حيث يضم المخيم قُرابة 80 الف نسمة.

عاش المخيم صراعاً نتيجة إيواء عناصر ارهابية من خارج لبنان يتبعون القاعدة سواء من جند الشام و”فتح” الاسلام و”الشباب المسلم” وغيرها، الأمر الذي أدى بأن يعمل الجيش اللبناني على تطويق المخيم بشكل أمني وما زال حتى اللحظة دون دخول الجيش الى المخيم نظراً لحساسية قضية اللاجئين . ناهيك ان الجيش يتصرف بحكمة لعدم دخوله المخيم اثناء الاشتباك حتى لا يجر لبنان الى صراع وحروب اهلية يُريدها الاحتلال الاسرائيلي بالتحديد امام ازمات لبنان السياسية التي حتى اللحظة لا يوجد توافق وطني على اختيار رئيس للدولة امام التدخلات الاقليمية والدولية حول اختيار الرئيس. وهنا فإن ما يحدث في مخيم عين الحلوة ليس بعيداً عما يحدث في الداخل اللبناني.

ما يحدث في المخيم نتيجة وجود عناصر اساسية تلعب دوراً في أزمة المخيم أولها البُعد السياسي حيث يُعد “عين الحلوة” أكبر المخيمات وهذا يعني ارتباطه بقضية العودة الى فلسطين ومرتبط بمفاوضات التسوية السياسية للقضية الفلسطينية وما يحدث في المخيم هو بروز دور خارجي لتصفية القضية الفلسطينية واسقاط حق العودة وفرض التوطين في لبنان.
اما العنصر الآخر الذي يلعب في ازمة عين الحلوة فهو البُعد الامني فبعض الجهات الاقليمية والدولية يريد ان يحول ساحة لبنان للاقتتال الداخلي وتصفية الحسابات وتدمير لبنان .
وما يحصل في مخيم عين الحلوة، هو انتشار السلاح المُتفلت الذي يخدم العدو الاسرائيلي مع الأخذ بعين الاعتبار التفرقة عن سلاح المقاومة الذي يهدف لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي. فهناك جهات اسلامية معنية بترسيخ الهدوء في المخيم نظراً لحساسية الموقف اللبناني من اتجاه القضية الفلسطينية وان هدف سلاحهم تجاه المحتل وليس تجاه تعزيز الفوضى في لبنان كما تفعل الجماعات الاسلامية التكفيرية والمدعومة خارجيا لفرض رئيس على لبنان.
اما العنصر الآخر في ازدياد الأزمة داخل المخيم، فهو غياب المرجعية السياسية والامنية والعسكرية، ناهيك ان عدم الاهتمام الفعلي باوضاع اللاجئين الفلسطينيين حيث ان البُعد الانساني والاجتماعي في المخيم من اصعب الحالات نظراً لعدم قدرة الفلسطيني على العمل والتملك والتعليم. كما يُعاني المخيم من نقص في الرعاية الصحية والبنية التحتية السيئة ومعدلات البطالة والفقر، فيما الامية عالية جداً ما يُعزز التطرف الفكري.
كما ان العنصر الذي يُعزز ازمة “عين الحلوة” وجود فكر مُتشدد داخل المخيم متأثراً بأجندات خارجية. والمخيم يأوي المطلوبين، ويتواجد داخله مجموعات عاملة فيه مرتبطة باجهزة امنية محلية واقليمية ودولية واسرائيلية، ناهيك ان اكتشافات النفط في البحر المتوسط قُبالة السواحل اللبنانية اثر على ازدياد الازمة لتفريغ المخيم من سكانه، وكما ان الجهات التكفيرية تُريد بسط سيطرتها على المخيم في حين حركة “فتح” تريد السيطرة الامنية كذلك، ما يؤدي الى وجود صراعات في المخيم بغض النظر عن الايديولوجيا.
سناريوهات عديدة قد تحدث في المستقبل إما بسيطرة الجيش اللبناني على المخيم كما حدث في مخيم نهر البارد ومن المفضل ان الجيش لا يتدخل حفاظاً على وحدة لبنان من الاقتتال الداخلي وتفتيت مُخطط المحتل الذي يهدف الى تقسيم لبنان من خلال الفتن والفوضى وجماعات التكفيرين كما حدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا، كما ان هذا السيناريو مُستبعد لغياب الارادة الداخلية اللبنانية نظراً لحساسية مُستقبل اللاجئين. لذا فإنه من المُفضل علاج الارهاب والمطلوبين من خلال الحل الوقائي والتفاهم الحواري بين اللجان الامنية داخل المخيم بعيداً عن الاقتتال، وايضا هذا الخيار مُستبعد كون هناك علاقة جيدة بين بعض الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني وهناك تنسيق مستمر بين المخابرات اللبنانية واللجنة الامنية الداخلية.
قد يكون السيناريو الاقرب موقف فلسطيني موحد لانهاء الازمة ولكن هذا الامر مؤقت نتيجة التعقيدات السياسية والامنية في المخيم وتعدد اللاعبين واتساع نفوذ القوى المؤثرة واستمرار الخلافات الفلسطينية.
المتوقع في المخيم هو بقائه كما هو في حالة توتر بسبب ارتباطاته بالاجندات الخارجية الاقليمية والدولية وتعنت الاطراف الداخلية نحو حسم المعركة عسكرياً لصالحه وهذا يعني ان المخيم ستتجدد فيه الاشتباكات مما يعني استمرار معاناة الفلسطينيين والاساءة للقضية الفلسطينية .
وقد ينفجر المخيم في اي لحظة وقد يصعب ضبطه لينتقل لآخر. وقد ينتقل في بقع لبنانية لا علاقة لها بالمخيمات، امام امتلاك عناصر في المخيم اسلحة صاروخية ناهيك ان قُبيل عدة اشهر دخل مئات المسلحين وكميات كبيرة من السلاح والذخائر الى المخيم . كما ان قيادات العناصر التكفيرية تنتظر الضوء الاخضر الخارجي لتفجير الاوضاع الامنية .
قادم الايام خطير على لبنان نظراً للتحذيرات بسبب تحركات لبعض الخلايا والمجموعات داخل المخيمات، والتداعيات المستقبلية هو ما بعد الاشتباك الاخير امام تنشيط العامل الاصولي، والخشية ليست بتكرار الاشتباك بل التعامل معه كحدث امني موسمي بمعنى عدم حله من الجذور ما يُعزز تكاثر ادوات الصراعات الداخلية ما يصعب تجاوز تداعياتها. والحل يكمن بالتعاون اللبناني الفلسطيني واطلاق حوار بعيداً عن استخدام السلاح وايجاد تسويات قانونية للمطلوبين واحترام القانون والسيادة اللبنانية، وايجاد حل تنموي للوضع المأساوي للمخيم الى حين العودة.




أمريكا والتطبيع بين اسرائيل والسعودية والقضية الفلسطينية

د.أماني القرم

لم  يكن برنامج الرئيس بايدن واضحا في الشرق الاوسط الا في مسألة واحدة هي عقد اتفاق نووي مع ايران وهو ما فشل في تحقيقه حتى اللحظة ولا يتوقع نجاحه ابدا مع قرب بدء العام الأخير من عمر إدارته . فيما ارتكزت استراتيجية الادارة في باقي الملفات الساخنة في المنطقة بما فيها القضية الفلسطينية على ضمان بقاء الحال كما هو دون اتخاذ مبادرات كبرى لحلحلة الوضع حيث لم يتعد الجهد الامريكي الخطابات البلاغية والحلول الطارئة الانسانية لتهدئة الاوضاع في المناطق المحتلة.

مؤخرا عبرت الادارة الامريكية عن اولوية ملحة لها على صعيد السياسة الخارجية تتمثل في احداث تقدم في مسار التطبيع بين الرياض وتل ابيب ضمن صفقة كبرى بين الثلاثي امريكا/ السعودية/ واسرائيل سيكون الفلسطينيون حاضرون فيها بحكم الواقعية السياسية والرمزية الدينية والعربية والثقل الاقتصادي للدولة الكبرى في المنطقة حاملة المبادرة العربية: السعودية.. وقد ازدحم جدول الاعمال الامريكي في الشهور الفائتة بسلسلة من المناقشات والزيارات ذات المستوى الرفيع لكلا البلدين حول هذه القضية.

وبغض النظر عن تفاصيل الاتفاق الذي ما يزال طور النقاش بين الاطراف الثلاثة، فإن كل طرف يحاول تحقيق أقصى فائدة لضمان أمنه القومي ومصالحه الاستراتيجية في هذه الصفقة حيث يتوجب عليه أيضاً دفع ثمن للحصول عليها خاصة ذلك الذي يريدها بقوة وهو الطرف الاسرائيلي!

ما يهمنا في هذه الصفقة هو أحد الشروط السعودية الحازمة التي وضعت لإتمامها وهو تحقيق حل الدولتين. صحيح أن هناك تغيراً في الفكر النمطي السعودي ليكون اكثر انفتاحا على امكانية التطبيع ، لكن السعودية دولة تعي ما لها من أهمية وثقل عربي وعالمي وليس من المرجح ابدا ان تعطي هذه الجائزة لإدارة بايدن ونتنياهو دون ثمن له وزن اقليمي وعالمي. لا سيّما مع شكوكها المريرة من ادارة بايدن الذي وعد بجعلها منبوذة في بداية حكمه، وتجاهلها مركّزا على تحقيق اتفاق نووي مع عدوتها التقليدية ايران. أيضاً لديها شك في نتنياهو وحكومته المتطرفة التي تطالب بحرق الفلسطينيين. 

فهل من الممكن تحقيق الشرط السعودي/ الفلسطيني؟

اختلف مع البعض الذي يرى أن المعضلة والمبالغة تقع في الشروط السعودية الاخرى المتعلقة بأمنها القومي. الرياض تطالب واشنطن بضمانات امنية تشبه تلك التي تربط دول حلف الناتو، وبإمكانية الحصول على أنظمة الأسلحة المتطورة الأميركية، وكذلك الموافقة على امتلاك تكنولوجيا نووية مدنية. بل أعتقد أن امريكا ستعمل بكل جهدها ومواردها لإجراء عملية عصف فكري لكل الشروط السعودية للوصول الى توافق بين الاطراف الثلاثة. 

وبرأيي أن مسألة حل الدولتين هي الاصعب والأكثر استبعادا للحدوث . والأمر مفهوم وواضح للجميع لماذا لن يحدث من جهة اسرائيل العنصرية وحكومتها المتطرفة التي لا تؤمن بوجود الفلسطينيين أصلا. أما لماذا لن تضغط امريكا على اسرائيل للشروع في مسار حل الدولتين ففيها وجهة نظر: الولايات المتحدة سبق أن انخرطت /منذ أعوام/ بجهد كبير في مسار هذا الحل لضمان شيئين :

الاول : امن اسرائيل حيث كانت عملية السلام ومسألة حل الدولتين تندرج ضمن مصالح الامن القومي الامريكي في الشرق الاوسط من خلال ضمان امن وديمقراطية اسرائيل. وفي أساس الفكر الأمريكي فإن إعطاء دولة للفلسطينيين من شأنها القضاء على الصراع المسلح بين الفلسطينيين والاسرائيليين من جهة، وتأكيد ديمقراطية اسرائيل أمام الغرب والعالم من جهة ثانية، فمن غير المعقول أن دولة تدّعي انها ديمقراطية وفي نفس الوقت تحتل أرض ليست لها وتهجر شعبها. كذلك الحفاظ على استقرار المنطقة من جهة ثالثة وجميعهم يصبون في بوتقة الامن القومي الامريكي والمصالح الاستراتيجية.

الثاني : المحافظة على توازن تحالفاتها مع العرب والاسرائيليين معاً حين كانت مصالحهم متناقضة. الأمر الذي ترتب عليه بذل جهد وبحث حل للقضية الفلسطينية وكان بالفعل عبر مسار السلام وإطلاق حل الدولتين .
أما اليوم فبعد اختفاء التهديدات لاسرائيل، والتقارب الاسرائيلي/ العربي الذي جاء بعيداً عن جهد امريكي فعلي، إنما في اطار تغيرات جيوسياسية في المنطقة ابرزها التهديد الايراني والانسحاب الامريكي ونتاج فوضى الربيع العربي وحين شعرت اسرائيل أن تجاوز الفلسطينيين هو امر قابل للحدوث. اتجه الفكر الامريكي للاعتقاد بأن بذل الجهود والموارد لعملية سلام والضغط على اسرائيل من أجل حل الدولتين لم يعد له ذلك الزخم الاستراتيجي كما كان سابقا .. لذا نتطلع للسعودية الدولة الكبرى لأن تبقى متمسكة برأيها الحازم في مسألة حل الدولتين كشرط للتطبيع..